شيطنة مفهوم التقدم عند وائل حلاق

 تكوين

مقدمة:   

يُعد مفهوم التقدم مفهومًا حداثيًا رفع من قيمة الفاعلية البشرية في رسم الصيرورة التاريخية، وغالبا ما يحمل مفهومَ التقدم دلالة إيجابية تُغري بمستقبل أفضل، كأننا أمام مسار تصاعدي نحو غاية ترسم أفقا أفضل مما كان وما هو كائن، فيحمل المستقبل قيمة أعلى من الحاضر والماضي. فالوعي التاريخي الحداثي قد عبَّر عن حالة من التزامن ما بين حقل التجربة والأفق الانتظاري الحداثي، وهو ما ترجمته فلسفة التاريخ الحداثية التي برعت في تقديم أنساق فلسفية تترجم غائية ضمن التاريخ وعبره، خصوصا الفلسفة الألمانية (كانط، هيجل، ماركس…) غير أن وائل حلاق سوف يعمل لإفراغ المفهوم من شحنته الإيجابية بناءً على عملية نقدية تُشكك في أصالة الوعي التاريخي الحداثي.  فهذه الرؤية التي تخص مفهوم التقدم أعادت تكوين فهمنا للزمن وَفق نمط يرفع من قيمة الانتظارت المستقبلية على حساب الماضي والحاضر، الأمر الذي جعل من المفهوم أداةً بنائيةً وتأويليةً للتاريخ في الآن نفسه، ومن هنا:

“تأسست نظرية التقدم بافتراض أن الزمن له بنية غائية متجانسة وخطية، وأن هذا الهيكل حتمي، ومن ثم فإن المراحل الأولى من التاريخ كانت مُمهدة للمراحل التي تليها، تلك المراحل التي كانت بدورها وسيلة للوصول إلى القمة المقصودة للتقدم البشري الحقيقي والمُتمثلة في الحداثة الغربية”[1].

إن عملية الرفع من قيمة الفاعلية البشرية في التاريخ الذي يترجمه الأفق التقدمي الحداثي، جعل من المفهوم أيقونة حداثية مرغوب فيها لدى باقي الشعوب، خصوصًا بعد الحركات الإمبريالية الغربية التي امتدت إلى عمق الوطن العربي والإسلامي، هذا الطموح التقدمي استوطن الوعي العربي القائم على ضرورة استلهام الوصفة الحداثية لتحقيق حركية تاريخية على غرار العالم الغربي، فرسم لنفسه مرتبة التابع الراغب في محاكاة التقدم الغربي لتحقيق أفقه المستقبلي المأمول. الأمر الذي أنتج عُدة مفهومية غربية تقف على هامش التاريخ لتقدم مقاربة تصنيفية ما بين التقدم والتخلف، مركزية الغرب وهامشية باقي الشعوب،

“ولذلك فقد ساوى الفكر الغربي بين التطور والحداثة، وساوى بين التخلف والتقدم، وبين الانحطاط والتقليد، فصار الأحدث زمنا هو الأكثر تقدما وتطورا وصارت المجتمعات الغربية المتقدمة هي معيار التقدم والتخلف، وذلك من ناحية مبتكراتها وانجازاتها”[2].

هذه الرؤية التي تعكس تمركزًا غربيًا في توجيه العالم وقيادته بناءً على مفهوم التقدم الحداثي، وهو ما يعمل عملًا مزدوجًا لاستبعاد استمرارية التراكم التاريخي وكذا تكسير هذه التجارب التاريخية المؤسسة للهُوية الذاتية لهذه الشعوب، في إطار محاولة استلهام النموذج التقدمي الغربي، وهو ما انتقده وائل حلاق بشدة في مختلف كتبه، فكيف رفع السقف النقدي لمفهوم التقدم إلى مصاف شيطنته؟ وعلى أي أساس؟ ألم يقم بإعادة توظيفه توظيفًا معاكسًا منطلقًا من البؤرة الماضوية نحو التجربة الراهنة؟

  • شيطنة النمذجة الغربية ومفاهيمها التأسيسية

يُحيل مصطلح الشيطنة إلى نوع من التحريض السلبي وتحميل النموذج الغربي كل المآسي التي وصلت إليها البشرية، في مقابل إضفاء صورة ملائكية على التصور البديل، هذه الرؤية المعيارية تصل عند وائل حلاق حد الإقصاء المبني على القيمة الأخلاقية السلبية لمفهوم التقدم الحداثي، وهو توجه يخالف التوجه الإيجابي المتعارف عليه بخصوص مفهوم التقدم، فكل المجتمعات منذ اكتشاف الوعي التاريخي بإمكان صيرورة الزمن تطمح لتحقيق التقدم على غرار التقدم الحداثي الغربي، وقد تغلغل المفهوم في جُل توجهات الدول، غير أن هذا التغلغل عمل في المقابل لقراءة التاريخ وفق رؤية تقييمية تقف على هامش التاريخ لترتب عتباته وفق أفضلية للمستقبل على حساب الماضي، ما يجعل من الصيرورة التاريخية مسارًا حتميًا أمام كل الدول لتحقيق حداثتها على غرار الحداثة الغربية، علمًا أن هذه الشعوب تستطيع استلهام النموذج التقدمي الغربي؛ عليها أن تُضحي بنموذجها التاريخي الذاتي، ومن ثم فـ

“إن عقيدة التقدم تضحي بالماضي من أجل تبرير حاضرها المرضي والاجرامي، فقد دمرنا كوكبنا باسم التقدم، وخلقنا أمراضًا تنهش العقل والبدن والهياكل الاجتماعية، إن عقيدة التقدم تُخفي جرائمنا وخطايانا، وهي متعجرفة بغير حد”[3]

 فيرفع المفهوم من مصاف المقاربة المعرفية البشرية إلى مصاف العقيدة النموذجية.

صحيح أن ما يُنبه إليه وائل حلاق هو التوجه المتطرف في الإعلاء من قيمة التقدم الحداثي وجعله النظرية الحتمية لمسار التاريخ، ومن ثم القول بضرورة التقدم أو المسار التصاعدي للتاريخ بغض النظر عن اختلاف السياق الثقافي لغير الغربي وخصوصيته، كما أن المفهوم قد تحول إلى عصًا سحرية قادرة على قيادة المسار التاريخي نحو تحقيق المأمولات المستقبلية، مما منح الإنسان الإيمان في قدراته اللامتناهية، ومنه فـ “إن عقيدة التقدم هذه هي ما جعلتنا في الحداثة أكثر مخلوقات متغطرسة عرفها التاريخ”[4]. وقد رصد وائل حلاق الآثار التي ترتبت على مفهوم التقدم الغربي من طريق ثلاثة مستويات:

  • فإذا كان المرض والفقر والتخلف سابقًا من نتائج الطبيعة، فإنه اليوم من نتائج التقدم
  •  أما المستوى الثاني، فالتفكك الحديث عمل لانهيار كلًا من الأسرة والجماعة والأواصر التقليدية
  • ثم المستوى الأكثر تأثيرًا، هو المتعلق بالعالم الطبيعي الذي يعدُّ المقياس النهائي للإنسان.

