تكوين
(1) مدخل
قدم الفيلسوف المصري المعاصر زكي نجيب محمود (1905-1993)، ضمن إسهاماته الفكرية والثقافية المتنوعة، ثلاثةَ كتب تجمع معًا بين تجلية تكوينه الذاتي وجلاء مكوِّنات تشكُّل موقفه الفكري ورؤيته الثقافية، وهي: “قصة نفس”(1965) و(1983)، و”قصة عقل”(1982)، و”حصاد السنين”(1991). وقد وصفها تلميذه المفكر عاطف العراقي (1935-2012) بأنها تشكِّل معًا سيرة ذاتية وفكرية(1).
ويتمثل الخيط الأساسي الجامع بين هذه الكتب الثلاثة في استمداد الكاتب مادتها من مجموعة من العناصر التي تعد وقائع من مسيرته الحياتية؛ لاسيما حين كان يقدمها تقديما يحمل من العلامات ما يؤكد كونها من تلك الوقائع التي عاشها الكاتب بالفعل. وإن كانت ثمة فوارق متعددة بين “قصة نفس” من ناحية و”قصة عقل” و”حصاد السنين” من ناحية أخرى، أبرزها أمران، وهما:
- تقديم الكاتب في الكتابين الأخيرين رؤاه الثقافية والفكرية لمجموعة من القضايا الأساسية في الثقافة وفي الحياة المصرية والعربية الحديثة والمعاصرة تقديمًا مباشرًا مما يعد منحى مختلفًا، إلى حد كبير، عن منحاه في “قصة نفس”.
- وكون نص “قصة نفس” قد صاغه الكاتب مرتين، في عامي 1965 و1983، صياغتين مختلفتين بينهما عناصر مشتركة من جانب وعناصر متغايرة من جانب آخر؛ وذلك ما يثير لدى قارئه الرغبةَ في الوقوف على أسباب المغايرة ومظاهرها بين هاتين الصيغتين.
وتسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة ثقافية لنص “قصة نفس” بوصفه سيرة ذاتية وفلسفية، ومن ثمَّ تعمل على الكشف عن طبائع شعرية كتابة السيرة الذاتية بوصفها قصًّا فلسفيًا، وبيان أنماط الخطاب السير ذاتي فيها وكيفيات صياغته، واستكشاف الطرائق الجمالية التي اعتمد عليها زكي نجيب محمود في تشكيل هذا النص وصُنع بنيته، وجلاء العلاقات الكامنة بينها وبين الرؤية الثقافية الضمنية للكاتب، وتجلية أنماط “التمثيل” ووظائفه في أبنية النص وفي بلورة مشكل الهوية التي عُني الكاتب بتجليته في هذا النص.
(2) “قصة نفس”: الموجِّهات القرائية بين خطاب المقدمة وعلامات الكتابة
خلت الطبعة الأولى من “قصة نفس” عند صدورها في عام 1965 من أية مقدمة أو تقديم. ولقارئ كتابات زكي نجيب محمود أن يشير إلى أن هذه الطبعة، التي صدرت في بيروت، كانت تعد المرة الأولى التي ينشر فيها واحدًا من كتاباته خارج مصر. وحين صدرت الطبعة الثانية من “قصة نفس” في عام 1983 حملت مقدمةً قصيرة في صفحتين يستطيع القارئ الآني أن يصفَها بأنها عتبةٌ نصية دالة؛ إذ تتضمَّن مجموعةً من الأفكار التي تعدُّ موجِّهات قرائية لآفاق توقعات القراء الذين كان الكاتب حريصًا على توجيههم؛ خاصة أن زكي نجيب محمود كان قد قطع، في عقد ثمانينيات القرن العشرين، شوطًا طويلا يجاوز نصفَ قرنٍ في مضمار ممارساته الثقافية في سياقات الثقافة العربية المعاصرة مما شكَّل له جمهورًا ملحوظا من نخبة القراء؛ هؤلاء الذين تعلَّقوا بكتاباته لاسيما حين صار واحدا من كتَّاب جريدة “الأهرام” من النصف الأول من سبعينيات القرن العشرين؛ حيث كان يكتب مقالا أسبوعيا في عدد الثلاثاء، وكان هذا المقال يُنشر بالتزامن في ثلاث صحف عربية؛ مما يؤكد للناظر في وضعية الكاتب آنذاك أنه كان قد صار واحدًا من نخبة الكتَّاب الكبار العارفين بشئون الثقافة العربية وقضاياها.
وفي تلك المقدمة القصيرة كشف الكاتب بوضوحٍ عن أمورٍ نراها بمثابة مبادئ حاكمة لكتابته تلك من ناحية، وموجِّهات قرائية لفهم النص وتفسيره وتأويله من جهة قرائه من ناحية ثانية. وقد تمثل المبدأ الأول في أن “قصة نفس” قامت روايتُها على ما وصفَه الكاتب بأنه “مبدأ فني” مفاده (أن يروي قصةَ تلك النفس من الباطن لا من الظاهر، بمعنى أن يكون محورُ الاهتمام بالخلجات الداخلية قبل أن يكون بالأحداث الخارجية)(2).
وهذا ما يبين بوضوحٍ أن عناية الكاتب والراوي، والذي هو المرويُّ عنه في الآن ذاته، ستتوجه صوبَ تجلية “الخلجات الداخلية”؛ أي تلك المشاعر والأحاسيس الداخلية للمروي عنه بما يكتنفها من اضطرابٍ وتحوِّلٍ وتعارضٍ تشكِّلُ كلُّها معًا ما يمكن وصفه بأنه “دراما الداخل” التي تثيرها مفردةُ “خلجات” بكل ما تنطوي عليه من دلالات الاضطراب، والحركة، والانشغال، والتحريك وغيرها من الدلالات(3) التي تؤكد فيضانَ النفس بمشاعر متعددة ومتضاربة، وبكونها لا يكاد يقرُّ لها قرار. ولكن تلك “الخلجات” لا يشعر بها إلا صاحبُ التجربة نفسَه ووحده فقط لأنها نتاجٌ للمواقف المختلفة التي يحياها مع الآخرين مما يشكل “وقائع” حياته التي يعرفها من اتصلوا به، ومن ثمة وجد الكاتبُ نفسه مدفوعًا إلى تبرير لجوئه إلى صيغٍ من “الترميز” في صياغته مجموعة من المواقف؛ فكان ذلك هو المبدأ الثاني الذي بيَّنه الكاتب حين قرَّر أنه (لما كان جزءٌ كبيرٌ من خلجات النفس في استجابتها للظروف والعوامل المحيطة بها، هو مما يودُّ صاحبُ تلك النفس أن يخفيَه عن الناس، فقد اضطُر الكاتب إلى اللجوء إلى الرمز، فلا الأشخاص يذكرُهم على حقائقهم وأسمائهم، ولا الأحداث نفسُها يصوِّرها دائمًا كما وقعَتْ بالفعل. غير أنه – أعني الكاتب- كان كلَّما أحسَّ أن الرمز قد تكثَّفَ حتى كاد يفقدَ شفافيتَه ودلالته، تعمَّدَ أن يُلقي في سياق الحديث اسمًا ما أو حادثةً معينة بحقيقتها التاريخية الصحيحة، بغيةَ أن يشدَّ القارئَ من عالم الوهم إلى دنيا الواقع)(4).
ويتضمن هذا المبدأ عدة دلالات، وهي: أن “خلجات النفس” التي يصوِّرها ذلك القصُّ الذاتي الذي تقدمه “قصة نفس”، قد تولَّدت إمَّا من داخل هذه النفس وإمَّا من تفاعلها مع السياقات التي تحركت ووُجِدتْ فيها، وذلك التفاعل هو الذي اضطُرَّ الكاتب إلى “الترميز” حيث يتجنَّب ذكرَ الأشخاص على حقائقهم وأسمائهم؛ وذلك حفاظًا على مواضعات التلقي الاجتماعية – في سياق تقديمه خطابه – التي ترى أن “الحديث” الصريح عن “سلبيات” الأحياء ووجوه “النقص” في مسالكهم التي سلكوها في علاقتهم بالآخرين ليس مقبولا لكونه نوعًا من “التعريض” الصريح بهم. ولهذا وجد الكاتب أن “الترميز” وسيلةٌ ملائمة للتغلب على تلك العقبة الثقافية بأبعادها الاجتماعية المؤثرة. ومن ثم كان لجوؤه إلى التعويل على “الترميز” دالا على أن ذلك “الترميز” أداة فنية ووسيلة بنائية لتحويل مجموعة من الوقائع التي وقعت بالفعل فصارت “ثابتة” في مسيرته الحياتية إلى مادة مهيَّأة للإدراج في بنية “قصة نفس”. ولعل القارئ المتصل بكتابات زكي نجيب محمود المختلفة يستطيع أن يستكشف بعضَ “الأصول” الحقيقية لعديد من المكوِّنات الرمزية في “قصة نفس”؛ وذلك من مقارنتها بأشباهها التي قدَّم فيها زكي نجيب محمود تلك “الوقائع” بعناصرها الحقيقية وأسماء أشخاصها في بعض الصيغ التي قدم فيها سيرتَه الذاتية تقديمًا مباشرًا على نحو ما سيتضح في فقرة تالية.
وثمة دلالة أخرى لذلك المبدأ الثاني فحواها أن إدراك الكاتب أن “الترميز” قد شكَّل أحيانا حجابًا يحول بين القارئ وإدراك أبعاد الإحالات الضمنية إلى أشخاص حقيقيين من ذوي الصلة بالكاتب. وهذه الوضعية دفعت الكاتب إلى التعويل على كيفيةٍ تضمن تغلُّبَ القارئ على تلك العقبة التي تحول بينه وبين تلقي الرسائل الضمنية التي حمَّلها الكاتبُ نصَّه “سيرة نفس”؛ وذلك عبر تقديم الكاتب حوادث (بحقيقتها التاريخية الصحيحة) كي يستعيد الكاتبُ القارئَ من “عالم الوهم” حيث التخييل الذي يصنعه القصُّ، بوصفه من أقوى أدوات التخييل، إلى “دنيا الواقع” بكل ما فيها من أشخاص ذوي وجوه متعددة من النقص والسلب السلوكي والأخلاقي. وهذا ما يعدُّ واحدة من الآليات التي عوَّل عليها زكي نجيب محمود في صياغته عديدًا من المواقف أو اللحظات التي سردها في “قصة نفس”؛ حيث كان الراوي ينتقل من أطر العالم المتخيل الذي يصنعه الكاتب عبر تحويله مادة ترجمته الذاتية إلى عناصر مُسهمة في تشييد بعض جوانب ذلك العالم المتخيل، وهو انتقال دال على سعي الكاتب إلى إعادة القارئ من آفاق التخييل إلى رحاب واقعه هو. وهذا ما ستتضح عناصره وآثاره في فقرة قادمة.
