تكوين
“مازلت أنتظر قدوم فيلسوف طبيب، بالمعنى الاستثنائي لهذا اللّفظ،
ذاك الّذي تتمثّل مهمّته في أن يدرس على نحو شامل
مشكلة صحّة الشّعب والعصر والعرق والإنسانيّة…” ([1]).
في معنى الصّدمة
إن جاز لنا أن نصف ما جرى في الأزمنة الحديثة في العالم العربي بأنّها أزمنة الصّدمة جاز لنا أيضا أن نعتبر الإنسان العربي كائنا مصدوما قد انقلبت ذاته، بعد تعرّضه لتلك الصّدمة، إلى نوع جديد من الذّوات يُطلق عليها اليوم في اصطلاحات علم الأعصاب neurologie وعلم النّفس تسمية “ذوات ما بعد الصّدمة“، «sujets post-traumatiques» ([2]). ذلك أنّه “عندما يُضحي العنف الخارجيّ شديدا أو فظيعا لا يُطاق ولا يُحتمل يغادر المجال النّفسيّ، فيعسر حينئذ إدماج الصّدمة في إطار نفسيّ موجود سلفا لأنّها تدمّر النّفسيّ تماما. فتنشأ من هذا الدّمار ذات جديدة قادرة على العيش، ولكن خارج هويّتها الرّمزيّة السّابقة. فلا وجود لصلات واستمرار بين هذه الذّات الجديدة “ما بعد الصّدمة” وهويّتها القديمة. فبعد الصّدمة تنبجس ذات أخرى تُعرف بأعراضها كـ
- “انعدام التّعاطف”
- “اللامبالاة العميقة”
- “الانفصال عن الوجود في العالم”
فهذه الذّات تعيش الموت بوصفه شكلا من الحياة، فهي تجسّم دافع الموت pulsion de mort بما هو حياة مجرّدة من كلّ اندفاع إيروسيّ.” ([3]).
غير أنّ الصّدمة الّتي تعرّض لها الإنسان العربي لم يكن المتسبّب فيها كارثة من الكوارث العظمى كالحروب والزّلازل والحرائق والعواصف الطّبيعيّة الّتي تخلّف المآسي والدّمار والخراب النّفسيّ، بل ما يسمّيه صموال هنتنغتون بـ”صدام الحضارات“ ([4])، أو ما يُسمّيه أدونيس بعبارته البديعة “صدمة الحداثة“. وقد حدّها تاريخيّا بحدث عظيم هو “اصطدامنا بالحداثة الأوروبيّة، عبر دخول نابليون إلى مصر سنة 1798م.” ([5]).
ولهذه الحداثة الأوروبيّة المتسبّبة في صدمة الإنسان العربي مرادفات أخرى تضارعها كـ”الإمبرياليّة الثّقافيّة” و”النّظام العالمي الحديث” و”النّظام الأمريكي – الأوروبيّ“، “أمّا عبارة “المركز المهيمن” فتعني الولايات المتّحدة وحدها” ([6]). وهي عبارات تحدّد عند أدونيس الطّرف الصّادم دون أن تبيّن بدقّة كيف حدثت الصّدمة؟ وبأيّ الوسائل جرى الاصطدام؟ أبالحرب أم بالعلم أم بكليهما؟ وفوق كلّ ذلك كيف انقلب “الاصطدام” choc إلى صدمة trauma؟ ذلك أنّ الاصطدام مهما يكن عنفه وهَوْلُه يظلّ في مجرى التّاريخ مجرّد حادثة عرضيّة تزول بمجرّد وقوعها.
- ولا يضحي “الصّدام” أو “الاصطدام” صدمة إلاّ إذا انقلبت تلك الحادثة العرضيّة إلى حالة دائمة من أعراضها البيّنة في الثّقافة العربيّة أنّها ما برحت تُربك حياة العرب اليوميّة على نحو متكرّر،ّ وتجتاح ذواتهم على نحو كارثيّ، فأمسوا من جرّاء وقعها العنيف ذواتا أخرى يعسر التّعرّف إليها méconnaissable.
وإن كان من المستحيل تشخيص “صدمة الحداثة” في العالم العربي بمختلف فئاته، فإنّه من الممكن تتبّع بعض أعراضها عند فئة من الفئات الممثّلة للأنتلجنسيا العربيّة عصر النّهضة. فهي تمثّل الذّوات المثقّفة الّتي خاضت تجربة الكتابة ومحنتها إبّان الاصطدام بالحداثة الغربيّة وبعدها. وييسّر لنا تشخيص أعراض الصّدمة عند هذه الفئة تتبّع بعض أطوارها ووصف ملامح الوعي العربي المصدوم منذ بداياته وأشكال استمراره في الكتابات اللاّحقة المكوّنة لأرشيف النّهضة العربيّة. ولكن، ينبغي قبل ذلك أن نتوقّف قليلا عند لفظ “التّشخيص” الّذي يقابله في اللّسان الفرنسي لفظ «diagnostic» ذي الأصول الإغريقيّة المنحوت من كلمتين هما السّابقة δια (dia) وتعني “بين”، وكلمة γνοσις (gnosis) وهي تفيد معنى “العلم”. أمّا اللّفظ العربي فيفيد إجمالا الارتفاع والظّهور. من ذلك أنّ “الشَّخْص” هو “كلُّ جِسْمٍ لَهُ ارْتِفَاعٌ وَظُهُورٌ”، وهو كذلك “سوادُ الإِنسان (أي ظلّه) وَغَيْرُهُ تَرَاهُ مِنْ بَعِيدٍ”. ويتضمّن اللّفظ معنى الانزعاج أيضا “يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذا أَتاه مَا يُقْلِقُه: قَدْ شُخِصَ بِهِ كأَنّه رُفِعَ مِنَ الأَرض لقَلَقِه وانْزِعاجِه.”، وكذلك معنى الموت “وشَخَصَ الرَّجُلُ بِبَصَرِه عِنْدَ الْمَوْتِ يَشْخَصُ شُخُوصاً: رَفَعَه فَلَمْ يَطْرِفْ”. ومن كلّ هذه المعاني يرتبط شخص الإنسان في كلّ أحواله بجارحة العين الّتي تستقرئ أعراض أحواله وعلاماتها جميعا.
هذا الاستقراء قريب جدّا من معنى “التّشخيص” الطّبّي الّذي يحدّد من أعراض الجسد طبيعة المرض. ولمّا كان التّشخيص مقترنا بالمرض تجاوزت دائرة اختصاصه المجال الطّبّي إلى المجال الفلسفيّ. فقد غيّرت عمليّة الانتقال الاستعاريّ من طبيعة السّؤال الفلسفي ذاته. فبدل صياغته على منوال: “ما الفضيلة؟”، و”ما العدالة؟”، و”ما الحبّ؟”…، لجأ نيتشه إلى نوع آخر من التساؤل عندما شبّه الفيلسوف بالطبيب، وهو يعني “الفيلسوف بما هو طبيب الحضارة” (الأوروبيّة بطبيعة الحال) ([7]). فكما أنّ الطبيب يحلّل علامات جسد المريض، ويُشخّص أعراضه ويُطلق على المرض اسمًا مسجّلا في الموسوعة الطّبيّة، فكذلك يتمتّع الفيلسوف بكفاية عالية تخوّل له قراءة العلامات التي تُصدرها الأخلاق والسياسة والدين والفن والفلسفة نفسها وجميع التعبيرات الثقافية الأخرى قراءةً سليمة، مُعطيًا إيّاها معنىً، أي اسمًا للمرض. ولا غرابة إن وجدنا في المعجم النّيتشويّ الفلسفيّ مجموعة واسعة من المفاهيم لها صلة بالمعجم الطبّي. فمفاهيم “الأعراض” و”الصّحّة” و”المرض الفرديّ” و”طبّ” و”طبيب” تشكّل جوهر مشروع نيتشه الفلسفيّ الّذي أعاد تركيب صورة الفيلسوف نفسها حتّى أصبح التّفكير الفلسفيّ عنده ضربا من التّطبيب للحضارة والثّقافة والأخلاق.
ولم يكن نيتشه أوّل من جعل التّفكير الفلسفي شبيها بالتّشخيص الطّبيّ. فقد سبقه فولتير في كتابه “مقالة في التّسامح” في استعمال لفظ “المرض”. فقد نسب إلى “المصروعين الجانسيّين” «convulsionnaires» jansénistes إبقاء النّاس في حال من الاعتقاد الخرافيّ تركهم عرضة للتّعصّب ([8]).
وفي الخطّ النيتشويّ كتب توماس مان Thomas Mann روايته الفلسفيّة يوميّات “الدكتور فوستوس” Journal du «Docteur Faustus» الّتي نشرت سنة 1947 ليدين الإفراط في الرّوح البروميثيوسية التي تسبّبت في الكثير من الضّرر للفكر الألمانيّ وفنّه، بل للشّعب الجرماني نفسه. وقد اعترف أنّ مؤلف كتاب “مولد التراجيديا” كان يمثّل الأنموذج الّذي لم يسمّه لشخصيّة الموسيقي الذي اخترعه.
أمّا في المجال الفكري العربي المعاصر، فقد كتب المفكّر التّونسيّ الفرنسيّ عبد الوهّاب المؤدّب، متّبعا الخطّ النيتشويّ نفسه ومتأثّرا كذلك خطى توماس مان، كتابه “مرض الإسلام” معترفا بأنّه
“حتّى وإن لم يسلم نيتشه من المرض الألماني، سأجد نفسي مضطرّا إلى استخدام أحد مفاهيمه في علم النفس الأخلاقي لتسليط الضّوء على الحال الداخلية التي ساهمت في تفريخ l’éclosion مرض الإسلام الذي أنوي بدوري تحليله. فإن كان التعصّب مرضًا كاثوليكيًا، وكانت النازيّة مرضًا ألمانيا، فمن المؤكّد أنّ الأصوليّة هي مرض الإسلام.” ([9]).