وهو أمر يُثير المسؤولية الأخلاقية لكل انسان، غير أن “الإصرار على تقويم مشروع الدمار هذا على أساس أدبي وأخلاقي يعني التوغل بصورة معرفية عميقة في السياسية والاقتصاد والقانون وأشياء أخرى كثيرة”[5]. إن عملية التحليل التي يقوم بها الحلاق للمفاهيم وكذا أسس الأزمنة الحديثة استعان فيها بمفهوم النطاق المركزي الخاص بكارل شميت، تقودنا إلى أن الأفق المستقبلي هو أفق تراجعي لا يخدم في الحقيقة الطموح الإنساني، مادام أن التقدم يقوم على حساب تهميش القيم الأخلاقية، لهذا “كان للطفرة الهائلة من التقدم التقني تأثيرًا على كل المواقف الأخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. وأعطته قوته الهائلة منزلة العقيدة التي بشرت بحل كافة المشكلات الأخرى باستخدام التقدم التكنولوجي”[6]. إذ صار المنظور المُحدد لرؤية العالم هو المنظور التقدمي التكنولوجي، مما أدخل الإنسان في عالم بلامعنى، فالمعيار التقدمي صار هو النطاق المركزي، تخضع فيه عملية ترتيب النطاقات ما بين المركزية والثانوية وفق المصلحة الأداتية والتقنية، ومن ثم فإن عملية الترتيب تلك ما بين النطاقات الثانوية والمركزية هي من تحدد النتائج المترتبة عن هذا الترتيب، وهو ما أفرز تهميشًا للمُعطى الأخلاقي الذي عبرت عنه  الأزمة الأخلاقية والقيمية المعاصرة، “إذ أزاحت هذه المفاهيم وممارستها ومنظومتها بالكامل خارج مجال الدوافع الأخلاقية وآليات الذات النفسية لتضعها في مجال اعتبارات الربح والمكانة الاجتماعية والعلاقات العامة”[7]، لأن الرأسمالية أزاحت كل القيم غير الربحية أو الجمالية والأخلاقية والقيمية، فصار التقدم يقود المستقبل وفق توجهات محددة في تحقيق علمانية كونية شاملة.

إقرأ أيضًا: الواقع العربي وأزمة النّخبة المثقّفة

لهذا فإن الشحنة السلبية -وفق الحلاق– ترتبط بالأسس الحداثية ومفاهيمها، وأما مآلاتها غير الأخلاقية فماهي سوى إحدى مظاهر انتكاستها، لهذا يؤكد أن الشحنة الإيجابية تكمن بصورة لا نقاش فيها في عملية التخلي عنها واستبدالها بالشريعة الإسلامية. يبدو أننا إزاء منظور تقييمي يربط فيه الحلاق كلَّ طرفٍ بقيمة أخلاقية غير كامنة بالضرورة فيه، إذ مفهوم التقدم في ذاته لا يعكس هذه الحتمية ولا يُحددها، بل إن الآمال الحداثية هي من ربطت الأفق المستقبلي الحداثي بالتقدم، فشُحن المفهوم بالأفق الانتظاري التقدمي الذي يوافق الرؤية الحداثية المتفائلة، ومن ثم فإن الاخفاق الحداثي في شقه الأخلاقي قد يكون مرتبطًا بالشحنة التنبؤية التي رفعته  عن الواقع الإنساني “لتنبني نظرية التقدم الدوغمائية والمفتقدة للارتباط بالواقع على افتراض أن للزمن بنية غائية متجانسة، وأن هذه البنية حتمية، وأن اطوار التاريخ الباكرة كانت إذًا تمهيدًا للأطوار اللاحقة التي تُعد بدورها وببساطة طريقة الوصول إلى قمة الارتقاء الإنساني المرجوة”[8]. كأننا أمام خط زمني مُمتد “من إلى” فالسابق أقلُّ تقديرًا من اللاحق، والبداية تُهيءُ مسببات الهدف النهائي.

إذًا التمسك بالمنظور الحداثي –في إطار أطروحة حلاق– لمحاكمة مفهوم التقدم أو الاعتماد على مرجعية المفهوم في ظل هذا المنظور هو نوعًا ما تصور يرنو إلى الاتكال على الجانب السلبي لفرض ضرورة التخلي عنه، كأننا أمام حتمية أخرى ترفض الحتمية الأولى، هذا الرفض الذي يتغدى على نوع من تصادم الحضارات وترتيبها وفق أفضلية تؤسسها أولوية الأمر الأخلاقي أو النطاق المركزي المؤسس على القيم الأخلاقية، مادام أن الحداثة لم تتوج أفقها المستقبلي بالمأمول الأخلاقي والإنساني، لأنها لم تدمج فكرة الأزمة أو غير المتوقع ضمن مسار الصيرورة التاريخية، إذ انتقاد مفهوم التقدم انطلاقا من لا تحقق مأموله الحداثي هو تماهٍ مع التوجهات الحداثية التي تُغفل معطى الاحتمالات وغير المتوقع والطارئ الذي يكسر نمطية تاريخية متنبأ بها، فنصير أمام مأمولنا من مفهوم التقدم بما هو تقدم نحو أعلى مراتب السمو الأخلاقي والمعيشي الإنساني، والتغاضي في المقابل عن طبيعة أي مفهوم كيفما كانت طبيعته الذي لا يعكس بالضرورة  إطلاقية جوهرية كامنة فيه، تفرض حتمية  تحقيق المأمول  ضمن مسار تاريخ غير قابل للتنبؤ أو التوقع بأي شكل من الأشكال.

لهذا لا يمكن التسليم أن الأزمنة الحديثة رسمت أفقًا مستقبليًا تنحدر فيه القيم الأخلاقية كما نراه اليوم، إن الواقع الأخلاقي الما بعد حداثي هو واقع لم تتنبأ به الحداثة، ولم تسعَ فيه سعيًا مُحددًا ومقصودًا، ترادف الحداثة مع مفهوم التقدم ورفض الحداثة والدعوة لتعويضها هو عملية تخلط ما بين أفقها الانتظاري الذي تُوج بأزمة أخلاقية والواقع التنظيري الحداثي ما قبل الأزمة المعاصرة، لكن مع ذلك لا يمكن تبخيس ما وصلت إليه الإنسانية من تقدم في باقي المجالات، كما لا يمكن عد النموذج الأخلاقي نموذجًا ثابتًا ومقدسًا لا يمكن أن يخضع لأي خدش.

