صورة الآخر غير المسلم في القرن 19 :خير الدين التونسي (ت 1889 )أنموذجا

 تكوين

يعتبر خير الدين التونسي (ت 1890م) أحد أبرز روّاد الإصلاح في العالم الإسلامي خلال القرن التاسع عشر، ومن الشخصيات الرئيسية في تاريخ الفكر السياسي العربي الحديث، فقد جمع بين التجربة السياسية والإدارية العميقة والرؤية الإصلاحية المستنيرة المستندة إلى الفقه الإسلامي ومكتسبات الفكر الأوروبي.

ويعدّ كتابه “أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك” الصادر في سنة 1867 أول محاولة عربية منهجية لتشخيص أسباب تقدّم الغرب وتخلّف المسلمين وهو ما أهّله ليكون من أهم الكتب الإصلاحية في ذلك الزمن. وقد دعا فيه إلى الأخذ بأسباب التمدّن الأوروبي من دون تقليد أعمى وإلى إصلاح الإدارة وتقييد سلطة الحاكم بالدستور والقانون وإلى إقامة مجلس شورى (برلمان) يشارك فيه أهل الكفاءة والرأي وإلى  إصلاح التعليم وتحديث مناهجه وتحقيق العدالة والمساواة بين الرعايا.

ويمكن الذهاب إلى أنّ من أهمّ دعامات هذا الإصلاح في نظرنا محاولة صاحب الكتاب تغيير الموقف الإسلامي المتوارث من الآخر غير المسلم، فقد كان هذا الموقف يستهجن غير المسلم ويعرض عن سيره وتشريعاته ومؤلفاته ويستنكر مواقف المادحين لأي من أعماله.

ويذهب خير الدين إلى تخطئة هذا الموقف ورسم صورة إيجابية لغير المسلمين الذين وسّعوا دوائر العلوم ومهدوا طرق الثروة من الزراعة والتجارة وروّجوا سائر الصناعات ونفوا أسباب البطالة. وكان الأساس في كل ذلك “حسن الإمارة المتولد منه الأمن المتولد منه الأمل المتولد من إتقان العمل المشاهد في الممالك الأوروباوية بالعيان وليس بعده بيان” [1].

ولمّا كان خير الدين واعيا أن موقفه صادم للموروث حاول تبريره اعتمادا على حجج من داخل المنظومة الإسلامية لا من خارجها، وهي حجج نقلية وعقلية تصدرتها الحجة العقلية المتمثلة في جواز الاقتداء بالآخر -وان كان يراه ضالا في دينه- في أعماله المتعلقة بالمصالح الدنيوية.

يتجلى من خلال هذا الرأي دنيوة الموقف من الآخر لدى خير الدين  فعلى خلاف الفقهاء القدامى الذين يستهجنون التعامل مع غير المسلم إن في شؤون الدين أو في أمور الدنيا فإن خير الدين يميز ويفصل بين المجالين ويجيز هذا التعامل في مجال المصالح الدنيوية، وحجته التي تعضد رأيه هذا تتمثل في أن الحق يتّبع ويقبل إن كان صوابا سواء كان صاحبه من أهل الحق أو من غيرهم “فليس بالرجال يعرف الحق بل بالحق تعرف الرجال” [2].

وقد سعى خير الدين إلى إسناد هذا الرأي بحجج دينية وتاريخية منها حديث عدّته عدة كتب ضعيفا وهو “الحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث وجدها”، أمّا الحجة الثانية فهي أخذ الرسول برأي سلمان الفارسي (ت 36 ه). ويتمثل هذا الرأي في حفر خندق حول المدينة في غزوة الأحزاب. وأورد خير الدين حجة ثالثة تتمثل في أثر روي عن الصحابي علي بن أبي طالب هو “لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال[3]“. ويذكر خير الدين حجة رابعة ذات طابع تاريخي تتمثل في الانطلاق من تجويز العلماء القدامى اعتماد المنطق وترجمته للانتهاء إلى جواز الأخذ من معارف الآخر وغير المسلم للحاجة إليها، يقول في هذا السياق:” وإذا ساغ للسلف الصالح أخذ مثل المنطق من غير أهل ملّتهم وترجمته من لغة اليونان لما رأوه من الآلات النافعة حتى قال الغزالي: “من لا معرفة له بالمنطق لا يوثق بعلمه”، فأي مانع لنا اليوم من أخذ بعض المعارف التي نرى أنفسنا محتاجين إليها غاية الاحتياج في دفع المكائد وجلب الفوائد”.