في هذا الخطّ التّشخيصيّ الّذي تزامنت بوادر ظهوره في الوعي والفكر العربيين مع استفحال أزمة “الرّجل المريض” ننزّل الكتابات العربيّة ذات البعد التّطبيبيّ المتسلّح بالمعارف الإنسانيّة الحديثة. ولعلّ أبرز محاولة يمكن الانطلاق منها لتشخيص أزمات الثّقافة العربيّة في الأزمنة الحديثة هي “صدمة الحداثة” كما شخّصها أدونيس ([10])، وهي لا محالة صدمة الأنتلجنسيا العربيّة. ودون أن نخوض في تاريخ هذا اللّفظ ودلالاته، نعتبر الأنتلجنسيا Intelligentsia، من منظور وسائطي médiologique، ضلعا من أضلاع مثلّث وسائطيّ متكوّن من (الدّولة والأنتلجنسيا ووسائل الاتّصال). وهو مثلّث متلاحم الأضلاع بنيويّا، بحيث أنّ كلّ تغيّر يطرأ على ضلع منها يؤثّر في الضّلعين الآخرين ([11]). وليست الأنتلجنسيا هاهنا مجرّد أفراد وذوات، وإنّما هي المؤسّسة الّتي تهيمن على وسيط الإبلاغ والنّقل والإخبار وتقنياته.
فإذا اعتبرنا الكتابة واحدة من تلك التّقنيات تحتّم علينا أن نتخلّص من تلك النّظرة المباشرة الّتي تختزل الكتابة في مجرّد نظام علاميّ وتختصرها في أدوارها التّواصليّة اليوميّة، تخلّصًا يمكّننا من اعتبارها وسيطا medium بانيا للعقل الكتابيّ raison graphique الّذي لا يمكنه الظّهور إلاّ في المجتمعات المنظّمة بالدّولة. وحينئذ سيتسنّى لنا متابعة تحوّلات الكتابة في التّاريخ (التّقني والثّقافي والسّياسيّ والمعرفيّ…) مقترنة بتحوّلات المثلّث الوسائطيّ الّتي يمكن صياغتها بالقاعدة التّالية: كلّما تغيّرت وسائط النّقل (من النقل الشفوي إلى النقل المكتوب مثلا) تغيّرت المضامين المنقولة، ونضيف: وتغيّرت معه طرائق اشتغال الضّلعين الباقيين من المثلّث: الدّولة والأنتلجنسيا.
وحتّى لا يبقى هذا التّصوّر معلّقا في سماء الأفكار، يمكن الانطلاق من تشخيص أدونيس لـ”صدمة الحداثة”، على أن نضع في الحسبان أنّ لهذه الصّدمة وجها وقفا متلازمين: ميديولوجيّ ونفسيّ فرضا على الأنتلجنسا ضربا من الكتابة متخلّصة من إرثها القديم ([12]).
صدمة الحداثة: وجهها الميديولوجيّ وقفاها النّفسي
إذا افترضنا أنّ “صدمة الحداثة” العربيّة هي في وجه منها صدمة ميديولوجيّة وسائطيّة بالأساس انجرّت عنها يقظة الوعي العربي من سباته الدّغمائي الطّويل وأفضى إلى ما يسمّى “النّهضة العربيّة”، وجب أن نعترف بأنّ هذا الوجه من الصّدمة لم يشخّص إلى حدّ الآن من هذه الزّاوية الوسائطيّة.
ويحملنا ذلك إلى أن نعتبر اليقظة أو النّهضة العربيّة أو “عودة الرّوح” أو “الانبعاث”… سوى وعي حديث العهد بمقولة “الجديد” في مظهره الوافد العنيف. فالحداثة ظاهرة خارجيّة، وافدة من خارج المجال العربي extraterritorial وفود الدّخيل l’intrus الغريب، فأربكته وأكرهته على أن يشتغل على نحو لم يجد منواله إلاّ عند أوروبا، الّتي اشتغل مثلّثها الوسائطيّ بالاتّساع والهيمنة. ففعل الاتّساع في الفضاء هو فعل هيمنة. آية ذلك القرنان السّادس عشر والقرن العشرين. وقد وصفهما ريجيس دوبريه بأنّهما “قرنان كارثيّان، قرنان قاذفان، ردّ فعل واحد متسلسل، قدّم لأوروبا الكاثوليكيّة في القرن السّادس عشر البارود والمطبعة وأمريكا، كما قدّم لأمريكا الطّهرويّة في القرن العشرين الذّرّة والإلكترون والقمر… إنّ القوّة المادّية لحضارة معيّنة ترتفع بشكل متزامن على جميع الأصعدة: وسائل النّقل والإبادة والاتّصال… فروّاد الفضاء حاليا يشبهون بحّارة العصور الغابرة، واستكشاف الفضاء يشبه استكشاف المحيطات. بالأمس من أجل السّيطرة على العقول وسوق الأفكار، كان من الضّروريّ السّيطرة على البحر، مثل اليوم فإنّ سوق الصّور والمعلومات يتطلّب السّيطرة على الفضاء.” ([13]).
غير أنّ هذا المثلّث قد اشتغل في المجال العربي الإسلامي على نحو مختلف. ذلك أنّ البارود الّذي استعمله المسلمون في حروبهم المختلفة برّا وبحرا، لم يقدّم لهم سوى الاتّساع والهيمنة على رقع معروفة من العالم القديم. فاتّساع رقعة الإمبراطوريّة العثمانيّة باحتلال ممالك أخرى واكتساحها هو فعل هيمنة قد رافقه تطوّر في وسائل الإبادة دون أن يواكبه تطوّر في وسائل النّقل والاتّصال. فالبارود قد قدّم للسّلاطين والأباطرة المسلمين أراضي قريبة يمكن الانتفاع بثرواتها ([14])، ولم يقدّم لهم قارّة جديدة كأمريكا، ولا مطبعة، كما قدّمها لأوروبا عصرئذ ([15]). والفرق بين الاستحواذ على الأرض القريبة واستكشاف القارّة البعيدة و”غزو أمريكا” هو كالفرق بين المنوال الإمبراطوري الجديد الكوكبيّ planétaire الّذي كان منذ القرن السّادس عشر يطوف بأساطيله الإسبانيّة والبرتغاليّة في أرجاء “العالم الجديد” ويعيد اكتشافه وتسميته والهيمنة عليه ([16])، وبين المنوال الإمبراطوري الإسلامي الّذي ظلّ ناهضا آنذاك مع السّلاطين العثمانيّين على موضوع واحد نهائيّ ultime هو صورة الإمبراطور الّذي يضمن وجوده قيادة العالم بهَدْيٍ إلهيّ.
ليست حملة بونابرت على مصر سوى مثال من المنوال الإمبراطوري الجديد الكوكبيّ الّذي ظهر في القرن السّادس عشر، ولكنّه بدل أن يشتغل بالاتّساع، أي باكتشاف قارّات جديدة وأراضٍ غير معروفة من العالم الجديد اشتغل بالهيمنة على العالم القديم. وهي هيمنة قد جرت لا بطلقات مدافع نابليون فحسب، وإنّما بنقرات رصاص مطابعه وسلطان العلم الحديث الّذي انقلبت موازينه وتغيّرت سرديّته، أو قصّته الكبرى. فقد تعرّض العلم منذ القرن التّاسع عشر لتحوّل جذريّ لمّا كفّ التّصوّر التّقليديّ الإيروسيّ للمعرفة، بوصفه محبّة، للحقيقة عن الوجود، وحلّ محلّه تصوّر آخر مختلف شعاره “العلم/المعرفة هو السّلطان savoir c’est pouvoir” ([17]).
ينبغي هاهنا أن نستحضر كلّ هذه المعطيات التّاريخيّة والإبستيميّة الّتي تبيّن كيف أصبحت الأزمنة الحديثة في أوروبا تاريخا حافلا بالتّحوّلات والثّورات المختلفة حتّى نشحن عبارة “صدمة الحداثة” بمضامين يمكن وصفها وتفسيرها على نحو يستوفي شروط المقبوليّة والمعقوليّة التّاريخيّة. فصدمة الحداثة هي صدمة هذا “الجديد الوافد” الّذي زلزل نظام الخطاب العربي الكلاسيكيّ وتركه عاجزا عن فهم “نثر العالم” في حلّته الحديثة. غير أنّ “الوافد” هذه المرّة لم يكن تراث الإغريق الفلسفيّ أو حكمة الفرس والهند ولا كان شبيها به ([18])، فهو هذا الغازي الدّخيل الّذي سيمثّل لاحقا في المخيال العربيّ مقولة “الجديد”. غير أنّ “الجديد” ليس دائما هذا “الوافد” من ثقافة أخرى، ولا يجد في الثّقافة الّتي تستقبله شبيها له أو نظيرا، ذلك أنّ الجديد لا يكون جديدا إلاّ بعلاقته بالقديم والسّنّة. ولمّا كان “القديم” أو ما يمكن اعتباره قديما غير مفسّر وجب أن يُعاد في كلّ عصر ابتداعه. وليست كلّ نهضة بهذا التّصوّر سوى تجديد كبير واسع النّطاق. ولعلّ ذلك يؤكّد أنّ الجديد أمر لا مفرّ منه ولا مندوحة من حدوثه ولا يمكن الاستغناء عنه، بل لا توجد سبيل تنأى بنا عن “الجديد” لأنّ تلك السّبيل إن وجدت ستكون جديدة ([19]).