إقرأ أيضًا: غياب الذات العربية بين رهاني الحداثة والتراث

ومن ثم فإن تقييم الجانب الأخلاقي الما بعد حداثي بالمنظور السلبي هو تقييم ينطلق من مركز ثابت يجعل الأخلاق تُماثل أو تعبر عن نموذج مُعين، قد يكون مُتفقٌ عليه أو لا، لكنه يظل نموذجًا مُتعارفًا عليه قبل أن ينفتح علينا العالم المعاصر بنماذج وسلوكيات مختلفة صُنفت تصنيفًا معياريًا، لأنها تختلف عن المتعارف عليه سابقا، فحتى النموذج الأخلاقي الذي نتباكى على فقدانه هو مُهيكل أو مكون من البُنى الدينية والمجتمعية والسياسية والثقافية السابقة، ولا يعني بالضرورة قدسيته أو لا أحقية الانزياح خارجًا عنه. بقدر ما يعني أن الحلاق قد رفع المفهوم من المصاف المعرفي إلى مصاف الشيطان الماكر الذي قاد الإنسان إلى تدمير كل القيم الإنسانية.

إن مصطلح الشيطنة هنا لم يُستخدم بغرض ترجيح أي تقييم معياري، بمعنى لا نسعى بالضرورة في الرفع من التوجه الإيجابي الداعم لمفهوم التقدم الحداثي على حساب تصور آخر بقدر ما هو مجهود للفت الانتباه إلى أنه رغم كل السلبيات التي يمكن أن يرمز لها مفهوم التقدم، فإن الأمر يحتاج إلى تحليل مفهومي يميز بين المفهوم في جانبه المعرفي وعملية وصف أو رصد المفهوم من ناحية آثاره،  طالما أن عملية رصد السلبيات والإيجابيات المرتبطة بالمفهوم هو عمل بعدي يخص المقاربة المعيارية تجاه الآفاق البعدية للمفهوم، بالنظر إلى حقل التجربة الأولى المُنظرة للمفهوم ذاته، لهذا فانزياح المفهوم عن مسار التنظير الحداثي أو عن الأفق المأمول لا يرتبط بالمفهوم في ذاته، بل يدخل في باب غير المتوقع الذي هو من صفات حقل التجارب التاريخية.

  • المراجعة النقدية للبنية المفهومية الحداثية

إن مساءلة الأزمنة الحديثة هي أمر تم إثر الأزمة السياسية والأخلاقية التي تُوِّجَت بحربين عالميتين وحرب ثالثة باردة، وهي المساءلة التي تناولها عديدٌ من الفلاسفة على الأخص الفلاسفة الألمان، قبل الحلاق، إذ خضعت مجموعة من المفاهيم المؤسسة للهُوية الحداثية للمراجعة النقدية التي تجاوزت التناول أو عملية حصر المفاهيم وفق المقاربة التقليدية التي تجعل من الأزمنة الحديثة تحظى بتفوق تاريخي عما سبقها، هذه المقاربة التي نجد لها صدىً واسعًا في الوعي العربي التي غالبا ما تُتخذ بوصفها ذريعةً نقديةً للترويج لبديل آخر، وهي المقاربة التي تتخذ موقفا تفضيليًّا أو بوابة لفرز عملية استبدالية في إطار خلق إمكان لتجاوز ما هو قائم، ففي العقود السبعة الأخيرة تُخلي بطريقة تدريجيةٍ في السياق الغربي عن المقاربة التقليدية التي تعمل لتمجيد الحداثة بوصفها مسارًا نحو أفق أفضل، هذه المراجعة التي أفرزت قراءات نقدية وازنة خصت مجموعة من الفروع المعرفية، ويمكن القول إن مفهوم التقدم كان من أبرز المفاهيم الحداثية التي تعرضت للانتقاد، وأهم هذه القراءات النقدية هي القراءة التي ربطت المفهوم بالأصل الثيولوجي، مما أفقد مفهوم التقدم شحنته التفوقية وعمل لربطه بما سبقه، لأن المفهوم قد استلهم البنية الغائية لترجمة البعد التاريخي التقدمي، فنصير أمام توليفة ما بين التقدم والثيولوجيا التي تقوم “على أن للزمن بنية ثيولوجية متجانسة، وبأنه لا مفر من هذه البنية، ومن ثمَّ فإن المراحل الماضية من التاريخ كانت مراحل تحضيرية لهذه المراحل المتأخرة”[9]. ومن ثم فقد استلهم المنطق الغائي من الحقل الثيولوجي الممتد عبر مسار تصاعدي نحو تحقيق الخلاص، فاستُبدل الخلاص الديني بتحقيق مسار للخلاص الدنيوي الذي يسير على نحو تقدمي نحو الأفضل هنا.

وبما أن فلسفة التاريخ الحداثية هي أبرز من جعلت من التاريخ أرضية لبناء أفق انتظاري مستقبلي تصاعدي، لأنها رسمت خطًا يسير وفق نمط مترابط ومتجانس نحو تحقيق المآلات التقدمية، إذ كان “هذا التطور مختزلًا في المبادئ المترابطة والمندمجة للارتقاء المادي، والمعرفة العلمية والتطور التقني والسياسي، والاثراء المادي، والنضج (بمعناه الكانطي والكونتي)، بل وحتى القدرة غير النهائية للجنس البشري على بلوغ الكمال”[10]. فضُمن التاريخ بغاية تسير نحو الكمال البشري اللامحدود، ومن هنا كانت ميزة التقدم البشري هو الانفتاح على غير النهائي على خلاف التصور الثيولوجي المُتوج بالخلاص بما هو الغاية النهائية، فالغاية الخيرة أو التي ترتب بمرتبة أفضل مما سبقها هي محدد التاريخ التقدمي الحداثي، ومن هنا فـ “الزمن له بنية غائية متماسكة فكرة أن كل مراحل التاريخ والتجربة الإنسانية الأقدم زمنيًا مهدت لما سوف يأتي، وهو دائمًا أفضل مما سبق، وأما ما سوف يأتي فهو دائمًا أوروبي أو يستمد إلهامه من أوروبا”[11].

يصير مفهوم التقدم هنا جزءًا من التاريخ وأحد مكوناته وليس توقعًا أو تنبؤًا بمساره، مما يُحوله إلى عنصر يُترجم التاريخ الكلي ويقوده في الآن نفسه، هذه الترجمة أو الترادف ما بين التاريخ والتقدم تخدم بالأساس التمركز الغربي، فيُربطُ التقدم بالحداثة الغربية دون غيرها، الأمر الذي يعمل لتصنيف التاريخ وَفق تراتبية تُعيد موضعة الحضارات والشعوب بناء على هذا المقياس الزمني الحداثي. فقد “عملت فكرة التقدم بكل تجلياتها تقريبًا لبناء التاريخ بطريقة متمركزة حول أوروبا، بعد أن توغلت فيما سماه شيلر بنية الهيمنة الفكرية الغربية، بل إن كوندرسيه عدَّ حتى النكسات في التاريخ أخطاءً مفيدة، إذا جاز التعبير، أخطاءً يجدرُ بأوروبا سيدة كل الحضارات أن تتعلم كيف تتجنبها”[12]. مما أنتج تشوهًا ثقافويًا أساسه المقاربة المانوية الحدية بين الشرق والغرب، التقدم والتخلف، وهي مقاربة لا تمس البنية المعرفية المؤسسة لمفهوم التقدم في ذاته، بقدر ما تمس التوجه الأيديولوجي الغربي الذي يرغب في استدامة تفوقه وحصر تجربته التاريخية بوصفها النموذجُ الإرشادي الكوني.