ولا يكتفي خير الدين بهذه الحجج بل يضيف حجتين من المدونتين الفقهيتين المالكية والحنفية فهو يورد على الصعيد الأول ما قاله الشيخ المواق المالكي (ت 897 ه) في كتابه “سنن المهتدين” وهو: “إنما نهينا عنه من أعمال غيرنا هو ما كان على خلاف مقتضى شرعنا أمّا ما فعلوه على وفق الندب أو الإيجاب أو الإباحة فإنّا لا نتركه لأجل تعاطيهم إياه لأن الشرع لم ينه عن التشبه بمن يفعل ما أذن الله فيه” [4].

أمّا على الصعيد الثاني فإنّ خير الدين يذكر قول الشيخ محمد بن عابدين الحنفي (ت 1836 م) في “حاشية الدر المختار ” :”إن صورة المشابهة فيما يتعلق به صلاح العباد لا تضر”[5]. ويلجأ خير الدين إلى حجج أخرى ذات طبيعة عقلية تتمثل في تناقض معارضي أعمال الآخر غير المسلم ونظمه فهم إذ يرفضون هذه النظم يبيحون لأنفسهم استعمال ملابسهم وأثاث مساكنهم وأسلحتهم.

يصل خير الدين بعد هذه الحجج المختلفة إلى عرض جوهر القضية، والمقصود وجوب اعتماد الأنظمة السياسية القائمة على العدل والحرية. يقول:” ولا سبب لما ذكرناه إلاّ تقدم الإفرنج في المعارف الناتجة عن التنظيمات المؤسسة على العدل والحرية فكيف يسوغ للعاقل حرمان نفسه ممّا هو مستحسن في ذاته ويستسهل الامتناع عمّا به قوام ونفعه بمجرد أوهام خيالية واحتياط في غير محله”[6] .

لقد أدرك خير الدين أنّ موازين القوه تغيرت لصالح الآخر غير المسلم وأنّ العقل يقتضي التخلي عن الموقف المتوتر من الآخر لأنّ من لا يقتدي بالآخر لمعرفة أسرار قوته والاقتداء بنظمه التي أدّت إلى قوته العسكرية فإنه سيضحي لقمة سائغة للأقوياء، يقول في هذا السياق:” إن الممالك التي لا تنسج على منوال مجاوريها فيما يستحدثونه من الآلات الحربية والتراتيب العسكرية يوشك أن تكون غنيمة لهم ولو بعد حين” [7] .

إن هذا الرأي الذي نقله خير الدين عن بعض الكتاب الغربيين لا يعني في نظره الاقتداء بالآخر في الأمور العسكرية فحسب بل الواجب فعل ذلك أيضا في كل ما يعتبر من أسباب تقدمه ودواعي قوته. ويثير خير الدين إشكالية جوهرية تتمثل في مدى إمكانية الحصول على عناصر قوه الآخر غير المسلم دون تقدم في العلوم وفي الحضارة وهل يمكن تحقيق ذلك التقدم دون إجراء تنظيمات سياسية تناسب التنظيمات التي نشاهدها عند غيرنا في التأسيس على دعامتي العدل والحرية اللذين هما أصلان في شريعتنا ولا يخفى أنهما ملاك القوة والاستقامة في جميع الممالك؟

يجيب خير الدين عن تساؤله هذا فيقرّر أنّ الآخر غير المسلم أو الدول الغربية حققت تقدمها في العلوم والصناعات من خلال التنظيمات المؤسسة على العدل السياسي. هكذا يرى خير الدين أن الإصلاح السياسي يسبق كل إصلاح ويؤدي إلى الرخاء الاقتصادي. وهذه القيمة ليست بدعا وحكرا على الغربيين بل هي متأصلة في التراثين الإسلامي والفارسي، ويورد في هذا الصدد أربعة نماذج تؤيد رأيه منها حديث الرسول “العدل عز الدين وبه صلاح السلطان وقوة الخاص والعام وبه أمن الرعية وغيرهم”، ومنها أحد أمثال الفرس وهو “الملك أساس والعدل حارس فما لم يكن له أساس فمهدوم وما لم يكن له حارس فضائع”، ومنها ما أورده الغزالي في كتابه “التبر المسبوك في نصائح الملوك” من أنّ ولي الأمر يحتاج إلى ألف خطة وكلها مجموعة في خصلتين إذا عمل به ما كان عادلا وهما عمران البلاد وأمن العباد. أما المثال الرابع فهو من “مقدمة ابن خلدون” ففيها حسب خير الدين “أدلة ناهضة على أن الظلم مؤذن بخراب العمران كيف ما كان”[8].

إن تركيز خير الدين على العدل السياسي ليس من فراغ بل هو نتيجة الواقع السياسي الذي كان يعايشه وهو واقع انتشر فيه الظلم السياسي يقول:” وبما جبلت عليه النفوس البشرية كان إطلاق أيدي الملوك مجلبة للظلم على اختلاف أنواعه كما هو واقع اليوم في بعض ممالك الإسلام ووقع بممالك أوروبا في تلك القرون عند استبداد ملوكها بالتصرف المطلق في عبيد الله من غير تقيد بقانون عقلي لمنافاته لشهواتهم ولا شرعي لعدم وجوده في الديانة المسيحية[9] .

يبرز هذا الرأي أن الظلم السياسي في نظر خير الدين ناشئ عن الاستبداد بالحكم وغياب الالتزام بقوانين عقلية أو شرعية وهذا الوضع مخالف لأصول الشريعة الإسلامية لا سيما أصل وجوب المشورة.

ولا ريب في أنه يعتبرها من أهم أصول الشريعة لمعالجة واقع عصره، وقد اعتمد أدلة من داخل المنظومة الإسلامية لتكون أقرب إلى الإقناع بموقفه.

ويأتي في صدارة هذه الأدلة ما ورد في القرآن والسنة من أمر بالشورى، وهو ما يؤكده قول ابن العربي (ت 543 ه):” المشاورة أصل في الدين وسنة الله في العالمين وهي حق على عامة الخليقة من الرسول إلى أقل الخلق”[10]. ويعضد هذا الرأي قول علي بن أبي طالب: “لا صواب مع ترك المشاورة”، وقول الغزالي: “الخلفاء وملوك الإسلام يحبون الرد عليهم ولو كانوا على المنابر”. ولا يتأتى إصلاح النظام السياسي ومقاومة الاستبداد في نظر خير الدين عن طريق الشورى فحسب بل لابد من أمر آخر سمّاه ضرورة الوازع ووجوب تغيير المنكر من قبل أهل الحل والعقد” [11].

ولمّا كان الوازع يعني الزاجر والمانع الداخلي الذي يمنع من ارتكاب سلوك معين نستخلص أن ما يوازيه في المجال السياسي حضور سلطة رقابة على أصحاب الحكم تمنع من استبدادهم بالسلطة وظلمهم منظوريهم. ولا شك في أنّ خير الدين ينطلق من النظام السياسي الغربي الذي أقام المجالس النيابية لمواجهة الحكم المطلق ومراقبته لكنه يحاول بالتوازي مع ذلك تأصيل هذا النظام في التراث الإسلامي القديم. يقول في هذا السياق:” ونصب الأوروباويون المجالس وحرّروا المطابع فالمغيرون للمنكر في الأمة الإسلامية تتقيهم الملوك كما تتقي ملوك أوروبا المجالس وآراء العامة الناشئة عنها وعن حرية المطابع”[12]. ويماهي خير الدين بين الفريقين أي المسلمين والغربيين فيعتبر أن مقصودهما واحد وهو الاحتساب على الدولة وقصده بذلك مراقبتها. وفات خير الدين أن هذه المماهاة لا يمكن أن تكون تامة لأن المراقبة وإن كانت موجودة في التراث والتاريخ الإسلاميين من خلال وجوب تغيير المنكر من قبل أهل الحل والعقد فإن الواقع السياسي الإسلامي لم يشهد تحويل المراقبة السياسية إلى نظام أو هيكل مخصوص له حضور مادي على غرار المجالس النيابية التي وجدت في الأنظمة الغربية لأنّ الحكّام المستبدّين في الدول الإسلامية لم يسمحوا بتحويل الإجماع أو الشورى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى مؤسسات قائمة الذات في الواقع حتى لا يقع الحدّ من سلطتهم المطلقة.

ولا يخفي خير الدين تبنّيه النظام السياسي الغربي أي النظام السياسي لغير المسلمين اعتمادا على أصل تشريعي تكميلي هو المصلحة. وقد عبّر عنه بعبارة “اعتبار المصالح المناسبة للوقت والحال”[13]. ويتجلى هذا النظام في تصور خير الدين من خلال نفي انفراد الملك بالحكم وتشريك أهل الحل والعقد والوزراء المباشرين في الحكم. يقول:” وجب علينا أن نجزم بأن مشاركة أهل الحل والعقد للملوك في كليات السياسة مع جعل المسؤولية في إدارة المملكة على الوزراء المباشرين لها بمقتضى قوانين مضبوطة مراعى فيها حال المملكة أجلب لخيرها وأحفظ له”[14]. ويتأكد تأثر خير الدين بالمرجعية الغربية في تصور النظام السياسي من خلال إحالته على الفيلسوف وعالم الاقتصاد الانجليزي ستوارت مل (ت 1873 م) فقد نقل عنه قوله:” إن رفعة شأن الأمة الانجليزية بلغت الغاية في مدة الملك جورج الثالث الذي كان مجنونا” [15].

ويعتبر خير الدين أن ذلك لم يكن ممكنا بغير مشاركة أهل الحل و العقد ومسؤولية الوزراء لهم. ولئن حافظ خير الدين على المصطلحات السياسية المعهودة في الفقه السياسي الإسلامي فانه يقصد بها دلالات سياسية غربية من شأنها تقييد سلطة الحاكم المستبد إن من خلال لزوم المشورة وإن من خلال منح المسؤولية للوزراء. وقد شدّد خير الدين على تقييد سلطة الحاكم وإن تمتع بخصال إيجابية. فعندما قسم صور الملك إلى ثلاث ذكر في أولها أن يكون الملك كامل المعرفة والمحبة لخير الوطن قادرا على إجراء المصالح بمراعاة الأصلح. ولم يعف هذا الصنف من لزوم المشورة ومسؤولية الوزراء فهو في رأيه لا يعطل كامل المعرفة عن مقصده الحسن لكنه يساعده لاتفاق الجميع على المصلحة.

ولئن قدم خير الدين عدة شواهد من الفقه السياسي الإسلامي لتعضيد فكرة تقييد سلطة الحاكم منعا لانفراده بالسلطة فإن خطابه لا يخفي أن القادح الأساسي لهذا الموقف احتكاكه وتجربته مع الآخر الغربي غير المسلم. ويعرض في هذا السياق مكالمة وقعت بينه وبين أحد أعيان أوروبا أسهب فيها بمدح ملكهم وذكر ما له من مزيد المعرفة بأصول السياسة حتى قال إنه متقيد بطبعه وعقله عن سلوك غير منهاج الصواب فقلت له: كيف تشاحّونه في الحرية السياسية وترومون مشاركته في الأمور الملكية والحال إنكم تسلّمون له من الكمالات ما لا يحتاج معه إلى المشاركة فأجابني بقوله: من يضمن لنا بقاءه مستقيما واستقامة ذريته بعده؟”[16].

لقد كانت الثقافة الغربية سلطة مرجعية أساسية استلهمها خير الدين لترسيخ الانعكاسات السلبية للاستبداد وعمل الحاكم بالرأي الواحد. وقد عوّل دعما لهذا الرأي على ما ذهب إليه أحد المؤرخين وهو تيارس(Thiers) (ت 1877م)، وقد كان عضوا بمجلس النواب الفرنسي في عهد خير الدين ووزيرا للملك فليب (ت 1848م) فقد قال:” إن العمل بالرأي الواحد مذموم ولو بلغ صاحبه ما بلغ من الكمالات والمعارف”[17] .

لقد علّم هذا المؤرخ الفرنسي خير الدين درسا تطبيقيا بليغا يتمثل في النظر في السيرة السياسية للملك الفرنسي نابليون فقد كانت بدايته في سنة 1800 إيجابية  لكنه بعد سنوات قليلة وتحديدا في سنة 1812 انقلب سلوكه السياسي إلى درجة أنه “تقرب بمليون من النفوس في ميدان الحرب وحمل أهل أوروبا على التعصب على فرنسا حتى بقيت مغلوبة غريقة في دمائها مسلوبة من نتائج انتصارها مدة عشرين سنة”[18]. والظاهر أن الرسالة الجوهرية التي أراد خير الدين أن يمررها من خلال كتابه على لسان غيره هو ما استخلصه المؤرخ الفرنسي من النظر في سيرة نابليون، يقول:” والأهم أمر واحد وهو أن لا يطلق أمر الوطن لإنسان واحد كائنا من كان وعلى أي حالة كان”[19].

يستنتج خير الدين مما تقدم من كلام الكاتبين الغربيين أن نفوس أهل الغرب جبلت على حب الحرية والامتناع من ظلم الملوك. ولمّا كان هذا الموقف يهدم الموقف المتوارث الذي يستهجن كلّ ما يأتي من الآخر غير المسلمين بحث عن قول لدى السلف يعزّز مذهبه فوجده لدى عمرو بن العاص (ت 43 ه/ 63 م) فهو يقول تعليقا على حديث أورده ومسلم:” سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقوم الساعة والروم أكثر الناس يقول:” لئن قلت ذلك إن فيهم لخلالا أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة وأسرعهم  إفاقة بعد مصيبة وأوشكهم كرة بعد فرة وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك[20]. إن صورة الآخر غير المسلم الإيجابية التي رسمها خير الدين لا تعني انبهاره التام بالغرب واستهجانه للأمة الإسلامية وتاريخها وهويتها فقد حرص على تقديم أمثلة تاريخية متنوعة تبرهن على أنّ قوة الدولة والأمة الإسلامية كانت نتيجة للعدل، يقول:” ويدلّ على القوة العسكرية الناتجة عن عدل الشريعة واتحاد الأمة ما يتيسر لهم من الفتوحات التي يشهد بها المؤرخون من الفريقين”[21].

ولئن خصص خير الدين حيزا كبيرا نسبيا عرض فيه عدة شهادات من النصارى تثبت تميز العرب في العلوم فإن ما يلام عليه أنه كان يركز على المسألة السياسية وضرورة التخلص من الاستبداد لكنه في كل الشهادات التي عرضها كان بعيدا عن المسألة السياسية لأن مضامينها اتفقت على الإشادة بعلوم العرب واختراعاتهم وسكتت عن موضوع الاستبداد. ويتلافى خير الدين هذه الثغرة عندما يتطرق إلى أن العثمانيين غيروا الوضع عندما جعلوا الحكم مقيدا بالقانون وقدّم مثالا على ذلك السلطان سليمان بن السلطان سليم الذي أصدر قانونا نافعا استعان فيه بالعلماء العاملين وعقلاء رجال دولته وجعل مداره على إناطة تدبير الملك بعهدة العلماء والوزراء وتمكينهم من تعقب الأمراء والسلاطين إن حادوا[22].

وقد اعتبر خير الدين أن هذه الوظيفة الرقابية التي أنيطت بعهدة العلماء والوزراء بمقتضى هذا القانون جعلت منزلتهم تشبه من سمّاهم بوكلاء العامة في أوروبا. والمقصود بهذه العبارة نواب الشعب في البرلمان. وقد قدّم خير الدين في مقابل الصورة الإيجابية للآخر غير المسلم صورة سلبية وصفهم من خلالها بالأجانب الذين استغلوا لجوء غير المسلمين المقيمين بالبلاد للاحتماء بهم “للتدخل في أحوال المملكة وإفساد سياستها بما يناسب أغراضهم حتى نشأت حروب أهلية في عدة جهات من المملكة دامت مدة طويلة وأفنت نفوسا وأموالا كثيرة”[23] .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

[1]  انظر خير الدين التونسي، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تحقيق المنصف الشنوفي، ط2، تونس- الدار التونسية للنشر، الجزائر- المؤسسة الوطنية للكتاب، 1986، ص 89.

[2]  المصدر نفسه، ص 90.

[3]  عبد الواحد بن محمد الآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم، الجزء 1، ص 199.

[4]  المصدر نفسه، ص 92.

[5]  المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[6]  المصدر نفسه ،ص 95.

[7]  المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[8]  المصدر نفسه، ص 99.

[9]  المصدر نفسه، ص 99.

[10]  المصدر نفسه، ص 100.

[11]  المصدر نفسه، ص 101.

[12]  المصدر نفسه، ص 102.

[13]  المصدر نفسه، ص 100.

[14]  المصدر نفسه، ص 103.

[15]  المصدر نفسه، ص 105.

[16]  المصدر نفسه، ص 111.

[17]  المصدر نفسه، ص 112.

[18]  المصدر نفسه، ص 115.

[19]  المصدر نفسه، ص115.

[20]  المصدر نفسه، ص 116.

[21]  المصدر نفسه، ص 119.

[22]  المصدر نفسه، ص 137.

[23]  المصدر نفسه، ص 139.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete