تكوين
أخذاً بعين الاعتبار أن منعطف 2011 الذي مرت منه المنطقة العربية، تميز بحضور وتداخل عدّة عوامل سياسية وثقافية وأمنية ودينية وإعلامية، وأنه في الشق الخص بالمحدد الديني، كان التركيز أكبر على الحركات الإسلامية والمؤسسات الدينية، لوا إنه في هذا الشق، سُلطت الأضواء على تيارين اثنين: الجماعات الإسلامية، سواء كانت سياسية أو قتالية؛ والمؤسّسات الدينية. على سبيل المثال، في الشق الأول، سلطت الأضواء أكثر على ما صدر عن المشاريع الإسلامية الإخوانية والجهادية، سواء على هامش انخراط التيار الأول في استحقاقات انتخابية أو انخراط التيار الثاني في صراعات ضد الأنظمة والحكومات العربية. أما في الشق الثاني، فقد سلطت الأضواء على ما صدر عن المؤسسات الدينية من وثائق وبيانات من جهة ثانية، لعل أبرزها ما عرفته مؤسسة الأزهر الشريف في مصر، على هامش أحداث “الربيع المصري”، والحديث هنا بالتحديد عن اصطلح عليه حينها بـ”وثائق الأزهر”، وصدرت منها ثلاث وثائق أساسية: “وثيقة مستقبل مصر” (19 يونيو 2011)، و”وثيقة الأزهر بخصوص الربيع العربي” (31 أكتوبر 2011)، و”وثيقة منظومة الحريات الأساسية” (8 يناير 2012).
وإجمالاً، يمكن الجزم أن الخطاب الديني في المنطقة العربية، سواء تعلق الأمر بخطاب المؤسسات الدينية أو الحركات الإسلامية أو التيارات السلفية أو الطرق الصوفية، يمر من تحولات نظرية، بدأت أولى معالمها في سياق الإكراهات التي أصابت المنطقة بشكل صادم ومباشر على هامش التفاعل السياسي والأمني والاستراتيجي مع تداعيات أحداث 11 سبتمبر في مرحلة أولى، وتداعيات أحداث 2011 في مرحلة ثانية، وبالتالي، لا يمكن للفاعل الصوفي أن يكون بعيداً أو غير معنياً بهذه التحولات، لأنه كان في صلبها، بمقتضى الحضور الوازن للتديّن الصوفي في المنطقة العربية، وخاصّة في المغرب وموريتانيا ومصر والسودان ودول أخرى، وبمقتضى التوظيفات السياسية والاستراتيجية التي ستزج بالتديّن الصوفي في صراعات مفتوحة على تدبير الشأن الديني من جهة، ومنافسة فاعلين على النطق باسم الدين من جهة ثانية، وخاصة الفاعلين الإسلاميين، في العمل الدعوي والعمل السياسي والعمل القتالي.[1]
كانت تلك الأحداث مناسبة جديدة في المنطقة وفي المجال العربي الإسلامي بشكل عام، للخوض من جديد في علاقة الصوفية بالسياسة، ولأنّ الظاهرة تهم مجموعة من دول المنطقة، فالأحرى دول العالم الإسلامي في محور طنجة إلى جاكارتا، ويكفي هنا التذكير بالحضور الكبير للصوفية عند الأفارقة في العمل السياسي الرسمي، وخاصّة في دول الساحل، كما جرى مؤخراً مع فوز باسيرو ديوماي فاي بكرسي الرئاسة في السنغال، وهو القادم من طريقة صوفية، فإنّنا نقتصر هنا على الحالة المغربية، من خلال التوقف عند نموذج مواقف طرق صوفية تُترجم بشكل أو بآخر التباين القائم عند الصوفية بخصوص الموقف من السياسة والعمل السياسي بشكل عام.
إقرأ أيضًا: الطرق الصوفية الحديثة دراسة سوسيو-أنثروبولوجية للطريقة الكركرية في تونس
وحتى في المجال الصوفي المغربي، لا يمكن الحديث عن طريقة صوفية معينة دون سواها، لأننا نجد العشرات من أنماط التديّن الصوفي، إلى درجة أنّ السلطات تتحدث رسمياً عن وجود ما يناهز 84 طريقة صوفية أو زوايا صوفية في الساحة المغربية،[2] وذلك بصرف النظر عن الفاصل المفاهيمي السائد بين الزاوية والطريقة الصوفية، فالأولى أقرب إلى العمل الديني التقليدي السائد منذ قرون، لكن العمل نفسه، تعرّض لما يشبه مأسسة وهيكلة وإدارة بالنمط الحديث، حتى أصبح لا يختلف كثيراً من حيث الهيكلة التنظيمية عن باقي الجماعات الإسلامية الدعوية والسياسية، بينما يبقى الفارق الأهم، يهم المرجعية الدينية، أو طبيعة نمط التديّن.
وبسبب هذا التنوع في كم ونوع الزوايا والطرق الصوفية المغربية، سوف نقتصر على نموذج تطبيقي يهم موضوعنا، ويتعلق الأمر بالطريقة القادرية، وما دامت هذه الأخيرة موزعة بدورها على عدة تيارات، محلياً وإقليمياً وعالمياً، فإنّنا نخص بالذكر الطريقة القادرية البودشيشية، وتُعتبر من بين أشهر الطرق الصوفية في الساحة المغربية خلال العقود الماضية، حتى إنّ العديد من الفاعلين السياسيين في الحكومات المغربية، هم أعضاء فيها أو كانوا كذلك من قبل، وفي مقدمتهم أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، وهو رجل تاريخ ورواية أيضاً، وأسماء أخرى في عدة مؤسّسات سياسية ودينية وغيرها.
يهمنا التوقف عند ثلاثة أسماء صوفية وازنة، تنتمي إلى هذه الطريقة، مع تباين في مواقفها من العمل السياسي:
- الشيخ حمزة القادري زعيم الطريقة القادرية، والذي يُجسّد العلاقة التقليدية بين السلطة والطرق الصوفية، علاقة الولاء والدفاع عن استقرار المجتمع، وهي علاقة تاريخية قِدَم الصوفية في المغرب؛
- أمّا بالنسبة إلى الشيخ عبد السلام ياسين المرشد الأسبق لجماعة العدل والإحسان فقد بقي وفياً لخلفيته الصوفية لكنّه أضفى عليها هواجس سياسية وإيديولوجية في أفق تفعيل “دولة الخلافة على منهاج النبوة”؛
- وأخيراً، طه عبد الرحمن الذي كان وفياً للخيار الصوفي الأول أثناء الانتماء التنظيمي للعمل الصوفي، وبالتالي كان بعيداً عن الخوض المباشر في القضايا السياسية، لكن بمجرد خروجه أو انفصاله عن الانتماء التنظيمي وجد حرية أكبر في الإدلاء بمواقف سياسية.
بالنتيجة، نحن إزاء ثلاثة رموز صوفية تبنت خيارات عدّة بخصوص الموقف من العمل السياسي، بصرف النظر أيضاً عن تباين وزن هذه الاختلافات، لأنّنا سنعاين توجهاً يبقى هو المميز للصوفية إجمالاً، وتوجهاً مغايراً معارضاً للتوجه الأول، وتوجهاً ثالثاً يتبنى خياراً متقلباً، وبيان ذلك كالآتي.
1 ــ حمزة القادري وتوسيع دائرة العمل الصوفي
ــ الشيخ حمزة القادري (1922-2017)، هو الشيخ السابق للطريقة القادرية، وكان مرجعها التربوي الأول في الساحة، بعد المرجعية النبوية، لأنّ هذه الأخيرة، تبقى قاسماً مشتركاً في النهل التربوي إجمالاً عند أي تيار ديني، وخاصّة عند الصوفية، بخلاف الأمر عند العديد من التيارات الإسلامية الحركية، الدعوية والسياسية والقتالية.
موقف الشيخ حمزة من العمل السياسي لا يختلف إجمالاً عن موقف أغلب صوفية الساحة في المغرب والمنطقة العربية، أي أخذ مسافة منه أساساً، مقابل التفرغ للشأن التربوي والوعظي والذكر، الفردي والجماعي، إلّا إن تعلق الأمر بانخراط الدولة والمجتمع في تجارب تاريخية سابقة لطرد المستعمر، حينها، نعاين انخراط الصوفية في قتال المستعمر، والتجارب المغاربية والعربية شاهدة على ذلك.
بقي الشيخ حمزة وفياً لتلك الميزة التي ظلت لصيقة بموقف الصوفية من السياسة، ولم يسمع الرأي العام المغربي يوماً عن واقعة تصب في انتهاك هذه القاعدة، وحول علاقة الزاوية بالدولة، “لم يفت الشيخ حمزة التشديد على أنها علاقة لا تتأسس على التصادم والشنان، بل إن التصوف يربي المريدين على محبة الملك والوطن. وفي هذا السياق، سيؤكد على أن مريديه في الزاوية يتلون أذكارا خاصة بالصحراء المغربية، ويدعون لملك، مجملاً قوله بن مصلحة البلاد في وجود المؤسسة الملكية”.[3]
مرّ الشيخ حمزة من حالة حصار تعرضت لها في مرحلة سابقة، بحكم تعرّض المغرب حينها لرياح “الصحوة الإسلامية”، في شقيها السلفي الوهابي والإخواني، لكن قدوم “العهد الجديد” حسب الاصطلاح الإعلامي، أي اعتلاء الملك محمد السادس كرسي الحكم، ابتداءً من يوليو 1999، كانت إحدى محطات العودة المحلية لرد الاعتبار الرسمي والشعبي للعمل الصوفي، وليس صدفة أنّ الوزير الوحيد الذي تم تعيينه ثلاثة سنوات ونيف بعد انطلاق العهد الجديد، ولا زال في كرسي الوزارة، رغم تعاقب عدة حكومات ومرور المغرب من منعطف 2011 وأحداث أخرى، كان أحمد التوفيق، الوزير القادم من هذا الطريقة الصوفية بالتحديد.
في سياق تأكيد الموقف السياسي للطريقة نفسها من تطورات الساحة المغربية على هامش أحداث 2011، والتي تميّزت بإلقاء الملك محمد السادس خطاباً إلى الرأي العام مؤرخ في 9 مارس 2011 يُعلن فيه عن تعديل الدستور عبر استفتاء شعبي، لم تتردد الطريقة القادرية في حث أتباعها على المساهمة في مسيرة شعبية نظمت بمدينة الدار البيضاء، أكبر مدن المغرب، كانت مخصّصة للدعوة إلى التصويت بنَعَم لصالح التعديل الدستوري، الذي أجري في فاتح يوليو 2011، وكان مقدمة تنظيم انتخابات تشريعية أجريت في سبتمبر الموالي.
ليس هذا وحسب، تقف الكاريزما التي كانت لدى الشيخ حمزة، وراء اعتناق العديد من النخب الغربية الإسلام عبر بوابة التصوف، بما في ذلك نخبة الفكر والسياسة والفن، وإذا تركنا جانباً النخب الأوروبية، نذكر على سبيل المثال ثلاثة أسماء تهم النخب الأسيوية: رئيس دولة سابق، زعيم أقلية مسلمة وازنة في أرخبيل دول جنوب شرق آسيا، ومفكر من الفيتنام.