لهذا فإن مسار فرض العلمانية الشاملة على باقي الشعوب تُصبح أيديولوجية غربية تتحكم في البعد المعرفي والتاريخي وتطمس الخصوصية السياقية والثقافية لباقي الشعوب بدعوى التبشير الحضاري والثقافي، لهذا فـ “عندما تُعولَم عقيدة التقدم -كما يحدث دائمًا- يبدأ المؤرخون بلا وعي في رؤية العالم، وكأنه يتقدم على مسار خطي يبدأ من نقطة أقل تقدمًا حتى يصل إلى الحضارة التي تحددها، وهي المبادئ الغربية”[13]. إن هذا المسار قد فقد بوصلته -وفق الحلاق– عندما سلب باقي الشعوب خصوصيتها الثقافية، وألزمها باتباع النموذج الغربي بوصفه مسارًا وحيدًا لتحقيق التقدم، ورادف بطريق أوتوماتيكي بين التاريخ والتقدم والغرب، وكذا عندما جعل الأمر الأخلاقي ثانويًا أو هامشيًا مقارنة مع التقدم العلمي والاقتصادي الذي احتل النطاق المركزي “وهو ما أدى بنا إلى تشجيع أو إهمال الفقر والتفكك الاجتماعي والدمار البغيض للأرض نفسها التي تُغدي البشرية وتوفر لها كلًا من الاستغلال المادي والقيمة”[14]. إذ تحول الدمار المُوجه نحو الطبيعة دمارًا نحو الإنسان بوصفه جزءًا منها، فيصير هنا الأفق المستقبلي الذي أنتجه التقدم الغربي هو أفق تدميري للإنسان نفسه.

ورغم محاولة الحلاق قراءة الأزمنة الحديثة ومآلاتها المعاصرة قراءةً نقديةً تشمل جُل النقاط، إلا أنه كان أكثر تركيزًا على الشق الأخلاقي، إذ حاول أن يحصر الإنجاز الحداثي في فقدانه للشق الأخلاقي ليسهل عليه تقديم رؤية معيارية ذات شحنة سلبية تنزع عن الحداثة القيمة الاعتبارية أو النموذجية، وهي عملية تقوم على أساس محاكمتها بأفقها المستقبلي الذي أصبح أمام تراجع قيمي، “فالرأسمالية والنزعة التصنيعية ودمار البيئة الطبيعية الناتج عن ذلك ليست من عمل الطبيعة، وإنما هي من آثار ما يوصف بالتقدم”[15]. إذًا خطاب الحلاق يتجه في مسار مُعاكس لما هو متعارف عليه، ألا وهو ضرورة إنزال الحداثة بوصفها نموذجًا حداثيًا يستحق الاستلهام والتحقق، وركنه جانبًان لأنه يقودنا إلى هاوية إنسانية مدمرة لا تُراعي سوى توسيع النطاق المركزي القائم على التقدم التكنولوجي والرأسمالية الربحية المفتقدة لأي قيمة إنسانية.

إن عملية المراجعة النقدية للبنى الحداثية لم تقتصر على الفكر الغربي المعاصر، بل امتدت إلى الفكر العربي الإسلامي، خصوصا بعدما رُفع السحر عن جُل المفاهيم الحداثية التي  تنتعش على شعارات جذابة أمام  واقع أو توجه إمبريالي وأيديولوجي غربي مختلف، مما عمل لتجلِ حقيقة هذا التثاقف الذي يقوده الغرب، فـ “نظرية التقدم الخاصة بعصر التنوير لا تكون التاريخ وحده، بل تكون -كما أسلفنا- بُنى اللغة الحديثة نفسها، وهي لغة لا تعكس بدورها رؤية العالم التي تدعو إلى الهيمنة على الطبيعة والإنسان، بل تكون وتوصل الهيمنة نفسها”[16]، فيصير مفهوم التقدم إحدى وسائل البناء التاريخي وأيضًا أحد أهدف تكوين هذا البناء بما يُسَهِّل تكوين الهيمنة ذاتها، فيترادف مفهوم التقدم والغاية المحددة في الهيمنة ذاتها، فتصير الهيمنة والتقدم مترادفان يرسمان مسارًا واحدًا.

لهذا فإن عدَّ مفهوم التقدم نموذجًا غربيًا لا يُلائم السياق الإسلامي، لأنه لا يقود إلى أي تقدم، بل إلى التراجع وخصوصًا القيمي والإنساني، وهو ما يشهد عليه فشل جُل المحاولات التي حاولت منذ دخول الحركات الإمبريالية مُحاكاة الأفق التقدمي الغربي، لأن هذا الأفق لا يُلائم طبيعة الثقافة الإسلامية التي ترتكز على النطاق الأخلاقي بوصفه نطاقًا مركزيًا مقابل ثانوية باقي النطاقات. “فبينما كان النطاق المركزي في عصر الدين التقليدي هو التنشئة الأخلاقية، فإن ما يُعد تطورًا وإنجازًا حقيقيًا في العصر التقني هو التقدم الاقتصادي والتقني”[17]، فالذي قدمته الحداثة وعدته تقدمًا لم يكن سوى سلب ونهب للماهية الإنسانية القائمة على القيم الأخلاقية، وهو ما يجعل من المفهوم لا يُحقق العتبة الأفضل أو الخط التصاعدي كما تنبأت به الحداثة، بقدر ما يُفقد الإنسان إنسانيته لصالح التوجه الاستهلاكي والاقتصادي والتقني، طالما أنها تُمثل النطاقات المركزية للهُوية الحداثية.

إن التغني بالتقدم والحداثة في السياق العربي الإسلامي قد امتد طويلًا دون أن يُفرز إمكانًا  للوصول إلى مصاف النموذج الإرشادي الغربي، بوصفه نموذجًا قادرًا على جر كل الدول غير الغربية إلى طريق التقدم والازدهار بمختلف أشكاله (التيارات العلمانية)، وقد واكب هذا التمجيد تيارًا آخرَ حاول السير على خلافه (التيارات ذات التوجه الديني)، لكن التياران معًا اتخذا توجهًا يتأرجح ما بين التمجيد أو الشيطنة، مما جعلنا أمام تأرجحٍ يرتبط بإيجابيات مفهوم التقدم أو بسلبياته، وهو منظور يخضع للتوجه المعياري بالدرجة الأولى، وليس إلى مصاف الجوهر المعرفي والسياقي للمفهوم والخصوصية الثقافية، لهذا شكلا التوجهان معا صورة لصراع ثنائي قطبي غَيَّبَ بالأساس أرضية للتعايش أو خلق أرضية للحوار بينهما، أو على الأقل إفراز إمكان لتبلور نهضة حقيقية. وقد يكون الحلاق قد حقق بهذا الصدد سبقًا يُحسب له، إذ قَدَّمَ رؤية تحليلية ونقدية للتاريخ الغربي والإسلامي تستحق الإشادة، حتى وإن لم نكن نتفق معه اتفاقًا كاملًا.