وعندما لا تجد ثقافة مّا كالثّقافة العربيّة الإسلاميّة سبيلا لمقاومة هذا الوافد عليها بسطوته الحربيّة والتّقنيّة والعلميّة يُضحي شكل التّبادل الخاصّ بالاقتصاد الثّقافي ([20]) مأزوما، ترجمته الأنتلجنسيا العربيّة في شكل قلق استمرّ طيلة أجيال وأجيال، نجد آثاره المتأخّرة على سبيل المثال في “موجة الكتب الّتي أُلّفت في نهاية السّبعينيّات واستمرّت في الثّمانينيّات من القرن الماضي وكان موضوعها “التّراث والمعاصرة” أو “التّراث والحداثة”.” و”هي في الواقع تعرب عن قلق مزدوج تجلّى في:
- خوف من اندثار “التّراث” بوصفه ينتمي إلى ثقافة من صنف ثقافات ما قبل الحداثة prémodernes.
- وخوف من ابتلاع الحداثة لتلك الثّقافات بمحو اختلافاتها القديمة وتدمير انغلاقها، والزّجّ بها في فضاء اجتماعي منفتح متجانس ومعولم. ولذلك كانت عبارات من قبيل “جدليّة التّراث والمعاصرة”، أو “قراءة جديدة للتّراث” وما شابهها هي ضرب من ضروب التّهدئة من هذا القلق الّذي ما فتئ يبعثه كلّ “جديد”. ويُخفي هذا القلق في واقع الأمر حقيقة بالغة الأهميّة وهي أنّ لحظات الوعي بوجود هذا “التّراث” وقيمته كانت تبرز عندما تقارن ثقافة نفسها بسائر الثّقافات. ولا تكون هذه المقارنة ممكنة إلاّ إذا خرجت الثّقافة من فضائها المحلّي المنغلق وانتقلت إلى فضاء كونيّ يسمح بظهور الاختلافات الثّقافيّة فيها.” ([21]).
نعتبر لحظات الوعي تلك وعيا بالقديم وسنّته. وقد برز ذاك الوعي تاريخيّا بطريقتين:
- دخول الحداثة العالم العربي في شكل حملة سجّلت وقائعها في كتاب عبد الرّحمان بن حسن الجبرتي “عجائب الآثار في التّراجم والأخبار” ([22]).
- خروج المثقّف العربي إلى فضاء الحداثة الأوروبيّ في شكل بعثة دوّنت حوادثها في كتاب رفاعة رافع الطّهطاوي “تخليص الإبريز في تلخيص باريس” ([23]).
وإن حافظ الكتابان في شكلهما الأدبيّ على بلاغة الكتابة التّاريخيّة والجغرافيّة الكلاسيكيّة فإنّ حضور الآخر في شكليه “الوافد الغازي” أو “الأوروبيّ المتمدّن” قد مزّق وعيهما وجعل كتابتهما تترجم في مواطن عديدة أعراض صدمة الحداثة. وهي صدمة قد أكرهت الثّقافة المحلّيّة التّقليديّة على إعادة ابتداع موروثها القديم بوعي فَقَدَ تماسكه وانسجامه، وكتابته بأخلاقيّات مختلفة فرضها حضور الآخر الغربي.
*
من هذا المنظور، يمكن الاقتصار على كتاب عبد الرّحمان بن حسن الجبرتي “عجائب الآثار في التّراجم والأخبار” الّذي نعتبره ممثّلا لمقولة “الجديد” المتسبّبة في “أزمة القديم“، وهي جدّة هذا الوافد الغازي. وقد مثّله تاريخيّا جنود نابليون بونابرت الفرنسيّون ومن رافقه من العلماء في حملته على مصر سنة 1798. وليس هؤلاء جميعا سوى أنموذج من الإنسان الأوروبيّ، وقد حلّ في «الشّرق»، في مكان مختلف عن مكانه الأصليّ ([24]).
وقد تجلّى ذاك الضّرب من الاختلاف في شهادة الجبرتي التّاريخيّة لمّا وصف أعمال الفرنسيّ الأوروبي وهو يعيد ترتيب المجال وهندسة المكان القديم على نحو حديث بقوّة السّلاح وسلطان العلم حتّى يتمكّن من الإقامة فيه. فقد صار العلم مع الحملة الفرنسيّة سلطانا pouvoir موظّفا للسّيطرة على الفضاء والعقول. وقد صوّر الجبرتي هذه السّيطرة في نصّه التّاريخيّ في صفحات مثيرة ارتبكت فيها علاقة الكلمات بالأشياء على نحو شيّق يسّر لنا تشخيص “أزمة القديم” وأعراضها.
ولعلّ أوّل أعراض “صدمة الحداثة” تجلّت في فقدان الفضاء القديم “العلامات الّتي يمكن بها التّعرّف إليه” لمّا شرع هذا “الوافد” في نسفه déterritorialisation، وإعادة تشكيله reterritorialization حتّى يضطلع بوظائف جديدة لا عهد للمصريّين بها. وليست أسماء الأمكنة القديمة الّتي تركها السّاكن الأصليّ بفراره سوى علامات تذكّريّة تستعين بها الذّات المصدومة لمقاومة محوها والحفاظ على “ذاكرة المكان”. تتزاحم في نصّ الجبرتي أسماء الأمكنة القديمة والجديدة وتتصارع من أجل البقاء المادّي والرّمزيّ. فقد بنى الوافد الفرنسيّ “أبنية وكرانك وأبراجا” “على التّلّ المعروف بتلّ العقارب بالنّاصرية […]وضعوا فيها عّدة من آلات الحرب والعساكر المرابطين فيه”. ومن المواضع الّتي هدّموها وأعادوا استخدامها “عدّة دور من دور الأمراء وأخدوا أنقاضها ورخامها لأبنيتهم”. ومن الأماكن الّتي أفردوها “للمدبّرين والفلكيّين وأهل المعرفة والعلوم الرياضيّة كالهندسة والهيئة والنّقوشات والرّسومات والمصوّرين والكتبة والحساب والمنشئين” بيوت كثيرة “في حارة النّاصرية حيث الدّرب الجديد” تركها أصحابها “مثل بيت قاسم بك وأمير الحاج المعروف بأبي يوسف وبيت حسن كاشف جركس القديم والجديد الّذي أنشأه وشيّده وزخرفه وصرف عليه أموالا عظيمة من مظالم العباد.”. وقد قلبوا بعض تلك البيوت إلى أماكن لمطالعة الكتب الّتي أتوا بها، يديرها ويقف عليها “مباشرون يحفظونها ويُحْضرونها للطّلبة، ومن يريد المراجعة، فيراجعون فيها مرادهم، فتجتمع الطّلبة منهم كلّ يوم قبل الظّهر بساعتين ويجلسون في فسحة المكان المقابلة لمخازن الكتب على كراسي منصوبة موازية لتختات عريضة مستطيلة، فيطلب من يريد المراجعة ما يشاء منها، فيحضرها له الخازن، فيتصفّحون ويراجعون ويكتبون حتّى أسافلهم من العساكر” ([25]).
وقد بدأت علاقة المشرقيّ بمكانه الأوّل تتزلزل بعد أن اكتسحت الجيوش الفرنسيّة فضاءه العموميّ، وافتكّت منه مكان الإقامة، وغيّرت أمكنة المعرفة القديمة، حين حوّلت بيوت السّكن إلى أفضية لإنتاج المعارف الحديثة والتّقنيّات الجديدة. من هذه البيوت الّتي أفردت:
“أماكن للمهندسين وصناّع الدّقائق. وسكن الحكيم رويا Royer ببيت ذي الفقار كتخدا بجوار ذلك، ووضع آلاته ومساحقه وأهوانه في ناحية، وركّب له تنانير وكوانين لتقطير المياه والأدهان، واستخراج الأملاح، وقدورا عظيمة وبرامات. وجعل له مكانا أسفل وأعلى، وبهما رفوف عليها القدور المملوءة بالتّراكيب والمعاجين، والزّجاجات المتنوّعة، وبها كذلك عدّة من الأطبّاء والجرايحية. وأفردوا مكانا في بيت حسن كاشف جركس لصناعة الحكمة والطبّ الكيماوي، وبنوا فيه تنانير مهندمة، وآلات تقاطير عجيبة الوضع، وآلات تصاعيد الأرواح، وتقاطير المياه، وخلاصات المفردات، وأملاح الأرمدة المستخرجة من الأعشاب والنّباتات، واستخراج المياه الجلاءة والحلالة، وحول المكان الدّاخل قوارير وأوانٍ من الزّجاج البلوريّ، المختلف الأشكال والهيئات على الرّفوف والسدلات وبداخلها أنواع المستخرجات.”([26]).
بعض تلك البيوت زارها الجبرتي. فإذا بالبيوت الأليفة تنقلب إلى أماكن مليئة بالعجائب والغرائب. وبعين المتعجّب وصف صاحب “عجائب الآثار” ما عاينه ورآه. تارة يحسن الوصف لأنّه تمكّن من تسمية الأشياء وفهمها لمّا أحاط بوظائفها كالصّور الفوتغرافيّة دون أن يسمّيها:
“وأفردوا لجماعة منهم: بيت إبراهيم كتخدا السّنارى، وهم المصوّرون لكلّ شيء. ومنهم أريجو Rigo المصوّر، وهو يصوّر صور الآدميّين تصويرا يظنّ من يراه أنّه بارز في الفراغ مجسّم، يكاد ينطق، حتّى أنّه صوّر صورة المشايخ، كلّ واحد على حدته في دائرة، وكذلك غيرهم من الأعيان، وعلّقوا ذلك في بعض مجالس سارى عسكر، وآخر في مكان آخر يصوّر الحيوانات والحشرات، وآخر يصوّر الأسماك والحيتان بأنواعها وأسمائها، ويأخذون الحيوان أو الحوت الغريب الّذي لا يوجد ببلادهم فيضعون جسمه بذاته في ماء مصنوع حافظ للجسم، فيبقى على حالته وهيئته، لا يتغيّر ولا يبلى ولو بقي زمنا طويلا.” ([27])
وطورا يصف ما رأى دون فهم لأنّ الأشياء الّتي أدركها عيانه جديدة من صنف “الوافد”. وفي هذا الصّنف من الأشياء المعاينة دون فهم، أي دون قدرة على تسمية ما يحدث عندما كانت الأشياء تنتقل بسرعة من حال إلى حال أخرى، لا يضحي نسق الوعي “من نسق القرار، وإنّما من نسق العبور.” ([28])، ونعني العبور إلى “نثر عالم” مختلف لم تملك الذّات المصدومة مفرداته بعد. ولامتلاك المعرفة بتلك المفردات أرسلت البعثات. في هذا العبور تجلّى القفا النّفسي من صدمة الحداثة. وهو يجسّم بعض أعراضها النّفسيّة الّتي يمكن تشخيصها وتحليلها من منظور نفسيّ.