وأمَّا المبدأ الثالث من المبادئ الحاكمة لكتابة “قصة نفس” في طبعتها الثانية، والموجِّهات القرائية لتفسير نصها وتأويله؛ فهو جانبٌ من الجوانب التي نالت اهتماما من الكاتب في صياغته الثانية لها، وهو التغلبُ على ما برز في الصيغة الأولى (1965) من كون (انتقالها من خفاء الرموز إلى صراحة العلانية كثيرًا ما جاء انتقالا مفاجئًا يُحدث ما يشبه الصدمةَ عند القارئ)(5). وإذا كان إدراك الكاتب كونَ ذلك “الانتقال” من “خفاء الرموز” إلى “صراحة العلانية” يعدُّ مبررًا من مبرِّرات التعديلات التي أحدثها في الطبعة الثانية من “قصة نفس” فثمة مبرراتٌ أخرى ذات أهمية بالغة من حيث دلالتها على رؤية الكاتب لبعض القيم الفنية أو الجمالية التي يراها جذريةً في مختلف الأنواع الأدبية فقد أكَّد الكاتب بصدد “قصة نفس” أن (الوحدة الفنية فيها لا تخلو من تفكُّك)(6)، ولا يستطيع قارئ إنتاج زكي نجيب محمود في مجالاته المختلفة، لاسيما مجالي الأدب والنقد، إلا أن يؤكد أن حرصه على مبدأ “الوحدة الفنية” يتصل بقيمة من القيم الجمالية الأساسية التي ألحَّ عليها في نظريته النقدية في مختلف كتاباته وهي قيمة “البناء” أو “الشكل”.
ويتجلى المبدأ الرابع في مبرر آخر دفع الكاتب إلى إجراء تعديلات في الصيغة الأولى من “قصة نقس” يتمثل في ما رآه من (استرسال القصة في ذكر جوانب من تلك النفس لم يكن ينبغي لها أن تجاوِزَ محابسَها لتصبحَ طليقةً في الهواء أمام الأبصار)(7). ولعل مثل هذا المبرر يعد دالا كاشفًا بوضوح عن أن الكاتب يرى أن الإفاضة الشعورية بما في النفس في أنسجة الخطاب السير ذاتي ليست مطلقة بما إن لها حدودًا يحسُن بالكاتب ألا يتجاوزَها. ويعد هذا المبدأ واحدًا من موجِّهات قراءة نص “قصة نفس”؛ لأنه يدعو القارئَ إلى ملاحظة الفروق المتعددة بين طبعتيه، كما يحفِّزه إلى توقُّع أن تكون “التعديلات” و”المحذوفات” في الطبعة الثانية قد طالت مقاطع وفقرات تجلِّي إفاضات شعورية بما في نفس الكاتب.
ولتلك الأسباب المتعددة التي تتضَّمن مبررات فنية وثقافية ذات أبعاد اجتماعية قدم زكي نجيب الصيغةَ الثانية من “قصة نفس” عام 1983، وذلك ليضيف إلى نصه مجموعةً من “الخبرات” و”الخلجات” و”الارتعاشات” التي حصَّلها خلال العقدين المنصرمين بين تقديمه الصيغة الأولى وتقديمه تلك الصيغة الجديدة والمعدَّلة. ومن ثم فقد نصَّ على أن الصيغة الثانية قد حذَف منها فصولا من الطبعة الأولى، وأضاف إليها فصولا جديدة، كما أن الفصول الباقية قد أدخل عليها “تعديلات كثيرة”. وهذه كلها جوانب سنتوقف أمامها في موضع تالٍ. غير أن ثمة أمرًا نراه بالغَ الأهمية، في هذا السياق، من حيث دوره في توجيه القارئ إلى تبين العلاقة بين الصيغة الثانية من نص “قصة نفس” ونص “قصة عقل”(1982) يتمثل فيما ذكره الكاتب صراحةً من أن أقوى الدوافع التي دفعته إلى إخراج تلك الصيغة الثانية يعود إلى أنه (كان قد فرغ لتَوِهِ من كتابة قصة أخرى يروي بها حياةَ “عقل ما” كيف سارت وكيف تطورت، وهو يعلمُ أن بين تلك “النفس” وذلك “العقل” شيئًا ما من صلة القُربى)(8). ولعل هذا ما يعني، بقدر ملحوظ من الوضوح، أن إصدار الكاتب نصَّ “سيرة عقل” كان دافعًا قويًا من أبرز الدوافع التي دفعته إلى إجراء تعديلات متعددة في نص “قصة نفس”؛ وذلك ما يمثل، فيما نرى، موجِّهًا من أبرز موجِّهات قراءة نص “قصة نفس” في صيغته الثانية؛ إذ يشير بقوةٍ إلى وجود صيغٍ من الترابط والتكامل بين نصيّ “قصة نفس” و”قصة عقل”.
وتعد تلك الموجِّهات القرائية التي كشف عنها خطابُ المقدمة في الطبعة الثانية من “قصة نفس” نمطًا من الموجِّهات القرائية التي تواجه قارئ هذا النص. وثمة نمطٌ آخر من الموجِّهات ينتج من تأمل طريقة صياغة هذا النص بما يكشف عن ثلاث علامة كبرى يمكن وصفها بأنها “علامات الكتابة”، وهي: أثر عناصر البناء الروائي في بنية النص أو تشكيله، ومحورية “التمثيل”، وغلبة “التحليل” على منحى الكاتب في التعامل مع مادة سيرته الذاتية. فهذه الموجِّهات تعد نمطًا من المحدِّدات التي يفرضها هذا النص ببنائه وتشكيله الفني على القارئ، وهي:
- إن المادة الرئيسية التي تقدمها هذه الفصول التسعة هي سيرة زكي نجيب محمود من اللحظات الأولى التي بدأ وعيه بالعالم يتكون وهي اللحظات التي استعاد بعضًا منها مما بقي في ذاكرته، وانتهاء ببداية ثمانينيات القرن العشرين حين شرع يعيد صياغةَ سيرته مرة أخرى. وقد صاغ ما قدَّمه من وقائع سيرته الحياتية عبر نظام صارم يستطيع القارئ أن يضع يديه على تفاصيله من ملاحظته أن تلك الوقائع قد استعادها الكاتب طبقا لانتمائها إلى مراحل حياته بدءًا من الطفولة والفتوة ومرورًا بالشباب والرجولة ثم مرحلة الشيخوخة؛ ولم يبدأ الكاتب في تقديم تلك التفاصيل من الفصل الأول بل أجَّلها إلى الفصل الثاني لضرورة فنية تتصل بالبنية السردية الأساسية التي صاغ فيها سيرته، وهي بنية لا يشكُّ القارئ المتأمل فيها أنها بنيةٌ كاشفة عن تأثر الكاتب القوي بعديد من عناصر البناء الروائي مثل عنصر التشويق وكيفية إحداثه وكيفية تفعيله، وعنصر كيفية تقديم الشخصية لاسيما شخصية “الأحدب” بوصفه الشخصية الرئيسية، وعنصر كيفية اصطناع المفاجأة بوصفها تقنية فنية تسهم في تحويل مسار الحدث. ولعل مختلف تلك الظواهر تتيح للقارئ إمكانيةَ تلقي نص “سيرة نفس” بوصفه سيرة ذاتية تتداخل بقوةٍ شكل أو صيغة الرواية في عديد من عناصرها وفي عديد من طرائق صياغتها، غيرَ أنَّ ما يباعد هذا النص عن الاندراج التام في صيغة الرواية تلك ظاهرتان بارزتان فيه، وهما: غلبة التحليل الفكري غلبةً واضحةً على طرائق عرض الكاتب مختلفَ المواقف التي عرضها، ومحدوديةُ التخييل التي بدا الكاتب حريصًا على إظهارها في عرضه مختلف التفاصيل؛ وكأن ثمة افتراضًا ضمنيًا كان ينطلق منه وهو ذلك التعارض بين “مصداقية” السرد السير ذاتي من ناحية وفعالية التخييل من ناحية ثانية. ولعل إعادة النظر في نص “قصة نفس” تُظهِرُ بقوةٍ حرصَ الكاتب على أن يظل الخط الزمني، المتعلق بمتابعته عرض ما انتقاه من وقائع سيرته الحياتية “الحقيقية”، خيطًا سرديًا وزمنيًا يماثل مراحلَ حياته قد جعله حريصا في الفصول من الثاني إلى التاسع من فصول “قصة نفس” على أن يقدم في كل فصل قدرًا من وقائع مرحلته العمرية؛ ومن هنا فقد كانت وقائع الفصل الثاني من مرحلة طفولته الأولى ثم تتابعت وقائع مراحل حياته التالية في الفصول التالية لذلك الفصل، ومن ثم توقف في الفصل الأخير عند عدد من وقائع العقدين الأخيرين من حياته الأخير حتى لحظة صياغة “قصة نفس”(1983) صياغة ثانية؛ ولذا تضمن هذا الفصل مجموعةً موجزة من وقائع هذين العقدين، وقد بدا حرص الكاتب على أن يعرض تلك الوقائع عرضًا بالغ الإيجاز؛ وذلك ما جعل من المنحى الاختزالي منحى مؤثِّرًا في بنائه إياها.
- التمثيل: هو الأداة الرئيسية التي اعتمد عليها الكاتب في تعامله مع الشخصية الرئيسية في “قصة نفس” وهو “الأحدب” بمختلف تجلياته: “رياض عطا” و”إبراهيم” و”إبراهيم الخولي” و”فوزي الراوي”، وكذلك مع معظم الشخصيات الأخرى أيضًا. وقد برزت تأثيرات ذلك التمثيل في مواضع وفقرات كثيرة في هذا النص، كما برزت له تجليات عديدة أو متعددة في كثير من المواضع مما أكسب تجلياته تلك أهمية كبرى في صناعة بنية النص ودلالته. بل إن من الضروري تأكيدُ أن نصَّ “قصة نفس” إنما هو خطابٌ سِيريٌّ يقدم لونًا من السرد السير ذاتي في صيغة تمثيلية رئيسية تتغلغل في هذا الخطاب تغلغلا ممتدا وفاعلا وموجِّها ومؤثرًا في بنيته وفي توجيه الكاتب – وربما الراوي أيضا- نحو وجهات بأعيانها في الاختيار والتشكيل وإقامة البناء. ولعل هذا يعود إلى انتماء هذا النص إلى نمط “القص الفلسفي”، وقد كان لذلك الانتماء تأثيراته المتنوعة في البناء والدلالة على نحو ما سنبيِّن هذا في فقرات تالية.
- التحليل: هو المنحى الرئيسي المهيمن على طرائق عرض الكاتب مختلفَ المواقف التي عرضها؛ فليس ثمة موقف، أو لقطة، أو حكاية، أو لحظة عرضها الكاتب إلا متخذًا منها وسيلةً لممارسة تحليلاته؛ وذلك للكشف عن مكوناتها وأبعادها ودلالاتها المتعددة من منظوره هو.
وتعد تلك الموجِّهات القرائية بنمطيها علامات محفِّزة لبلورة “منهجية” قراءة ثقافية تبتغي تجلية وجوه شعرية كتابة السيرة الذاتية بوصفها قصا فلسفيا؛ بما يجعل من تحليل عناصر خطاب القص وتشكيلاته المختلفة كاشفًا عن جدل “الشعري” و”الثقافي” جدلا محقِّقًا لخصوصية ذلك الخطاب.
(3) “قصة نفس”: طبعتان أم صيغتان؟
تتألف “قصة نفس” في طبعتيها الأولى والثانية من تسعة فصول، كلٌّ منها يحمل عنوانا خاصا به، وتتقارب الطبعتان كميًّا إلى حد كبير جدا(9). وتتوالى الفصول في الطبعة الأولى مرتَّبةً وفقَ العناوين الآتية: “أحدب النفس“، و”حصان من الحلوى“، و”حلم ليلة في منتصف الصيف“، و”أطلال دوارس“، و”رماد يشتعل“، و”تزاحم الأضداد“، و”موت في أسرة الأحدب“، و”قلب يثور وعقل يطمئن”، ثم “انفصام التوائم“.
على حين تتوالى عناوين فصول الطبعة الثانية على النحو الآتي: “أحدب النفس”، و”حصان من الحلوى”، و”أطلال دوارس”، و”فاوست في قبضة الشيطان”، و”حلم ليلة في منتصف صيف”، و”الكاتب الظل”، و”موت في أسرة الأحدب”، و”التوائم الثلاثة”، ثم “شفق الغروب”. وبذلك تتكرر خمسة فصول في الطبعتين، وهي: “أحدب النفس”، و”حصان من الحلوى”، و”حلم في منتصف الصيف”، و”أطلال دوارس”، و”موت في أسرة الأحدب”.
وإذا كانت الفصول الأول والثاني والسابع قد ظلَّت كما هي بالترتيب نفسه في الطبعتين فإن الفصل الثالث في الطبعة الأولى “حلم ليلة في منتصف الصيف” قد صار الفصلَ الخامس في الطبعة الثانية، على حين أن الفصل الرابع في الطبعة الأولى “أطلال دوارس” قد صار الفصلَ الثالث في الطبعة الثانية. وأغلبُ الظن أن هذا التعديل في ترتيب الفصول يمكن أن يكون تحقيقًا لمبدأ “الوحدة الفنية” الذي أكَّد الكاتب أنه واحدٌ من مبررات صياغته الصيغةَ الثانية من نص “قصة نفس”. وقد حذف الكاتب الفصولَ الأربعة الباقية من الطبعة الأولى وهي فصول: “رماد يشتعل”، و”تزاحم الأضداد”، و”قلب يثور وعقل يطمئن”، و”انفصام التوائم”. على حين أنه وضع أربعةَ فصولٍ جديدة بدلا من تلك التي حذفها، وهي: “فاوست في قبضة الشيطان”، و”الكاتب الظل”، و”التوائم الثلاثة”، و”شفق الغروب”.
ولعل من أقوى المبررات لإضافة ثلاثة فصول من تلك الفصول الأربعة الجديدة إلى الطبعة الثانية من “قصة نفس” رغبةَ الكاتب في إكمال سيرته الذاتية الباطنية؛ فما بين عام 1965 تاريخ صدور الصيغة الأولى وعام 1983 تاريخ صدور الصيغة الثانية ثمة فترةٌ زمنيةٌ مدُّتها سبعةَ عشرَ عاما استجدَّت فيها في مسيرة زكي نجيب محمود الحياتية والثقافية والفكرية أمورٌ متعددةٌ بالغة الأهمية – من قبيل رحلته للعمل بجامعة الكويت (1968-1973) التي منحته فرصةَ العكوف على قراءة التراث العربي في مجالاته المختلفة مما أتاح له تعديلَ عديدٍ من أفكاره المتصلة به- ولذا رأى أنها جوانب واجبةُ الإضافة إلى تلك الصيغة الثانية، كما أن هناك بعض الجوانب التي عالجها في الصيغة الأولى تحت إطار “الترميز” قد صار بإمكانه معالجتُها بطرائق أخرى فيها قدرٌ ملحوظ من “التصريح” أو “الاقتراب درجاتٍ من التصريح” بسبب وفاة بعض الشخصيات التي رَمَّز إليها في الصيغة الأولى مما منحه حريةً في تناولها في الصيغة الثانية، ولعل هذا ما يتضح – على سبيل التمثيل- في فصل “الكاتب الظل” الذي روى فيه مجموعةً من الوقائع الخفية، والمجهولة، الكاشفة عن عديد من المسالك السلبية التي اقترنت بسلوك بعض كبار المثقفين في ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته حيث احتكَّ بهم زكي نجيب محمود وشاركهم في عدد من الأعمال العلمية والثقافية المشتركة؛ مما جعله يعاين تلك السلبيات وهو يقطع المرحلة الأولى من مراحل عمله ونشاطه في مجال الثقافة(10).
ولعل جانبًا من أبرز جوانب الاختلاف بين هاتين الطبعتين يتضح من مقارنة نقطة “الختام” أو “الخاتمة” فيهما: ففي الطبعة أو الصيغة الأولى جاءت النهاية جزءًا من آخر فقرات الفصل التاسع حيث يصوِّر الراوي مسارَ “الأحدب” في حياته الخاصة التي انقسمت بين “الأدب” و”الحب”؛ إذ كان يواصل الكتابة الأدبية بمقالاته التي يدعو فيها إلى مقاومة الظلم ومناصرة كلِّ مظلوم، كان كما يدعو إلى قيمٍ جديدة تصلح لحياة جديدة. ومن اللافت لانتباه القارئ أن الراوي يعرض، في ثنايا حديثه ذاك، تلخيصًا لمقالين من مقالات زكي نجيب محمود في كتابه “جنة العبيط”(1947)؛ وهما مقالاه “ذات المليمين” و”البرتقالة الرخيصة”(11)، كاشفًا عن تغاير موقف ذلك الراوي من نفسه؛ إذ تتبدى لها في داخله صورتان متناقضان يرجع تناقضُهما إلى اختلاف منظوره الذاتي إلى تلك النفس، أو إلى أي الجانبين من نفسه يوجِّه النظرَ؛ (فإذا نظر إلى نفسه من خارجٍ يراها واحدةً من مجموعة أنفسٍ تحيطُ بها في المجتمع الذي يعيشُ فيه، رآها خفيفةَ الوزن في أعين الناس قليلةَ الشأن في اعتبارهم فيحدث له القلقُ ويصيبه التمزُّقُ بين ما يظنُّه في نفسه وما يظنُّه الناسُ فيه)(12) ومن هنا كانت إحالته إلى هذين المقالين؛ فكلٌّ منهما يقدم واحدةً من هاتين الصورتين.
وأمَّا في جانب الحبِّ فإن “الأحدب” قد رأى في مرور عام على وفاة صديقه “مختار” فرصةً مواتيةً لطلب الزواج من حبيبته “سميرة” زوجة ذلك الصديق الراحل، فتقدم لها بالفعل لكنها رفضت مستنكرة: (نتزوج؟! ماذا أصابَكَ من خبلٍ؟ أنسيتَ أنَّي أمٌّ وجدَّة؟!)(13). ويحدِّثنا الراوي في السطور الأخيرة من “قصة نفس” عن النهاية التي انتهى إليها “الأحدب” ولعلها تلك النهاية التي تردّنا، و تردُّ القارئَ أيضًا، مرةً أخرى إلى البداية التي بدأ منها ذلك “الأحدب” في الصفحات الأولى بالفصل الأول من “قصة نفس”؛ حيث يروي الراوي: (ومرَّت أسابيعُ لا يدري أحدٌ عنه شيئًا، حتى عنَّ لحسام أن يقصد إلى المكان الهادئ القديم خارجَ المدينة، وهناك وجد الأحدبَ كما وجده في أول مساءٍ لقيه فيه، ورأى ظهرَه قد ازداد تحدُّبًا وتقوُّسًا، كما ازداد وجهُه جهامةً وعبوسًا، فسأله في ذهول:
- ماذا دهاكَ يا رياض؟
- هو عبءُ الحياة، فالحياةُ – كما حدَّثُتَكَ ذات يوم – عبئُها ثقيلٌ على مَنْ أصابَه في الحياة خذلان)(14).
وبذلك يعود “الأحدب” في النهاية إلى الموقف الذي بدأت منه حكايته في “قصة نفس”؛ إذ يقدم تفسيرَ الحدَب بأنه نتاجٌ لتحمُّله لأعباء الحياة؛ فزيادتُه علامةٌ دالّةٌ على ازدياد وطأة تلك الأعباء؛ وبذلك يتأكد تحقق الدلالة التمثيلية الأساسية التي حملتها صفةُ “الحدب” من بداية “قصة نفس”. ولعل تلك العودة إليها في السطور الأخيرة من القصة دال على مسعى الكاتب إلى ترسيخ تلك الدلالة في أذهان القراء؛ وذلك “تمثيلا” لدلالة من الدلالات الرئيسية التي عمِل الكاتب على ترسيخها في وعي أولئك القراء.
وأمَّا النهاية في “قصة نفس” في طبعتها أو صيغتها الثانية فقد جاءت مُطوَّلةً في ست صفحات تحمل عنوان “خاتمة”، وهذا العنوان يعدُّ عتبة دالة على منحى مختلف عن منحى ختام “قصة نفس” في طبعتها الأولى؛ إذ تجيء تلك العتبة حاملةً لوظائف تجمع بين الشرح والتفسير؛ ففيها يتوجَّه الكاتب إلى القارئ مباشرةً كي يشرحَ ويفسر أمرين، وهما: خصائص تلك النفس التي روى قصتَّها في فصوله السابقة، والعلاقة التي تربط بين النفوس الثلاثة “الأحدب” الذي يمثل الانفعال، و”إبراهيم الخولي” الذي يمثل “العقل”، ثم “الأحدب” الذي وصفه الراوي بأنه (الذي يساير الناسَ فيما تواضعوا عليه، وهو الذي ينتمي إلى أسرةٍ وإلى أصدقاء وإلى وطن)(15). وهذه الخصائص أربعة، وهي: أن هذه النفس في خصومةٍ دائما مع نفسها، وقلَّما وجدت من حياتها لحظةً تصالحت فيها مع ذاتها، وهي نفسٌ تميل إلى الانطواء والفرار والتخفِّي لكنها تتصف بالشجاعة والجرأة والعلانية الصريحة فيما تكتبه وتنشره على الورق، وسرعة انتقال تلك النفس من البِشر والبشاشة إلى الجهامة والعبوس، ثم شدَّة التواضع ولكن تواضع تلك النفس ليس تواضعًا غيرَ مشروط بل هو تواضعٌ مقيَّدٌ بظروفه؛ (فهو تواضعٌ بلا حدودٍ أمام الضعفاء غيرِ الأدعياء، وأمَّا إن صادفتْها شخصيةٌ معتديةٌ، لجأتْ إلى الانسحاب حتى لا تضعفَ أمامها فتؤكلَ، وقلَّما لجأتْ إلى مواجهة اعتداء باعتداء، وقد لا يكون ذلك عن عفَّةٍ بقدر ما يكونُ عن شعورٍ بالنقص والعجز)(16).
ولعل من أشدّ ما يُلفت انتباه القارئ هي تلك الكيفية التي سلكها الكاتب وهو يقدِّم الخصائصَ التي تميز تلك النفسَ التي أدار حولها نصُّ “قصة نفس”؛ وهي كيفية تأسَّست- فيما نرى- على وضع مسافةٍ يُوحي النص دائما – في مواضع كثيرة – أنها كانت كبيرةً، ومتسعةً، وذاتَ تنوع- بين ذات الكاتب وموضوعه الذي هو تحليل نفسه وتجلية مكوناتها على تنوعِّها وتعدُّدها وتصارعها. ولعل الحفاظُ على وجود تلك المسافة يعد، فيما نرى، علامة دالة على فاعلية “التمثيل” بوصفه آلية محورية في بناء خطاب “قصة نفس”.
ولمَّا كان الكاتب حريصًا على تفسير تلك الخصائص فإن الطابع التمثيلي الذي تحمله تلك النفس بأشخاصها الثلاثة قد جعله معنيًا أيضًا بتجلية “الوحدة” التي تجمع تلك الأبعاد الثلاثة لهذه النفس؛ أي أنه كان معنيًا ببيان تحقق الرابطة التي تربط تلك التجليات الثلاثة معًا مؤكدا اتصالَها معًا؛ ومن ثم عُني بالتوجه المباشر إلى كلٍّ من القارئ الضمني والقارئ التاريخي توجُّهًا شارحاً ومفسِّرًا، وغلب على ذلك الشرح أسلوبُ الشرط التي يؤكد البعد التعليمي فيما يطرحه الكاتب، وهو بعدٌ بقدر ما يعلِّل للقارئَ ويُقنعُه بتحقق “الوحدة” بين تلك التجليات فإنه يسهم أيضًا في إضاءة مفهوم “الهوية” التي تنضوي عليها تلك النفسُ، ومن ثم صار المنحى المنطقي غالبًا على ذلك الخطاب الشارح الذي توجَّه به الكاتب إلى المتلقين؛ إذ قال: (إنَّ من لا يعرف من الناس ثالوثَنا في تباينِه تباينًا تتكاملُ فيه الأجزاءُ، يُدهشه أن يرى تلك النفسَ جادةً غايةَ الجدِّ بعد أن رآها عابثةً كلَّ العبث، أو أن يراها عابثةً بعد أن رآها جادةً: يُدهِشُه أن يراها وكأنها قلبٌ كلُّها لا تعرفُ إلا حرارةَ العاطفة وقوةَ نبضِها بعد أن كان رآها فخُيِّلَ إليه أنها عقلٌ ولا شيءَ فيها إلا العقلَ الذي لا يلينُ مع الحبّ ولا يضعُفُ مع الميل)(17).
لعل تلك المقارنة بين طبعتي “قصة نفس” تشير إلى أننا لسنا أمام محض تعدّدٍ في طبعات نص واحد، وإنما نحن بإزاء صيغتين مختلفين من ذلك النص ترتبط كلٌّ منهما بسياق تقديمها بوصفها رسالةً من الكاتب إلى قرائه؛ ومن ثم مثَّلت الإضافات التي أدخلها الكاتب في الطبعة الثانية، كما مثلت التعديلاتُ التي أجراها عليها أيضًا، علاماتٍ مؤكِّدةً لكون تلك الطبعة الثانية صيغةً جديدة من نص “قصة نفس”، وهي بقدر التقائها مع الصيغة الأولى في مجموعة من العناصر الأساسية في البناء وفي عدد من الظواهر البنائية، فإنها تعدُّ في الوقت نفسه صيغةً جديدة لا تكتفي بتقديم إضافات مأخوذة من مسيرة الكاتب الحقيقية أو “التاريخية” بل صارت كاشفةً عن تلك التبعية التي تجمعها مع نصيّ “قصة عقل” و”حصاد السنين” ليس فقط لكون عناصر السيرة الذاتية الفعلية التي تمثل “المرجعي” في بنية تلك السيرة مكونًا أساسيًا فيها جميعًا، بل لكون تلك النصوص الثلاثة تترابط معًا عبر آلية “الإحالة” التي اعتمد عليها الكاتب اعتمادًا كبيرًا حيث كان يحيل، في مواضع كثيرة في تلك النصوص، إلى كتابات أخرى له مما جعل تلك الآلية تقنية راسخة وفعَّالة في اتصال هذه النصوص الثلاثة التي تشكل سيرةً ذاتيةً لاسيما في “قصة نفس” وسيرةً فكريةً في “قصة عقل” و”حصاد السنين”. ولكن تلك السيرة الذاتية تكتسب خصوصيتها الجمالية والثقافية من زاوية أخرى، وهي زاوية المكوِّن الفلسفي الساري بعمقٍ في طبقات أبنيتها المتعددة. وذلك ما يتيح لنا وصفَها بأنها سيرة ذاتية فلسفية تلتقي مع نصوص أخرى تندرج في إطار ذلك النوع الأدبي.
(4) القص الفلسفي بين “حي بن يقظان” و”قصة نفس”: مشتركات وفوارق
يكتسب نص “قصة نفس” بوصفه سيرة ذاتية جوانب عديدة من خصوصيته من اندراجه في إطار “القص الفلسفي” الذي نعني به نمطًا من القص الذي تقوم بنيته السردية على صياغة خطاب سردي يعتمد، في الأساس، على تفعيل آليات “التمثيل” التي تنشط في أبنيته لكونه خطابا يهدف إلى تقديم موقف فلسفي لمنتجه الذي يعمد إلى صناعة حكاية بما فيها مقومات أساسية في القص من قبيل الأحداث والشخصيات والوحدة الناتجة من وجود عالم متخيل، بمعنى ما، تجسده تلك الحكاية دون أن يفقد ذلك العالم المتخيل سمات مشابهته لعالم الواقع. ويعد هذا الموقف الفلسفي المقومَ الأساسي للنص من ناحية، كما يعدُّ تجسيده هو الدافع الأساسي للكاتب لتقديم هذا النص من ناحية أخرى مما يجعله الموجِّه الأول للكاتب في صياغته خطابه السردي. ولعل الطبيعة الفارقة لهذا القص تتمثل في كون نصوصه قائمة على تحويل “مادة فلسفية وفكرية” إلى “مادة ذات طبيعة أدبية” قادرة على إمتاع المتلقين وتعليمهم. وهذا ما يتطلَّب اقتدارَ الكاتب على تطويع تلك المادة الفكرية- بطرائق شتَّى- لتكون مهيَّأةً للانخراط والتشكل في بنية نص أدبي.
ومن هذا المنظور يلتقي نص “قصة نفس” مع نصوص من قبيل “قصة حي بن يقظان” للفيلسوف الأندلسي ابن طفيل (- 581ه/ 1100-1185م)، و”روبنسون كروزو” لدانيال ديفو (1660-1731) في عديد من السمات الجامعة لذلك النمط من القص الفلسفي الذي تنضوي في إطاره أنماطٌ متعددة من الكتابات التي يمتزج فيها الخطابان الفلسفي والأدبي. ولكن الفارق الجذري بين “قصة نفس” وبينهما يتمثل في عدد من الملامح أبرزها: انطواء “قصة نفس” على حكاية قريبة من أبنيتها من الحكاية التي تتجلى في أشكال روائية متعددة من حيث وجود شخصية أساسية تدور حولها مجموعة من الأحداث مما يجعل من تلك الشخصية وسيلةً لتحقيق رباط ما بين تلك الأحداث، ووجود عدة شخصيات تُكمل بناء العالم السردي الذي تتحرك فيه تلك الشخصية الأساسية، ولكل واحدةٍ من تلك الشخصيات بعضُ سمات تميزها وهي سمات تنتج من وضعية الشخصية في حكاية تلك الرواية بوصفها تشكيلا لعالمها المتخيل ذاك. وإن كانت أبعاد هذا العالم المتخيل تظل مقيَّدةً بأطر صياغة السيرة الذاتية مما يقيِّدُ حدودَه، كما أن معظم شخصيات النص تعد تمثيلات لفكرة أو لموقفٍ ما ممَّا يجعلها، في كثير من المواقف، محض “أصوات” في إطار ذلك العالم المتخيل الذي ينشئه النص.
ولعل قرْن “قصة نفس” بكل من “حي بن يقظان” و”روبنسون كروزو” يعود إلى كون هذه النصوص تتلاقي جميعًا معًا في ماهية القص الفلسفي الذي يجعل من “التمثيل” بآلياته المختلفة، وما ينتج عنها من تأثيرات في أبنية النص وخطابه ودلالات، العنصرَ الأساسي والفعَّال في تشكيل تلك الأبنية. فمثلُ هذا النص بنية ذات مستويات متعددة في دلالتها حيث تظهر في المستوى الأول حكايةٌ تحمل- في ثناياها وفي طرائق صياغتها- ما يدلِّل على إحالتها إلى مستويات دلالية أخرى مما يتيح للقارئ التعويلَ على التأويل لاستكشاف تلك المستويات ووضعها في إطار سياقات داخل النص وسياقات أخرى خارجه لتنجلي أبعادُها المختلفة.
ولعل تلك الماهية تجعل من نصوص القص الفلسفي تحديًا يواجه قراءَها النقادَ الذين يعملون على تحليل أبنيتها وعناصرها السردية من جانب، واستكشاف المستويات الدلالية التي تنطوي عليها من جانب آخر، لاسيما أن السعي إلى تجلية هذين الجانبين ينهض على إقرار ضمني لدى أولئك القراء النقاد بالصعوبات التي تجبه مساعيهم لقراءة تلك النصوص مما يدفعهم إلى مجاوزة القراءات التقليدية التي لا يرى أصحابُها – في هذا النمط من النصوص- إلا جانبَها الفكري أو المضموني فقط. ولعل وعي عددٍ من النقاد المعاصرين الذي درسوا بعضَ نصوص هذا النمط- بذلك المشكل القرائي هو الذي أدَّى بهم إلى اصطناع “مداخل” جديدة، أو على قدرٍ من الجدَّة، لاستكشاف هوية تلك نصوص هذا النمط؛ وهذا ما نلحظه في قراءة كلٍّ من عبد الله إبراهيم وماري تريز عبد المسيح نص “حي بن يقظان”؛ فقد غلب على الدارسين من قبلهما النظرُ إليه بوصفه محض صياغة لرؤية ابن طفيل المعرفية، على حين رآه عبد الله إبراهيم (سيرة ذاتية- فكرية لابن طفيل، استعانت بالرمز والعرض والتمثيل، للتمويه على رؤية صاحبها الذي وجد أن هذا الأسلوبَ لا يمكِّنه من عرض رؤيته بيسرٍ فحسب، بل يجنِّبه أيضًا مخاطر كثيرة كانت محدقةً به، وكان هو في غِنى عنها في تلك الأصقاع التي هي الأندلس)(18). واستند في هذا إلى منهجه في قراءة هذا النص حيث نظر إليه (عبر منظورين متلازمين، هما عدُّ النص سيرة ذاتية – فكرية لابن طفيل من ناحية، ونصًّا ذاتيًا إشراقيًا يحمل سيرة المؤلف من ناحية أخرى، أفضى عبر الاستنطاق والتأويل، إلى الوقوف على جميع الإشارات والعلامات التي تغلِّب هذا الأمر وتفسيرها ضمن سياقاتها الدلالية والتاريخية والمعرفية، بما يجعل النصَّ نفسه إطارًا لبؤرةٍ خاصة، ولكن مموَّهة، هي التجربة الوجودية والفكرية للمؤلف)(19).
على حين تعاملت ماري تريز عبد المسيح مع نص “حي بن يقظان” بوصفه سيرةً ذاتية استعارية، واستندت في مفهومها لهذا النمط من السيرة الذاتية إلى تعريف “جيمز أولني” للتخيل الاستعاري (بأنه وسيلةٌ لإضفاء معنى على الوجود، أو لتكوين رؤية متجانسة للكون؛ فاستشفافُ معنى ما للوجود يستلزمُ إدراكَه في إطار نمطٍ متكامل. والاستعارةُ هي التي تجمعُ عناصر شتَّى في رباط متناسق، ولذلك يتيح التخيلُ الاستعاري أن يستشفَّ القارئ الحقيقة الكلية السامية النمط؟ المتكامل الذي له مغزى في سيرة المؤلف الاستعارية، بحيث يتمثَّله في حياته)(20). وإذا كانت قد جعلت من نصَّي “حي بن يقظان” و”روبنسون كروزو” من قبيل “النوع الأدبي الذي تحدده بأنه “السيرة الذاتية للهداية”، فإنها تؤكد أن مفهوم السيرة الذاتية لا يتحدَّد في هذا السياق(بالخصائص الشكلية أو الأفكار الرئيسية التي نجدها في السيرة الذاتية بشكلها التقليدي، بل يتسع ليشمل الأسلوبَ التي اتبعه الكاتبان في قراءة تجاربهما الشخصية على نحوٍ يتيح للقارئ ان يقرأ تجربتَه هو في النص، ومن ثم يستطيع أن يعايش تجربة الهداية نفسَها التي عاشها الكاتبان)(21).
ويلتقي نصُّ “قصة نفس” مع نصَّي “حي بن يقظان” و”روبنسون كروزو” من حيث اعتماده على “التمثيل” بوصفه آلية بنائية محورية في تشكيل النص وبناء علاقات عناصره وإنتاج دلالاته، ومن حيث اعتماده على تيمات رئيسية متواترة في هذا النمط من القصّ الفلسفي من قبيل “الاعتزال”، و”العزلة”، و”الغربة”، ومن قبيل اتخاذ مسالك البحث عن تحقيق “الهوية” موضوعًا للتأمل والتحليل. ولكن وجوه التلاقي تلك بين هذه النصوص لا تصرفُنا – بحالٍ من الأحوال – عن تجلية وجوه الفوارق بين “قصة نفس” و”حي بن يقظان”؛ إذ إن “قصة نفس” مقارنةً بنص “حي بن يقظان” تنطلق من مبدأٍ فني مغاير؛ فنصُّ ابن طفيل قص فلسفي، وتفسيره أو تأويله لدى عديد من قرائه المحدثين بأنه سيرة ذاتية يعني أنه يتضمن دلالات متعددة غير مباشرة منها كونه خطابًا عن الذات.
وأمّا نصُّ “قصة نفس” فهو يتبدى من البداية بوصفه سيرة ذاتية لكنها من منظور قراءتنا هذه ذات خصوصية مميِّزة لها تجعل من المقوم الفلسفي، وما يترتب على تفعيله من توجهات في الصياغة والبناء، سبيلًا من سُبُل تحقيق تلك الهوية. ومن زاوية أخرى يمكن القول: إن هذين النصين، أو الخطابين، يتبدآن من حيث كون كل منهما تشكيلا لغويا من منطلقين مختلفين؛ إذ يبدأ نص “حي بن يقظان” من المنحى الفلسفي الذي يتضمن في صياغته وبلورته الخطابية عدةَ مستويات تتيح تأويلَه على أن مستوى من هذه المستويات تنصرف الدلالة الممكنة فيه إلى كون هذا الخطاب سيرةً ذاتيةً رمزيةً أو تمثيلية، على حين يبتدئ نص “قصة نفس” من منطلق كونه سيرة ذاتية حديثة تجعل من خطاب الذات المباشر مستوى من مستويات تشكيلها، وتجعل من مستويات “الترميز” و”التمثيل” أيضا مستويات أخرى تخلع على النص طبقاتٍ من الدلالة التي تُغني النص أو الخطاب بأبعاد ينصرف بعضُها إلى الترميز بوصفه وسيلةً لإعادة صياغة بعض وقائع حياة صاحب السيرة لتبدو متحوِّلةً عن “أصول” أولى حقيقية بسبب قيود السياق الاجتماعي، على حين ينصرف بعضُها الآخر إلى تفعيل تقنيات “التمثيل” بوصفها تقنيات مرسِّخة لمجموعة من التمثيلات، الجزئية والكلية، التي تفضي إلى تشكيل مستوى جذري وراسخ في بنية النص من بدايته، وتؤدي من ثمَّ إلى التمكين لمستوى تمثيلي دلالي كامن في النص ومنتشرٍ في طبقات خطابه.
ولعل ثمةَ عوامل متعددة أسهمت في اختلاف نص “قصة نفس” عن غيره من نصوص القص الفلسفي السابقة عليه. ولعل أهمية هذه العوامل لا تعود إلى كونها تهيئ فقط للقارئ الوقوفَ على أسباب ذلك الاختلاف قدرَ ما تعود إلى كونها علاماتٍ تُسهم في اكتشاف بعض جوانب خصوصية ذلك النص. ولعل تقديم “قصة نفس” في النصف الثاني من القرن العشرين حيث كانت الرواية قد ترسَّخت في الأدب العربي الحديث يعد عاملا مساعدًا بمعنى في تقريب صياغة “قصة نفس” من الرواية.
غير أن ثمة عاملا حاسما لعب، فيما نظنُّ، الدورَ الأكبر في اقتراب “قصة نفس” من الرواية؛ وهو تلك الخبرةُ العميقة التي كان يمتلكها زكي نجيب محمود في مجال الكتابة الأدبية مما تجلَّى في كتاباته المقالية الغزيرة خاصةً؛ لاسيما في كتابه “جَنَّة العبيط”(1947) حيث قدم أشكالا متعددة ومتميزة من الكتابة المقالية التي جمعت بين تصوير مجموعة من النماذج الاجتماعية المستقاة من الواقع المصري، والتي أبرز بعضَها في صيغة “الصورة القصصية” أو المواقف التي صاغها صياغةً تجعل من “الحكي” عنصرًا أساسيًا من عناصر بنيتها تلك، كما جاءت مقالاته تلك نتاجًا للقلق الذي كان يستشعره من بعض أوضاع مجتمعه، فاتخذ من هذه المقالات وسائل أدبية يعبر بها عن سخطه على تلك الأوضاع سخطًا هادئًا يثير الفكاهةَ أو السخرية من الوضعية التي يتناولها في مقالته حتى أنه أكَّد أن (شرط المقالة الأدبية أن يكون الأديب ناقمًا، وأن تكون النقمةُ خفيفةً يشيعُ فيها لونٌ باهتٌ من التفكُّهِ الجميل)(22)، كما أكَّد أيضا أهميةَ تفعيل البعد السردي في طرائق صياغة المقالة الأدبية، بل إنه ألحَّ إلحاحًا كبيرا على ذلك الجانب؛ فقد رأى أنه وسيلة أساسية وفعَّالة لضمان إقبال القارئ على قراءة المقالة الأدبية؛ إذ دعا قائلا: (نريد من كاتب المقالة الأدبية أن يكون لقارئه محدِّثًا لا مُعلِمًا بحيث يجدُ القارئُ نفسَه إلى جانب صديقٍ يسامرُه لا أمامَ معلِّمٍ يعنِّفُه، نريد من كاتب المقالة أن يكونَ لقارئه زميلًا مخلصًا يحدِّثه عن تجاربه ووجهة نظره، لا أن يقفَ منه موقفَ الواعظ فوق منبره يميلُ صلفًا وتيهًا بورَعِه وتقواه، أو موقف المؤدِّب يصطنعُ الوقارَ حين يصبُّ في أذن سامعه الحكمةَ صبًّا ثقيلا، نريد للقارئ أن يشعرَ وهو يقرأُ المقالةَ أنه ضيفٌ قد استقبله الكاتبُ في حديقته ليمتِّعَه بحلو الحديث)(23).
وقد دعَّم تلك الخبرةَ الإبداعية خبرةٌ قرائية واسعة اكتسبها زكي نجيب محمود من صلاته المتعددة والمتسعة بالأنواع الأدبية المختلفة في الأدبين الأوربي والعربي مما تكشف عنها كتاباته، وكان يسندُ هذه الجوانبَ كلها المعرفةُ النقدية الخاصة باتجاهات النقد الأوربي ثم النقد العربي مما جعل زكي نجيب محمود يختار واحدًا من توجهات النقد الأدبي الحديث ويتبنى منظوراته النقدية وهو اتجاه النقد “الشكلي” الذي ينطلق من مبدأ أن الشكل هو جوهر الفن، ويؤكد أن (الوحدة العضوية بين أجزاء الأثر الفني هي سرُّ الإبداعُ الأدبي، “وأن” القيمة الفنية مرهونةٌ – وجودًا وعدمًا- بالوحدة العضوية حضورًا وامتناعًا)(24). ولعل هذه الخبرات الأدبية والنقدية المتسعة والعميقة من ناحية، والمتصلة بالتوجهات الأدبية والنقدية المعاصرة من ناحية أخرى قد أتاحت لزكي نجيب محمود أن يجعل من “قصة نفس” نمطًا من القص الفلسفي المتصل بعصره و المتصل بقوةٍ أيضًا بالرواية بوصفها نوعًا أدبيًا مما يعني اتصال نمط القص الفلسفي في إبداعه بتطورات عصره الأدبية والثقافية، ولعل ذلك ما جعله يختلف بقوةٍ عن أنماط القص الفلسفي الموروثة، كما جعله يمثل أيضا إضافةً نوعية إلى هذا النمط من القص الفلسفي الذي يجدل بين مكوِّنيه الفكري والأدبي.
(5) تشكيل الإطار السردي في “قصة نفس”: جدل الموجِّهات القرائية والمكونات والعلاقات والملامح
ثمة إطار سردي ينتظم في طيَاته نصُّ “قصة نفس” بفصوله التسعة من بدايتها إلى نهايتها، ولعل العنصر الرئيسي في هذا الإطار هو ذلك الراوي الذي يتوجَّه إلى القارئ الضمني من الصفحة الأولى من صفحات ذلك النص، لكنه يتشكل في أشخاص أو أصوات متعددة في مجرى السرد. وهذا الراوي صوتٌ يروي الحكايةَ الأساسية في النص، وهي الحكاية التي تمثل سيرة زكي نجيب محمود الحياتية. وثمة فاعلية دالة لأداتي “التمثيل” و”التحليل” في تشكيل أبنية ذلك الإطار السردي، وذلك ما يتيح للقارئ وصفَ هذه السيرة الذاتية بأنها سيرة تحليلية وتمثيلية معًا؛ فكلُّ منحى تحليلي انتحاه الكاتب واعتمد عليه لبيان مكونات الحادثة وأبعادها ودلالاتها كان يهدف به إلى تجلية المكونات التمثيلية فيما يقدمه، وبالمثل كان مسعاه الحثيث إلى الحفاظ على الأبعاد التمثيلية في نصه أو خطابه تدفعه دائما إلى التحليل وتدعيم “المنحى المنطقي” في الربط بين عناصر الحادثة. وعلى هذا صارت تجليات “التمثيل” و”التحليل” في نص “قصة نفس” مترابطة ومتفاعلة من ناحية، ومُفضيةٍ إلى إكسابه خصوصيته الشعرية من ناحية أخرى.
تقوم بنية الإطار السردي في “قصة نفس” على صوت راوٍ ضمني يتوجَّه مباشرةً إلى القارئ، وهو يتعقَّب شخصًا وصفه بأنه “الأحدب” الذي يعيش في مكان مهجور وهادئ في طرفٍ ما في أطراف المدينة. وحين يلتقيان يدور بينهما حوارٌ حول “أعباء الحياة” فيكتشف القارئ أن لكل منهما رؤيةٌ خاصة به لتلك الأعباء. ويلتقيان مرة أخرى ليدور بينهما حوار حول “الخيال”. وفي عرض الراوي لهذين اللقاءين لم يقدم أيةَ تفصيلات تشير إلى الزمن التاريخي لهما ولا إلى الأمكنة التي وقعا فيها. ولما كان الغموض يحيط بذلك “الأحدب” فقد نما لدى الراوي فضولٌ شديد لمعرفة المزيد عنه، فكان أن تعقَّبه في الخفاء حتى عرف مسكنه فإذا هو (بناءٌ عالٍ من ستة طوابق أو سبعة “…” لا تبدو منه سوى نوافذ وشرفات أغلبُها مُعتم وأقلُّها مضيء)(25). ولعل غموض ما يتعلق بذلك “الأحدب” أثار لدى الراوي الضمني مزيدًا من التشوق لمعرفة ما يتصل به لاسيما صفة الحدَب التي جعلت ظهره يتوَّرم به. ولعل القارئ يدرك أن نقطة البدء تلك قد انطوت على عنصر التشويق الناتج عن غموض كل ما يتعلق بذلك “الأحدب” في ذهن الراوي، كما يدرك أيضًا أن سرد لحظات اللقاء القليلة بين الراوي و”الأحدب” قد جاء مقنعًا وذا منحى “منطقي” بارز، كما تسرَّبت بعضُ عناصر فكرة “الهوية” على لسان الراوي الضمني الذي لم يكن انشغاله بمحو غموض كل ما يتعلق بذلك “الأحدب” إلا تعبيرا عن رغبته “الحادة” في استكشاف هوية ذلك “الأحدب” بوصفها هويةً مجهولة بالنسبة له.
إن رغبة الراوي الضمني الذي يستخدم ضمير المتكلم في سرده ذاك تعبيرًا عن حضوره وهيمنته على بناء سياق الخطاب السردي وجدت مُتنفسًا لها في سعيه الحثيث إلى تتبع أمور ذلك “الأحدب” حتى صارت الصداقة علاقة جامعة بينهما حيث أخذت لقاءاتهما تجري خارج المدينة بعد الغروب لتدور بينهما أحاديث وصفها الراوي بالقول: (تركتُ الحديثَ بيني وبينه يجري مجراه الطبيعي ليخرجَ لي بعضَ المعالم التي كنتُ أستندُ إليها في متابعة بحثي بعيدًا عنه)(26). ومن ثم يأخذ “الأحدب” في سرد تفاصيل حياته من مرحلة طفولته، فهو يحكي والراوي الضمني يسأل ويعلق ويستزيده، كما تحدث انتقالات عديدة في أزمنة الوقائع التي يسردها ذلك الراوي الضمني الذي يختار لقطات أو لحظات مرّت به في علاقته بذلك “الأحدب” فيسردها للقارئ(27). وإذا كان هناك عددٌ من الوقائع التي سردها “الأحدب” أو الراوي الضمني تعد هي ذاتها وقائع سردها زكي نجيب محمود نفسه في سيرته الذاتية في كتاب “أعلام الأدب العربي المعاصر” أو في كتاب “المثقفون والسلطة” فمعنى هذا أن الكاتب قد أخذ يتجه من البداية نحو “تغريب” ذاته؛ فبدلا من التوجُّه إلى القارئ مباشرة بحديث ذاتي عن تجربة الذات في العالم إذ بالكاتب يسعى إلى تغريب ذاته الحقيقية عما يسرده حكيًا عن تجربتها تلك؛ فالراوي الضمني شخصٌ أو صوتٌ و”الأحدب” شخصٌ أو صوتٌ آخر لكنهما على الحقيقة صوتان مختلفين يمثلان الكاتب والراوي والمروي عنه معًا حسب التقاليد الفنية والثقافية لكتابة السيرة الذاتية في صيغها المختلفة. وإذا كان هذا “التغريب” يحقق مسافةً ملحوظة بين الكاتب وما يسرده كما يحقق أيضا مسافةً مماثلةً بينه وبين هذين الشخصين أو الصوتين فلاريبَ أن وجود هاتين المسافتين يسهم في إتاحة الفرصة للكاتب لإقناع القارئ بموضوعية موقفه مما يسرده أو يحكيه، كما أنه يضفي على هذين الصوتين منحى موضوعيًا وتمثيليًا أيضًا.
وبمواصلة اللقاءات بين الراوي الضمني و”الأحدب” يقع الراوي الضمني على ما يصفُه بأنه “المفتاح” لتفسير شخصية “الأحدب”؛ وهو تفسيره لسبب الحدّب(28). وإذا كان “الأحدب” يحكي والراوي الضمني يسأل أو يعلق ففي الحالات كلها يغلب أن تُتخذَ معظمُ الوقائع المسرودة موضعًا للتحليل. ويعتمد الكاتب على خبرته العميقة بضروب الكتابة الأدبية والروائية أو السردية فيستخدم تقنية “المصادفة”؛ فالراوي الضمني يحدِّث القارئ: (فحانت منِّي التفاتةٌ إلى جِلدة كتابٍ ملقاةٍ كما اتُفق، كُتب عليها “رياض عطا” فعرفتُ بذلك اسمَه كاملا، إذ لم يتبرعْ هو قبل ذلك أن يذكر لي اسمَه ولا طلب منِّي أن يعرف اسمي، كأنما نحن فكرتان مجردتان التقتا في ذهن إنسان، أو كأنَّنا شبحانِ من الأشباح التي تُذكرُ بنوعها لا بأفرادها التي تُعيِّنُها الأسماءُ، وحتى تلك الساعة لم أكن عرفتُ ماذا يعملُ الأحدبُ وممَّ يكسبُ قوْتَه وأين يقضي بياضَ نهاره) (29). ولعل الكاتب قد أبان بهذا عن واحدٍ من أسس كون شخصيتي كل من الراوي الضمني و”الأحدب” تمثيلين مختلفين. وإذا كان “الأحدب” يسرد بعض الحوادث التي وقعت له في طفولته الباكرة في سن الخامسة فإن الراوي الضمني يتوقف عند واحدةٍ من تلك الحوادث ليتوجَّه إلى القارئ الضمني والمتلقي التاريخي مُبيِّنا أنه قد عثر على مفتاح شخصية “الأحدب” الذي يكشف عن أن نسيج شخصيته مُكوَّن من ثلاثة خيوط: (يأسٌ أكثرُ من الرجاء، وانطواءٌ أكثرُ من الظهور، ورغبةٌ في إقامة البرهان على قدراته ليمحو بها تهمةَ “العبَط” التي اتهموه بها وهو صغير، أمَّا اليأسُ فقد كانت بداية خيطه حادثةَ الحصان المهشَّم، وهي الحادثة التي تلاحقَ فيها الأمل والخيبة تلاحقا مباشرا، وأمَّا الانطواءُ فقد كانت بداية خيطه حادثةَ كيس الحلوى حين أحسَّ الطمأنينةَ في مخبئه تحت السرير، وأمَّا تهمة “العبَط” فقد بدأت قبل أن تعي ذاكرتُه أولى الحوادث التي كانت تسوغها)(30).
حين تيقَّن “الأحدب” أو “رياض عطا” من رغبة الراوي الضمني المُلحِّة في التعرف على مزيدٍ من وقائع حياته قدم له كراسةً مُمزَّقةً يحتفظ بها في خزانة ملابسه تتضمن مذكراتٍ كان قد كتبها من سنوات وهمَّ بتمزيقها من قبلُ، لكنه أبقاها. ولعل حيلةَ العثور على كراسة تتضمن مذكرات شخصية واحدةٌ من التقنيات كثيرة الدوران في أنماط من الروايات. وبذلك حافظ الكاتب على تشوق القارئ ليعرف ما تتضمنه تلك الكراسة الممزقة، ثم دعَّم ذلك الشعور لدى القارئ بتأكيد الراوي الضمني أنه قد وجد تلك الكراسة (ممزَّقة الصفحات مطموسة الفقرات) فما كان منه إلا أن رتَّب فقراتها حسب ترقيم صفحاتها؛ ومن ثمة أخذ صوت الراوي الضمني يتحول إلى صوت ينوب عن صوت “الأحدب” لكنه يتوقَّف من آنٍ لآخر في سياقات سرده إمَّا ليشير إلى بعض خصائص صفحات تلك المذكرات، أو ليعلقَ على بعض ما يحكيه “الأحدب” في كراسته تلك، أو يحلِّل بصوته الخاص هذه الوقائع. وثمة إيهام حرص الكاتب على ترسيخه في وجدان القارئ بانتقال السرد بين هذين الصوتين: صوت الراوي الضمني وصوت “الأحدب”. على أن من الملاحظ أن حضور صوت الراوي الضمني يبرزُ في المواضع التي يضع فيها إيضاحاتٍ حول كيفية النظر إلى السيرة الذاتية أو إلى سيرة “الأحدب” على وجه الخصوص(31). وإذا كان “الأحدب” يسرد مجموعةً من الحوادث التي وقعت له بين سنَّي الخامسة والسابعة في طفولته فذلك ليبين علاقته بأبيه وأخيه خاصة ثم علاقته بالجنس الآخر متخذًا من هذا السرد وسيلةً لبيان كيفية اكتمال جوانب أو عناصر شخصيته الاجتماعية وكيف تحددت لها طرائق مختلفة في ردود الأفعال تجاه مختلف البواعث أو ما يوجزه بالقول (هكذا نشأت مجموعة الأشخاص التي تكوِّن جوانب نفسي “الواحدة”، وما كان على الأيام بعد ذلك إلَّا أن تطوِّرَ هذا الذي بدأ)(32).
وإذا كان الراوي الضمني يعرض مجموعةً منتقاةً من الوقائع أو الحوادث التي يستطيع القارئ الآني أن يسجل أن قدرًا ملحوظًا منها يعد من قبيل الوقائع التي مرَّت بزكي نجيب محمود أو يجد إشارات صريحة في بعضها الآخر إلى وقائع قدمها زكي نجيب محمود نفسه في الصيغ المباشرة أو الصريحة من سيرته الذاتية التي رواها (33) فإن ذلك الراوي الضمني قد ختم هذا العرضَ بقوله: (بهذا انتهت مذكرات الأحدب، أو ما استطعتُ أن أستخرجَه من مذكراته، لأن بها أجزاء كثيرة ممزقَّة أو مطموسة تتعذَّرُ قراءتُها، وهي مذكرات كتبها وهو في الخامسة والعشرين أو نحوها، ومضت عليها خمسةٌ وأربعون أخرى لأنه اليوم في السبعين)(34).
ولعل هذا النص يتضمن دالين يشير أولهما إلى أن غير “المطموس” وغير “المُمزَّق” في تلك المذكرات إن هو إلا تلك الجوانب التي بقيت في ذاكرة صاحب المذكرات ورواها فيما رواه قبل تلك الإشارة التي تحمل أيضا دلالة كون “المطموس” و “المُمزَّق” هو ما لم يُردْ صاحب تلك السيرة الحديثَ عنه أو ما لعله نساه بالفعل. ويشير ثاني الدالين إلى سعي الكاتب إلى إيهام القارئ بأنه لا يعرف إلا القليل عن ذلك “الأحدب” مما يثير تشوقَ القارئ إلى معرفة ذلك المجهول من حياة “الأحدب” أو سيرته. ولقد سعى الكاتب إلى إقناع القارئ بصعوبة التعرُّف على حقيقة سيرة “الأحدب” إذ كرَّر وصفَه للأحدب بكونه يحبُّ العزلةَ ويتسم بالانطوائية الشديدة التي لا تشجِّعُ أحدًا على اقتحام عالمه الخاص، كما أنه يخاف من مخالطة الناس. ومن ثم يسعى الراوي إلى الحصول عن أية معلومات عن ذلك “الأحدب”، وحينئذ تلعب “المصادفة” دورَها حين يقابل الراوي الضمني أحدَ أصدقاء “الأحدب” الذي يخبره أن للأحدب شقيقين: واحد منهما يعمل مديرًا للتعليم بمنطقة القناة، والثاني وهو الأصغر يعمل طبيبًا في إحدى عواصم الصعيد، كما يخبره أن الاسم الحقيقي للأحدب هو “رياض”، كما أخبره أيضًا بأنه هو وشقيقه “الأحدب” قد التحقا بمدرسة المعلمين العليا عام 1926 وتلك إشارة دالة إلى أن معظمَ ما حكاه صديق شقيق “الأحدب” لم يكن إلا إحالات إلى وقائع حقيقية من سيرة زكي نجيب محمود.
ومن ثمة يعود “الأحدب” مرة أخرى إلى سياق سرد الحكاية مرةً أخرى فيستعيد عددًا من تفاصيل السنوات الأربع التي قضاها بمدرسة المعلمين العليا (1926-1930)، ويحكي بعضَ الوقائع المتصلة بالأساتذة الذين درّسوا له فيها، وعن بدايات تذوقه الأدب وبدايات ممارسته الكتابة الأدبية، وعن علاقته بكتابات عدد من مفكري وأدباء عصره مثل طه حسين والعقاد وسلامة موسى، كما يشير إلى إعجابه بأسلوب أحمد حسن الزيات ومحاكاته له في رسالة أرسلها إلى أبيه الذي كان يعمل في السودان. وخلال سرد تلك الوقائع، التي يوهم الكاتبُ القارئَ أنها ممَّا حكاه “الأحدب”، إذا ينتقل “الأحدب” إلى الحديث عن مقدمة كتابه عن “فلسفة برتراند رسل” مما يؤكد الانتقال حينئذ إلى صوت الكاتب الحقيقي الذي يكشف للقارئ عن علاقته بفلسفة “رسِل” وارتباطه به بفكرتين أو رباطين: دفاعه الحار في سبيل حرية الفرد من كل طغيان: طغيان التقاليد الاجتماعية، و(تلك الفرحة الكبرى التي يفرحها كلَّما استطاع إقامة البرهان على خطأ اعتقادٍ كان يظنُّه الناسُ بديهية لا تقبل الشكَّ أو الجدل)(35).
ويأخذ “الأحدب” في سرد ما يتعلق بمجموعة الأصدقاء الذين صحبهم في السنوات بين عامي 1926 و1930 حيث تكوَّن النسيج الاجتماعي الذي أخذ هو يتحرك بين لُحمته وسداه حينًا من الدهر، وهو يصفُ بإيجاز كلًّا منهم، كما يصفُ أيضًا ما جمعهم، ويشير إلى ما كان بينهم من فوارق واختلافات. كما يتناول بدايات عمله بالكتابة في الصحف، ويسرد حكايتين تكشفان عن سعيه هو وعدد من أصدقائه إلى المبادرة بالعمل بالكتابة الصحافية(36). ولعل أهمية عرضه لتلك المرحلة تعود إلى أنه قد كوَّن في ذهنه خلالها “المثل الأعلى” الذي عمِل على تحقيقه، وهو مثلٌ استمده من مسالك عدد من كبار الأدباء والمفكرين الذين تتلمذ على كتاباتهم، وهم: العقاد وطه حسين ومحمد شفيق غربال حيث يجمع ذلك “المثل الأعلى” بين الأستاذ الأكاديمي المتمكِّن من مادته(محمد شفيق غربال)، والأديب صاحب الصوت المسموع والمواقف الثقافية الحاسمة (طه حسين)، والأديب المفكر المكافح الذي يدفعه الفهمُ إلى سكب ثقافات الآخرين في ذات نفسه(العقاد). ولقد كان الراوي يراوح في حديثه هذا بين ضمير المتكلم وضمير الغائب بما يُشعر القارئ برغبته في عرض ما عرضه من وقائع أو حوادث ومواقف بالمراوحة بينهما مما يمنحه إمكانيةَ الحفاظ على توتر ذلك القارئ، ثم ينهي حديثه هذا بالإشارة إلى العُسر الشديد الذي واجهه وهو يسعى إلى تحقيق ذلك “المثل الأعلى” المنشود(37)، ومن ثم يتوجَّه بالحديث الصريح إلى الراوي الضمني الذي كان معنيًا من البداية بمعرفة سرِّ الشعور بالخذلان (فهل عرفتَ يا صديقي سرَّ الشعور بالخذلان الذي أعاني منه حتى ظهرت آثاره على بدني؟ لقد رأيتُكَ تسعى لاهثًا لكشف السر، ولعلي قد أرحتُكَ في كثيرٍ ممَّا أردتَ أن تكشف عنه الستار)(38).
لقد فاجأ ذلك الراوي الضمني القارئَ، في نهاية الفصل الخامس، بأن اسمه “فوزي الراوي”، وهذا ما يتيح تعديل تقليد القراءة والتلقي؛ فالقارئ يدرك أنه يستمع إلى راوٍ يحمل اسمًا خاصًّا به يميزه عمن سواه ممن يحكي عنهم. ويعمل الكاتب على الحفاظ على تشوق القارئ إلى متابعة ما يحكيه؛ وذلك حين يشير الراوي إلى انقطاع صلته بالأحدب لعدة أسابيع دون سببٍ معلوم، فيقرر في بداية الصيف السفرَ إلى الإسكندرية، وفي القطار تلعب “المصادفة” دورها؛ إذ يلتقي الراوي بصديقه “فريد” وزوجته “عفاف”. ويتخذ “فوزي الراوي” من هذا اللقاء فرصةً للحديث عن علاقته بفريد التي انقطعت من سنوات حيث كان كلٌّ منهما يأنس بالآخر فيُطلعه على خفايا نفسه وأزماتها ومشكلاتها. وبذلك يفسِّر “فوزي الراوي” أسباب قوة الصلة الشعورية التي تربط بينه وبين “فريد”، ووجود صفات نفسية مشتركة وجامعة بينهما مما يبرِّر للقارئ ما ذكره ذلك الراوي من أنه إذا تحدث إلى “فريد” فكأنما يتحدث إلى نفسه. غير أن ذلك التلاقي بين “فوزي الراوي” و”فريد” لا ينفي وجوه خلاف عديدة بين شخصيتهما أبرزها “فوزي الراوي” بطريقة مباشرة عبر المقارنة بين مسلكيهما: (هو يُعلي العملَ على الفكرة، وأنا أُعلي الفكرةَ على العمل، وهو يضحكُ من قلبه وأنا أضحكُ من وراء قلبي، وهو يحبُّ الناسَ لأشخاصهم، ولذلك فهو محدودٌ في صداقاته بالناس الحقيقيين الذين يملأون حياته، وأمَّا أنا فصداقاتي قد امتدت إلى المؤلفين وإلى الشخصيات الوهمية التي تحيا على صفحات القصص والمسرحيات)(39).
غير أن الاختلاف الجوهري بينهما يظهر بجلاءٍ في الموقف من المرأة(40). وإذا كان الراوي يحدِّثُ “فريد” عن صديقٍ له هو “الأحدب” فإذا بفريد يخبره أن اسمه “رياض عطا” ويأخذ “فريد” في سرد مجموعة من الحكايات عن “رياض عطا” ذاك(41). وهنا يستطيع القارئ ملاحظةَ إمعان الكاتب زكي نجيب محمود في إحداث “التغريب” بينه وبين المروي عنه “رياض عطا” أو “الأحدب” تغريبًا مزدوجًا؛ ففريد يحكي عن “رياض عطا” الذي هو “الأحدب” وهو “فوزي الراوي” أيضا، وكلاهما “رياض عطا” و”فوزي الراوي” مرويٌّ عنهما، وهما معادلان لشخص زكي نجيب محمود مما يحقِّق “تغريبًا” مُضاعفًا بين الكاتب وهاتين الشخصيتين اللتين يدور الحديث عنهما؛ وهما ليسا إلا تمثيلين لذلك الكاتب الحقيقي والفعلي. ويتخذ منحى “التغريب” المضاعف هذا تجليًا آخر كاشفا عن إمعان الكاتب في الاتكاء عليه؛ فبعد نهاية لقاء الراوي بفريد بالإسكندرية يجلس الراوي على شاطئ البحر متأملا فيما حدث له غير أن مفاجأة غير متوقعة تحدث بظهور صديقٍ له من أيام الدراسة، وهو “إبراهيم” الذي يصفه الراوي بأنه كان يتصف بتعدد مواهبه وقدرته على الخلق المبتكر (حتى لو كان ذلك المُبتكَر لا نفعَ فيه: وكان يتميَّز دون سائر زملائه بجمال الخطِّ ودقّة الرسم ونظافته، ولذلك كان يبحث عن العمل الذي يتطلَّبُ الكتابةً والرسم، ليتمكَّنَ من عرض خطِّه الجميل ورسمِه الدقيق النظيف، حتى لو كان هذا العمل لسواه لا لنفسه: لقد كان هذا الصديقُ قويَّ الخيال في غير منهجيةٍ واضحةٍ تنظِّم ذلك الخيالَ ليجيءَ خيالًا مُنتِجًا فهو خيالٌ أقربُ إلى خيال الأطفال حين يصوِّر لهم الوهمُ أن العصا بين أرجلهم حصانٌ أو قطار)(42).
ولأن منحى زكي نجيب محمود الكاتب قائمٌ على التحليل، لاسيما تحليل المواقف والأفكار، فإنه لا يكتفي بوصف ذلك الجانب السلبي في خيال “إبراهيم” بل يضيف إليه جانبًا آخر كاشفًا عن أبعاد إيجابية في ذلك الخيال؛ فيقرر الراوي أن (ذلك الخيال القوي عند صديقي قد كان من خصائصه النافعة – من جهة أخرى- ان يصوِّرَ له الغايات قبل وقوعها تصويرًا ناصعًا، حتى ليظنَّ هو أن تلك الغايات المأمولة قد باتت واقعًا محسوسًا، ومثلُ هذا التصور الناصع للغايات من شأنه أن يحفِّزَ صاحبَه على العمل، لأنه يخرجُ الأملَ من دنيا الأحلام ليدخلَه في دنيا الحقائق)(43). وبذلك يدخل “إبراهيم” في مسار الوقائع أو الحكاية لاسيما حين يستكمل الراوي تعريفَه به بكونه قد قطع شوطًا في دراسة الفلسفة، ليتمكَّن القارئ المؤوِّل من تبيُّن الدلالة التمثيلية لإبراهيم الذي هو تمثيلٌ للمكوِّن الفلسفي في شخص زكي نجيب محمود ومسلكه، ولهذا لم يكن من الغريب أو غير المألوف أن يشير الراوي إلى وجوه التلاقي بين هؤلاء الثلاثة: الراوي، و”الأحدب” أو “رياض عطا، و”إبراهيم”، ويؤكد أنهم (ثلاثة رجال) أو أنهم (رجل واحدٌ في ثلاثة شخوص، فالقول سِيَّان)(44).
ولعل من الدال هنا أن نسجل أن ظهور “إبراهيم” يعد إشارةً دالةً إلى وصول “الراوي” بتمثيلاته المتعددة إلى مرحلة الشباب مما يؤكد أن مسار الحكي الذي يمضي فيه الراوي يقوم على متابعته المسيرة الحياتية لزكي نجيب محمود في توالي مراحلها الزمنية. كما أن وصول مسار ذلك السرد إلى هذه المرحلة هو الذي يفسِّر للقارئ توقُّفَ الراوي عند جانبٍ متصلٍ بقوةٍ بتلك المرحلة في مسيرة حياة أي شاب، وهو ذلك الجانب المتعلق بتوجهاته وميوله العاطفية وإمكانية ممارسته علاقة عاطفية ما، وهذا ما كشف عنه الراوي حين أشار إلى لقائه بالأحدب في مسكنه، ودعوته للأحدب لحضور لقائه مع “سميرة” وزوجها “مختار”، فيأخذ الراوي في بيان ارتباطه العاطفي القوي بسميرة معلِّلا هذا بكون (سميرة من اللائي نشأنَ على فطرة التقليد الثقافي للمرأة، واحتفظن بما نشأنَ عليه، ولا اعتبارَ لأن يكون الأحدب قد قطع ما قطعه من أشواطٍ في التحصيل الثقافي اتساعًا وعمقًا وارتفاعًا، فهو مازال عند التقائه بها بعد ذلك الفراق الطويل، يلتقي بقلبه معها في مستوى فطري واحد: هي تنادي، وهو يجيب، وهي تدعو بفطرتها وفطرتُه تستجيب)(45).
ومن اللافت لانتباه قارئ “قصة نفس” هنا أمران، وهما: أن هذا التعليل الذي قدمه الراوي يفسر موقفَ النهاية في الطبعة أو الصيغة الأولى من “قصة نفس” حيث طلب “الأحدب” الزواجَ من “سميرة” بعد وفاة زوجها، لكنها استنكرت طلبه هذا منبئةً إياه بأنها صارت أمًّا وجدة! كما أن هناك عددًا من المشاهد التي كانت في الصيغة الأولى من “قصة نفس” وكانت تقدِّم بعضَ اللقاءات بين “الأحدب” و”سميرة” وزوجها، كما كانت تحفلُ بمجموعة من التفاصيل حول بعض جوانب حياة “الأحدب” في مرحلة شبابه لكن الكاتب استبعدها من الصيغة الثانية “قصة نفس”(1983)(46) ربما لخشيته أن يتلقاها القراء على أنها نوعٌ من الاعتراف الذاتي لاسيما أنه أشار في مقدمته لتلك الطبعة الثانية إلى أنه قد حذف منها بعضَ المواقف التي استرسلت فيها النفسُ – في الطبعة الأولى- فذكرت جوانب من حقيقتها ما كان ينبغي لها أن تُجاوِز محابسَها لتصبح طليقةً في الهواء أمام الأنظار.
ولعل حرص الكاتب على أن يقدم التمثيلات الثلاثة لشخصيته أو لنفسه التي يكتب سيرتها، وحرصَه كذلك على أن يقنع القارئ بكون هذه التمثيلات الثلاثة “الأحدب”، و”رياض عطا”، و”إبراهيم” تعد شخصًا واحدًا ذا وجوه متعددة أو أشخاصا ثلاثة يلتقون في عناصر هوية مشتركة وواحدة تصل بينهم- لعل هذا هو الذي مكَّنه من أن يجعل سرده لمرحلة العمل بعد إتمامه دراسته الجامعية وحتى وصوله إلى نهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي قائمًا على أشكال من المراوحة الدائمة بين تقديم عدد “محدود” غالبا من وقائع حياته الفعلية في تواليها التاريخي بما يؤكد حفاظه على الخط المتتابع لمسار حياته زمنيا من ناحية، وتقديم بعض مقاطع محدودة من مذكراته التي أرَّخ فيها لفترة تعليمه الجامعي بإنجلترا في أربعينيات القرن العشرين(47) من ناحية ثانية، وتقديم وقفات كثيرة لتحليل تلك الوقائع المسرودة تحليلا متأنيا يتخذ منها مادةً لممارسة نوع من التفكيك من ناحية ثالثة. وخلال تلك الانتقالات بدا حرص الكاتب على المراوحة أيضا بين تصوير انعكاسات تلك الوقائع على كل من “الأحدب” و”رياض عطا” و”إبراهيم” بما يؤكد الطابعَ التمثيلي لكلٍّ منهم. ولعله لهذا السبب صار من الواجب الإشارةُ إلى أن هذا الجانب سيتضح بطريقة جلية في فقرة تالية نتناول فيها تجليات “الترميز” و”التمثيل” في بناء خطاب “قصة نفس” وصُنْع بنيتها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
(1) انظر: حمدي السكوت (إعداد وتحرير): قاموس الأدب العربي الحديث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2014، ص – ص 300-301. وعاطف العراقي هو كاتب المدخل الخاص بزكي نجيب محمود في هذا القاموس.
(2) زكي نجيب محمود: قصة نفس، الطبعة الثالثة، دار الشروق، القاهرة، 1988، ص 5.
(3) انظر: المعجم الوسيط، الجزء الأول، طبع مجمع اللغة العربية، 2021القاهرة، ص – ص 390-391 حيث يعرض الدلالات المتعددة لمادة (خ – ل- ج).
(4) زكي نجيب محمود: قصة نفس، الطبعة الثالثة، دار الشروق، القاهرة، 1988، ص 5.
(5) قصة نقس، ص 6.
(6) قصة نفس، ص 6.
(7) قصة نفس، ص 6.
(8) قصة نفس، ص 6.
(9) بلغ عدد صفحات الطبعة الأولى 245، على حين أن عدد صفحات الطبعة الثانية 255، ولما كانت الطبعتان في القطع المتوسط فمعنى هذا أن الفارق الظاهري بينهما هو عشر صفحات زائدة في الطبعة الثانية. انظر: سيرة نفس، دار المعارف، لبنان، دون تاريخ، وإن عرفنا من سيرة الكاتب ومن مقدمة الطبعة الثانية أنها صدرت عام 1965. وقارنها بالطبعة الثالثة الصادرة عن دار الشروق عام 1988.
(10) انظر: قصة نفس، ص – ص 136-153.
(11) انظر: قصة نفس، دار الشروق، 1988، ص – ص 144-151 حيث يعرض المؤلف مقالي “ذات المليمين” و”البرتقالة الرخيصة”. وانظر: زكي نجيب محمود: جنة العبيط، الطبعة الثانية، دار الشروق، 1982، ص – ص 21-26، 16-20.
(12) قصة نفس(1965)، ص 244. ونشير إلى أننا سنقرن هذه الطبعة الأولى بتاريخ صدورها في الهوامش التي سنحيل إليها فيها. أما في مختلف الهوامش الأخرى فنعتمد على الطبعة الثانية الصادرة عن “دار الشروق” عام 1988.
(13) قصة نفس(1965)، ص 244.
(14) قصة نفس(1965)، ص – ص 244- 245.
(15) قصة نفس، 251.
(16) قصة نفس، 255.
(17) قصة نفس، 254.
(18) عبد الله إبراهيم: التلقي والسياقات الثقافية: بحث في تأويل الظاهرة الأدبية، كتاب الرياض، مؤسسة اليمامة الصحفية، المملكة العربية السعودية، ، 2001ص 54. والفصل عنوانه “التلقي والتمثيل السردي: السيرة الإشراقية نموذجا، ص – ص 33- 58، وهو يحلل فيه نص “حي بن يقظان”.
(19) عبد الله إبراهيم: التلقي والسياقات الثقافية، ص 37.
(20) ماري تريز عبد المسيح: قراءة الأدب عبر الثقافات”، سلسلة كتابات نقدية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 1997، ص – ص 83-84. والفصل عنوانه ” حي بن يقظان وروبنسون كروزو: نصان في السيرة الذاتية الاستعارية، ص – ص 78- 113.
(21) ماري تريز: قراءة الأدب عبر الثقافات، ص 80.
(22) زكي نجيب محمود: جنة العبيط، الطبعة الثانية، دار الشروق، القاهرة، 1982، ص9.
(23) زكي نجيب محمود: جنة العبيط، ص – ص 9-10.
(24) زكي نجيب محمود: قصة عقل، الطبعة الثانية، دار الشروق، القاهرة، 1988، ص 167.
(25) قصة نفس، ص – ص 19-20.
(26) قصة نفس، ص 25.
(27) انظر: قصة نفس، ص – ص 28-29.
(28) يقول الراوي واصفا سمة الحدّب ومعللا لها عند “الأحدب”:(فها هو رجلٌ قد شّدَّ بصرُه منذ الطفولة نحو الممكن لا نحو الواقع، فكلَّما حدث واقعٌ وتحقَّق، توقَّعَ ما وراءه وهو يائسٌ، وكلَّما قصرتْ قدرتُه مرةً نحو بلوغ الممكن – ولا بدَّ أن تقصر إذ “الممكن” ما ينفكُّ يتراجع أفقُه خطوةً فخطوةً إلى الوراء- تكوَّنت على ظهره طبقةٌ رقيقةٌ من الهمِّ، ولبثتْ الطبقات تتراكمُ على مرِّ السنين، فإذا هذا القتَب الذي يحمله فوق ظهره مشحونٌ بهموم حياته كلِّها لا يخفِّفُ منه ما يصيبُه من نجاح، لأن عينيه لا تنظران أبدًا إلى ما قد تحقَّق، إنما تمتدان إلى ما لم يتحقَّق والذي كان من الممكن أن يكون”، قصة نفس، ص 32. ونشير إلى أهمية هذا النص في بيان لنموذج من أبرز نماذج “التمثيل” في خطاب الكاتب. وأما حادثة (الحصان المهشم) التي أشار إليها الكاتب في النص الذي قدمناه في المتن؛ فهي الحادثة الأولى التي تذكرها الراوي، وقد وقعت له حين كان في الرابعة من عمره، وهي تدور حول تهشم حصان من حلوى المولد النبوي اشتراه له أبوه. انظر تفاصيل الحادثة في: قصة نفس، ص – ص 26-27. ومن المفيد ملاحظة أنها وردت في الفصل الثاني الذي يحمل إشارة إليها، وهو “حصان من الحلوى”، لتأكيد كونها النقطة التي بدأ منها الراوي سرد حكاية سيرة الذاتية.
(29) قصة نفس، ص 33.
(30) قصة نفس، ص 37.
(31) انظر: قصة نفس، ص 39 ، 41 ، 44.
(32) قصة نفس، ص 50.
(33) انظر قصة نفس، ص – ص 53-78 حيث تتناثر فيها مجموعة من وقائع مسيرة زكي نجيب محمود الحياتية.
(34) انظر: قصة نفس، ص – ص 84-96.
(35) قصة نفس، ص 97.
(36) انظر: قصة نفس، ص – ص 99-104.
(37) انظر: ما يقوله “الأحدب” عن نفسه (لكن الذي أدريه هو أنني وجدتُ عُسرًا شديدًا في محاولة جمع هذه العناصر معصان فكنتُ إذا حصَّلتُ شيئًا من جانب الأستاذ، أفلتَ منِّي جانب الأديب، وإذ تحقَّق جانبُ الأديب ضاع منِّي عنصرُ الأستاذ، وإذا تحقَّق لي شيءٌ من هذا وذاك وجدتُ نفسي أقفُ على الطريق جامدًا لا أتحرَّكُ في دنيا الناس خطوةً إلى أمام)، قصة نفس، ص 106.
(38) قصة نفس، ص 106.
(39) قصة نفس، ص 108.
(40) انظر: قصة نفس، ص 111 حيث يعرض الراوي بعضَ عناصر موقف “فريد” ومسلكه إزاء المرأة.
(41) انظر: قصة نفس، ص – ص 112-122.
(42) قصة نفس، ص 125.
(43) قصة نفس، ص 125.
(44) قصة نفس، 128.
(45) قصة نفس، ص 132.
(46) انظر: قصة نفس(1965) ص – ص 118-136 حيث يعرض الراوي صلته بفريدة وزوجها، وقد حذف الكاتب كثيرا من عناصر هذا اللقاء في الطبعة الثانية من “قصة نفس”. وهناك نماذج أخرى سنتناولها في فقرة تالية.