  • التجذير الديني لمفهوم التقدم:

يمكن القول إن التيار التشكيكي الذي تولد مع الجيل ما بعد النيتشوي قد خَلَقَ مجالًا لطرح قراءات نقدية تجاه الحداثة، وقد يكون أشد القراءات وقعًا هي عملية ربط مفهوم التقدم بالإرث الثيولوجي، أو إبراز دور الواقعة الدينية في تشييد الفكر الحداثي، كما أشار إلى ذلك ماكس فيبر أو كارل شميت من طريق ربطهما السياسة الحداثية وعملية العلمنة للإرث الثيولوجي، وهو الأمر الذي أبرزه أيضًا كلٌّ من إريك فويجلين وراينهارت كوزيليك، لكن المحاولة المُكتملة الأركان في عملية ربط مفهوم التقدم بالإرث الثيولوجي المسيحي اليهودي قد اتخذت شكلًا مكتملًا مع كارل لوفيث في منتصف القرن العشرين من طريق كتابه العُمدة “التاريخ والخلاص” فقد استطاع أن يستتبع خيوط فلسفة التاريخ التي حاولت أن ترسم غائية  لهذا المسار، وفق قراءة ماورائية تحاول أن تجذر للأصل الثيولوجي لمفهوم التقدم الحداثي، في إطار ما أسماه بعلمنة التصور الثيولوجي وفق قالب حداثي، إذ كل فلسفات التاريخ تصبح بالكامل متعلقة بالثيولوجيا، بمعنى بالتأويل الثيولوجي للتاريخ بوصفه تاريخًا الخلاص[18]. فعلمنة التقدم يُعبر عن خلاص البشرية من الخطيئة الأولى، فيُقسم التاريخ إلى مراحل تراتبية تُهيء للغاية الدينية، فتُقرأ الأحداث وَفق معنى أو دلالة تُحيل أو تعكس غاية تاريخية، مما يجعل من مفهوم التقدم شكلًا خلاصيًا معلمنًا. ولهذا فإن الإنسان الغربي يُمجد العمل الدنيوي من باب الإحساس بالذنب الموروث عن فعل النشأة (الخطيئة الأولى)، هذا الذنب الذي حمل لواء جلد الذات وكراهيتها وتدميرها، ومن هنا

“يعني الحكم على الإنسان بالكد الأبدي كد الإنسان ضد ذاته، أي ضد حقيقته. فتناهي الحياة والعري الحتمي والسقوط الأخلاقي يرتبط بصورة أبدية بالكد المتمثل في كراهية الذات”[19].

فقد تحول الشعور بالذنب* لدى الكائن الغربي إلى كد يسير في مسارًا ضد الطبيعة وضد الإنسان ذاته، كأننا أمام مسيرة هروب تعدُّ المسير نحو الأمام عتبة للابتعاد عن نقطة الانطلاق، وكلما ابتعدنا كان ذلك بمنزلة تقدم يعكس بُعدًا إيجابيًا، لهذا “لو كان الكد والعري والموت خطايا أخلاقية، فإخضاع الذات هو الحل، بسبب السعي الأبدي للإنكار. قد يمكننا الزعم بأنه بقدر كون ذلك الخلاص محاولة لغزو الطبيعة والسيطرة عليها، بقدر ما هو إنكارًا لحتمية الطبيعة”[20]، فهذه الملامح التي يسردها الحلاق لا تبدو ملامح تقدمية، بقدر ما تعكس بُؤسًا دنيويا يحطم من طريقه الإنسان الحداثي وجوده وكينونته.

إن عملية الاطلاع على أعمال الحلاق تكتشف كاتبًا شُموليًا مُلمًا إلمامًا كبيرًا بالفكر الغربي والإسلامي، تنوع هذه الروافد الفكرية التي نهل منها ساعدته في هدم أو نسف الأزمنة الحديثة بغرض مبيت يهدف للبناء عبر الهدم.  لهذا سهل عليه لم شمل كل الجوانب السلبية  للفكر الغربي في سلة واحدة ليسهل بالمقابل طرحها جانبًا، في إطار عملية استثمارية توظيفية تؤسس على أنقاض ما دُمرَ أو رفضه بديلًا أكثر استحقاقًا، لأنه يُعلي من الجانب الأخلاقي المفقود في النموذج الغربي، فهو لا يكتفي باستثمار هذه القراءة التي تعمل لربط العلمنة أو الهوية الحداثية بالإرث الثيولوجي المسيحي، إذ يقول:

“أعتقد كذلك بأن المسيحية وتمثلاتها الحديثة المُعلمنة هي التي أدت إلى تدهور الحياة البشرية والإنسانية”[21]،

بل يترصد مفهوم التقدم في السياق ما بعد الحداثي، وكيف أصبح يحمل قدسية لاهوتية ترفعه عن المساءلة أو التشكيك، في هذا الاطار يؤكد: “والحال أنني أُسمي الاعتقاد بالتقدم ثيولوجيا، لأنه يقوم بدوره تقريبا كدين، وهو دين يُربَّى الأطفال عليه وفيه. إلا أن الأكثر أهمية من ذلك هو أن هذه الثيولوجيا لا تُسائل من معتنقيها ومتبعيها”[22]، فنصير أمام مفهوم متشابك الدلالات فيُجذر للهُوية المسيحية ويتحول هو بدوره إلى أيقونة لاهوتية مقدسة تصل إلى رتبة النمذجة الإرشادية لمسار الفاعلية البشرية، فعملية رفع مفهوم التقدم إلى مرتبة المسلمة جعلت التاريخ يُفهم في إطار حلقات تراكمية تسير نحو الأفضل، فيُبخَّس الماضي من أجل الرفع من قيمة المُمكنات التي يُبشر بها الأفق الانتظاري للمستقبل.

إقرأ أيضًا: الحداثة بين الفكر والممارسة

وهو ما يسمح بالقول إن تأويل التاريخ التقدمي الغربي هو محاولة للقبض على معنى الحركة والفعل داخل التاريخ فتتبدى التجربة البشرية بوصفها تجربةً قابلة لأن تُفهم من طريق لغة ثيولوجية تحمل في طياتها تجربة المعاناة والهروب من الخطيئة وتجربة البحث عن الخلاص والصفح. إذًا ثمة “تصوران للتاريخ يُلخصان التاريخ البشري، وهما التصور القديم الهليني (اليوناني-الروماني) والتصور المسيحي، وهما تصوران يُحيلان على زمنين الدائري والزمن الخطي المحكوم بوجهة غائية (دينية)، كما أنهما يكونان أساسًا لكل التأويلات الحديثة للتاريخ”[23].