لننصت إلى هذا النّصّ البديع الّذي وصف فيه الجبرتي ما عاينه من بعض التّجارب الكيمياويّة بهذه العبارات:
“ومن أغرب ما رأيته في ذلك المكان أنّ بعض المتقيّدين لذلك أخذ زجاجة من الزّجاجات الموضوع فيها بعض المياه المستخرجة، فصبّ منها شيئا في كأس، ثم صبّ عليها شيئا من زجاجة أخرى، فعلا الماءان، وصعد منه دخان ملوّن حتّى انقطع، وجفّ ما في الكأس، وصار حجرا أصفر، فقلبه على البرجات حجرا يابسا أخذناه بأيدينا، ونظرناه. ثمّ فعل كذلك بمياه أخرى، فجمّد حجرا أزرق، وبأخرى فجمّد حجرا أحمر ياقوتيّا. وأخذ مرّة شيئا قليلا جدّا من غبار أبيض، ووضعه على السّندال، وضربه بالمطرقة بلطف فخرج له صوت هائل كصوت القرابانة، انزعجنا منه، فضحكوا منّا. وأخذ مرّة زجاجة فارغة مستطيلة في مقدار الشّبر ضيّقة الفم، فغمسها في ماء قراح موضوع في صندوق من الخشب مصفّح الدّاخل بالرّصاص، وأدخل معها أخرى على غير هيئتها وأنزلهما في الماء وأصعدهما بحركة انحبس بها الهواء في أحدهما، وأتى آخر بفتيلة مشتعلة، وأبرز ذلك فم الزّجاجة من الماء. وقرّب الآخر الشّعلة إليها في الحال، فخرج ما فيها من الهواء المحبوس، وفرقع بصوت هائل أيضا، وغير ذلك أمور كثيرة وبراهين حكمية، تتولّد من اجتماع العناصر وملاقاة الطّبائع، ومثل الفلكة المستديرة الّتي يديرون بها الزّجاج، فيتولّد من حركتها شرر يطير بملاقاة أدنى شيء كثيف، ويظهر له صوت وطقطقة. وإذا مسك علاقتها شخص ولو خيطا لطيفا متصلا بها، ولمس آخر الزّجاجة الدائرة أو ما قرب منها بيده الأخرى، ارتجّ بدنه وارتعد جسمه وطقطقت عظام أكتافه وسواعده في الحال برجّة سريعة ومن لمس هذا اللاّمس أو شيئا من ثيابه أو شيئا متّصلا به، حصل له ذلك ولو كانوا ألفا أو أكثر. ولهم فيه أمور وأحوال وتراكيب غريبة ينتج منها نتائج لا يسعها عقول أمثالنا.” ([29]).
“ينفتح هذا المشهد بموقف قضويّ هو الاستغراب: “ومن أغرب ما رأيته“. وهو موقف كلاسيكيّ نلفيه في الكتابات الأدبيّة القديمة كلّما اتّخذت من وصف العالم وصورته موضوعا لها. فالغريب هو البعيد الّذي ندرت رؤيته. ولأنّه نادر، ويُشاهد لأوّل مرّة، أضحى غريبا من قلّة وقوعه وبعده عن المألوف. غير أنّ هذا “الغريب” في زمن الجبرتي لم يكن بعيدا نائيا هذه المرّة، فهو في عقر الدّار. وهو من فرط قربه صارت غرابته باعثة على القلق. ويُعرب هذا القلق من الغريب عن “أزمة القديم” الّذي لم يعد قادرا على تسمية الوقائع الجديدة ولا تفسيرها. فالقلق هاهنا متأتّ من هذا المجهول الّذي نراه ولا نعرفه. وقد أوجز الجبرتي هذا المجهول في العبارة الختاميّة “ولهم فيه أمور وأحوال وتراكيب غريبة ينتج منها نتائج لا يسعها عقول أمثالنا“. فالمجهول هو الّذي تضيق عقول الإنسان الشّرقيّ على فهمه واستيعابه.
ويتضمّن هذا الضّيق المعرفيّ اعترافا بتفوّق الآخر المهيمن بإرادتي قوّته ومعرفته. وقد تجلّى تفوّقه العلميّ في ضحكه. وهو ضَحِكٌ مِنْ جَهْلِ من لا يعرف أبسط الأمور. فحين ننزعج أمام الآخر من أصوات هائلة وهي ليست بالهائلة، يصبح الانزعاج مصدر متعة الآخر وضحكه وسروره أيضا: “وأخذ مرّة شيئا قليلا جدّا من غبار أبيض، ووضعه على السّندال، وضربه بالمطرقة بلطف فخرج له صوت هائل كصوت القرابانة، انزعجنا منه، فضحكوا منّا.” ([30]).
إنّ الانزعاج من الصّوت الهائل يشي بأنّ ناقل هذه الحادثة وشاهد عيانها لم يكن يُتابع مجرّد تجربة عادية من التّجارب الكيمياويّة الّتي كانت تنجز في تلك المخابر، وإنّما كان يقدّم شهادته الفوريّة على تجربته الوجوديّة الّتي خاضها على نحو قلق مأزوم. وهي لا محالة تجربة هذا الانفكاك بين الكلمات والأشياء. ذلك أنّ الأشياء المعاينة كانت “في تحوّل مستمرّ سريع تنتقل فيه من حال السّائل إلى حال المتيبّس الجامد المتحجّر، ومن الهوائيّ المتبخّر إلى الصّوتيّ المتفجّر، على نحو قلق يعسر فيه تسميتها. فعندما يصبح الماء دخانا، والدّخان حجرا أصفر، أو أزرق، أو أحمر ياقوتيّا، تضحي الأشياء في عالم الكيمياء كأنّما قد زجّ بها في دورة الكون والفساد الّذي تمتنع فيه تسمية الأشياء. ومردّ هذا الامتناع هو قلق الأشياء في عالم الجبرتي واضطرابها ممّا يجعل الحدود الّتي كان يُعرف بها الشّيء ضبابيّة غير واضحة. وهذا الاضطراب يجعل نظام الأشياء على قلق، بل يجعل الجبرتي نفسه متحيّرا عاجزا عن فهم ما يحدث أمامه من تجارب، لا يدري كيف يُسمّي الأشياء الّتي يعاينها بأسمائها.” ([31]).
في خضمّ كلّ هذه التّحوّلات تظلّ الكتابة الخيط الرّفيع اللاّمرئي الّذي مثّل أعراض symptômes الحداثة المأزومة وصدمتها. فعندما لا تجد الأشياء الجديدة سوى الكلمات القديمة لقولها يكون حال المثقّف العربي شبيها بحال دون كيخوته وهو يشاهد انحطاط النّظام الثّقافي وتهافته برمّته لمّا تغيّر وسطه التّقني الإعلاميّ. وتحليل هذه الأعراض وتشخيصها يقتضي أن نحلّل “صدمة الحداثة” انطلاقا من صدمات أخرى ليست صدمة الكتابة سوى واحدة منها. ولكن ما المقصود من الكتابة؟
صدمة الكتابة، أو عمل الحداد العسير
عندما نتحدّث عن الكتابة في الأزمنة الحديثة وجب أن نميّزها عمّا يلابسها من المفاهيم كاللّغة والأسلوب. وهذا التّمييز بارطيّ بالأساس لا يربط الكتابة بالتاريخ ولا بذاتية الكاتب، بل بوظيفتها. فالكتابة عند بارط هي فعل تضامن تاريخي solidarité historique ([32]).
إن التزمنا بهذا التّصوّر وجب حينئذ أن ننزّل أرشيف النّهضة برمّته المتكوّن من وثائق مختلفة تاريخيّة أدبيّة سياسيّة… في نسق ثقافيّ جديد محكوم بآليات اقتصاد التّبادل الثّقافيّ الّذي فرض على الأنتلجنسيا العربية غبّ الاصطدام بالحداثة الأوروبيّة ضربا من التّبادل المجدّد l’échange novateur جعل عالمهم القديم ينهار من جرّاء تغيّر أبنيته الفضائيّة القديمة، وانحطاط النّظام الثّقافي برمّته لمّا تغيّر وسطه التّقني الإعلاميّ. وقد ورّث كلّ ذلك في نفوس ممثّلي ذلك النّظام من المثقّفين دهشة عظيمة أعربت عن وقع الصّدمة العنيف الّذي تكوّنت منه ذات جديدة هي ذات ما بعد الصّدمة، من علامات وجودها انشقاق وعيها. فما كتبته الأنتلجنسيا العربية بعد الصّدمة قد أحدث قطيعة جذريّة مع جميع أنماط الوجود الما قبل حداثيّ. ولكنّها قطيعة غير مكتملة. فقد ظلّ التّعلّق بأمجاد الماضي وجوانب التّراث المضيئة بإحيائه وبعثه، أو مراجعته وأخذ ما بقي حيّا فيه وطرح الجوانب الميّتة، إنّما هي في نظرنا نماذج مختلفة من أعراض “صدمة الحداثة” آن أوان تشخيصها لتجاوزها. وهي تغرينا بأن نعتبرها ممثّلة، على الأقلّ، لطور من أطوار الحداد الخمسة الّتي عرضتها إليزابيت كروغر روس Elisabeth Kübler-Ross في منوالها الشّهير ([33])، وهي:
- النّكران le déni،
- الغضب la colère،
- المساومة le marchandage،
- الاكتئاب la dépression،
- القبول l’acceptation.
تكمن مرونة هذا المنوال في طرق إجرائه. فقد طبّقته إليزابيت كروغر روس على كلّ أنواع التّراجيديّات الشّخصيّة المتفاوتة في كارثيّتها (كفقدان موطن الشّغل، موت شخص عزيز، طلاق، إدمان…) دون أن تلتزم بالنّظام الّذي توالت فيه أطوار الحداد، ولا أن تشترط في إجرائه أن تخوضَ الذّات العليلة تجربةَ الأطوار الخمسة لعمل الحداد travail du deuil بالمعنى الفرويديّ لهذا العمل ([34]).
إذا استأنسنا بمنوال إليزابيت كروغر روس لتشخيص “صدمة الحداثة” في العالم العربي، وأجريناه على فئة من فئاته المتعلّقة بالتّراث وأزمنة الماضي الغابرة، أمكننا تأويل ذاك التّعلّق بأنّه يمثّل طور النّكران من عمل الحداد، وفيه ترفض الذّات المصدومة قبول الأمر الواقع وتأبى التّفريط في موضوع الفَقْدِ. وقد تجلّى النّكران في محاولات بعث القديم واستعادته في شكل جديد نسمّيه العائد le revenant. وله صيغتان مختلفتان:
الأولى نصّيّة شعريّة: ويمثّل “المأثور” بصفة عامّة هذه الصّيغة من “الإبداع الأدبيّ”. فالمأثور “هو ما أُثِرَ عن السّلف من أقوال وسنن، وهو ما ينبغي قراءته وصيانته وحفظه والتّسليم بما جاء فيه لأنّ السّلف الصّالح قد قال ذلك. والمأثور أيضا هي كلّ الأقوال الآتية من ماض سحيق واحتفظت بها الذّاكرة في شكل أمثال وحكم ومواعظ وكلّ أشكال الخطاب الّتي تنقل حقائق لم يطلب من أيّ كان أن يختبر صدقها من كذبها أو صحّتها من زيفها. فهي تستمدّ قيمتها الما صدقيّة من كونها قد قِيلت، وسبق قولها، وما برحت تقال، لأنّ خطاب المأثور يقوم أساسا على أن يقول ما قيل دائما وأبدا بنفس الوتيرة، ولكنّ وظيفته الأولى هي أن يُعيد بالقول ما قيل، لا لكونه صادقا بذاته وإنّما ليدوم ما قيل بواسطة خطاب المأثور. فالأثر لا يدوم بذاته وإنّما يستمرّ في الوجود داخل قول آخر لا وظيفة له سوى أن يكرّر بلا هوادة ما سلف قوله دون اعتبار لصدق الحقيقة أو كذبها” ([35]). وفي الجملة يعتبر المأثور طريقة من الطّرق في نفي “الجديد” ومنع ظهوره طلبا لديمومة التّراث وخلوده. “فأن نقول تماما الشّيء نفسه” هو رهان المأثور على أن يظلّ التّراث غارقا في ديمومة ثقافيّة لا تتغيّر ولا تتبدّل بفضل التّكرار. ذلك أنّه على التّكرار، بله شعريّة التّكرار poétique de la répétition، نهضت تجربة أخرى تتعلّق بعمل الحداد الّذي بفضله ومزيّته يعود الماضي حاملا معه ما ضاع في حفل شبيه بالعيد. ففي كلّ “عيد” عَوْدٌ، تعود فيه الأقوال القديمة والنّصوص المنسيّة وقد اتّخذت هيئة أخرى. وقد وصف أدونيس هذه العودة بعبارات تترجم في نظرنا معنى المأثور بوصفه ممثّلا من ممثّلات العائد النّصّيّ. يقول: “طبيعيّ، والحالة هذه، أن يكون هذا النّصّ في نظر أصحابه مطلقا لا بديل له، ولا يقبل النّقد، وأن لا يُسمّى ماضيا إلاّ من حيث نشوؤه الزّمني، فهو البؤرة الّتي تتلاقى فيها الأزمنة كلّها، بل إنّ الأزمنة تقاس به، ولا يُقاس هو بها. وطبيعيّ أيضا أن يكون الانحطاط كامنا في البعد عن هذا النّصّ، أو عدم الأخذ به، أو الانحراف عن هذا النّهج الّذي يرسمه، وأن تكون النّهضة عودة إليه وتمسّكا به. أَوَ لم تكن النّهضة دائما في الفكر العربي (“القديم” و”الحديث”) عودة إلى النّصّ (الدّينيّ النّبويّ، أو نصّ “القائد” “المعلّم”؟” ([36]).
تلفت عبارة “عودة” أو “عودة إلى النّصّ” الانتباه لأنّها ستتكرّر في نصوص أخرى بألفاظ أخرى كـ”الإحياء والبعث” كلّما تحدّث أدونيس عن أبنية “التّقليد” و”الثّابت” في الثّقافة العربيّة المعاصرة. ففي معرض حديثه عن الشّاعر محمود سامي البارودي يستعرض أهمّ سمات صنعته الشّعريّة. ويتوقّف عند “سمة الإحياء والبعث”. فينقل النّظرة التّقليديّة الّتي رأت أنّ شعر البارودي “باعث للقديم من مرقده، مزّق عنه أكفانه الّتي احتوته مئات السّنين، وأزاح عنه ذيول النّسيان، وتغنّى بأنغامه القديمة الخالدة في الأذهان الموروثة مع الزّمن. فسمع منه أبناء عصره كأنّهم يسمعون للمتنبّي والبحتري أو الشّريف، والنّابغة أو عنترة بن شدّاد فطربوا لنشيده وأخذتهم النّشوة من سماع قصيدة، ووصلهم بالمجد الّذي ظنّوا أنّهم فقدوه، ونقلهم إلى حال يتوهّمون معها أنّهم قاب قوسين من المكانة الّتي وصل إليها جدودهم السّابقون […] وما وفّق له البارودي من هذا البعث لا يزال حتّى اليوم يذكر له على أنّه أعظم تطوّر حدث في حياة الشّعر العربي في عصرنا الحديث.” ([37]). بعد صفحات يعلّق أدونيس على هذا الموقف من الموروث الشّعريّ بهذه العبارات:
“حين يحيي شاعر في القرن العشرين أشكال التّعبير الشّعريّ في القرن السّادس أو السّابع فإنّه في الواقع لا يُحيي اللّغة الشعريّة القديمة وحسب، وإنّما يُحيي معها كذلك الفكر والموقف القديمين. ذلك أنّ اللّغة الشّعريّة لا تنفصل عن محتواها. فالشّاعر الّذي يُحيي أشكال التّعبير القديمة لا يصدر عن موقف جديد، وإنّما يصدر عن الفكر والموقف القديمين اللّذين أنتجا تلك الأشكال.” ([38]).
يمكن أن نتساءل: ما الّذي شخّصه أدونيس في هذه العودة إلى النّصّ الشّعريّ القديم؟
لعلّ صورة الشّاعر الإحيائيّ “باعث للقديم من مرقده“، ذاك الّذي “مزّق عنه أكفانه الّتي احتوته مئات السّنين” تمثّل في حدّ ذاتها شرط وجود كلّ “عائد” في زمان آخر غير زمانه. فهو بعودته يربك مجرى الزّمن الخطّيّ، وينفي عن الماضي نقاوته وصفاءه حين يختلط بالحاضر، فيجتمع الماضي والحاضر في نقطة واحدة، في فضاء القصيدة، في عوالم النّصّ. ويسمّى هذا الاجتماع عند منظّري الشّعريّة العربيّة الحديثة “البعث والإحياء” أو التّقليديّة. وهي أسماء مختلفة لهذا العائد من النّصوص القديمة، أو المأثور. وهو بعودته قد مثّل “[…] أوّل برنامج شعريّ للحداثة الشّعريّة العربيّة في العصر الحديث. فيه وبه تمّ بناء نصّ يرى إلى الممكن في الكائن، وإلى المستقبل في الماضي، حيث التّقدّم الشّعري (وغير الشّعري” يفضي بأسراره من غير قلق ولا تصدّع. ولكن العودة إلى الماضي لم تقدر على التّخلّص من أثر الذّات الكاتبة، في استيقاظ إحساسها بعدم التّوافق بين حاضرها وماضيها أساسا، مهما كان شحوب الأثر” ([39]).
إنّ هذه “العودة إلى الماضي” لا تعني استئنافه كأنّه يبدأ من جديد بداية ثانية، بل هي مجرّد تكرار للماضي في الحاضر، واستنساخ للحاضر على هيئة الماضي، فكأنّ الجسد الشّعريّ القديم قد عاد ليعلمنا أنّ الماضي لم يمض بعد. فقد استحال إلى ديمومة مستمرّة في كلّ الأزمنة سارية الوجود في “ما كان ويكون وسيكون”. غير أنّ في كلّ عائد إحساسا عميقا بالاختلاف بين ما كان ومضى وحضورها الآن وهنا. وهي لحظة شقيّة لأنّها جدليّة تعي الفرق بين ما ولّى وانقضى وبين اللّحظة الرّاهنة. وهي إذ تستعيدها يستيقظ “إحساسها بعدم التّوافق بين حاضرها وماضيها أساسا”. وفي تلك اليقظة وعي بأنّ الزّمن ليس تعاقبيّا “دياكرونيّا”، ولا هو آنيّ “سنكرونيّ”، وإنّما هو كذلك “أناكرونيّ” anachronique، لا مكان فيه لماض محض ولا لحاضر خالص، فالزّمن عند العائد يضحي مجرّد “انبعاثة” «survivance» يتغيّر فيها الحاضر بقدوم الماضي، ويتغيّر فيها الماضي بقدوم كلّ حاضر جديد ([40]).
*
وإن كان هذا الخلط الزّمنيّ قد رافق بعض الممارسات النّصيّة عند شعراء الإحياء والتّقليد من الّذين أحيوا اللّغة الشعريّة القديمة وما رافقهما من “الفكر والموقف القديمين”، فإنّنا نجده ماثلا بحدّة عند كتّاب الرّواية، في أولى تجاربهم مع جنس الرّواية بوصفها صياغة سرديّة جديدة لتجربة زمنيّة مختلفة لم يخضها الكتّاب من قبل، هي تجربة الدّخول في الأزمنة الحديثة. وهي أزمنة حاول الرّوّاد الأوائل صياغتها بأشكال السّرد القديمة كالمقامة والخبر، إلاّ أنّها ظلّت قاصرة عن فهم الواقع الجديد لمّا عجزت عن صياغة تجربتها الزّمنيّة الحديثة بابتداع طريقة مختلفة في القصّ. فإذا كانت تجارب الزّمن المختلفة تقتضي تنويعا مستمرّا في طرائق القصّ ([41])، فإنّ الرّواية العربيّة في بداياتها قد اصطدمت بما اصطدم به الشّعراء، وهو هذا العائد الّذي عاد من موته كما عاد أهل الكهف، ليتفسّح في فضاء المدينة الحديثة بوعي مأزوم يعاد فيه تشكيل الماضي وبناء الذّاكرة على نحو مختلف.
يقودنا كلّ ذلك إلى الحديث عن الصّيغة الثّانية من العائد. وهي صيغة تخييليّة لأنّها من نتاج الخيال الخلاّق، يتّخذ فيها العائد أشكالا شتّى كأن يكون طيفا أو شبحا أو حيّا ميّتا. ولعلّ صورة المنبعث من قبره قبل النّشر لمن أقوى ما أبدعته القريحة الرّوائيّة العربيّة. فهي تصوغ ضربا من الوعي الحادّ بوطأة انبثاق الماضي على نحو شقيّ في حاضر لم يعد يمثّل ديمومته ولا استمراره بعد أن صار من المستحيل تكراره أو استنساخه.
يجسّم المشهد التّدشينيّ في رواية محمّد المويلحي “حديث عيسى بن هشام” هذا العائد من موته وقد بدأ وعيه بزوال زمانه يحتدّ كلّما غاص أكثر فأكثر في أعماق المدينة الحديثة. تبدأ الرّواية بتجوّل الرّاوي عيسى بن هشام في المقابر معتبرا. وفجأة ينشقّ القبر وتنطلق الأحداث على هذا النّحو: “وبينا أنا في هذه المواعظ والعبر، وتلك الخواطر والفكر، أتأمّل في عجائب الحدثان، وأعجب من تقلّب الأزمان، مستغرقا في بدائع المقدور، مستهديًا للبحث في أسرار البعث والنّشور، إذا برجّة عنيفة من خلفي، كادت تقضي بحتفي، فالتفتّ التفاتة الخائف المذعور، فرأيت قبرًا انشقّ من تلك القبور، وقد خرج منه رجل طويل القامة، عظيم ُالهامة، عليه بهاءُ المهابة والجلالة، ورُواء الشّرف والنّبالة، فصعقت من هول الوَهل والوجل، صعقة موسى يوم دُكَّ الجبل، ولمّا أفقت من غشيتي، وانتبهت من دهشتي، ًأخذت أسرع في مشيتي، فسمعته يناديني، وأبصرته يدانيني، فوقفت امتثالا لأمره، واتقاءً لشرّه، ثمّ دار الحديث بيننا وجرى، على نحو ما تسمع وترى، بالتّركيّة تارة والعربيّة أخرى:
الدّفين: ما اسمك أيّها الرجل، وما عملك، وما الّذي جاء بك؟
فقلت في نفسي: حقّا إنّ الرّجل لقريب العهد بسؤال الملكين، فهو يسأل على أسلوبهما، فاللّهمّ أنقذني من الضيق، وأوسع لي في الطّريق لأخلُص من مناقشة الحساب، وأكتفي شرّ هذا العذاب، ثم التفت إليه فأجبته:
عيسى بن هشام: اسمي عيسى بن هشام، وعملي صناعة الأقلام، وجئت هنا لأعتبر بزيارة المقابر، فهي عندي أوعظ من خطب المنابر.
الدفين: وأين دواتك يا معلّم عيسى ودفترك؟
عيسى بن هشام: أنا لست من كتّاب الحساب والدّيوان، ولكنّي من كتاب الإنشاء والبيان.
الدفين: لا بأس بك، فاذهب أيّها الكاتب المنشئ، فاطلب لي ثيابي، وليأتوني بفرسي َ«دحمان.«
عيسى بن هشام: وأين يا سيّدي بيتكم فإنّي لا أعرفه؟
الدفين (مشمئزا): قل لي بالله من أيّ الأقطار أنت، فإنّه يظهر لي أنّك لست من أهل مصر؛ إذ ليس في القطر كله من أحد يجهل بيت أحمد باشا المنيكلي ناظر الجهادية المصرية.
عيسى بن هشام: اعلم أيّها الباشا أنّني رجل من صميم أهل مصر، ولم أجهل بيتك إلاّ لأنّ البيوت في مصر أصبحت لا تُعرف بأسماء أصحابها، بل بأسماء شوارعها ُوأزّقتها وأرقامها، فإذا تفضّلت وأوضحت لي شارع بيتكم وزقاقه ورقمه انطلقت إليه وأتيتك بما تطلبه.
الباشا مغضبًا: ما أراك أيّها الكاتب إلاّ أنّ بعقلك دخلا، فمتى كان للبيوت أرقام تُعرف بها! وهل هي «إفادات أحكام» أو «عساكر نظام»؟ والأولى أن تناولني رداءك أستتر به وتصاحبني حتّى أصل إلى بيتي” ([42]).
يرسم هذا المشهد التّدشينيّ من رواية المويلحي مسارين مختلفين: مسار من يريد العبور من الحاضر إلى الماضي بواسطة العبرة والاعتبار، راجيا أن يجد في تجارب الموتى والتّفسّح بين قبورهم ما يُعزّيه عن عجز العيش بين الأحياء، ومسار من وجد نفسه يخوض مغامرة العبور من الماضي إلى الحاضر بانبعاث من الموت سابق لأوان البعث الأخرويّ. وبالتقاء الشّخصيّتين، الرّاوي والبطل، أو عيسى بن هشام والدّفين “أحمد باشا المنيكلي ناظر الجهادية المصرية“، يلتقي مسارهما المتعاكس في لحظة غير راهنة inactuel لخوض مغامرة التّعرّف إلى المدينة الجديدة في الأزمنة الحديثة بذاكرة هذا العائد الّذي لا يمكن أن نتعرّف إليه إلاّ بفضل خيالنا الخلاّق ([43]). ينبغي أن نسجّل في هذا المقام أنّ التّعرّف إلى كلّ عائد سواء أكان طيفا أم شبحا أم منبعثا من موته غير ممكنة إلاّ بالقصّ، أو بفضل الحبكة القصصيّة. ولمّا كان التّعرّف «reconnaissance-Anagnôrisis» يتعلّق في الأصل عند أرسطو بالقرابة، «Alliance-Philia»، أي بالرّابط الذي يوحّد أعضاء مجموعة مغلقة توحيدا قائما على قرابة الدّم، أو الصّداقة، أو الضيافة ([44])، فإنّ موضوع التّعرّف في رواية محمّد المويلحي لم يعد متعلّقا بروابط القرابة، وإنّما بمكان الإقامة. ومن الشّيّق أنّ السّؤال الأوّل الّذي طرحه عيسى بن هشام على الدّفين لم يتعلّق باسمه بل ببيته. “قل لي أين تسكن؟ أقل لك من أنت” ([45]). فالبيت يمثّل المكان الّذي ترتكز عليه الكينونة ويستند إليه كلّ كيان. فأن نكون بهذا المعنى هو أن نتمكّن من المكان، مادام المكان في بعض ما جاء في اللّسان مشتقّ “من التّمكّن دون الكون” ([46]). وحتّى نكون ينبغي أن نجد مكان الوجود، أي المَوْجِد، أو الموضع الّذي تحلّ فيه الكينونة، فتتغلغل في المكان وتتمكّن، فتصبح هي والمكان كيانا واحدا. وإذا كان البيت يعرف عند الدّفين في زمانه قبل بعثه باسم صاحبه “ليس في القطر كلّه من أحد يجهل بيت أحمد باشا المنيكلي ناظر الجهادية المصرية” فإنّ قواعد التّعرّف إلى البيت قد تغيّرت بعد بعثه، إذ “البيوت في مصر أصبحت لا تُعرف بأسماء أصحابها، بل بأسماء شوارعها ُوأزّقتها وأرقامها”. ومعنى ذلك أنّ قواعد بناء العلاقات الاجتماعيّة لم تعد محكومة بالميراث العائليّ والاسم وألقاب النّبالة، أي برأس المال الرّمزيّ الموروث، بل بالانتماء إلى المدينة وطرائق الإقامة فيها. فمبدأ التّسجيلLe principe d’inscription هو الّذي يحدّد هويّة الفرد، مادام التّسجيل هو الّذي “يثبّت الوجود في مكان، لأنّ المكان هو الّذي يمنح الوجود” ([47]). ولمّا كان العائد، هذا المنبعث من موته، لا يحمل من كيانه سوى جسمه واسمه القديمين صار تسجيله في فضاء المدينة الحديث غير ممكن إن لم يكن مستحيلا. ولذلك كانت مغامرته في أرجاء المدينة، في الشّرق والغرب، مجرّد مغامرة تيه وضياع. فهي تؤكّد ما ذهب إليه باشلار من أنّه “إن لم نعلم إلى أين نسير، فإنّنا نوشك أن لا نعلم أين نوجد” ([48]). هذا التّيه ضروريّ لأنّ العائد غريب قد فقد حقّ الإقامة في المدينة، ولم يبق له إلاّ أن يشاهد ما طرأ عليها من تغيّر لا يثبت شيئا سوى زوال الماضي واستحالة عودته إلاّ على سبيل الذّكرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش والمراجع:
[1] انظر الفقرة الثّانية من مقدّمة الطّبعة الألمانيّة الثّانية من كتاب، Friedrich Nietzsche, (2003) Le Gai savoir, Traduit de l’allemand par Pierre Klossowski, Paris, folio-essais, p24.، والتّعريب تعريبنا.
[2] انظر، Catherine Malabou, (2007) Les Nouveaux blessés, De Freud à la neurologie, penser les traumatismes comtemporains, Paris, Bayard. .
[3] سبق أن عالجنا مفهوم “ذوات ما بعد الصّدمة” في مقالتنا “عودة أورفيوس أو تجربة الهجر في عوالم هاروكي موراكامي الرّوائيّة“، المنشورة في، العادل خضر، يوتوبيات العبور1، العبور بالكلمات، كتابات في اليوتوبيا الأدبيّة، تونس، الدّار التّونسيّة للكتاب، الطّبعة الأولى، 2023، ص202.
[4] انظر، Samuel Phillips Huntington, (2000) Le Choc des civilisations, Traduit de l’anglais (États-Unis) par Jean-Luc Fidel et Geneviève Joublain, Patrice Jorland, Jean Jacques Pédussaud, Paris, Éditions Odiles Jacob poches.
[5] أدونيس، علي أحمد سعيد، الثّابت والمتحوّل، بحث في الاتّباع والإبداع عند العرب، ج3 صدمة الحداثة، بيروت، دار العودة، الطّبعة الأولى، ص258.
[6] أدونيس، م.م، ص255.
[7] انظر، Friedrich Nietzsche, (1990) Considérations inactuelles I et II / Fragments posthumes (Eté 1872 – Hiver 1873-1874), Traduit de l’allemand par Pierre Rusch, Paris, nrf Galimard, p290.، حيث وردت عبارة «le philosophe comme médecin de la civilisation».
[8] انظر، Abdelwahab Meddeb, (2002) La maladie de l’Islam, Paris, Éditions du Seuil, Collection «La couleur des idées», p10-11.، الّذي اقتبس من كتاب فولتير، Voltaire, (1989) Traité sur la tolérance, Paris, GF-Flammarion, p131.، قوله “إذا وُجد بعض المصروعينconvulsionnaires في ضاحية من الضواحي، فذاك مرض خبيثٌ لا يصيب إلاّ أرذل الخلق من الغوغاء. كلّ يوم، يتسلّل العقل إلى فرنسا، في حوانيت التجّار كما يتسلّل إلى قصور الأسياد. لذا، يجب علينا أن نعتني بثمار هذا العقل.”. والإبراز إبرازنا، والتّعريب تعريبنا، وإن كانت التّرجمة العربيّة لهذا الكتاب متوفّرة بعنوان معدّل، عبد الوهّاب المؤدّب، أوهام الإسلام السّياسيّ، نقله إلى العربيّة محمّد بنّيس والمؤلّف، بيروت دار النّهار للنّشر، الطّبعة الأولى، 2002، ص15.
[9] انظر، Abdelwahab Meddeb, La maladie de l’Islam, op.cit, p11.
[10] نجد تشخيص هذه الصّدمة وتصوّرا لحلولها في فصل “صدمة الحداثة”، من كتاب، أدونيس، علي أحمد سعيد، الثّابت والمتحوّل، بحث في الاتّباع والإبداع عند العرب، ج3 صدمة الحداثة، م.م، ص254-278.
[11] العادل خضر، الأدب عند العرب، سننه ووظائفه ومؤسّساته، مقاربة وسائطيّة، تونس، الطّبعة الثّانية، دار مسكلياني للنّشر والتّوزيع، 2017، ص663.
[12] العادل خضر، م.ن، ص11، حيث بيّنّا أنّ من “ما يسمّى بالنّهضة العربيّة يمكن أن يفسّر بتغيّر الدّائرة الوسائطيّة الّتي تسبّبت فيه دخول المطبعة إلى بعض البلدان العربيّة. ومن مظاهر هذا التّغيّر الكثيرة اندثارُ بعض أشكال التّأليف كالمختصرات والحواشي والعزوف عن الكتابة السّجعيّة بوصفها أسلوبًا رسميّا ارتبط بالمؤسّسات التّعليميّة الدينيّة وتقنيةً تذكّريّة تساعد على الحفظ، واستبدالُها بكتابة مرسلة خلقت أشكالها الأدبيّة الخاصّة بها كالمقالة الصّحفيّة والمذكّرات والرّواية والقصّة القصيرة… الّتي أنشأت بدورها جمهورا جديدا له عادات جديدة في التّقبّل والقراءة والتّفكير والنّظر يختلف عن جمهور علماء المساجد وطلاّبها.”.
[13] انظر، Régis Debray, (1991) Cours de médiologie générale., Paris, folio-essais, p494.. وقد نقل إلى العربيّة بهذا العنوان، ريجيس دوبريه، محاضرات في علم الإعلام العام ـ الميديولوجيا ـ، ترجمة فؤاد شاهين وجورجيت الحدّاد، بيروت ـ لبنان، دار الطّليعة، الطّبعة الأولى، 1996، ص228.
[14] آية ذلك السّلطان المغربي، أبو العباس أحمد المنصور بالله السّعدي [956هـ/1549م- 1012هـ/25 1603م]، أشهر سلاطين الدّولة السّعديّة في المغرب الأقصى. ففي كتاب، محمّد الصّغير الإفراني، نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي، تقديم وتحقيق عبد اللطيف الشّاذلي، الدّار البيضاء – المغرب، مطبعة النّجاح الجديدة، الطبعة الأولى، 1998، ص168-169، يذكر المؤلّف سبب إطلاق تسمية “الذّهبي” عليه في الفصل السّادس والثّلاثين “ذكر الخبر عن بعث المنصور جيوشه إلى السّودان”. وممّا جاء فيه “ولمّا فتح الله عليه ممالك البلاد السّودانيّة، حُمل له من التّبر ما يغير الحاسدين، ويحير النّاظرين، حتّى كان المنصور لا يُعطي في الرّواتب إلاّ النّضار الصّافي والدّينار الوافي. وكانت ببابه كلّ يوم أربعة عشر مائة مطرقة لضرب الدّينار، دون ما هو معدّ لغير ذلك من صوغ الأقراط والحليّ وشبه ذلك. ولأجل ذلك لقّب بالذّهبي لفيضان الذّهب في أيّامه.” والإبراز إبرازنا. ولم يفض عليه الذّهب إلاّ “لمّا فتح الله عليه ممالك البلاد السّودانيّة” بقوّة البارود الّتي امتلكها المنصور ولم يمتلكها أسلافه من ملوك الدّول السّابقة “لأنّ جيوشهم فرسان رامحة ورماتهم ناشبة. ولم يكن عندهم هذا البارود وعساكر النّار المرهبة بالصّواعق. وأهل السّودان لم يكن عندهم الآن إلاّ الرّماح والسّيوف. وهي لا تُقاوم هذه المدافع المستحدثة. فمقاتلتهم سهلة، وحربهم أسهل من كلّ شيء. وأيضا فإنّ بلاد السّودان أنفع من إفريقيّة، فالاشتغال بها أولى من منازلة الأتراك، لأنّه تعب كثير في نفع قليل.”، ص164. والإبراز إبرازنا.
[15] انظر، Rémi Brague, (2014) Modérément moderne., Le temps moderne ou l’invasion d’une supercherie, Paris, Flammarion, Champs essais, p37-38. الّذي قارن الفرق بين أوروبا والإسلام بالفارق بين الإسلام الّذي عاد منذ القرن الحادي عشر إلى الغزوات والاتّساع مع الأتراك العثمانيّين وأوروبا الّتي بدأت تنتعش وتتقوّى بما كانت تأخذه من الحضارات الأخرى لتعيد بناء ثقافتها، بينما اكتفى الإسلام بما كان ينتجه دون حاجة إلى الآخر.
[16] انظر، Serge Grusinski, (1988) La Colonisation de l’imaginaire, Sociétés indigènes et occidentalisation dans le Mexique espagnol, XVIe-XVIIIe siècle, Paris, Gallimard, Bibliothèque des Histoires.
[17] انظر،Peter Sloterdijk, (1987) Critique de la raison cynique, Traduit de l’allemand par Hans Hildenbrand, Paris, Christian Bourgeois Éditeur, p8.، الّذي بيّن أنّ هذا الشّعار قد حفر قبر الفلسفة، ومن جثّتها كما يقول “نجمت في القرن التّاسع عشر العلوم الحديثة ونظريّات السّلطان كعلم السّياسة، ونظريّة صراع الطّبقات، والتّكنقراطيّة، والمذهب الإحيائيّ، بجميع أشكالها مدجّجة. “العلم/المعرفة هو السّلطان”. ذاك ما أفضى حتما إلى تسييس الفكر.”
[18] نجد تشخيص هذه الصّدمة وتصوّرا لحلولها في فصل “صدمة الحداثة”، من كتاب، أدونيس، علي أحمد سعيد، الثّابت والمتحوّل، بحث في الاتّباع والإبداع عند العرب، ج3 صدمة الحداثة، م.م، ص254-278.
[19] انظر،Boris Groys, (1995) Du Nouveau, Essai d’économie culturelle, traduit de l’allemand par Jean Mouchard, Paris, Editions Jacqueline Chambon, p10.، حيث يقول: « Le nouveau est nouveau par rapport à l’ancien, à la tradition ».
[20] انظر،ibid, p129.
[21] العادل خضر، العادل خضر، يوتوبيات العبور1، العبور بالكلمات، كتابات في اليوتوبيا الأدبيّة، تونس، الدّار التّونسيّة للكتاب، الطّبعة الأولى، 2023، ص55-56.
[22]عبد الرّحمان بن حسن الجبرتي، عجائب الآثار في التّراجم والأخبار، تحقيق عبد الرّحيم عبد الرّحمان عبد الرّحيم، القاهرة، دار الكتب والوثائق القوميّة، مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر، عن طبعة بولاق، مطبعة دار الكتب المصريّة بالقاهرة، 1998.
[23]رفاعة رافع الطّهطاوي، تخليص الإبريز في تلخيص باريس، القاهرة، جمهوريّة مصر العربيّة، مؤسّسة هنداوي للتّعليم والثّقافة، 2012.
[24] انظر، مقالنا “من هو الأوروبيّ؟ أو الاستشراق والمنظور الإمبريالي. تأمّلات في كتاب، “الاستشراق: الشّرق وقد ابتدعه الغرب” لإدوارد سعيد” ضمن كتاب، العادل خضر، هويّات وغيريّات، مقالات في صناعة الآخر، تونس، الدّار التّونسيّة للكتاب، الطّبعة الأولى، 2018، ص101-116، حيث بيّنّا أنّ الإنسان «الأوروبيّ» في «الشّرق» هو في غير مكانه. ونجد هذا التّصوّر عند إدوارد سعيد حين يقول: “فأن يكون المرء أوروبيّا في الشّرق يتضمّن دوما أنّه على وعي بكونه متميّزا عن محيطه، وأنّه يعقد معه علاقة لا مساواة. وتمثّل علاقة اللاّمساواة الّتي يعقدها «الأوروبيّ» مع مكان «اللاّ أوروبيّ» هذا الضّرب من الاختلاف الّذي نطلق عليه تسمية “الاختلاف الأدنى” la différence minimale. وقد نشأ على نحو تلازميّ بين إرادتيْ المعرفة والقوّة. وقد كان رهانها الأعظم هو جعل «الشّرق»، هذا المجال «اللاّ أوروبيّ»، على شاكلة الغرب الأوروبيّ.”.
[25]عبد الرّحمان بن حسن الجبرتي، عجائب الآثار في التّراجم والأخبار، تحقيق عبد الرّحيم عبد الرّحمان عبد الرّحيم، القاهرة، دار الكتب والوثائق القوميّة، مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر، عن طبعة بولاق، مطبعة دار الكتب المصريّة بالقاهرة، 1998، الجزء الثّالث، ص57.
[26] عبد الرّحمان بن حسن الجبرتي، م.ن، ص59.
[27] عبد الرّحمان بن حسن الجبرتي، م.ن، ص59.
[28] انظر، Michel Serres, (1980) Le Passage du Nord-Ouest, Hermes V, Paris, Éditions Minuit, p119. حيث استخلص أنّ سفر زينون ليس من نسق القرار وإنّما من نسق العبور: «Elle n’est pas de l’ordre de la décision, mais de l’ordre du passage.».
[29] عبد الرّحمان بن حسن الجبرتي، م.ن، ص60. والإبراز إبرازنا.
[30] العادل خضر، يوتوبيات العبور1، العبور بالكلمات، كتابات في اليوتوبيا الأدبيّة، م.م، ص73.
[31] العادل خضر، م.ن، ص74.
[32] سبق لبارط أن بيّن في كتابه، Roland Barthes, (1972) Le Degré zéro de l’écriture, suivi de Nouveaux essais critiques, Paris, Points-Essais, p18. ، أنّ “للّغة والأسلوب قوّتان عمياوان، أمّا الكتابة فهي فعل تضامن تاريخيّ. فاللّغة والأسلوب موضوعان أمّا الكتابة فهي وظيفة، هي العلاقة بين الإبداع والمجتمع، هي اللّغة الأدبيّة وقد حوّلها مصيرها الاجتماعيّ، وهي الشّكل وقد تقيّد بمقصده الاجتماعيّ وارتبط على ذلك النّحو بأزمات التّاريخ الكبرى.”. وهذه الفقرة هي تعريبنا لهذا الشّاهد، «Langue et style sont des forces aveugles; l’écriture est un acte de solidarité historique. Langue et style sont des objets; l’écriture est une fonction : elle est le
rapport entre la création et la société, elle est le langage littéraire transformé par sa destination sociale, elle est la forme saisie dans son intention humaine et liée ainsi aux grandes crises de l’Histoire.».
[33]يمكن العودة إلى كتابيها، Elisabeth Kübler-Ross, (1975) Les Derniers Instants de la vie, trad. Cosette Jubert, Genève, Labor et Fides. ، وكذلك، Elisabeth Kübler-Ross & David Kessler (2009) Sur le chagrin et sur le deuil : trouver un sens à sa peine à travers les cinq étapes du deuil , trad. Joëlle Touati, Éditions Jean-Claude Lattès.، حيث تشرح هذه الأطوار مرفقة بأمثلة. وهي: 1 – النّكران le déni: ومثاله قول الإنسان المريض بمرض عضال لا شفاء منه “هذا غير ممكن، لا بدّ أنّهم أخطؤوا”. وفي هذا الطّور، ليس النّكران سوى رفض للأمر الواقع وعدم قبوله. 2 – الغضب la colère: ومثاله “لماذا أنا وليس الآخر؟ هذا ليس عادلا”. وهو ينفجر حالما يضحي نكران الأمر الواقع غيرَ ممكن. 3 – المساومة le marchandage: ومثاله “دعني أعيش لسنوات أخرى وسأفعل كلّ ما تريد”. وفي هذا الطّور تجري المساومة على أمل أنّنا نستطيع بصورة أو بأخرى الحدّ من خطر الأمر الواقع أو تأخير وقوعه.
4 – الاكتئاب la dépression: ومثاله “أنا أوشك على الموت، فما فائدة كلّ هذا”. وفي هذا الطّور يتغيّر نوع العلاقة باللّيبيدو حيث يتراجع كلّ تعلّق بالبقاء وتفقد الذّات رغبتها في تملّك موضوعها (الحياة). 5 – القبول l’acceptation: ومثاله “لم أعد قادرا على المقاومة. سأنتظر رمقي الأخير”.
[34] انظر، مقالة “الحداد والماليخوليا”، «Deuil et mélancolie»، ضمن كتاب، Sigmund Freud, (2002) Métapsychologie, Traduit de l’allemand et corrigé par Jean Laplanche et J.-B Pontalis, Paris, folio-essais, p.p145-171. حيث بيّن الفارق بين الحداد والماليخوليا بنوع العلاقة باللّيبيدو.
[35]العادل خضر، الأدب عند العرب، م.م، ص407.
[36] أدونيس، الشّعريّة العربيّة، بيروت، دار الآداب، الطّبعة الثّانية، 1989، ص91-92. والإبراز إبرازنا.
[37]أدونيس، الثّابت والمتحوّل، بحث في الإبداع والإتباع عند العرب، الجزء الرّابع، صدمة الحداثة وسلطة الموروث الشّعريّ، بيروت، دار السّاقي، الطّبعة السّابعة، 1994، ص46. والإبراز إبرازنا.
[38] أدونيس، م.ن، ص50.
[39] محمّد بنيس، الشّعر العربي الحديث، بنياته وإبدالاتها، التّقليديّة، ج1، دار البيضاء – المغرب، دار توبقال للنّشر، الطّبعة الأولى، 1989، ص71.
[40] يقول جامس وليامز James Williams معلّقا على معنى “الماضي المحض” عند دولوز ما يلي: “كلّ ماض محض ينبغي أن يكون مجموع الماضي، ولكنّه ينبغي أن يكون أيضا قابلا لأن يتحوّر بقدوم كلّ حاضر جديد.”«le passé pur doit être l’ensemble du passé mais doit aussi être modifiable par la survenue de tout nouveau présent.»، نقلا عن، Slavoj Žižek, (2015) Moins que rien, Hegel et l’ombre du materialism dialectique, Traduit de l’anglais par Christine Vivier, Paris, ouvertures, fayard, p59.
[41] انظر، Jean-François Hamel, (2006) Revenances de l’histoire, Répétition, Narrativité, Modernité, Les Éditions de Minuit, p.p26-27.
[42]محمّد المويلحي، حديث عيسى بن هشام، أو فترة من الزّمن، القاهرة، كلمات عربيّة للتّرجمة والنّشر، طبعة 2013، ص15-16.
[43] انظر، Jean-claude Schmitt, (1994) Les Revenants, Les vivants et les morts dans la société médiévale, Paris, Collection Bibliothèque des Histoire, Gallimard, p75. الّذي يؤكّد أنّ: «Les revenants […] n’existent que par la force de l’imagination des vivants »
[44] أرسطوطاليس، فنّ الشعر. ترجمه عن اليونانية وشرحه وحقّق نصوص الترجمة العربية القديمة وشروح الفارابي وابن سينا وابن رشد عبد الرحمان بدوي، بيروت-لبنان، دار الثقافة، د.ت، ص32.
[45] انظر، Michel Serres, (1996) Atlas, Paris, Champs Flammarion, p42حيث يقول:
« Dis-moi donc où tu habites et je te dirai qui tu es ».
[46] انظر، لسان العرب، جذر [ك.و.ن] وقد جاء في هذا الفصل أنّ ” المكان: الموضع، الجمع أمكنة وأماكن توهّموا الميم أصلا حتّى قالوا تمكّنوا في المكان.. وقيل الميم في المكان أصل من التّمكّن دون الكون… المكان اشتقاقه من كان يكون…”.
[47] ريجيس دوبريه، نقد العقل السّياسي، ترجمة عفيف دمشقيّة، بيروت، منشورات دار الآداب، الطّبعة الأولى، 1986، ص.ص406-408.
[48] انظر، Gaston Bachelard, (1957-2004) La poétique de l’espace, Paris, Quadrige/PUF, p170. حيث يقول: «Bientôt, si l’on ne sait où l’on va, on ne sait plus où l’on est.»