- رئيس دولة سابق، هو نغويان هيي دونغ وهو قائد أشهر انقلاب في الفيتنام في مطلع نوفمبر 1963 [وسيصبح فيما بعد اليوم الوطني لفيتنام]، ويعتبر أيضاً أشهر سجين سياسي في العالم [كان عمره آنذاك 13 سنة]، وفي حدود عام 1954، سوف يقود مبادرات سلام أفضت إلى الاستقلال وتوحيد الفيتنام.
- تونغ تاهن خان، هو زعيم أقلية مسلمة، لأنّه أمير “شعب الشمس”، ويبلغ عدد هؤلاء حوالي 150 ألف في الفيتنام و600 ألف في دول أرخبيل جنوب شرق آسيا، وهو أستاذ محاضر في ثماني جامعات بجنوب الفيتنام، وفي دلتا الميكونغ، وصحافي بارز في الفيتنام.
- وأخيراً، مايكل طاو شان، أو المفكر الذي كان منافساً مباشراً لبان كي مون على منصب الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة، ويقود مشروعاً عالمياً يحمل شعار “الحكمة والسلام” ومقره باريس، صاحب خمس دكتوراه، من العلوم الميتافيزيقية إلى البيولوجيا، موزّعة بين فرنسا والولايات المتحدة.[4]
هكذا كان تعامل العديد من الرموز الفكرية والدينية والاقتصادية التي تنتمي إلى الطريقة القادرية مع العمل السياسي، انطلاقاً وتأسيساً على مواقف شيخ الطريقة، الراحل حمزة القادري، لكن المشهد العام لم يكن بهذه الصورة المثالية، لأنه ظهرت بعض الأصوات من الطريقة نفسها التي انحرفت عن هذا المسار أو أخذ مسافة منه، إن لم نتحدث عن تبني خيار مضاد، وهذا موضوع النماذج التالية: يهم الأول فاعلاً في العمل الإسلامي الحركي، وهو القادم من الطريقة نفسها، بينما يهم الثاني أحد المفكرين المغارب، والقادم هو أيضاً من الطريقة نفسها، أو كان عضواً فيها في مرحلة سابقة، قبل أخذه مسافة وتبني مواقف سياسية لا علاقة لها بمواقف الطريقة، بل إن بعض هذه المواقف لا يختلف عن مواقف الإسلاميين أنفسهم، من التيارين الإخواني والجهادي.
2 ــ عبد السلام ياسين وتسييس العمل الصوفي
الشيخ عبد السلام ياسين (1928 – 2012)، وهو المرشد السابق لجماعة “العدل والإحسان” الإسلامية الحركية، وقد كان بدوره مريداً أو عضواً في الطريقة الصوفية نفسها، لكن جرى خلاف في مواقف ياسين من أداء الطريقة وتعاملها مع أحداث الساحة، أفضت إلى انفصاله عنها، وتأسيسه جماعة إسلامية جديدة، وهي جماعة “العدل والإحسان” المعارضة، كانت تنهل بداية من مرجعية صوفية، قبل دخول الوافد السلفي والإخواني لاحقاً على خطابها، لكن الأصل أن النهل الأول مرده المرجعية الصوفية، لكن في أفق الأدلجة والتسييس والحشد، وهذا ما عبّر عنه الشيخ حمزة البودشيشي صراحة في إحدى حواراته الصحفية: “إنّ سبب مغادرة الشيخ [عبد السلام] ياسين للزاوية البودشيشية هو أنه كان يحاول تسييسها من الداخل، فيما جوهر التصوف يقوم على تربية الروح بدل الدخول في متاهات السياسة”.[5]
لقد انتبه أحد الباحثين، من ذوي المرجعية الإسلامية الحركية، أن “السيرة الرسمية لعبد السلام ياسين لا تتضمن تفاصيل كثيرة حول تجربته الصوفية، إلا ما كان من وقائع كبرى في هذا المسار، منها أن عبد السلام ياسين سنة 1965 قد عاش أزمة روحية حتى ظن معارفه أن الأمر يتعلق بأزمة نفسية مرضية، وتعرّف بعدها على الشيخ الحاج العباس القادري البوتشيشي شيخ الزاوية البوتشيشية، حيث اعتبر ياسين لقاءه بالشيخ العباس بمثابة ميلاده الثاني، وقد دامت صحبته للشيخ الصوفي طيلة ست سنوات إلى حين وفاته. وقد دام مكثه في الزاوية بعد وفاة شيخه زهاء سنتين شهدت خلافاً جذرياً بين ياسين وخلف شيخه العباس، انتهت بكتابته رسالته الشهيرة “الإسلام أو الطوفان” التي بعث بها إلى الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1974، وقد كانت بمثابة إعلان الخروج من الزاوية إلى المعارضة السياسية”.[6]
سبق لعبد السلام ياسين أن حرّر رسالة شهيرة على عهد الملك الراحل الحسن الثاني، تحت عنوان “الإسلام أو الطوفان”، داعياً، انطلاقاً من مرجعيته الصوفية المُسَيّسة حد التشدّد، إلى تبني المرجعية الإسلامية في السياسات العمومية للدولة المغربية، وكانت مؤرخة في سبتمبر 1974، وموزّعة على 114 صفحة في نسختها الأولى، وعلى 174 صفحة في طبعتها الثانية المؤرخة في سنة 2000، وجاءت بعد كتابين هما “الإسلام بين الدعوة والدولة” (المنشور سنة 1972) و”الإسلام غداً”، (المنشور سنة 1973)، وجاءت على الخصوص، بعد انفصال محرّرها عن مقام الولاء للطريقة القادرية.
تحدث ياسين عن “الإسلام والطوفان”، مع أن المغرب دولة مسلمة أساساً، بل إنّ الملك هو أمير المؤمنين أيضاً، والمغرب هو الدولة الوحيدة في محور طنجة جاكارتا التي تنظم دروساً علمية خلال شهر رمضان، بحضور رموز الدولة السياسية والدينية والأمنية وغيرها، وفي مقدمتهم ملك البلاد، حيث تتم دعوة العديد من علماء وفقهاء العالم الإسلامي.
وبالرغم من ذلك، تحدثت الرسالة الإصلاحية عن خياري الإسلام أو الطوفان، فكان مصيره حينها، إيداعه مستشفى الأمراض العقلية، قبل الإفراج عنه لاحقاً. وسواء تعلق الأمر بالرسالة أو المذكرة، فالأهم بالنسبة لحالة هذا الشيخ أنه بالرغم من الجمع بين الانتماء للزاوية والحركة الإسلامية وإصدار مذكرات نصائح لملك المغرب، نجده يروج في آن لمفهوم “القومة” ويقصد بها “تغيير دوافع الإنسان وشخصيته وأفكاره، تغيير نفسه وعقله، تغيير يسبق ويصاحب التغيير السياسي الاجتماعي”[7] ومن باب عدم الخلط بين مفهومي القومة والثورة، يرى ياسين أن هذه الأخيرة، تُعتَبر “خروجاً غير شرعياً، ذلك أن ثورة تحتل اليوم على لسان كل متكلم، وفي خيال كل تواق لصرع الظالمين، مكانة محترمة. وتحمل في طيها معاني وأساليب وأهدافاً ليست منا ولم تنبت في أرضنا. فنريد أن نعبر بقومة لأنها تعيد لأذهاننا تلك القداسة التي كان يتمتع بها “القائمون” من آل البيت، الذين حاربوا الظلم والاستبداد إمامهم في ذلك سبط الرسول الحسين عليه السلام”.[8]
إقرأ أيضًا: دليل التصوف السلفي: كتاب منازل السائرين للهروي
نأتي للوثيقة الثانية التي وجهها عبد السلام ياسين إلى الملك محمد السادس، حملت عنوان “مذكرة إلى من يهمه الأمر”، وهي مؤرخة في 28 يناير 2000، أي بضعة أشهر على تولي الملك سدة الحكم، ومما جاء فيها أن “الملك الحسن الثاني “عفا الله عنه، خلف ثروة خيالية، ترِكة مسمومة لمحمد السادس وإخوته”، وأنه “لا بد أن يستفرغ الملك وُسعه، كامل وسعه، وإلاّ سيكون من العبث انتظار انبثاق نتائج عميقة من خطوات هامشية وجزئية. لابد من فعل يؤسس، فعل يمنح الشرعية لتسيير جديد للدولة، لمنهج جديد في الحكم، لعدالة أخرى، لتعليم راشد، لعدل اجتماعي يلغي الامتيازات ويقارب ويسدد بين جانبي الهوة السحيقة الفاصلة بين الحفاة العراة والسادة الذين يرفلون في النعيم”.[9]
إذا تركنا جانباً المؤاخذات الاصطلاحية على مفهوم “القومة”، كما يُروّج له عبد السلام ياسين، باعتباره مفهوماً ينهل من أفق طوباوي، فإن هنا إشكالان اثنان يؤرقان متتبعي مسار أبرز الحركات الإسلامية بالمغرب، وقبلها صناع القرار، ويرتبطان بمأزق إحالة الشيخ عبد السلام ياسين في العديد من المؤلفات التي صدرت عن مرشد الجماعة، على مرجعية نموذج الثورة الإيرانية:
- فمن جهة، اختزال الشيخ للمجازر التي تمت عقب إمساك الخميني بزمام السلطتين الزمنية والدينية في إيران في مرتبة “أخطاء الرجال”،[10] وهذا مأزق الخطاب الإيديولوجي المؤسس على مرجعية دينية، حيث ترتفع درجة احتكار “الحقيقة”، مع إضافة البعد الديني.
- ومن جهة ثانية، يفرض الاستشهاد بالنموذج الإيراني في رؤى عبد السلام ياسين لمفهوم “القومة”، الانتباه إلى الدلالات اللصيقة بهذا المفهوم، حيث يُحيل عبد السلام ياسين على مرجعية عقدية ومذهبية شيعية شاذة على المرجعية العقدية والمذهبية للخصوصية للدينية المغربية.
تتضمن أعمال عبد السلام ياسين إحالات على بعض رموز الحقبة النبوية، ومرد ذلك على الأرجح، إضفاء المزيد من “الشرعية” على أطروحته التي مورست على أرض الواقع عند أهل السنة (منذ الحسن البصري حتى حسن البنا) والشيعة (منذ الحسين حتى الخميني)، والإحالة هنا على التشكيك في شرعية الطرف الآخر، أي المؤسسة الملكية، وبالتالي التشكيك في شرعية ومشروعية هذه المؤسسة، بما يُخول لهذه الأخيرة عدم الاعتراف الرسمي بجماعة “العدل والإحسان”، وذلك تأسيساً على منطلقات ميّزت تعامل الدولة المغربية مع الحركات الإسلامية، حيث تركت لها الدولة مجالاً نسبياً للتحرك مادامت لا تنازع أمير البلاد سلطته السياسية، أي ما دامت لم تعلن “بيعتها” لغير ملك المغرب. وبهذا المفهوم، فكل الجماعات الإسلامية مهما علا شأنها هي خاضعة لإمارة المؤمنين، وهي محكومة ببيعتها لأمير البلاد. “فمن البديهي ألا يعترف الملك بقنوات سياسية دينية منافسة ترفع شعار الدفاع عن الدين، فمن شأن ذلك إضعاف مصادر شرعيته السياسية، وتقليص نفوذه الرمزي أو الحد منه مادام جزءاً كبيراً من شرعيته في الحكم تقوم على دعامة سياسية دينية، وهو ما يستلزم العمل على احتكار هذه الصادر وتدعيمها”.[11]
موقف الجماعة من الأفق السياسي هو موقف المعارضة السياسية إذن، حتى إنّها جماعة غير معترف بها رسمياً، بمقتضى ترخيص السلطة لأغلب أتباعها بالعمل في مؤسّسات الدولة، موازاة مع اعتراف السلطة بتأسيس جمعيات ومنظمات وحتى مراكز بحثية تابعة للجماعة.
انفصال عبد السلام ياسين عن الطريقة الصوفية الأم، وتأسيسه جماعة “العدل والإحسان” الإسلامية، والتي تجمع بين “التصوف السياسي” و”العمل الإسلامي الحركي” في شقه الدعوي والسياسي، يُفسّر لنا كيف أنّ هذا الأثر الديني الصوفي بقي حاضراً بشكل أو بآخر في أدبيات الجماعة، لأنّ الأدبيات المؤسّسة[12] لها، كانت عبارة عما يؤلفه مؤسّسها، ودون صدور أي اعتراض أو نقد، وهذا أمرٌ متوقعٌ، بمقتضى علاقة تجمع الجماعة بالمؤسس، لا تختلف كثيراً عن علاقة الشيخ والمريد في الطرق الصوفية.
ما كانت السلطة ترفض الاعتراف بالجماعة لو أنّ هذه الأخيرة حسمت في هذه الازدواجية المنخرطة فيها بخصوص الجمع بين العمل الصوفي والعمل السياسي، دون الحديث عن اختراق أنماط أخرى من التديّن للجماعة، من قبيل التديّن الإخواني والتأثر بالتجربة الشيعية في العمل السياسي،[13] ضمن مآزق أخرى.
واضح أن خلافة الشيخ عبد السلام ياسين، والتي عادت إلى الشيخ محمد العبادي، لا يمكن أن تكرر سيناريو الهالة الكاريزمية نفسها التي كان يحظى بها المرشد المؤسس، ليس فقط لأن التاريخ لا يعيد نفسه، ولكن على الخصوص، بسبب غلبة هالة ياسين على مرجعية باقي رموز الجماعة، سواء تعلق الأمر بالقيادات المنتمية إلى مجلس الإرشاد أو المنتمية إلى الدائرة السياسية أو أي قطاع تنظيمي محسوب على الجماعة.
ومن أجل توضيح ذلك، نتوقف عند تأثير الخطاب الإسلامي عند الشيخ عبد السلام ياسين، على الأتباع من جهة، وعلى توليد وإنتاج وتوسيع دائرة تدبير التوازنات، فتكمن أهميتها وضرورة أخذها بعين الاعتبار من خلال النقاط التالية:
- كان الشيخ عبد السلام ياسين يتحكم من الناحية التربوية أساساً في أغلب الدواليب التنظيمية في الجماعة، كما يؤكد على ذلك في كتابه “المنهاج النبوي”، فهو، “الأمير المرشد العام والمربي الأول، يولي أو يرفض ما تختاره المجالس للنقابات”، وبالتالي، فهو “المرشد” الوحيد و”المُنَظر” الأول.
- يعيش أتباع الجماعة في علاقتهم مع المرشد في أجواء روحية ووجدانية تتميز بنوع من التماهي بين المرجعية الفكرية الصوفية والأداء السياسي، مما يُؤسّس نوع من “التبعية العمياء” لكل ما يصدر عن الشيخ ــ المرشد، والمثير في هذا التماهي، أن العضو يغرق في نوع من التفكير السحري والمثالي كوسيلة وحيدة ومتبقية للخلاص من المأزق والتصدي للحاكم، حيث تعتبر الجماعة نفسها نقيضاً له.
- بحكم مرجعية وكاريزما عبد السلام ياسين عند أتباع جماعته، فإن العضو المنتمي للجماعة، لا يوجد أمامه أي معيار لتحقيق الذات سوى أسلوب حياة الشيخ، ولا يقتنع بالنضال داخل جماعته من أجل قيم الحرية في التفكير والتعبير والنصح والتوجيه، لأنه واقع تحت تأثير انصياع وجداني شديد الفعالية، بحكم الهالة الكبيرة التي تحظى بها مرجعية شخصية وبالتالي خطاب عبد السلام ياسين، ولو أنه كما كان متوقعاً، تراجع دور تأثير هذا المعيار بعد وفاة المرشد، وغياب شخصية كاريزمية من طينته في الجماعة اليوم.
جرت تحولات حينها ولاحقاً، وأفضت إلى تراجع شعبية عبد السلام ياسين، سنة بعد أخرى، لأسباب عدّة، لعل أهمها أنّه لا أحد من القيادات الحالية للجماعة من يمكنه أن يعوّض الشيخ المؤسس، ومن تبعات ذلك أنّ أعضاء الجماعة، في القيادات والقواعد، داخل وخارج المغرب، يوجدون أمام معضلة تنظيمية مؤرقة، لعدة أسباب، تلخصها بعض المستجدات التي مرت منها الجماعة، ونتوقف هنا عند حدثين منها:
- أ- يتعلق الأمر بما اصطلح عليها إعلامياً في المغرب بـ”رؤى ومنامات جماعة العدل والإحسان”، ففي غضون صيف 2005، جرى حدث كانت له تبعات سلبية على صورة الجماعة لدى أعضاء التنظيم الإسلامي ولدى الرأي العام أيضاً: تداعيات في التنظيم مع الإعلان عن استقالات في مرحلة أولى، قبل صدور أعمال نقدية من داخل التنظيم في مرحلة ثانية؛ وتداعيات لدى الرأي العام بخصوص طبيعة مشروع وأهداف مثل هذه الجماعات في الساحة.
ففي لقاء جمع مرشد الجماعة مع مسؤولي التنظيم وأعضائه بالعاصمة العلمية فاس، حث الشيخ جماعته على “تحين فرصة فساد الأوضاع استعداداً لتحقيق البشائر والرؤى التي تواتر عند أعضاء الجماعة مشاهدتها في المنام واليقظة بخصوص وقوع حدث عظيم بالمغرب سنة 2006″، معتبراً أن “الوضع في المغرب وصل إلى الحضيض على جميع المستويات، وأنه عندما يصل الأمر إلى ذلك يكون الأمل نحو التغيير وشيكاً”،[14] داعياً إلى “تحين فرصة فساد الأوضاع استعداداً لتحقيق البشارات والرؤى التي تواتر أن أعضاء الجماعة شاهدوها في المنام بخصوص حدوث أمر مهم في المغرب عام 2006، وهو الحدث الذي اصطلح عليه إعلامياً حينها بـ”رؤى جماعة العدل والإحسان”، أو “ادعاءات عبد السلام ياسين ومريديه”[15] حسب قراءات نقدية صادرة عن مرجعيات إسلامية منافسة.
تسببت الرؤى في صدور حملات إعلامية نقدية عن مرجعيات سلفية، مقابل صمت باقي الفصائل الإخوانية عن الخوض في الموضوع، ووصل الانتقادات إلى إطلاق منصات إلكترونية وغرف دردشة على تطبيق “بال تالك” حينها، مخصصة لنقد هذه الرؤى، وفي مقدمتها تطبيق أطلقه عبد الفتاح رحمون الذي يُعرف بلقب “جاركوم 2006″، وهو عضو سابق في الجماعة، بتعاون مع الباحث أبو جميل العلمي السجلماسي مؤلف كتاب “العدل والإحسان من الخلافة إلى الخرافة”،[16] وهو بدوره عضو سابق في الجماعة المذكورة، ضمن مبادرات نقدية موازية، منها أيضاً كتاب نقدي تحت عنوان “مشايخ الصوفية: الانحراف التربوي والفساد العقدي: عبد السلام ياسين أستاذاً ومرشداً”،[17] وخوفاً على أعضاء الجماعة من التأثر بالموقع وغرف الدردشة فيه، أصدر الشيخ عبد السلام ياسين توجيهاً إلى الأعضاء باجتناب الدخول إليه والمشاركة في المناقشات الساخنة فيه.
إقرأ أيضًا: منهجية طه حسين في كتابه الفتنة الكبرى الجزء الثاني
لكن من أهم تداعيات هذا النقاش العام “حصول بعض الانشقاقات في صفوف الجماعة” ببعض المدن المغربية، بسبب “تذمر المنشقين من المبالغة الضخمة للجماعة في الرؤى والأحلام ومن تقديس الشيخ، ووصفوا ذلك بالانحراف عن الدين الإسلامي”.[18] وحسب ما ذهب إليه أحد أهم الباحثين المغاربة، من المتخصصين في قراءة أدبيات ومسار الجماعة، فإن بعض قواعد جماعة “العدل والإحسان”، استنتجت من التأويلات بموضوع الرؤى، أن هذه الأخيرة “ستتحقق، لا محالة، إضافة إلى أن كثيراً من الأجهزة الأمنية تعاملت مع رؤيا 2006 كأن الأمر يتعلق بخطط تدبرها الجماعة للانقضاض على الحكم، كما أن جهات إعلامية نقلت رؤيا من مستواها التربوي والدعوي إلى المستوى السياسي، وهو ما أحدث تحولاً لم تعد الجماعة قادرة على التحكم فيه، حيث انتقلت الرؤيا من المستوى التربوي إلى المستوى السياسي ـ أي مستوى القومة [الثورة]”.[19]
- ب- نأتي للحديث الثاني، ويهم وفاة مؤسس ومرشد الجماعة عبد السلام ياسين في 13 ديسمبر 2012، حيث ترك رحيله فراغاً تنظيمياً كبيراً، لاعتبارات عدة، أهمها أنه لا يوجد من ينافسه على المرجعية والكاريزما في التنظيم، سواء تعلق الأمر بأعضاء مجلس الشورى أو الدائرة السياسية، بما في ذلك كاريزما ابنته نادية ياسين، التي تم استبعادها من التنظيم بعد وفاة المؤسس والمرشد، وإن كانت أسباب استبعاد نادية ياسين مركبة ولا تختزل في تأثير “العقلية الذكورية” لدى الجماعة أو إقصاء العنصر النسوي في مؤسسات الجماعة، بقدر ما تهم على الخصوص أفقها الإيديولوجي، وهي التي سبق لها أن ورطت الجماعة في أزمة سياسية مع الدولة المغربية بعد إعلانها عن حاجة المغرب إلى نظام جمهوري لأن “الملكية لا تصلح للمغرب”[20] على حد تعبيرها، والحال أن الجماعة التي تنتمي إليها نادية ياسين، والتي أسسها عبد السلام ياسين، جماعة تعادي النظام الملكي من جهة، كما تعادي بالضرورة النظام الجمهوري، ما دامت تدعو إلى ما تصطلح عليه في أدبياتها بـ”إقامة الخلافة على منهاج النبوة”، وقد أفضى هذا التصريح إلى متابعة قضائية للمعنية، بتهمة المساس بالنظام الملكي، خاصة أن الجماعة التي تنتمي إليها نادية ياسين، أعادت نشر الحوار في موقعها الرسمي.
في غضون السنوات الماضية، سوف يعاين الرأي العام أولى الأعمال النقدية الصادرة ضد مشروع الجماعة، من تحرير أعضاء في الجماعة أو انفصلوا عنها، وهي أعمال تؤكد أو تترجم أزمة مشروع الجماعة، ونتوقف عند نموذجين اثنين على الأقل: وثيقة “قبل فوات الأوان: رسالة مفتوحة إلى الأمين العام لجماعة العدل والإحسان” لمحمد العربي أبو حزم، في مايو 2020؛ وكتاب آخر لفوزي أكريم، وهو عضو سابق في الجماعة بعنوان “من الإحسان إلى المصلحية”.[21]
- جاءت الوثيقة الأولى انطلاقاً من تجربة 25 سنة داخل التنظيم قضاها المؤلف بمدينة بطنجة، مخاطباً خليفة المرشد في قيادة الجماعة، لأن “قنوات التواصل داخل الجماعة لم تعد ممكنة”، مضيفاً أنه “مع كامل الحسرة والأسف ليس في تنظيمنا ما أو من نلجأ إليه ليسمع مقالتنا، ناهيك عن أن يرتب على الشيء مقتضاه” وأنه “لم يبق له من سبيل إلا أن يتجاوز التنظيم ورموزه فيخاطب من خلال الرسالة المفتوحة عامة الإخوان والأخوات”. وبعدما كال الأوصاف الجيدة بالأمين العام محمد عبادي عاد من جديد لتقريعه متهماً إياه بالنكوص عن منافحة حبيبه وإمامه ومرشده وتوليه يوم الزحف عن نصرة ولي نعمته المتفضل عليه المحسن إليه، هند “تحويل الجماعة إلى حزب من حيث الفعل”، مؤرخاً ذلك بالندوة الصحفية التي تم فيها تقديم محمد عبادي بصفة الأمين العام بدل المرشد العام، وتساءل الكاتب عن سر توقف دورات مجلس الشورى [برلمان الجماعة] خلال الثلاث سنوات الأخيرة من عمر مؤسس الجماعة ومرشدها عبد السلام ياسين، إلى أن تم عقد دورة استثنائية تم فيها انتخاب عبادي أميناً عاماً عقب وفاة عبد السلام ياسين مع العلم أن معدل الدورات منذ 1992 هو عام وثلاثة أشهر، وقال أيضاً أن “دخان الصراع بين المرشد وبعض أعضاء مجلس الإرشاد بدأت منذ 2006″، وأن “مجلس الإرشاد تقوى بشكل كبير حتى أصبحت له الوصاية على المؤسس نفسه، واتهم أبو الحزم أعضاء مجلس الإرشاد بانتحال الصفة الروحية المتعلقة بـ”الصحبة”[22].
- أما الوثيقة الثانية، فقد ألفها عضو أعلن عن انشقاقه عن التنظيم بسبب الإقصاء والتهميش الذي تعرض إليه من قبل مسؤولي الجماعة، هؤلاء الذين تسببوا له في معاناة كثيرة ذكرها في كتابه بقوله: “الذين عذبوني وحرصوا على قتلي وتشويهي والزج بي في السجن وتشتيت بيتي وفعل كل ما يؤذيني”. كما تحدث المؤلف عن كيفية تحوّل تنظيم الجماعة من “هدف تحقيق الغايات السامية كمعرفة الله وعبادته والتقرب إليه، والبر بالإنسان، والسهر على حسن معاملته، والرحمة به، والإحسان إليه، ونيل حقوقه” إلى “هدف مصلحي ضيّق متمثّل في عبادة السلطة، وتبعيّة المصلحة الشخصية والتنظيمية”، مسجلاً أن تنظيم الجماعة أصبح “فاسداً وطاغوتاً ينبغي تفكيكيه وإعادة تركيبه من جديد، خدمة لفكرة العدل والإحسان، وأن هذا التنظيم يسيطر عليه السياسيون من الجماعة وأصحاب المال والحظوة”.[23]
3 ــ طه عبد الرحمن وتناقضات القول الصوفي
نأتي للنموذج الصوفي الثالث، والحديث عن طه عبد الرحمن (1944ـ )، وهو مفكر اشتهر بالاشتغال في قضايا التصوف والمنطق والأخلاق.
لم يكن طه عبد الرحمن يدلي بمواقف سياسي صريحة في أعماله، إلا في بعض المناسبات أو الأحداث الجِسام التي مرت منها المنطقة العربية، والتي تطلبت منه، على غرار ما عاينا مع أسماء فكرية أخرى، نُصرة شعوب وأنظمة المنطقة، ضد أطماع قوى إقليمية ودولية، وبالنتيجة، كان ثقل السياق الزمني حينها، أحد أهم الأسباب التي تقف إما وراء تأييد مضامين تلك المواقف السياسية، أو صرف النظر عن الخوض في مجموعة ملاحظات نقدية، أو لأن خوضه في القول السياسي كان غير مباشر، وإنما عبر تلميحات وإشارات، عبر بوابة الفكر المجرد.
سوف تكون نهاية 2018 محطة مفصلية في التعامل مع الآراء السياسية لطه عبد الرحمن في سياق تفاعله مع أحداث المنطقة العربية، بحيث إن الحديث عن مواقفه السياسية قبل هذا المنعطف شيء، والحديث عن المواقف نفسها بعد المنعطف نفسه شيء آخر، وبيان ذلك أن مجمل مواقفه التي سبقت نهاية 2018، سواء تعلقت بالتفاعل مع الحصار الذي طال العراق بعد حرب الخليج الثانية (1991) أو تفاعله مع الحرب بين حزب الله وإسرائيل (2006) أو التفاعل مع الضغوط الأمريكية على المنطقة العربية في حقبة ما بعد اعتداءات 11 سبتمبر 2001، كان ممكناً الظفر بمبرّرات تزكي أو تؤيد مضامين تلك المواقف السياسية، بدليل إن التفاعلات نفسها صدرت عن مرجعيات فكرية ودينية أخرى في المنطقة كما أشرنا أعلاه، بينما الأمر مختلف كلياً مباشرة بعد صدور كتابه “ثغور المرابطة” المؤرخ في نوفمبر 2018، وتفصيل ذلك كالتالي:
- أ- في الشق الأول الخاص بتمرير مواقف سياسية قبل نهاية 2018، نذكر ما يلي:
- مشاركته في مؤتمر عربي نُظم في العاصمة العراقية بغداد، في عز سنوات الحصار، من باب التضامن مع الشعب العراقي، وتزكية خيار مقاومته ضد الحصار، وجاءت مشاركته تحت عنوان “الهوية الجهادية للإنسان العربي: مفاهيم أساسية”.[24] وبالتالي كانت المحاضرة عبارة عن تأييد نظري للشعب العراقي في عز الحصار الذي مورس عليه في تلك الحقبة.
- إشارات نقدية من وحي التفاعل مع استحقاقات ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وجاءت في كتابه “الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري”، ونتوقف هنا من باب الاستئناس عند ثلاثة منها:
- يرى طه أن “الاضطرار إلى الاستشهاد هو أن تجود الأمة المجاهدة بأرواح أبنائها حيث لا ينفع سبيل آخر في حفظ حياة الآخرين؛ ومن هنا كان الاستشهاد أقدر الأفعال على دفع إرادة القتل، لأن هذه الأمة [الأمريكية] تريد أن تتملك أرواح الآخرين، حتى تزهقها متى شاءت وكيف شاءت، بينما الأمة المجاهدة تحول بينها وبين هذا المراد السيئ، إذ لا تمكنها من أرواح الآخرين، فضلاً عن أرواح أبنائها، بل هي التي تجود بهذه الأرواح متى شاءت وكيف شاءت، وهي تعلم يقينا أنها لن تموت كما تموت هذه الأمة العسكرية، بل أنها ستحيا بهذا الجود حياة لا تحياها الأمة التي لا تجود جودها”، مورداً مجموعة نتائج تزكي ما يصبو إليه، من قبيل أن “الاستشهاد، على خلاف حرب الإرهاب، لا يدفع أبداً السبل البديلة؛ فمعلوم أن الأرواح التي تستعد الأمة المجاهدة لبذلها هي أشرف وأعز ما يمكن بذله؛ وما كان بمثل هذا الوصف، فإنه يستوجب أن يصان ويخر بما لا يصان ويذخر به غيره؛ فإذا صارت أمة إلى بذله، فذلك لأنه لم يكن لها خيار سواه”؛ وأن الاستشهاد “لا يلجأ إلى قوة السلاح كما تلجأ إليها حرب الإرهاب، جاعلة من الحدث الأمني حدثاً عسكرياً، وإنما يلجأ إلى قوة الأخلاق، جاعلاً من الموت الجسمي حياة معنوية، ذلك أن موت الشخص الواحد من الأمة المجاهدة يكتسي من القيم العليا والمعاني الروحية ما يجعله بحق قدوة في الأمم تعلو به همم الأشخاص فيها وتزكو به أخلاقهم”[25]؛
- ويضيف في مقام آخر أن الاستشهاد “لا يقتل المدنيين عن سابق تخطيط كما تقتلهم حرب الإرهاب، ذلك أن قتل الآخرين هو هدف استراتيجي للأمة الأمريكية العسكرية، لأن كل الآخرين عندها إرهابيون، سواء كانوا مجاهدين أو غير مجاهدين؛ في حين أن الأمة المجاهدة هدفها الاستراتيجي هو حفظ حياة الآخرين وإلا لما جادت أرواح أبنائها بذلهم، إيمانا منها بأن من يجود بروحه ليستحيي غيره، إنما يستحيي فيه، إلا أن يكون من الانتحاريين الذين لا يرجون حياة خيرا من الحياة التي کونها، فشلاً فيها أو يأساً منها؛ والشهداء براء من هؤلاء، إذ الشهيد لا يستحيي خبره في هذا العالم، إلا لأنه يستحيي نفسه في عالم أفضل منه”[26].
- كما خلُص صاحب “الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري” إلى أنه “لا يجوز لأمة أن تدعي أنها أمة حقاً ما لم يثبت أنها أتت عملاً أو أعمالاً جهادية، وفاء بشرط الارتقاء بالإنسانية أو على الأقل ما لم تحمل في ضميرها على الدوام نية الجهاد على هذا المقتضی، مع السعي إلى تحقيقها، وإلا فلا أقل من أن تعين غيرها على أن يأتي عملاً أو أعمالاً جهادية تنحو هذا المنحى الإنساني”، كما أن “الأمة المجاهدة هي وحدها التي لا تكتفي بأن تعدل مع غيرها عدلها مع نفسها، بل إنها لا تبرح تحسن إلى الغير بما قد لا تحسن به إلى نفسها؛ وبهذا، يكون الجهاد في أصله – على خلاف الاعتقاد السائد – لا فضيلة شجاعة شأن القتال، وإنما فضيلة إحسان شأن الإيثار”[27]، مضيفاً في مقام آخر، أن “الجهاد لا ينحصر مدلوله في “الجهاد القتالي”، بل يشمل كل فعل قام على بذل أقصى الجهد من أجل صلاح الأمة”، وأن “الأصل في الجهاد بلوغ الغاية في الإحسان إلى الغير، إذ لا تنفك الأمة المحسنة تأخذ بأسباب المصالح العامة التي تخدم كمال التعامل بين الأمم”[28].
3 ــ بعض الإشارات التي جاءت في كتابه “الحداثة والمقاومة” والذي يمكن تصنيفه في سياق الاحتفال العربي الإسلامي بما قام به حزب الله في حرب 2006، بدليل صدور مجموعة من الأعمال لأسماء فكرية تنهل من عدة مرجعيات في سياق الاحتفال نفسه، من قبيل كتاب “حزب الله: من التحرير إلى الردع” لعبد الإله بلقزيز[29] تأسيساً على مرجعية قومية أو “حرب 2006 بين حزب الله وإسرائيل” لمات م. ماثيوز (2008)،[30] ضمن أعمال أخرى.
تتضح معالم التوجه الاحتفالي بمشروع حزب الله، حيث افتتح المقدمة بإشارات تروم إزالة اللبس الذي قد يتبادر لذهن القارئ على هامش قراءة عنوان العمل، أي “الحداثة والمقاومة”، معتبراً أنه لا يسلم بكل ما ساد به الاعتقاد بصدد هذه الثنائية، ومن ذلك أن “حصول الإبداع الشرط الضروري في التحقق بالحداثة، فلا يتصف بالحداثة إلا من أبدع، ويكون وصفه بها على قدر إبداعه، بل أنه يذهب إلى بعد من هذا، فيجعل الإبداع شرطاً كافية للتحقق بالحداثة: فحيثما وجد الإبداع، فثمة حداثة، فلو فرضنا أن هناك مقاومة ثبت إتيانها بأفعال مبدعة، لزم أن نعتبرها، سلوكا حداثية، حتى ولو كانت مقاومة للحداثة نفسها”، ففما الظن إذا كانت “هذه المقاومة تتصدى للعوائق الوجودية التي تمنع الأمة من إنشاء حداثتها، كالاحتلال والهيمنة والتبعية والاستبداد واحتكار السلطة والظلم الاجتماعي”[31]، ومن هذا المدخل، سيطرق باب تقييم أداء المقاومة الإسلامية لحزب الله، عبر مقام الاحتفاء، على اعتبار أن ما قامت به هذه الأخيرة، هو “أنها فتحت للأمة طريق الحداثة من جهة ليست هي الجهة التي اتخذها النهضويون والأنواريون والثوريون في الغرب”[32]، كما أن “المقاومة فتحت هذا الطريق من جهة تخالف الجهة التي انطلق منها هؤلاء؛ فهم قد خاصموا الدين أيما خصام، واعتبروه ظلمات لا تُنال الحداثة إلا بالخروج منها، ناسبين إليه من المساوئ والآفات ما حقه أن يُنسب إلى تصرفات رجال الكنيسة، فكان صريحُ علمانيتهم هو مدخلهم إلى الحداثة؛ بينما أخلص المقاومون في دينهم أيما إخلاص، واعتبروه النور الذي لا تنهض الأمة إلا بالاهتداء به، دافعين عن ذمة الدين المساوئ والآفات التي لحقت تصرفات الحكام، فكان صحيح تدينهم هو مدخلهم إلى الحداثة”، و”لم تكتف المقاومة الإسلامية بأن تفتح للأمة باب الحداثة، بل أنزلتها رتبة لم تنزلها من حركات التجديد الإسلامي السابقة، مستأنفة مسيرة الأمة في العطاء ومنطلقة إلى أفق حداثة إسلامية ثانية”[33].
على هذا المنوال إذن، سوف نعاين احتفالاً بمقاومة حزب الله في كتاب “الحداثة والمقاومة”، انطلاقاً من مرجعية صوفية[34]، انطلاقاً من التذكير بمقتضى شرطين أساسيين لقيام ما اصطلح عليها “حداثة إسلامية”[35]، يقتضي التطبيق الحداثي المنسجم مع روح الحداثة أن يكون مستوفياً شرطين: أحدهما الانبعاث من الداخل، والثاني الالتزام بالاجتهاد، ويقصد بذلك أن يكون التطبيق مجتهداً لا تطيقاً مقلداً”،[36] مضيفاً أن “التطبيق الحداثي الذي تعاطت له بعض الدول الإسلامية لا يستوفي هذين الشرطين، فلا هو تطبيق داخلی الروح الحداثة، ولا هو تطبيق اجتهد في تحقيق هذه الروح، وإنما هو تقليد تطبيق معين لهذه الروح توصل إليه الآخر، وهو الغرب، أي تطبيق من الدرجة الثانية. والحال أن كل دولة إما أن تنشئ حداثتها الداخلية أو لا حداثة لها؛ فإذن لا حداثة لهذه الدول الإسلامية، ناهيك من أن تكون لها حداثة إسلامية”[37].
4 ــ وأخيراً، وقفات نقدية جاءت في كتاب “روح الدين” في مطلع العام 2012، أي بعد سنة بالضبط على اندلاع أحداث 2011.[38] كان المؤلف يشتغل على الموضوع الرئيسي في الكتاب، أي علاقة الدين بالسياسة، منذ النصف الثاني من العام 2009، مؤسِّساً اجتهاده على مُسَلّمة صرّح بها منذ سنوات مضت، مفادها أنه من “الخطإ أن يظن الظان أن الفيلسوف إنسان سلبي، لا يشارك في الأحداث ولا يساهم في التغيير كما يقال، وإلا كان قد اهتم بالسياسة المعلومة كما يهتم بها سواه، وبيان ذلك من وجهين:
- أولهما: أن المشاركة في الأحداث أو المساهمة في التغيير ليس لهما وجه واحد، بل وجوه عدة، أفمن يكد ليل نهار لإصلاح العقول والأخلاق لا يساهم في التغيير؟ بل هي يستوي عمله وعمل الذي ينحصر جهده في إصلاح الأجسام والأحكام؟
- والوجه الثاني: إذا كانت الحقيقة المقررة هي أن الفيلسوف يهتم بكل ما تعلق بالوجود الإنساني، قل أو كثر، فكيف لا يهتم بشؤون السياسة، وهي أصلا تدور على ممارسة السلطة على هذا الوجود وفيه وبه. وإنما اهتمامه بها ليس اهتمام من يكابدها من داخل موقع مخصوص، مستهدفا الوصول إلى الحكم، انفرادا به أو اقتساما له مع غيره أو تناوبا عليه، وإنما اهتمام من يكابدها من كل المواقع في وطنه أو في غيره من الأوطان، متتبعا قوانينها وأطوارها، محصيا فوائدها وآفاتها، كل ذلك من أجل أن يستخرج العبر والآي منها، حتى يتسنى له تحديد مجموعة من القيم والمقاصد الضرورية والكفيلة بأن تدفع عن الإنسان الآفات أو الأضرار التي قد تحتملها الأطوار التي تتقلب فيها الممارسة السياسية على مرأى ومسمع منه، فيتولى التفلسف في هذه القيم والمقاصد والدعوة إليها وبثها في النفوس، إما منقذا للإنسان من الانحطاط إلى درجة دنيا نحو مزيد النقصان، وإما مرتقيا به درجة عليا نحو مزيد الكمال”[39].
تضمن الكتاب انتقادات إلى الجماعات الإسلامية والتيارات العلمانية وولاية الفقيه، بل تضمن انتقادات أيضاً إلى المؤسّسات الدينية في المنطقة العربية ومعها الطرق الصوفية، وأحد أسباب ذلك، أنّه ابتداءً من 2010، سوف يأخذ المؤلف مسافة من العمل الصوفي الطرقي، وجرى ذلك قبل وفاة شيخ الطريقة الذي كان يُنوّه به من قبل في بعض أعماله، أي الشيخ حمزة، الذي حظي بإهداء في أحد أعمال طه عبد الرحمن،[40] والحديث عن كتابه “العمل الديني وتجديد العقل”، (1987)، والمقصود بالعمل الديني، أو البديل الديني الذي يقترحه، العمل الصوفي تحديداً.
- ب- في الشق الأول الخاص بتمرير مواقف سياسية بعد نهاية 2018، آن الأوان للتوقف عند بضع مضامين “ثغور المرابطة” (2018)، والذي نرى أنه يُمثل المنعطف الثاني الذي جعل من طه عبد الرحمن حالة خاصّة في التعامل مع العمل السياسي، بخلاف الأمر مع النموذجين سالفي الذكر أعلاه، أي الشيخ حمزة القادري والشيخ عبد السلام ياسين، حتى إن كتابه هذا، سوف تكون له تبعات سلبية على مساره الفكري وعلى شعبيته، مقابل ارتفاع شعبيته لدى الحركات الإسلامية على الخصوص، لأسباب بَدَهية، مفادها أن الكتاب تضمن أحكاماً سياسية صريحة ومباشرة ضد بعض دول المنطقة، بدت كما لو كانت صادرة عن قيادي في جماعة إسلامية قتالية، وليست صادرة عن مفكر اشتهر بأنه رجل تصوف وأخلاق ومنطق، بل حظي بتكريم ملكي في المغرب (2014) وتكريم رئاسي في تونس (2013).
نتحدث عن حالة خاصة مقارنة مع مواقف الشيخ حمزة القادري لأن هذا الأخير بقي وفياً لموقف الطرق الصوفية إجمالاً من العمل السياسي، أي أخذ مسافة منها، والتفرغ للعمل الدعوي والتربوي، ليس بسبب وجود أحزاب سياسية في الساحة، فهذا محدد ثانوي، وإنما لأن الهم الديني المؤسس على التربية والذكر والتزكية هو الذي يؤطر العمل الصوفي، وإن لم يقف ذلك عائقاً أمام انخراط بعض أتباع أو مريدي الطريقة الصوفية المعنية في العمل السياسي الحزبي، لكن بصفة سياسية وليس بصفة الانتماء للعمل الصوفي.
ونتحدث عن حالة خاصة مقارنة مع مواقف الشيخ عبد السلام ياسين، لأن هذا الأخير، بعد انفصاله عن الطريقة الصوفية التي كان ينتمي إليها، أسس جماعة إسلامية، انطلاقاً من مرجعية، مكرساً حالة مغربية خاصة من “التصوف السياسي”، وهي حالة شاذة ثقافياً ومجتمعياً مقارنة مع مجمل المشهد الصوفي المغربي، بل وصل الأمر بخطابه وأعماله ومواقف الجماعة التي أسس، إلى الدخول في صدام مباشر مع الدولة المغربية، ولولا الخصوصية المغربية في التعامل مع الظاهرة الإسلاموية، لكان مصير الجماعة هو المصير نفسه الذي كان من نصيب الإسلاميين في حقبة الرئيس التونسي زين العابدين بن علي أو مصير الإسلاميين في حقبة العقيد الليبي معمر القذافي ضمن أمثلة أخرى.
مواقف طه عبد الرحمن السياسية في الحقبة التنظيمية التي كان فيها مريداً أو عضواً في الطريقة القادرية، لم تختلف إجمالاً عن مواقف الطريقة ومواقف أغلب الطرق الصوفية، وحتى ما صدر عنه في سياق التفاعل مع أحداث 2006 في لبنان أو أحداث نيويورك وواشنطن، بقيت حالات خاصّة تهمه بالدرجة الأولى ولا تهم الطريقة التي كان ينتمي إليها، إضافة إلى أنّ عامل السياق الزمني سالف الذكر، كان سبباً وجيهاً لصرف النظر عن تلك المواقف.
لكن الأمر مختلف في حقبة ما بعد انفصاله عن الطريقة القادرية، وجاءت أولى بوادر تبنيه مواقف سياسية مغايرة كلياً مقارنة مع المرحلة السابقة، من خلال مضامين كتابه “روح الدين” (2012)، حيث لم تسلم الصوفية أيضاً من مطرقته النقدية، بما فيها بالتالي، الطريقة الصوفية التي كان ينتمي إليها، وإن لم يذكرها بالاسم، لكن مجرد تمرير مواقف نقدية ضد التصوف، لا يعفي الطريقة التي كان مريداً فيها من قبل.
ما يغيب عن أقلام الساحة التي تتابع أعماله، أن هذا التحول النظري[41] ــ من منظور صوفية الساحة ــ، بخصوص مواقفه السياسية، جاءت أولى علاماته الخاصة بالطريقة التي كان ينتمي إليها، من خلال محاضرة ألقاها في العاصمة المغربية الرباط، تحت عنوان “العمل الصوفي وأخلاق الحرية”، ونُظّمت تحت إشراف الطريقة نفسها.
في ثنايا هذه المحاضرة، تحدث طه عبد الرحمن عن خصائص العمل الصوفي، وأجملها في مجموعة خصائص، منها أنّ “العمل الصوفي عملٌ نموذجيٌ لا يضاهى في استيفاء شروط العمل”، “عملٌ تحويليٌ، لأنّه يدور في جوهر الإنسان”؛ “عملٌ تكامليٌ ينظر إلى الحياة في كليتها وفق منظور ترتبط فيه الذات بنفسها”؛ “عملٌ استمراريٌ، ليست له نهاية وإن كانت له بداية”.
والحال أن هذه الخصائص الذي يتحدث عنها المحاضر متداولة في التراث الإسلامي وليست أمراً جديداً أو مثيراً للانتباه، لكن المنعطف في تلك المحاضرة،[42] جاء أثناء على هامش إشارة طه عبد الرحمن إلى خاصية أخرى من خصائص العمل الصوفي، مفادها أنّ مؤسّسة العمل الصوفي “ليست من جنس المؤسّسات الأخرى التي تقوم على تدبير الشأن الدنيوي”، ومن نتائج ذلك، أنّ العمل الصوفي “لا يمكن أن يكون محل تدخل أو تسلط، ولذلك فإنّ السلطة السياسية كلما سعت إلى التحكم فيه إلا أجهزت عليه”، بل تحدث في المحاضرة عن أنّ التصوف يجب أن يكون فوق المؤسّسات،[43] وهذه جملة تسببت في ما يُشبه احتقان تنظيمي داخل الطريقة القادرية، لأنّه من شأنها أن تتسبب في التشويش على موقفها من العمل السياسي، خاصّة أنّ الأمر يتعلق بإحدى أهم الطرق الصوفية في المغرب، وبين ليلة وضحاها، يخرج مفكر قادم من هذه الطريقة، يتحدث عنها باعتبارها أكبر من مؤسّسات الدولة، والحال أنّ هذا الرأي آخر ما يمكن أن يفكّر فيه صوفية المغرب وغيرهم، وإلّا، ما كانوا يترددوا في تأسيس أحزاب سياسية ومنافسة باقي أحزاب الساحة، بينما الأمر خلاف ذلك كما هو معلوم.
مؤكد أن الناس أحرار في الاعتقاد فالأحرى أن يكونوا أحراراً في الرأي، ومن ذلك أهل الفكر، لكن في حالة مفكر قادم من طريقة صوفية، اشتهر بالاشتغال على قضايا الأخلاق والحوار والمنطق، ليتحول فجأة إلى تمرير مواقف سياسية مباشرة واختزالية ضد بعض أنظمة المنطقة العربية، وينخرط من حيث يدري أو لا يدري في تبني شعار “التطبيع الحلال والتطبيع الحرام”، الأمر مختلف، لأنه من تبعات هذه التحولات، أنه إضافة إلى انخراط نسبة من متتبعي أعماله في مراجعة ما صدر عنهم من قبل بخصوص تبني مشروعه، أو أخذ مسافة من هذه المواقف، سوف نعاين أيضاً فورة في احتضان الإسلاميين، خاصة أقلام التيار الإخواني، في المغرب والجزائر وتركيا وقطر، لأفكار الرجل وترويجها، عبر المنصات الإعلامية أو المنابر البحثية باسم “البحث العلمي” الذي يصب في تقديم خدمة نظرية للإيديولوجيات الإسلامية الحركية، وهو حُرٌ في ذلك كما سلف الذكر، لكن ليس تحت شعار التفكير في قضايا الساعة “على مقتضى التأمل الفلسفي المبني على القيم، لا مقتضى التكهن السياسي المبني على المصالح”[44] أو “التحليل الموضوعي للوقائع، واقفة عند إثبات بعض الحقائق، بل تتعداه على تفصيل الوسائل العملية التي تُمكّن من التغلب على التحديات التي تسبّبت في هذه الوقائع”،[45] والحال أن ما تضمنه هذا الكتاب لم يُسيء إلى مضمون العمل وحسب، بل أساء إلى العديد من أعماله، وما أكثر الأمثلة المؤرقة في هذا السياق، تأسيسا على ما جاء في هذا الكتاب بالتحديد، ونتوقف هنا عند مثال واحد من باب الاستئناس، وأيضاً من أجل أخذ فكرة أولية ودالّة حول التبعات السلبية الكبيرة لمضامين “ثغور المرابطة”، أقلّها الكشف عن تناقضات منطقية وفكرية تمارس باسم التصوف.
في سنة 2017، صدر لطه عبد الرحمن كتاب “سؤال العنف”[46]، والعمل عبارة عن خطاب حواري هادئ، مؤسّس على مرجعية صوفية وبالتالي مرجعية أخلاقية، يخاطب من خلاله أتباع الحركات الإسلامية المتشدّدة، إلى درجة أنه صدرت تفاعلات في مواقع التواصل الاجتماعي بخصوص أهمية توزيع الكتاب على السجون المغربية من باب المساهمة في إقناع المعتقلين الإسلاميين الذي توبعوا في قضايا التطرف العنيف والإرهاب باسم الدين.
لكن المفارقة، أنّ هذا الخطاب الحواري والمنطقي والأخلاقي الذي جاء في “سؤال العنف” [2017]، كان غائباً بعد سنة واحدة في مضامين كتاب “ثغور المرابطة” [2018]، حيث نجد خطاباً لا يختلف عن خطاب المعتقلين أنفسهم في قضايا التطرف العنيف باسم الدين، بمعنى أنّ الدعوة السابقة بخصوص توزيع كتاب “سؤال العنف” على السجون المغربية، أصبح صعباً ترويجها بسبب وجود خطاب ديني مضاد صادر عن المؤلف نفسه. هذا عن مأزق التعامل مع مفهوم وواقع العنف، وقس على ذلك مأزق التعامل مع قضايا أخرى، من قبيل ثنائية السياسة والدين، التطبيع، مأزق الطائفية، وقلاقل أخرى، لم تكن متوقعة أن تصدر عن مفكر ينهل من مرجعية صوفية.
هذا دون الحديث عن تنويه المؤلف بالمشروع الإيراني والثورة الإيرانية معتبراً أن هذا المشروع متورط في الوسائل التي يستعملها وليس في المقاصد، مضيفاً أن “الخطأ في تقدير الوسائل، على سوئه، يبقى أهون من الخطإ في تحديد المقاصد”،[47] والمقصود هنا مقصد الثورة، التي يُصطلح عليها “الثورة الإسلامية”، وهو الخطاب نفسه الذي تروجه وتسعى إليه العديد من الحركات الإسلامية.
ليس صدفة والحالة هذه أن تكون أعمال ومواقف طه عبد الرحمن بعد نوفمبر 2018، في مقدمة الأعمال التي تندرج في ما اصطلحنا عليه بـ”أخونة التصوف”، وهي فرضية اشتغلنا عليها في إحدى الدراسات، مفادها أنها “باب من أبواب الأسلمة [تروم] توظيف التصوف وخطابه، سواء كان يهم أدبيات صوفية أو أقلاماً تصنف وتشتغل في دائرة الخطاب الصوفي، لأغراض سياسية وأيديولوجية تصب في مصلحة المشروع الإسلاموي، في شقه الإخواني بالتحديد”.[48]
ليس صدفة أيضاً أنه موازاة مع حملات الدعاية الصادرة عن الأقلام الإسلاموية في سياق التعامل مع الكتاب، سنعاين كذلك فورة نقدية مضادة، ونتوقف عند مثالين اثنين على الأقل:
- يتعلق الأول بمقال جاء فيه أن “هذه المبالغة في الهوس الفلسفي المجرد، تكشف عن حالة نفسية أكثر ما تعبر عن حالة معرفية، فطه عبد الرحمان واع تمام الوعي بأنه ينطلق من مرجعية إيديولوجية صحوية[49] وواع كذلك بأنه منخرط في الصراع الجيو ــ سياسي الذي يعيشه العالم العربي والإسلامي، بين المشروع القومي الفارسي ذي النزوع الشيعي وبين المشروع القومي العربي ذي النزوع السني، بقدر ما يسعى إلى إخفاء هذا النزوع الإيديولوجي في مقدمة الكتاب، فهو يكشفه، على الملأ، بين ثنايا التحليل الذي جاء أبعد عن التحليل الفلسفي وأقرب إلى المرافعة الإيديولوجية”.[50]
- يتعلق الثاني برأي لأحد متتبعي أعمال طه عبد الرحمن منذ عقود،[51] ويرى أن “الفيلسوف الائتماني [الصوفي] الذي ينحو منحى أخلاقياً في فلسفته، يختار الموقف الوسط، فيستنكف بنفسه أن يميل يميناً أو يساراً، يقول: “إن الفيلسوف الحقيقي أخلاقي بطبعه، فلا يتحزب أو يتقلب، ولا يتيامن أو يتياسر، ولا يساوم أو يناور، ولا يتأمَّر أو يتآمر”،[52] وعليه، فقد كان كتاب ثغور المرابطة صادماً، ومحيِّراً في الآن نفسه، إذ جعلنا نحتار في تصنيف الأستاذ طه عبد الرحمن: هل هو ذلك الفيلسوف المغربي المبدع، الذي يؤسِّس فلسفةً لأمته، تفيدها في المثاقفة، والمرابطة، والمقاومة، والائتمان على ميراثها الديني والمعرفي؟ أو هو ذلك السياسوي، الذي اسْتُدْرِجَ، ليكون جزءا لا يتجزأ من الصراعات السياسية بين أطراف عربية استحكم العداءُ بينها؟ أو هو أمر آخَرُ غيْرُ هذا لا نعرفه؟”، مضيفاً أنه “لا يمكن؛ بأي حال من الأحوال؛ أن نعُدّ خاتمة كتاب ثغور المرابطة، والتي وَسَمَها بــ”الائتمان والإيمان” خاتمة علمية، تَتَغَيَّى الاستنتاج والاستخلاص، بقدر ما هي ملحمة للمصارعة، والحرب اللسانية، وانتهاك الحُرَم، وتصفية الحسابات. وقد كان قَصْدُ الأستاذ طه عبد الرحمن جَلِيّاً فيها، وهو إثبات مقصدي”.[53]
صحيح أن “طه رجل حرّ عاقل يدرك ما يكتب، ويتحمل تبعات ذلك كله. أما كيفية استعمال الناس لفلسفته فهذه ربما تكون من الحق المشاع، وهو غير مسؤول عنها إلا بحسب ما غلب الظن أن كلامه مفض إليها”[54]، كما أشارت إلى ذلك باحثة سعودية متخصصة في أعماله، لكن معاينة تفاعل التيارات الإسلامية على سبيل المثال، مع المفكر بعد نهاية 2018، كانت مغايرة لتعاملها مع المفكر نفسها قبل ذلك التاريخ، لأنه قبل صدور كتابه “ثغور المرابطة” الذي تضمن تلك الأحكام السياسية الاختزالية ضد العديد من الدول العربية، كأنها صادرة عن جماعات إسلامية معادية لأنظمة المنطقة كما سلف الذكر، لم تكن الأقلام الإسلامية الحركية، وخاصة الأقلام الإخوانية، في المغرب والجزائر على وجه الخصوص، تحتفي بأعمال طه عبد الرحمن، لعدة اعتبارات، ونتوقف هنا عند اعتبارين منها على الأقل: الأول أنه كان ينشر بين الفينة والأحرى بعض الرؤى النقدية ضد الحركات الإسلامية، كما جاء في كتابه “العمل الديني وتجديد العقل” و”حوارات من أجل المستقبل”؛ والثاني أنه ينهل من مرجعية صوفية، وهي المرجعية التي تعاديها التيارات الإسلامية بشكل عام[55]، سواء كانت سلفية وهابية أو إخوانية.
والحال أننا سوف نعاين فورة في تعامل الأقلام الإسلاموية نفسها مع أعمال طه عبد الرحمن، مباشرة بعد صدور كتابه “ثغور المرابطة”، سواء من خلال نشر قراءات في الكتاب نفسه أو تنظيم مؤتمرات حوله، فالأحرى التفاعلات معه في مواقع التواصل الاجتماعي، في سياق توظيف مضامينه لصالح الخطاب/ المشروع الإسلاموي.
تحصيل حاصل بتعبير المناطقة، أن الأقلام الإخوانية المغربية التي كانت تتلقى تحذيرات في حقبة زمني بالابتعاد عن قراءة أعماله، خاصة عندما كان ينشر مواقف نقدية ضد الإسلاموية في بعض كتبه وحواراته، انتقلت في حقبة ما بعد صدور كتاب “ثغور المرابطة” إلى احتضان أعماله، والترويج لها والدعاية لها، مقابل صمته عن الخوض في نقد ونقض المشروع الإسلاموي كما كان يفعل سابقاً.
وفي هذا السياق نظمت مجموعة من المراكز البحثية الإخوانية مؤتمرات وندوات حول هذا الكتاب بالتحديد، ما دام يعج بأحكام سياسية نقدية لا تختلف عن الرؤى السياسية النقدية الصادرة عن الإسلاموية، ونذكر من بين هذه المبادرات:
- ندوة بعنوان “المعرفة والمقاومة في سياق استراتيجي متحول: كتاب ثغور المرابطة نموذجاً”، ونظمها المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة يوم 22 مايو 2021، وهو مركز بحثي إخواني تابع لحركة “التوحيد والإصلاح”.
- ندوة “المثقف الائتماني وواجب المرابطة المقدسية”، ونظمها مركز ابن غازي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية يوم 8 مايو 2021، وهو مركز بحثي تابع لجماعة “العدل والإحسان”، وعرفت مشاركة باحثين مع المغرب والجزائر، قاسمهم المشترك أنهم أتباع حركات إسلامية، أو كانت لديهم تجارب إسلامية حركية، وقد صدرت أشغال الندوة في كتاب جماعي.[56]
خاتمة
كانت هذه إذن، ثلاثة نماذج لأسماء صوفية، جاءت من الطريقة الصوفية نفسها، قاسمها المشترك النهل مع التديّن الصوفي، إضافة إلى تأسيس كاريزما لدى الأتباع والمريدين، بما في ذلك طه عبد الرحمن.[57]
هذا عن بعض القواسم المشتركة: النهل من التصوف، وتأسيس كاريزما، وظهور أتباع، لكن في المقابل، وفي الشق الخاص بالموقف من السياسة والعمل السياسي بشكل عام، الفوارق كبيرة ومتباينة:
- بقي الأول وفياً لطبيعة علاقة أغلب الطرق الصوفية مع السلطة السياسية الحاكمة، أي علاقة الولاء والدفاع عن الاستقرار المجتمعي، عبر بوابة العمل الديني والتضامني والإحساني، بما في ذلك الانخراط في حروب ضد المستعمر؛
- بقي الثاني وفياً لمرجعيته الصوفية، لكن قام بإضفاء هواجس سياسية وإيديولوجية في أفق تفعيل “دولة الخلافة على منهاج النبوة” كما كان يُسطر ذلك في أعماله، وهي الدعوة التي حظيت ببعض القبول لدى مريدين وأتباع، أصبحوا يشكلون اليوم ثاني تنظيم إسلامي حركي في المغرب، تتداخل فيه مرجعيات صوفية وإخوانية، بامتدادات داخل وخارج المغرب، وخاصة في أمريكا وإسبانيا وإيطاليا؛
- وأخيراً، نموذج ثالث، وهو مفكر كان وفياً للخيار الصوفي الأول أثناء الانتماء التنظيمي للعمل الصوفي، وبالتالي كان بعيداً عن الخوض المباشر في القضايا السياسية، وحتى عندما كان يُدلي بمواقف سياسية ما، فإنّ السياسات الإقليمية والدولية كانت تشفع له بخصوص التقليل من حدة مواقفه، لكن، بمجرد خروجه أو انفصاله عن التنظيم، وجد حرية أكبر في الإدلاء بمواقف سياسية، لكن بحدة أكبر، لم تسيء إلى تدينه الصوفي وحسب، فهذا شأنه الخاص في نهاية المطاف، والناس أحرار في الاعتقاد فالأحرى في إبداء الرأي، الديني والفكري والسياسي والاقتصادي وغيره، لكن أساءت على الخصوص إلى أعماله وكشفت عن عدة مفارقات وتناقضات تميّز خطابه الفكري الذي ينهل من مرجعية صوفية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي والمراجع:
[1] أنظر لمزيد من التفصيل في هذه الجزئية: منتصر حمادة، الخطاب الصوفي العربي ومنعطف 2011: الحالة المغربية نموذجاً، ضمن كتاب “الصوفية اليوم: قراءة معاصرة في مجتمع التصوف ونماذجه”، تنسيق: محمد أبو رمان، مؤسسة فريدريش أيبرت – مكتب عمان، ط 1، 2000.
[2] أنظر لمزيد من التفصيل حول التعددية الصوفية في المغرب، طارق العلمي، الطوائف الصوفية وأسانيدها، منصة الرابطة المحمدية للعلماء، 5 يوليو 2018، على الرابط: https://shorturl.at/8H41E
[3] الزوايا عنصر أساس للتوازن السياسي، حوار مع الأنثروبولوجي محمد حجاج، مجلة زمان، الدار البيضاء، العدد 140، يونيو 2025، ص 63.
[4] تطرقنا لهذه الجزئية بالتفصيل في كتاب سابق. أنظر: منتصر حمادة، نحن والتصوف، الطريقة القادرية البودشيشية نموذجاً، دار الشروق، الرباط، ط 1، 2009.
[5] الزوايا عنصر أساس للتوازن السياسي، حوار مع الأنثروبولوجي محمد حجاج، مرجع سابق.
[6] عصام الرجواني، عبد السلام ياسين.. مؤسس وشيخ جماعة العدل والإحسان، منصة مَعلمة، 28 أبريل 2022، على الرابط المختصر: https://shorturl.at/6ZmzX
[7] عبد السلام ياسين، رجال القومة والإصلاح، منشورات الصفاء للإنتاج، الدار البيضاء، ط 1، 2001، ص 7.
[8] المرجع نفسه، ص 8.
[9] أنظر النص الكامل للوثيقة على الرابط المختصر: https://shorturl.at/5SHqn
[10] عبد السلام ياسين، رجال القومة والإصلاح، مرجع سابق، ص 80، وهذا تقييم لا يخرج عن تقييم “الإبستيم الإخواني” بشكل عام، ويمكن إدراج مجموعة أمثلة في هذا السياق، منها عنوان دال لكتاب ألفه باحث موريتاني إخواني المرجعية. أنظر: محمد بن المختار الشنقيطي، الخلافات السياسية بين الصحابة، تصدير: يوسف القرضاوي، تقديم: راشد الغنوشي، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط 1، 2013.
[11] رشيد مقتدر، الإدماج السياسي للقوى السياسية في المغرب، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ط 1، 2010، ص 222. وهي الخلاصات نفسها التي توصل إليها كتاب آخر صدر سنتان بعد هذا الكتاب، وتطرق للموضوع نفسه. أنظر: عبد الإله سطي، الملكية والإسلاميون في المغرب: مقاربة لآليات الإدماج والإقصاء، منشورات وجهة نظر، الرباط، العدد 25، نوفمبر 2012.
[12] رابط مؤسسة باسم مؤسس الجماعة، والذي يتضمن مجمل أعماله: https://yassine.org/
[13] حتى إنّ بعض أدبيات الجماعة نجدها بالحرف في أدبيات الشيعة، من قبيل “المرشد” و”الإمام” و”القومة”.. إلخ.
[14] حسن السرات، العدل والإحسان تتنبأ بتولي الخلافة بالمغرب عام 2006، منصة الجزيرة نت، 18 مايو 2005، على الرابط: https://shorturl.at/aR8jo
[15] أنظر: ادعاءات عبد السلام ياسين ومريديه؛ خرافات أم يقينيات؟!
https://ketabonline.com/ar/books/28352/read?part=1&page=1&index=2056326
[16] أبو جميل العلمي السجلماسي مؤلف كتاب “العدل والإحسان من الخلافة إلى الخرافة، مطابع طوب بريس، الرباط، ط 1، 2009.
[17] أبو عبد الرحمن ذو الفقار، مشايخ الصوفية: الانحراف التربوي والفساد العقدي: عبد السلام ياسين أستاذاً ومرشداً، مطابع طوب بريس، الرباط، ط 1، 2004.
[18] حسن السرات، تصاعد الجدل على العدل والإحسان بالمغرب والانشقاق يهددها، منصة الجزيرة نت، 29 أكتوبر 2005، على الرابط: https://shorturl.at/AC60R
[19] محمد ضريف، جماعة العدل والإحسان: رؤيا 2006 وتداعياتها، صحيفة المساء، الدار البيضاء، 1 ديسمبر 2010.
[20] نادية ياسين تصرح للأسبوعية: الملكية لا تصلح للمغرب، ونهاية النظام وشيكة، حوار أجراه معها: مصطفى حيران وعادل نجدي، الأسبوعية الجديدة، الرباط، العدد 33، 2 – 5 يونيو 2005، ص 6.
[21] فوزي أكريم، من الإحسان إلى المصلحية، طنجة، نسخة رقمية، ط 1، 2020.
[22] رسالة “قبل فوات الأوان” تثير ضجة وسط العدل والإحسان: صاحبها من أطر الجماعة واتهم القيادة بالحجر على الأعضاء، موقع أشطاري، 16 يونيو 2020. https://achtari24.com/26508.html
[23] أنظر: كتاب جديد يتحدث عن طغيان واستبداد تنظيم جماعة العدل والإحسان، موقع دين بريس، 5 يناير 2021. https://dinpresse.net/?p=13080
[24] طه عبد الرحمن، الهوية الجهادية للإنسان العربي: مفاهيم أساسية، مداخلة ضمن أعمال المؤتمر الذي نظمته مؤسسة “بيت الحكمة” ببغداد تحت عنوان: “الجهاد فكراً وممارسة” أيام 8-9 يناير 2002.
[25] طه عبد الرحمن، الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، المركز الثقافي العربي، بيروت ــ الدار البيضاء، ط 1، 2005، ص 180.
[26] المرجع نفسه، ص 181.
[27] المرجع نفسه، ص 256.
[28] المرجع نفسه، ص 266.
[29] عبد الإله بلقزيز، حزب الله: من التحرير إلى الردع: 1982 – 2006″، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ــ الدار البيضاء، ط 1، 2006.
[30] مات م. ماثيوز، حرب 2006 بين حزب الله وإسرائيل، ترجمة: مها بحبوح، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، ط 1ـ 2008.
[31] طه عبد الرحمن، الحداثة والمقاومة، معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية، بيروت، ط 1، 2007، ص 14.
[32] المرجع نفسه، ص 15.
[33] المرجع نفسه، ص 16.
[34] بل إن الخلاف بين المرجعيات السلفية والصوفية والشيعية، سنجد له بعض التجليات في مضامين هذا الكتاب، على غرار ما عاينا في مضامين كتاب “العمل الديني وتجديد العقل”، ومعلوم أن هذا الأخير تضمن مجموعة من الانتقادات والاعتراضات على الحركات الإسلامية، السلفية والإخوانية، وجاءت هذه الانتقادات مؤسَّسة على مرجعية صوفية، بحكم انتماء المؤلف حينها، إلى طريقة صوفية، ابتداءً من 1974.
[35] لمزيد من التفصيل في المقصود بهذا المصطلح، والذي نجده في الإصدارات التي حررها مفكرون وباحثون من تيار “أسلمة المعرفة” أو ينتمون إلى حركات إسلامية، من قبيل عبد السلام ياسين، مؤسسة جماعة “العدل والإحسان”، ومؤلف كتاب “الإسلام والحداثة” [2000]، أنظر كتاب طه عبد الرحمن بعنوان: “روح الحداثة: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية”، المركز الثقافي العربي، بيروت ــ الدار البيضاء، ط 1، 2006.
[36] طه عبد الرحمن، الحداثة والمقاومة، مرجع سابق، ص 32.
[37] المرجع نفسه، ص 34.
[38] أي الأحداث توصف بـ”الربيع العربي” عند البعض أو أحداث “الفوضى الخلاقة” عند البعض الآخر.
[39] طه عبد الرحمن، حوارات من أجل المستقبل، حوارات من أجل المستقبل، منشورات الزمن، الرباط، ط 1، 2008، ص 71.
[40] جاء الإهداء في الطبعة المغربية من الكتاب، وكانت طبعة محلية، لكن الطبعة العربية من الكتاب الصادرة عن مؤسسة “المركز الثقافي العربي”، لم تتضمن الإهداء نفسه، مع أنه أكد بعد عقدين لاحقاً أنّه مدين لشيخه في أنه فتح له آفاقاً في التفكير والتأمل والبحث، كما نقرأ في الجزء الثالث من كتابه “دين الحياء”. أنظر: طه عبد الرحمن، دين الحياء. من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني. الجزء الثالث. روح الحجاب، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت، ط 1، 2017.
[41] ثمة إشارات لبعض الأسماء البحثية التي تفطنت إلى نزوع سياسي ما لطه عبد الرحمن في كتابه “العمل الديني وتجديد العقل”، منها إشارات للباحث إبراهيم مشروح، وذلكم في سياق اشتغال طه عبد الرحمن على سؤال الحداثة، من خلال كتابه “روح الحداثة”، حيث إن هذا الطرح “يُخالف في الظاهر، دعوة أخرى تتعلق بأسلمة الحداثة التي دعا إليها أحد مجايلي طه عبد الرحمن، يتعلق الأمر بعبد السلام ياسين [نموذج المحور الثاني في هذه الدراسة]، في كتابه “أسلمة الحداثة” الصادر بالفرنسية [Islamiser la modernité]، فهما يلتقيان على المستوى الاستراتيجي، بيد أنهما يختلفان على مستوى تصريف هذه السطرجة، وكلاهما يواجد بالنقد الإيماني الحداثة الغربية. أنظر: إبراهيم مشروح، طه عبد الرحمن قراءة في مشروعه الفكري، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت، ط 1، 2009، ص 235.
[42] وهو المنعطف الذي سوف تكون له تبعات مفصلية على علاقة المحاضر بالطريقة التي ينتمي إليها بداية، ثم التبعات على مضامين أعماله في مرحلة لاحقة، سنوات قليلة بعد تاريخ المحاضرة.
[43] سوف يفصل طه عبد الرحمن في هذه الجزئية، من خلال كتابه روح الدين”، والصادر في سنة 2012، أنظر على الخصوص الفصل الخامس وعنوانه “العمل التزكوي ونهاية التسيد” [ص 239 – ص 315]، وترجمته “العمل الصوفي ونهاية السلطوية”.
[44] طه عبد الرحمن، ثغور المرابطة، مقاربة ائتمانية لصراعات الأمة الحالية، مركز مغارب للدراسات في الاجتماع الإنساني، الرباط، ط 1، 2018، ص 11.
[45] المرجع نفسه، ص 15.
[46] طه عبد الرحمن، سؤال العنف، بين الائتمانية والحوارية، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت، ط 1، 2017.
[47] طه عبد الرحمن، ثغور المرابطة، مرجع سابق، ص 92.
[48] أنظر لمزيد من التفصيل: منتصر حمادة، “أخونة” التصوف الإسلامي في المنطقة العربية، مركز تريندز للبحوث والاستشارات، أبو ظبي، 29 مارس 2022، على الرابط: https://shorturl.at/7pJU9
[49] أشار الباحث في تعريف مفهوم الصحوية إلى أن المقصود به “الإحالة على تيار إيديولوجي يجمع بين الإخوانية والخمينية، وقد تأسس هذا التيار على أنقاض التيار النهضوي. فإذا كان التيار الصحوي يتأسس على مفاهيم “الحاكمية الإلهية” و”ولاية الفقيه”، ويسعى إلى تأويل ظاهر النص الديني من أجل التحكم في حركية الدولة والمجتمع ضمن ما يسميه بـ”مشروع الدولة الإسلامية”، فإن التيار النهضوي الإسلامي يتأسس على مفهوم المقاصد باعتبار أن قراءة الشريعة تتجاوز ظاهر النصوص، إلى قراءة المقاصد الكبرى المرتبطة بالكليات الخمس”.
[50] أنظر: إدريس جنداري، رحلة في ثغور المرابطة.. قراءة نقدية في كتاب “ثغور المرابطة” لطه عبد الرحمان، منصة أواصر، 6 أبريل 2022، على الرابط: https://shorturl.at/NjCST
[51] قلة هم من يمكن وصفهم بأنهم من أهم متتبعي أعمال طه عبد الرحمن، يتقدمهم الثنائي حمو النقاري، عالم المنطق، والباحث في المنطق أيضاً، رضوان مرحوم، الذي يقف وراء إعداد وتجميع خمسة كتب لطه عبد الرحمن، وهي: “حوارات من أجل المستقبل” (2000)، “سؤال الأخلاق” (2000)، “الحوار أفقاً للفكر” (2013)، “سؤال المنهج” (2015)، و”من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر”، والباحث خالد الزهري، صاحب الاستشهاد المرفق أعلاه، وجميعهم من المغرب، ثم الباحثة السعودية سوسن العتيبي.
[52] طه عبد الرحمن، حوارات من أجل المستقبل، مرجع سابق، ص. 35
[53] خالد زهري، طه عبد الرحمن بين الانتصار للذات والتجني على الغير: كتاب “ثغور المرابطة” نموذجاً، منصة دين بريس، 5 أكتوبر 2021، على الرابط: https://shorturl.at/G1hYy
[54] باحثة سعودية: أستفيد من طه لكن لا أوافقه في كثير أيضاً، منصة دين بريس، 1 يونيو 2025، على الرابط: https://shorturl.at/cc8OX
[55] سبق أن تطرقنا لأسباب هذا العداء، أنظر: منتصر حمادة، المتديّن الصوفي لا يُفجر نفسه، 4 يناير 2018، على الرابط: https://shorturl.at/Zbcb3
[56] أنظر: المثقف الائتماني وواجب المرابطة المقدسية: أشغال ندوة دولية، إشراف وتنسيق: أحمد الفراك، هشام لعشوش، دار ركاز للنشر والتوزيع، عمان، ط 1، 2023.
[57] وهذا أمر يثير الانتباه، لأنه يمكن أن نتفهم وجود المريدين في زاوية صوفية، في سياق ثنائية الشيخ والمريد التي تميز الطرق الصوفية إجمالاً منذ قرون مضت، لكن نعاين الظاهرة نفسها في تعامل العديد من الباحثين مع شخصية طه عبد الرحمن، وخاصة في المغرب والجزائر.