فالغرب يُقدم نموذجان لقراءة التاريخ ويُهمش في المقابل باقي الحضارات، النموذج الأول نموذج ماضوي والنموذج الآخر، يعكس مجمل التاريخ الممتد من الماضي إلى المستقبل، مما أفرز نوعًا من التبخيس تجاه الماضي، فرادف التاريخ، بل وصَبغه بطابع القدسية التي تنزهه عن المُساءلة النقدية، “فقد قرر ذلك الإله من طريق العلم والعقل أن أسئلة الماضي الكبرى لا يمكن الاستماع إليها، لأنه قد عفا عنها الزمن، ولا صلة لها بمنجزات الحضارة والعلم الحديثيين والعقل الذي هو كوني بالطبع”[24]، كما نتج عنه  توجه حَدِّي يُمجد الحداثة وآلياتها ويخلق في المقابل تعرية هُوياتية فاقدة لبوصلة التجارب التاريخية البشرية ومنطقها لباقي الشعوب، لأن الأمر تم من طريق فرض التوجهات الحداثية على باقي الشعوب وفق منطق القوة لا وفق منطق الاختيار والحرية والتثاقف الحضاري، في حين أن “الوضع الآن مختلفًا تمامًا، فالمسلمون اليوم ملزمون بقبول الكولونيالية الأوروبية وكامل نظام المعرفة والسياسية وكل شيء آخر دون خيار، ولا يمكن للمسلمين أن يأخذوا أجزاءً من الدولة الحديثة وأن يتركوا أجزاءً أخرى”[25]، فهذا المنطق الإلزامي من طرف الغرب والانهزامي من طرف الذات الإسلامية  ناتج عن ضرورة الانخراط في النمذجة الغربية التي رُفعت لمصاف الكونية والانسلاخ عن الذات.

إذًا عملية الحلاق هي هرم مبني على إعادة تدوير عكسي لكل ما يُؤثت البيت الحداثي الغربي، فتحقيق التجاوز يتطلب ارتباطًا بالسياق الثقافي، والتجاوز أو الوصول إلى حالة أفضل من الراهن يتطلب الرفع من الأمر الأخلاقي الدنيوي المستمد من الوازع الديني، وهو ما تفتقر إليه الديانة المسيحية ويتوفر في الشريعة الإسلامية، عبر فعل علمنة يغلب فيها الوازع الديني لا التقدم العلمي والتقني والاقتصادي (وهي أقرب إلى علمنة معكوسة)، في إطار سيرورة تاريخية تفصلُ التجارب عن بعضها وتقلب دفة القيادة من المستقبل نحو الأصل التأسيسي. ألا يؤدي بنا هذا إلى انكماش ثقافي أمام عالم لا ينفك عن الانفتاح؟

  • الدعوة إلى الانكماش الهُوياتي الذاتي

إن التغير أو الاصلاح الحقيقي هو الذي يُنتج أو يفرض ضرورة التغيير في مجال الأفكار التي يولدها سياق ثقافي مُعين، فهل واقعنا العربي الإسلامي يُقر بالحاجة إلى عودة الشريعة والتخلي في المقابل عن التقدم الحداثي؟ ألا يُمثل الأمر دعوةً للانعزال خارج المنطق الدولي الذي يخضع لمنطق القوة الناتج عن التقدم ذاته بمختلف أبعاده وتجلياته؟

لقد هيَّأَ الحلاق من طريق إزاحته لجُل الإيجابيات التي تقوم عليها  الحداثة الأرضية لإقامة صرح بديل، هذه العملية التبديلية خلقت في المقابل انغلاقًا ثقافيًا أشبه بدائرة تحصر الإصلاح الذاتي في بؤرة الانتماء نفسه، هذا الانتماء الذي سوف يحقق خير الإنسانية عبر إشعاعه الأخلاقي، غير أنه يخلق أيضًا انكماشًا هُوياتيا يستنجد الانفلات من الراهن الغربي الذي لا يلائم الهُوية الإسلامية  بنماذج ماضوية تُمثل الإمكان التأسيسي وبذرة الأفق المستقبلي، ويفصل الفعل الكوني إلى عالم غربي فقد بوصلته الأخلاقية على حساب التقدم العلمي وتوجه يحدد معالم العالم الآخر الذي يحاول أن يسير على نهجه ظنًا منه أنه النموذج الارشادي الصالح لتحقيق التقدم. إننا هنا لا نستنكر خُطوة تثمين التراث الإسلامي والرفع من شأنه أو جعله في مصاف أفضل من النموذج الغربي، بل إن عملية التخلي وتعويضها بالعودة إلى مركز ماضوي يواجه أشكال الإنزال في واقع راكم تجارب زمنية مُهمة رغم اختلاطها بالثقافة الغربية ومحاولة استلهامها في البناء.

ومن هنا فإن الانقطاع عن المركز أو تكسير مسار تاريخي متولد عن المركز لا يمكن أن تعالج بإعادة بناء المسار من أوله، كأننا أمام محاولة لاستعارة أدوات البناء من جديد بمرجعية تُخفي الإخفاق والانهزام الثقافي، أو تعمل لمواجهة الأزمة بما قد نُسميه بالانكماش الهُوياتي، كما لا يُمكن تَسْطِير نموذج تاريخي بديل عن النموذج الغربي بمحاولة وضعه على الهامش ونحن نعيش في كنفه وتحت وطأته، صحيح أن مفهوم التقدم رُفعَ إلى مستوى رفيع جعل جُل الشعوب تتقيد به تقيدًا آليًّا، مما يجعل إمكان الانفلات نفسها مُدانة ومرفوضة، طالما أن النموذج التقدمي الغربي قد عمل لاستبعاد كل الخيارات المخالفة لهذا التوجه التاريخي. ومن جملة الاختيارات التي هُمشت، لأنها لا توافق النموذج الإرشادي الغربي في رصد التاريخ وتأويله، نجد التصورات التي تقوم على عكس الأسس الحداثية، ومنها النطاق الأخلاقي، فإذا “كانت بنية التاريخ في ثقافات كثيرة بنية أخروية، توفر سردية للاختيارات الأخلاقية التي تهدف إلى التوجيه، فأن بنية التنوير تحددت أساسًا بطرح كوني ليبرالي مفادهُ أن تجارب المجتمعات الماضية التي لا حصر لها تُمثل ظاهرة جمعية (بل واحدية) مدفوعة بغرض أو روح محددة وموجهة نحو هدف معين هو الارتقاء التقدمي”[26]، فيحمل مفهوم التقدم صِبغة شمولية وكونية تحدد الوجود الإنساني وفق هدف الارتقاء التقدمي بغض النظر عن خصوصيات باقي الثقافات غير الغربية ومزاياها.

لكن مع ذلك لا يزال مفهوم التقدم يحمل جاذبيته التاريخية، خصوصًا أمام واقع ينصاع لحيثياته وامتداداته في جُل الميادين، لهذا فإن عملية تهميش هذا الواقع وحصره في الجانب السلبي، لن يُخرجنا من الأزمة، بل سوف يخلق في المقابل أزمة هُوياتية موازية، لأننا عندما ندخل في إطار التفاضل أو القيام بمقارنة، فإن المنطق المُحدد لهذا المُعطى هو تحديد الأفضل في قيادة التاريخ البشري، وهو المنطق الغربي الحداثي نفسه، أي خلق إمكان التجاوز نحو أفق أفضل كما أسماه الحلاق:

“إنني أزعم أن التجربة الإسلامية -على غرار التجربة الهندية والصينية السابقتين أيضًا- يمكنها أن تعلمنا كثيرًا بشأن كيفية تجاوز الأمراض الحديثة والوصول إلى عصر أفضل، عصر ما بعد حداثي حقيقي على ما آمل”[27].

إذًا منطق المأمول بما هو أفضل يحضر أيضا عند الحلاق في عملية التصنيف التاريخي، فإن كان قد انتقد التراتبية التصاعدية نحو الأفضل، فإنه في المقابل يحاول أن يؤسس لها بمنطق معاكس، منطق يعود إلى الماضي الإسلامي لتجاوز أزمة الحاضر الغربي، هذه المُهمة التي تتطلب بالضرورة خلق عتبة أخرى ما بعد حداثية يرسم فيها البعد الأخلاقي بوصلة أو النطاق المركزي لهذا التوجه، فنصير أمام مشروع تاريخي يبتغي تحقيق الأفضل مما هو كائن، هذا الأفضل المرهون بالبعد الأخلاقي الإسلامي بوصفه النطاقَ المركزي لأي اجتماع بشري، ومهمة التجاوز لتحقيق خير البشرية موكولة بطريق خاص إلى المسلمين، يقول:

“إذا كنت اُتهم بأي شيء، فيجدر بأن اُتهم بأنني أُحَمِّلُ المسلمين مُهمة بالغة الخطورة، مفادها مساعدة أنفسهم والعالم على التغلب على أمراض الحداثة الحالية”[28].

يبدو أن الحلاق قد خلق ثقافة مصطفاة، بناءً على جانبها الأخلاقي/التشريعي، لقيادة العالم على غرار الطبقة البروليتاريا عند كارل ماركس. وقد تكون إشارة كارل لوفيث في هذا الباب تتوافق مع هذه الرؤية، يقول: “إن البروليتاريا هي مفتاح كل مشاكل المجتمع الكائن. إنها الطبقة التي تحرره (المجتمع) وعن واقع تحرره تحرر ذاتها نفسها”[29]، فعملية تحريك التاريخ تتطلب اعادة ترتيب قِطَعه أو عتباته وَفق منطق يُراعي تقديم الأولوية لما يعوز أو ينقص التجربة التاريخية الراهنة، وما يعوز الحداثة هو مراعاة مزايا باقي الثقافات وخصوصياتها، ومن ثمَّ تهميش مطلب كونية مفهوم التقدم، وكذا إعادة الاعتداد بالأمر الأخلاقي بوصفه الإطار المُهيكل للمشترك الإنساني الكوني. ومن ثم فالحلاق قد عمل لإثارة الجانب السلبي لمفهوم التقدم بناءً على الأطروحات الغربية التي تسير في الاتجاه نفسه، وأغفل باقي الاتجاهات النقدية التي عملت لمراجعة المفهوم، وكذا الأزمنة الحديثة. إن هذا الأمر يعكس عند الحلاق، توجهًا أيديولوجيًا يهدف إلى إيجاد أرضية بديلة لإعادة البناء وفق شيطنة مفهوم التقدم، والتهيؤ في المقابل لاستبداله بمنطق مخالف يطرح، عكس ما قامت عليه الحداثة، وهي لا تراتبية المسار التاريخي أو إمكان بعثرة البُنى التاريخية ليسهل إعادة استدعاء النموذج الماضوي في إطار رسم حاضر إسلامي ومن ثم كوني، أفضل مما قدمته الأزمنة الحديثة.

ولتحقيق ذلك حاول الحلاق استثمار شبكة مفهومية متعددة تنهل كلها من الجانب السلبي للبناء الحداثي الغربي، فقد أعاد تدوير مفهوم علمنة التقدم الحداثي وفق التصور المسيحي تبعًا للأفق المستقبلي المفتوح على مختلف التوقعات أمام انحصار دور الأخلاق، ليكون علمنة إسلامية تنهل من مركزية الأخلاق، فالسقف مُسيج فيها بالأفق التشريعي/الأخلاقي/الإسلامي، فنكون أمام استبدال موضعي للمعطيات نفسها، إذ رُفعَ المستقبل في التصور التقدمي ليرفع الماضي في مقابل هذا المستقبل. ومن هنا فقد عُكست بوصلة التاريخ وجعل المستقبل الإسلامي منغلقا على ذاته منفتحا على غيره، فتقدميته تستمد من ماضيه، وفي تقدميته الأخلاقية خدمة للإنسانية وتجاوزًا للحداثة، فيصير الماضي الإسلامي يحمل لواء تحريك الحاضر والمستقبل. ومن ثم فإن الحلاق لم يتخلَ في الحقيقة، عن مفهوم التقدم، بل حمله إلى مستوى جديد، يُعيد على أساسه ترتيب المسار التاريخ المؤسس على الأفضلية الأخلاقية.

إقرأ أيضًا: نصارى أم مسيحيين؟ قراءة في تاريخ المسيحية المبكرة

لهذا فإن القول بإعادة ترتيب النطاقات المركزية والثانوية في راهن تحتكم فيه بالدرجة الأولى التبعية للغرب، الذي يقود مستقبل لا نملك زمام الخروج من مجرياته، قد يكون إمكانًا غير متاح حاليًا، رغم أن رؤية الحلاق قد تُمثل تنويرًا لإعادة تأثيث البيت الداخلي دون هدمه وإعادة بنائه، لأن الهدم يعمل لتكسير المسار التراكمي للتاريخ العربي الإسلامي، هذا التكسير الذي لا يَسمح بأي بناء.

 أهم ما يمكن استخلاصه

  • إن الأفق التاريخي الذي يسير وفق مسار تقدمي هو سقف تفاؤلي واكب آمال الحداثيين للمستقبل عدم تحقق هذا الأفق أو حصول العكس، لا يعني تبخيس الجانب المعرفي للمفهوم، رغم التسليم بما يحمله هذا المفهوم من شحنات أيديولوجية وتوجهات غير معرفية وثقافوية مُغرقة في تَسْطِير المستقبل بما يتوافق مع الرؤية الغربية.
  • لا يمكن أن نواجه هذا التشوه الثقافوي الغربي لجُل المفاهيم الحداثية بتشوه ثقافوي مُعاكس يرمي الكل في سلة الهامش، ويسعى في استبدال البُنى التأسيسية لخلق ندٍّ حضاري بديل، ثم إن رسم حدود هذه الندية من ناحية المنطق التاريخي مستحيل الحدوث في عالم يعيش على وقع الانفتاح غير المحدود، وهو تثاقف يُعبر عن التاريخ البشري حتى لو سعى الغرب في جعله حِكرًا عليهم.
  • الانطلاق من مركز الدفاع أو الهجوم إزاء حضارة غربية استطاعت إلى حد ما أن تكون نموذجًا إرشاديا عالميًا، لا يعني أنها سلبية بدرجة مطلقة، ثم هناك نوع من الخلط بين المفهوم والتشويه الثقافوي الذي تَعرض إليه إثر التوجهات الغربية الأيديولوجية.
  • الوقوف على المقاربة المعيارية الأخلاقية إزاء الوضع الغربي المعاصر، هو تجزيءٌ يغفل أن الغرب ذاته لم يسعَ إلى هذا الأفق ولم يتوقعه، بل هو يخضع لمنطق الطارئ أو غير المتوقع الذي يخرج عن المنطق التنبؤي لمسار التاريخ، والغرب أول من عانى ويلات نتائج هذا الفكر من حروب عالمية وحرب باردة وتسابق نحو التسلح وإفراز تقدمات تكنولوجية تُسابق الزمن.
  • قد يكون نافعًا الاستثمار الأخلاقي المُستمد من روح الشريعة الإسلامية في راهننا العربي والإسلامي، لكنه استثمار يجب أن يُراعي عدم اقتلاع الإنسان المسلم من واقع تماهى معه، رغم أنه فرض في البداية من الغرب. هذا الواقع الذي يخضع لحتمية التقدم بوصفها آليةً لقيادة المستقبل البشري، ومن هنا يمكن إعادة استثمار البنية المعرفية لمفهوم التقدم دون الانصياع أو الذوبان بالضرورة مع المقاربة المعيارية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع المعتمدة:

– حوار مع البروفيسور وائل حلاق حول الشريعة والإسلاموية والدولة العلمانية الحديثة، حاوره كريم محمد، 26تشرين 2017، معهد العالم للدراسات، WWW.ALAALAM.ORG.

– كارل لويث، ماكس فيبر وكارل ماركس، ترجمة عبد الله حداد، مرادعة سعود المولى، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى بيروت/مايو2020.

– نزهة بوعزة، علمنة الوعي التاريخي، نموذج كارل ماركس، مؤمنون بلاحدود، 22 ابريل 2024.

-نزهة بوعزة، فلسفة التاريخ عملنة ثيولوجية، دراسة تحليلية في مقاربة كارل لوفيث، مؤمنون بلاحدود،06 نونبر2023.

– سجالات الدولة المستحيلة، ردود وافعال، حوار مع البروفسور وائل حلاق، حاوره عثمان أمكور، مركز نهوض للدراسات والأبحاث، 2022.

– وائل حلاق، الدولة المستحيلة،  الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي، ترجمة عمرو عثمان، مراجعة ثائر ديب، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، بيروت/ اكتوبر2014.

-وائل حلاق، قصور الاستشراق، منهج في نقد العلم الحداثي، ترجمة عمرو عثمان، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى 2019.

-Karl Lowith, histoire et salut, les présupposés théologique de la philosophie de l’histoire, traduit de l’allemand par Marie, Christine Chalhol, Gillet, Sylvie Hurstel et jean, François Kerjean, présentation, D.Kervégan, Gallimard.

[1]  سجالات الدولة المستحيلة، ردود وافعال، حوار مع البروفسور وائل حلاق، حاوره عثمان أمكور، مركز نهوض للدراسات والأبحاث، 2022، ص.5.

[2] كارل لويث،  ماكس فيبر وكارل ماركس، ترجمة عبد الله حداد، مرادعة سعود المولى، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى بيروت/مايو2020، ص17.

[3]  سجالات الدولة المستحيلة، مرجع سابق، ص5.

[4] المرجع والصفحة نفسها.

[5] وائل حلاق، الدولة المستحيلة،  الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي، ترجمة عمرو عثمان، مراجعة ثائر ديب، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، بيروت/ اكتوبر، ص35.

[6] وائل حلاق،  قصور الاستشراق، منهج في نقد العلم الحداثي، ترجمة عمرو عثمان، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى 2019.، ص72-73.

[7] المرجع نفسه، ص74.

[8] وائل حلاق، الدولة المستحيلة، مرجع سابق، ص53.

[9] حوار مع وائل حلاق حول الشريعة والإسلاموية والدولة والعلمانية الحديثة، حاوره كريم محمد، 26تشرين 2017، معهد العالم للدراسات، WWW.ALAALAM.ORG.

[10] وائل حلاق، الدولة المستحيلة، مرجع سابق، ص53.

[11] وائل حلاق، قصور الاستشراق، مرجع سابق، ص184.

[12] وائل حلاق، الدولة المستحيلة، مرجع سابق، ص54.

[13] وائل حلاق، قصور الاستشراق، مرجع سابق، ص178.

[14] وائل حلاق، الدولة المستحيلة، مرجع سابق، ص36.

[15] المرجع نفسه، ص34.

[16] وائل حلاق، الدولة المستحيلة، مرجع سابق، ص55.

[17] ،المرجع نفسه، ص39-40.

[18] Karl Lowith, histoire et salut, les présupposés théologiques de la philosophie de l’histoire, traduit de l’allemand par Marie, Christine Chalhol, Gillet, Sylvie Hurstel et jean, François Kerjean, présentation, D. Kervégan, Gallimard, p.21.

[19]  وائل حلاق، قصور الاستشراق، مرجع سابق، ص154.

* تجذر الاشارة هنا إلى أن مسالة الشعور بالذنب قد أشار اليها قبلا ريني جيرار René Girard وقد خصص لها بحثا وفيرا كما عاد ريمي براغ Rémie Brague توظيفها في قراءته للسجال الفلسفي ما بين كل من هانس بلومنبرغ وكارل لوفيث.

[20] المرجع نفسه، 153.

[21]  سجالات الدولة المستحيلة، مرجع سابق، ص8.

[22] حوار مع البروفيسور وائل حلاق حول الشريعة والإسلاموية والدولة العلمانية الحديثة مرجع سابق.

[23] نزهة بوعزة، فلسفة التاريخ عملنة ثيولوجية، دراسة تحليلية في مقاربة كارل لوفيث، مؤمنون بلاحدود،06 نونبر2023،  ص11.

[24] وائل حلاق، الدولة المستحيلة، مرجع سابق، ص52.

[25]  سجالات الدولة المستحيلة، مرجع سابق، ص7.

[26] وائل حلاق، الدولة المستحيلة، ص52-53.

[27]  سجالات الدولة المستحيلة، مرجع سابق، ص6.

[28]  سجالات الدولة الحديثة، مرجع سابق، ص6.7.

[29] نزهة بوعزة، علمنة الوعي التاريخي، نموذج كارل ماركس، مؤمنون بلاحدود، 22 ابريل 2024، ص12.

إقتباسات

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete