تكوين
ملخص: تحاول هذه الدراسة رسم مخطط مفهومي Schema لفضاء الممكنات الذي يولّده العالم الافتراضي. وهي تفعل ذلك من منظور نقدي يبيّن آليات تحوّل “القرية العالمية” التي تنبأ بها مارشال ماكلوهان في الستينيات، إلى سجن رقمي شفّاف وهائل يَعِدُ بالسيطرة الشاملة في عصر الانترنيت.
يستعرض البحث الدور الذي تلعبه وسائط التواصل المدعّمة بالذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل علاقات السلطة والسيطرة في المجتمعات الحديثة، تلك المجتمعات التي باتت تجمع في تكوينها عناصر السيادة والضبط والتحكّم والمراقبة معاً في بنية واحدة. ويناقش البحث الإشكاليات والتغيرات التي تصنعها وسائط التواصل في مفاهيم أساسية مثل الحرية والخصوصية والانتماء، وكيفية تحوّل تلك الوسائط من مجرد أدوات للتواصل، إلى أنظمة للمراقبة المتكاملة في طور رأسمالي جديد بات يُعرف بـ”رأسمالية المراقبة”.
تعتمد الدراسة منهجاً تحليلياً نقدياً يجمع بين الفلسفة والتكنولوجيا، لتحليل دور الذكاء الاصطناعي في رصد سلوكيات الأفراد والتنبؤ بها وتعديلها، وتوظيفها كـ”مواد أولية” في الاقتصاد الرقمي الحديث وأنظمة السلطة المرتبطة به. ثم تنتهي بمقاربة تكنو- فلسفية تناقش فكرة نهاية الإنسان البيولوجي.
مقدمة
تصعُب مقاومة الهيمنة عندما تقدم نفسها على شكل حرية. عندما تمنح المجتمعات وسائلَ راحة وخدمات وترفيه وتواصل وتعدد هائل في الخيارات، لتعود وتستخدم؛ من تحت الطاولة، جميع تلك الخيارات الحرّة والخدمات المجانية ذاتها في الهيمنة والمراقبة الشاملة والتحكّم الناعم بالمجتمعات ذاتها. لكن إذا كانت الحرية بالأساس قدرة على الاختيار من متعدد في الحاضر، فكيف يمكن نقد الحاضر؛ بكل انفتاحاته ووعوده التكنولوجية، دون الوقوع في شرك الماضي، ودعوات الانغلاق الأيديولوجية؟
تلك الحدود الدقيقة نقدياً، هي ما يحاول البحث الأخذ بها والسير على تخومها واستكشاف فضائها الطوبولوجي[1]. ولذلك يمضي البحث أولاً في في تتبّع مفهوم الوسيط Medium كما طرحه أهم مؤسس ومنظّر لمفهوم الميديا Media في القرن العشرين، مارشال ماكلوهان Marshall McLuhan، وينتقل بعده مباشرة لرؤية المنظورات الفلسفية التي قدمها كلاً من ميشيل فوكو Michel Foucault وجيل دولوز Gilles Deleuze لطبيعة مجتمعات السيادة والمراقبة والتحكّم. ثم ينتقل لدراسة وسائط التواصل الاجتماعي في ضوء ثورة الذكاء الاصطناعي عبر ورؤية هذين الوسيطين التكنولوجيين معاً، بعدسة النظام المعولم لـ“رأسمالية المراقبة” و”مجتمع المعلومات“، وهذا ما قدّم فيه الفيلسوف الكوري الجنوبي/الألماني بيونغ شول هان Byung-Chul Han أفكاراً ورؤى عظيمة. ثم يمضي البحث في تتبُّع أثر الرقمنة Digitalization ودمقرطة المعلومات Democratization of information في التغيير الاجتماعي والسياسي الذي يحدث، والذي تُقوَّض فيه فعلياً جميع الديمقراطيات “من داخلها“، وترتفع فيه حظوظ جميع الأنظمة السلطوية “من خارجها“، وذلك عبر تزويد تلك الأنظمة بأدوات مراقبة رقمية تجعل من جميع الوسائل التقليدية السابقة قديمة عفا عليها الزمن.
هذا الوضع الجديد في القرن الحادي والعشرين، هو ما يضع بالجملة مجتمعات “السيادة” و”الضبط” و”التحكم” و”الإنجاز” التي سيناقشها البحث، في ما يشبه “البانوبتيكون”[2] الشفّاف والمرقمن، والذي يُمكِّن أصحاب السلطة من رؤية “قاطني العالم الافتراضي” من مراكز مراقبة آلية تبعد آلاف الكيلومترات، وتخترق كل الحدود الجغرافية المرسومة فوق خارطة الأرض.
يهدف البحث إلى وضع تصوّر شامل؛ بالأحرى مُركَّب، لعلاقات السلطة بالتكنولوجيا، واستبدال تركيب السلطة/المعرفة القديم والذي عمل عليه ميشيل فوكو، بتركيب السلطة/البيانات الجديد، ولاسيما أن البيانات أو المعلومات “المجّانية” التي نشاركها على منصّات العالم الافتراضي، أصبحت “نفط العالم الجديد”. بينما تتجلى أهمية البحث في رصد التحديات الفلسفية والأخلاقية التي يفرضها هذا التطور الخلّاق؛ وربما المُدمِّر، ولاسيما أننا على المستوى البشري نتجه نحو نهاية الإنسان البيولوجي وبداية الإنسان التكنولوجي، وهو الإنسان الذي لا أحد يعرف إن كان سيبقى حرياً باسمه ونوعه كإنسان.
أولاً: الطريق نحو القرية العالمية
كان مارشال ماكلوهان Marshall McLuhan (١٩١١-١٩٨٠) هو أول من صاغ مصطلحَ “القرية العالمية” Global village في بدايةِ ستينياتِ القرنِ الماضي. فضمن كتابِهِ العمدة “فهم الميديا” (Understanding Media)[3]، قدّم ماكلوهان ثلاثة طروحات مهمة؛ ما زالت تحتفظُ بقيمتها ومعاصرتِها بشكلٍ كامل.
- الأولى، هي فكرته الأرأس حول تحوُّل العالم إلى قرية صغيرة
- والثانية، هي عبارته الشهيرة والمُلغَّزة أنَّ “الوسيط هو الرسالة” (The medium is the message)
- والثالثة، هي تأكيدُهُ عدمَ قدرتِنا على التوقعِ بدقة، أو معرفتِنا بشكل مسبق، المدى الذي تُغيِّرُ به الميديا حياة الناس، حيث إنَّ كلَّ اختراعٍ ميديويٍّ جديد هو رميةٌ في المجهول على المستوى الإنساني.
بنى ماكلوهان فكرته الأولى والأشهر حول تحول العالم إلى قرية صغيرة على أسس فلسفية دقيقة، حيث يرى أنه مثلما وحّدت النظرية النسبية مفهومي الزمان والمكان في الفيزياء النظرية، كذلك فعلت الميديا في عصر الكهرباء Electric age[4]، كما أن تحوُّل العالم إلى قرية صغيرة لم يكن إلا نتيجة لاختراقِ حدّي الزمان والمكان وإلغاء انفصالهما الذي بقي مستمراً منذ بدء الحضارة البشرية وصولاً إلى العصر الحديث. يقول ماكلوهان:
“بعدَ ثلاثةِ آلافِ عامٍ على تمددِ الإنسان في المكان وحده باستخدام الأدوات (الوسائط)، وبعد أكثر من قرنٍ (زمنِ ماكلوهان) على اكتشافِ التكنولوجيا الكهربائية، استطاع البشر تمديد النظام العصبيِّ المركزيِّ للإنسان بشكل عالمي، ودخول المرحلة النهائية لامتداد الإنسان من خلال المحاكاة التكنولوجية لعمل الوعي ذاته، وتوصيل المعرفة آنياً إلى المجتمع البشريِّ برُمَّتِهِ دونَ تقييداتِ الزمان والمكان”.[5]
لكن الميديا عند ماكلوهان، لم تكن تعني مجرد وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة وحسب، بل هي كلُّ تكنولوجيا تمددُ حواسَّ الإنسان ومَلكاته. فالعَجَلَة التي اخترعها السومريون مثلاً هي تمديدٌ وتسريعٌ للقدمين، والسكين أو الرمح هو تمديدٌ لأصابعِ اليد، والكتابة هي تمديدٌ للذاكرة في التاريخ، الهاتف هو تمديدٌ للأذن والسمع، والتيلسكوب هو تمديدٌ للعين والرؤية..إلخ. لكن ما يمدِّدُ يقلِّصُ أيضاً كحركة ثانية، يقلِّص المسافة، يقرِّب الرؤية، يكثِّف الأفكار والإدراكات ويصنع التوجهات والمقاربات الإنسانية للعالم. وفي المحصّلة، يوحِّدُ العالم ضمن قرية صغيرة ويضيف بُعداً ثالثاً للحاضر الذي يُعبَّر عنه ثنائياً في “الهنا والآن“، ليصبح ثلاثياً عبر “الهنا والهناك.. الآن“.
عندما دخلت الكتابة حياة البشر مثلاً، لم يعد ممكناً التخلص من الأفكار المطروحة عبر التخلّص من المؤلف الذي يطرحها، أصبح للفكر حياته الخاصة المستقلة عن الشخص، أصبح للبشر تاريخ، أرشيف يمكن العودة إليه والاستفادة منه. لم تعد الحكمة شفاهية أو مرتبطة بكبار السنّ وأصحاب الحكمة والتجربة بل منثورة بين صفحات الكتب والمجلدات. من هنا نفهم كيف تم ربط دخول المطبعة وترجمة مارتن لوثر للكتاب المقدس بالثورة الصناعية ونشوء الدولة القومية في أوروبا، الأمر الذي انتهى إلى صعود الديمقراطية والليبرالية الفردية فيما بعد. لقد تنبأ ماكلوهان بالكثير مما نشهده اليوم، لكنه لم يعش ليرى انتقال البشرية من عصر الكهرباء إلى عصر الشبكة العنكبوتية “الويب”، تلكَ التي تشبهُ فعلياً الشبكة العصبية للدماغ، وتسري فوقَ جغرافيا الأرض وكأنها “دماغها”، بالسرعة الآنية ذاتها والتشابك المعقد ذاته.
أما أطروحة ماكلوهان الثانية حول أن “الوسيطُ هو الرسالة”، فلا يجب أن نفهمها بالمعنى الحرفي، لأن الوسيطَ لا ينقلُ رسالةً فقط بل يغيِّرُ البيئةَ التي يدخلُها والمعنى السائدَ فيها. كما أن الرسالةُ ليست مجردَ ناقلٍ لمحتوى الوسيط، بل تعبير عن المعنى الجديد المُكتسب. اختراع الطباعة على سبيل المثال، لم يكن مجرَّد اختراعِ وسيط جديد، بل إن جزءاً مما يعنيه أن تكونَ إنساناً قد تغيَّر بعدها إلى الأبد ولم يعدْ ما كان عليه. ومن جهةٍ أخرى، فإن الرسالةَ في أيِّ وسيطٍ أو أيِّ تكنولوجيا، هي التغييرُ الذي تُحدثه في نطاقِ وسرعةِ ونمطِ الشؤونِ الإنسانية، فالسكةُ الحديديةُ لم تُدخِلِ الحركة أو النقلَ أو العجلةَ أو الطريقَ إلى المجتمعِ البشري، بل قامتْ بتسريعِ وتوسيعِ نطاقِ تلكَ الأشياءِ الموجودةِ أصلاً ومسبقاً، وبذلك خلقتْ أنواعاً جديدةً تماماً من المدنِ وأنواعاً جديدةً من العملِ والترفيه. وذلك حدثَ بغضِّ النظرِ إن كانت السكةُ الحديديةُ تعملُ في بيئةٍ استوائيةٍ أو شماليةٍ، وبغض النظر عن البضائعِ أو المحتوى الذي حملته السكة الحديدية كوسيط.[6]
ليس هناكَ ميديا جديدة تولد مكتملة، بل عادةً ما تسعى بدايةً إلى استعمال محتويات الميديا السابقة عليها ولغتِها، وهذا ما ينطبق فعلياً على كلِّ الوسائط الميديوية في التاريخ، لذلك يكتب ماكلوهان:
“إن الحقيقة المُميِّزة لكل أنواع الميديا تقوم على أن محتوى أيِّ وسيطٍ هو وسيطٌ آخر، فمحتوى الكتابة هو الكلام، تماماً مثلما أن الكلامَ المكتوب هو محتوى الطباعة، والطباعة هي محتوى التيلغراف… ولكن إذا عدنا للبداية وسألنا ما هو محتوى الكلام؟ سيكون الجواب الضروريُّ: إنها سيرورة الأفكار، التي هي بذاتها شيء صامت غيرُ لفظي”[7].
بكلام آخر، إذا كان الوسيط التكنولوجي الذي يربط البشر مع بعضهم بعضاً أو مع الطبيعة، هو تعبير عن مدى تمدّد Extension حواس الإنسان ذاته في العالم، فإن ذلك الوسيط ليس مجرد أداة تكنولوجية بيد الإنسان، بل الأداة التي تصنع الإنسان نفسه وتحدد معناه وقدراته وشكل وجوده في كل عصر. والمعنى الفلسفي الكامن خلف هذا الكلام، يضرب فعلياً كل المعاني الجوهرانية المتعالية للإنسان؛ سواء كانت دينية أم علمانية. لأن معنى الإنسان؛ تبعاً لفكرة الوسيط، يتشكَّل من خلال الوسائط التي يستخدمها هو ذاته، وليس شيئاً محدداً بشكل مسبق أو متجهاً نحو غايات نهائية. بل إن عظمة الإنسان كما يذكّرنا نيتشه، تكمن في أنه جسر ومعبر “أي وسيط”، لا في أنه هدف أو غاية.[8]
أما الأطروحة الثالثة التي قدمها ماكلوهان، فتقوم على أنه لا يمكننا أن نعرف مسبقاً ما الذي تفعله ميديا جديدة في حياة البشر، ولا أن نتوقع بشكل حاسم التأثير الذي يتركه دخول وسيط جديد في حياتنا. نعرف فقط أن ذلك سيغير شكل الحياة، ويغيرنا ضمناً، لكن أين سيمضي بنا أو بالحياة ذلك التغيير فلا يمكن التنبؤ به حتميّاً، فاستخدام الميديا نادراً ما تطابق مع تصوّر مخترعيها.[9] وحسب ماكلوهان فإن انتقال الوسيط من الكتابة إلى الطباعة المكثّفة المتكررة على سبيل المثال، قاد إلى القومية والحروب الدينية في القرن السادس عشر[10]. وبالفعل غالباً ما تركت الميديا تأثيرات اجتماعية وثقافية وسياسية حاسمة في كل عصر مرت به، ففي المرحلة الشفوية، كانت الكلمة الملفوظة هي المسيطرة كأول ميديا وأول تكنولوجيا بشرية. الكلمة الملفوظة تنجز التواصل عن طريق الصوت، تفسح المجال أمام سيطرة حاسة السمع لإدراك اللفظ المنطوق وتشكيل الفضاء الصوتي. أما في مرحلة الكتابة والطباعة، فقد أُزيحت الثقافة السمعية لصالح هيمنة الثقافة المكتوبة والمرئية، فالمطبعة مَكْنَنَت الثقافة، وعملت على توطيد التصور الخطي للزمن، ورسخت التفكير العقلاني، وأحدثت التخصصات المعرفية، وأقامت نظاماً من التراتيب الاجتماعية الجديدة، وأسهمت في تطوير القوميات ومن ثم تعزيز الديمقراطية.[11] أما في عصر الكهرباء، فقد أعادت وسائل الاتصال الإلكترونية البشرية إلى مرحلتها الأولى، أي المرحلة الشفوية. فدمجت ما شذَّرته المطبعة، وبعثت أشكال التنظيم الاجتماعي القديمة ممثّلة في القبيلة والنزعة الجماعية، مثلما دمجت الثقافة المرئية والسمعية معاً ضمن ما يُدعى “التكنولوجيا التناظرية[12]“، تلك الأخيرة التي سبقت التكنولوجيا الرقمية السائدة اليوم في عصر الإنترنيت.
لقد أصبحت الحياة في الزمن المعاصر تناظر إلى حد بعيد الحياة في القرية أو القبيلة البدائية؛ فكما كانت الأخبار والمعلومات تنتقل شفاهة وبسرعة ضمن حدود مجتمع القرية، فإن وسائط الاتصال الحديثة تقرّب المسافات وتنقل المعلومات بالسرعة نفسها اليوم. غير أن سرعة التواصل والإتصال والنقل والحركة في “القرية الكونية” الجديدة والمرقمنة، لا تأتي دون ثمن كبير؛ إذ ترافقها شبكة مراقبة رقمية لا تكتفي بمراقبة الحدود الخارجية للدول والمجتمعات أو اقتحام الخصوصيات المنزلية، بل تتغلغل نحو الأعماق النفسية والجسدية لكل فرد وتضعنا أمام أسئلة مفتوحة لا تنفع معها الإجابات الجاهزة أو الحتمية المعروفة، كونها تناقش ذلك الارتباط الإشكالي فلسفياً واجتماعياً، والذي يجمع بتواطؤ غريب نمو الحرية مع نمو الهيمنة عبر التاريخ.
ثانياً: السلطة ونظام التواصل، من مجتمعات السيادة إلى مجتمعات الإنجاز.
كان ميشيل فوكو Michel Foucault (١٩٢٦-١٩٨٤) هو أول من أعاد مصطلح “البانوبتيكون” Panopticon إلى التداول في النقاش المعاصر، وأول من حوّل البنابتيكون من نموذج سجني – كما كان الأمر عند جيرمي بنثام[13] – إلى نموذج سياسي للمراقبة الشاملة في المجتمعات الحديثة. ففي كتابه الشهير “المراقبة والمعاقبة” تحدّث فوكو عن نموذجين تاريخيين للسلطة وعلاقتها بالمجتمع:
- الأول، هو نموذج “مجتمعات السيادة” Sovereign Society.
- والثاني، هو نموذج “مجتمعات الضبط” Disciplinary Society.[14]
في مجتمعات السيادة، يتولى جهاز السلطة مسألة تقرير الحياة والموت ويحدد المسموح والممنوع في سلوك أفراده. وفي تلك المجتمعات ترتبط السيادة بشخص الأمير أو الملك بالذات بحيث يصبح كل اعتداء أو جريمة أو انتهاك للعقد الاجتماعي القائم بين السلطة والمجتمع اعتداءً على سيادة الملك شخصياً وتحدّياً لسلطته.[15]
أما في مجتمعات الانضباط، فيتم ضبط الأفراد في حلقات مغلقة أو مستنقعات متجاورة؛ أو ما يسميه فوكو “الأرخبيل الاعتقالي”[16]، كالمستشفى والمدرسة والدير والمصنع والسجن والثكنة العسكرية. كما تعتمد السلطة التأديبية[17] ثلاث أدوات أساسية هي:
- المراقبة Surveillance
- والاختبار Examination
- والتطبيع Normalization
وعن طريق تلك العمليات الدينامية المستمرة والمتضافرة معاً، تنتقل السلطة من الحاجة للتعذيب والعقاب البدني الفيزيائي “تطويع الأجساد”، إلى السيطرة المرنة “الأطول رسناً”، أي العمليّة والأكثر فائدة فيما يخص السلوك والعادات وأنماط التفكير والعمل والمعرفة والانتاج.
في مجتمعات الضبط تندمج السلطة والمعرفة وتخدمان بعضهما بالتبادل، ويصبح النموذج السجني “البانوبتيكون” هو النموذج القياسي الأنقى لجميع مؤسسات الدولة[18]. تنتشر السلطة في جميع تلك المؤسسات بشكل متزامن، بينما يتم ضبط سلوك الأفراد كلٌّ في مهنته وموقعه الاجتماعي ومكان عمله وكأنهم في سجن، فـ”
الشبكة الاعتقالية.. ليس لها خارج. وهي تستعيد من جهة ما يبدو أنها استبعدته من جهة أخرى. إنها تقتصد في كل شيء، حتى بمن تعاقبه”.[19]
حدد فوكو التحولات التي نقلت مجتمعات السيادة نحو مجتمعات الضبط في أوروبا بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر[20]، إلا أن مجتمعات الضبط وصلت إلى أوجها في بداية القرن العشرين كما يخبرنا جيل دولوز Gilles Deleuze (١٩٢٥-١٩٩٥)، لتدخل بعد الحرب العالمية الثانية في طور جديد يسميه دولوز نموذج مجتمعات التحكّم Society of Control [21]. وتلك المجتمعات تعمل بطريقة مختلفة تماماً عن سابقتها، فإذا كانت مجتمعات الضبط تبادر إلى تنظيم فضاءات واسعة وداخلية للاعتقال، حيث يمر الأفراد خلال عمليات بناء الضبط والتوزيع من وسط مغلق إلى آخر، من الأسرة مثلاً إلى المدرسة، من المدرسة إلى الثكنة، من الثكنة إلى المعمل..الخ، بحيث لا نكف عن البداية من جديد في كل مرة، فإن ما يحصل مع مجتمعات التحكم هو أننا لا نقطع مع شيء كنّا فيه من قبل، ما تعرضه علينا سلطة مجتمعات التحكم هو آليات مراقبة دائمة في الفضاء المفتوح، تستخدم لغة رقمية لا تحيل إلى أفراد، بل إلى أعداد مجرّدة، كلمات سر وشيفرات مكونة من أرقام تسمح بالولوج إلى المعلومة أو تمنعه، المرور عبر هذا الحاجز أو منعه، الحصول على العلاج الصحي أو فتح حساب بنكي من عدمه. صار الأفراد أنفسهم سندات تحيل إلى المبادلات العائمة والتحويلات التي تتداخل كأعداد ونسب مئوية. تتوسل مجتمعات التحكّم بآلات مراقبة رقمية، حواسيب ضخمة تضمن الأداء الشامل وتمضي في عمليات التكييف الكلّي، ويبدو خطرها الكامن قائماً في التشويش Disruption، وخطرها الماثل في التعرّض للقرصنة أو الفيروسات.
حسب دولوز، لا يتعلّق الأمر بتقدُّم تكنولوجي فقط، بل بتحوُّل عميق للرأسمال، فرأسمالية القرن التاسع عشر كانت تقوم على التركيز بغاية الإنتاج والملكية، أما اليوم فقد صرنا أمام رأسمالية لا تتوجه إلى الإنتاج؛ الذي صار مرمياً به إلى ضاحية يمثّلها العالم الثالث، بل أمام مجتمع رأسمالي لفائض الإنتاج، فالرأسمال لم يعد يشتري المواد الأولية بل يكتفي بشراء المنتوجات جاهزة، أو يكتفي بتركيب قطع الغيار. ما بات يسعى النظام الجديد إلى بيعه هو الخدمات، وما يريد شراءه هو الأسهم. لم يعد الأمر متعلقاً برأسمالية إنتاجية إذن، بل برأسمال للمنتوج، أي للبيع والسوق. هكذا صرنا أمام رأسمال تشتيتي أساساً، بموجبه تحل المقاولة أو الشركة Company محل المصنع Factory. أما الفرد الذي كان بمثابة اللبنة الأساسية في المجتمع الحديث، فهو لم يعد فرداً Individual في مجتمعات التحكّم، بل “فويرداً” Dividual، منقسماً على نفسه من الداخل ومشتت، يتقدم ككائن موجي يلج في المدارات الذائبة. الفن نفسه صار يخرج من أوساطه ليلج دواليب الأبناك. لقد صارت الهيمنة على السوق وغزوه يتحققان ببسط المراقبة وليس بإرساء ضوابط. وهكذا فالرشوة صارت تكتسب قوة جديدة، وصار قسم البيع هو قلب وروح المقاولة، الشيء الذي أنشأ لنا تلك الفصيلة الوقحة من السادة الجدد. لم يعد إنسان اليوم معتقلاً، بل مثقلاً بالديون. صحيح أن الرأسمالية حافظت على وضعية البؤس الشديد لثلاثة أرباع أقسام الإنسانية، أقسام هي أشد فقراً من أن تتحمل دَيْنَاً، وأكثر عدداً من أن تُعتقل، إلا أن مجتمعات التحكّم سيكون عليها أن تواجه، إضافة إلى التفكيك الذي يلحق بالحدود والمجتمعات، الانفجار العام الذي نعاينه في مدن الصفيح والغيتوهات.[22]
هذا ما رآه دولوز منذ تسعينيات القرن الماضي، لكن مجتمعات التحكّم لم تَبق على حالها اليوم، فعلى الرغم من أن عناصر السيادة والضبط والمراقبة مازالت سائدة ومتراكبة فوق بعضها بعضاً في المجتمعات المعاصرة، إلا أن النموذج السائد تحوّل حسب الفيلسوف الألماني/الكوري الجنوبي بيونغ شول هان Byung-Chul Han إلى ما يسميّه “مجتمعات الانجاز” Achievement Society. ومجتمع الانجاز هذا هو مجتمع محكوم بالشفافية الرقمية ويخضع لنظام جديد على نحو تام، نظام مراقبة رقمية قادم من القرن الحادي والعشرين. وهو نظام لا يستغرق في المراقبة من نقطة مركزية محددة كما كان الحال في سجن بنثام (البانوبتيكون)، فقد اختفى تماماً ذلك التمييز بين المركز والمحيط. الوظائف الرقمية للنظام الجديد لا تتطلب أي بصريات منظورية، لأن موضوعاته شفّافة ومراقبة ومخترقة من كل الجهات في آن واحد، وبينما يدرك سكان سجن بنثام أن هناك من يقوم بمراقبتهم، وإن لم يكن في مجال رؤيتهم، فإن قاطني نظام المراقبة الرقمي الجديد يعتقدون أنهم أحرار.[23]
يمتلك مجتمع التحكم اليوم بُنية متميزة للمراقبة الشاملة، وعلى العكس من شاغلي سجن بنثام المعزولين عن بعضهم بعضاً، فإن قاطني شبكة المراقبة اليوم يتواصلون مع بعضهم بعضاً بشكل مكثف عبر جميع وسائل التواصل الاجتماعي، ويتعاونون بنشاط في بناء نظام المراقبة الرقمي وحمايته. وذلك عبر وضع أنفسهم على الشاشة، وعرض ذواتهم على نحو دائم. يعرضون أنفسهم داخل سوق “الديجتال بانوبتيكون”، ويكمل كل منهم الآخر عبر تقديم أنفسهم للعرض “البورنوغرافي” المميِّز للشبكة الرقمية، تلك الأخيرة التي تتغذى على الفضائح (shitstorm) وعمليات التلصص والتشهير، ويتحقق لها الكمال عندما يُقدّم الأفراد أنفسهم طواعية للعرض على الشبكة، لا عبر إلزام خارجي، بل عبر الحاجة الموَّلدة ذاتياً للظهور ولفت الانتباه؛ أي عندما تحلُّ الرغبة في عرض أنفسهم دون خجل محلّ الخوف من التخلي عن المجال الخاص والحميم.[24] وبعبارة أخرى، عندما تتداخل الحرية والهيمنة بطريقة تجعل من الصعب التمييز بينهما. وبالفعل، نرى كيف يتحول العالم بأسره اليوم إلى بانوبتيكون رقمي هائل، وكيف تتّخذ شبكات التواصل الاجتماعي التي تقدم نفسها كمساحات للحرية أشكالاً بانوبتيكية. فلا تحدث المراقبة اليوم باعتبارها هجوماً على الحرية، كما كان يحدث سابقاً، بل يستسلم الناس طواعية للنظرة البانوبتيكية الشاملة، وهذا ما يحوّل الحرية ذاتها إلى شكل من أشكال السيطرة والتحكّم.
في مجتمعات الإنجاز يتحول شكل العنف طوبولوجياً (أي من حيث جميع فضاءات ممكناته)، “ينسحب العنف إلى ما تحت التواصل، تحت الجلد، يدخل إلى المساحات الشعيرية للنفس. يتحول من المرئي إلى اللامرئي، من المباشر إلى غير المباشر، من الجسدي إلى النفسي، من العسكري إلى الوسائطي (الميديوي)، ومن الجبهي إلى الفيروسي”.[25] وبالتالي، لا يعود العنف “سلبياً” وموجهاً نحو الخارج أو قائماً على نفي الآخر، بل يصبح عنفاً “إيجابياً” موجهاً إلى داخل الذات ليدفعها أكثر نحو الإنجاز. ولا ينبني على الأوامر المباشرة، بل على التحفيز والتوقعات. لا يقوم على مبدأ (ينبغي عليك you should، بل يمكنك فعل ذلك you can)، فتلك الأخيرة تضاعف الإيجابية، وبالتالي مستوى الإنتاجية. أما السعي اللاهث نحو الإنجاز فيقود إلى الإرهاق والاحتراق النفسي Burnout [26]، وفي المحصلة إلى الإكتئاب. فما يعانيه أفراد مجتمعات الإنجاز بشكل أساسي هو الإكتئاب De-pression وليس القمع Re-pression كما كان الأمر في مجتمعات الضبط والسيادة. ولذلك نرى كيف يتحول شكل السلطة أيضاً من السلطة الحيوية Biopower التي تحدث عنها فوكو، إلى “سلطة نفسية” Psychopower، تراقب وتتحكم في الرغبات والحاجات والتوجهات والميول النفسية للأفراد. فإذا كانت السلطة الحيوية تعمل على ضبط القوى الموجودة تحتها، مراقبتها وتحسينها وتنظيمها، حيث يتدخَّل النظام السائد في العمليات البيولوجية وتوزيع السكان والتكاثر ومعدل الوفيات والشروط الصحية دون قدرة على اختراق الجوانب النفسية للجماهير، فإن السلطة “النفس/سياسية” Psychopolitics للنظام الجديد تقوم بالسيطرة على السلوك الاجتماعي للجماهير من خلال التعليق والتوجيه، وعبر التحكم في المنطق اللاواعي لديهم. إن مجتمع المراقبة الرقمية اليوم يتخذ توجهاً شمولياً ويسلّمنا إلى البرمجة والتحكم.[27]
يمكننا فهم الـ Psychopolitics التي تحدث عنها بيونغ شول هان على أنها سياسة سيطرة نفسية، مَرَضَها الأساسي هو الاكتئاب، وعَرَضَها الأساسي هو النرجسية[28]، وأداتها الأساسية هي الانجاز، وعنفها الأساسي هو العنف الايجابي، ومَصنَعها أو (ماكينات إنتاجها) الأساسية هي السوشيال ميديا. لكن لن يكتمل فهمنا لتلك العملية دون ربط آليات السيطرة “النفس/سياسية” بالذكاء الاصطناعي الذي باتت خوارزمياته تتدرب على بيانات ضخمة Big Data مجمَّعة من المشاعر والتفضيلات والاختيارات والرغبات التي نضعها على السوشيال ميديا، وتتغذى على الإعجابات والتعليقات والمشاركات والصور والفيديوهات التي نشاركها، وتتعقّب آثارنا الالكترونية على الشبكة إلى المواقع التي نزورها والأغاني التي نسمعها والمقالات التي نقرأها والأخبار التي نهتم بها، وذلك من حيث إن جميع تلك الآثار (النقرات) تشير إلى أحوالنا النفسية ورغباتنا واهتماماتنا واتجاهاتنا السياسية أو الدينية ومواقفنا الأيديولوجية. ويمكن ملاحظة تبني شركات التكنولوجيا لآليات المراقبة والتتبع واستخدام العنف الإيجابي عبر ما فعلته شركة ميتّا (فيسبوك سابقاً) عندما “رفضت على نحو مستمر أن تضع خيار “لا يعجبني- Dislike” ضمن خيارات المستخدمين لأن الأحكام السلبية تضعف عملية التواصل وتضعها في مأزق، ولأن السلبية الناتجة عن الرفض واللا إعجاب لا يمكن استغلالها اقتصادياً”[29].
في زمن مجتمعات السيادة والضبط كانت السلطات الحكومية هي وحدها من يمتلك ملفات للسكّان، ولديها سجلّات تحتوي البيانات والمعلومات الخاصة بكل فرد من أفراد المجتمع (إحصاءات سكّانية، وبيانات فردية، وسجلّات أو مصنّفات عائلية)[30]، لكن مع ذلك كانت تلك المعلومات عامة وشكلية بمعنى ما، أي تحتوي الاسم والأصل والنسب ومكان الإقامة وما إلى ذلك. أما اليوم فقد باتت شركات التكنولوجيا (مثل شركة ميتا وإكس وأمازون وغوغل ومايكروسوفت وتيك توك وآبل..الخ) هي من يمتلك بنوك المعلومات الخاصة بأفراد المجتمعات، وتلك المعلومات ليست مجرد معلومات عامة مثلما كان الحال سابقاً، بل معلومات تتجاوز السِيَر الذاتية والعائلية نحو الآراء والمعتقدات والتوجهات السياسية والميول الفردية والرغبات والمشاعر والانفعالات التي لا نتورّع عن نشرها على المنصات الإلكترونية المتعددة. وعندما ندرك حجم التداخل الحاصل اليوم بين تلك الشركات وأجهزة السلطة؛ بالإضافة طبعاً لتداخلها العضوي مع باقي قطاعات السوق الرأسمالي وشركات الدعاية والإعلان والخدمات الأخرى، سندرك كيف تتكامل عناصر “الديجتال بانوبتيكون”، ونعرف كيف تتم عمليات المراقبة الشاملة والتكييف الكلّي التي حدثنا عنها جيل دولوز منذ تسعينيات القرن الماضي.
ثالثاً: النقلة الرقمية ورأسمالية المعلومات
لم يعد المفهوم الفوكوي حول السياسة الحيوية Biopolitics التي تهدف للسيطرة على الأجساد وضبطها، ولا مفهوم هان حول السياسة النفسية Psychopolitics التي تهدف للسيطرة على أنماط السلوك النفسي وتعديلها، مجرد مفاهيم فلسفية متعالية، بل أصبح لها تطبيقات عِلميَّة وعَمليّة مباشرة في عالمنا المعاصر. فالثورة العلمية المزدوجة التي تشهدها البشرية في تكنولوجيا المعلومات “Infotech” والتكنولوجيا البيولوجية “Biotech”، تقوم بربط البيولوجيا والسيكولوجيا معاً بحبل واحد معلّق بالتكنولوجيا، وهذه الأخيرة تقوم بفكّ شيفرات Decoding كلاً من البيولوجيا والسيكولوجيا معاً وتحويلها إلى معلومات.
تلك الثورة المتشعّبة لن تعيد هيكلة الاقتصادات والمجتمعات والسياسات فحسب، بل هيكلة الأجسام والعقول والعوالم النفسية الداخلية بشكل أساسي. ذلك ما يخبرنا به يوفال نوح حراري Yuval Noah Harari في دروسه للقرن الحادي والعشرين. يكتب حراري:
“في الماضي، تعلمنا كبشر كيف نسيطر على العالم الخارجي من حولنا، لكن كان لدينا قدر ضئيل من السيطرة على عالمنا الداخلي. كنا نعرف كيف نبني سداً لإيقاف جريان النهر، لكننا لم نكن نعرف كيف نوقف عملية الشيخوخة. كنا نعرف كيف نصمّم نظام الريّ، لكننا لم نكن نعرف كيف نصمم دماغاً. […] ستمنحنا الثورات في التكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا المعلومات، التحكم في عوالمنا الداخلية وإعادة تشكيل أنفسنا، وستمكننا من هندسة وتصنيع الحياة. سنتعلم كيف نصمم العقول، ونمدُّ الأعمار، ونقتل الأفكار حسب رغبتنا”. [31]
لكن هل يمكن النظر بحيادية إلى تلك الثورة المزدوجة؟ وهل التطور التكنولوجي؛ الذي اخترق هذه المرة عمق البيولوجيا والسيكولوجيا ليتحكم بهما، حياديٌّ بذاتهِ؟ وإلى من تشير الـ”نا” في نص حراري أعلاه (ستمكننا، ستمنحنا، سنتعلم..ألخ)؟ هل تحيل إلى البشرية جمعاء في سعيها الطويل للسيطرة على الطبيعة؟ أم إلى البلد الذي جاء منه حراري “إسرائيل” وحاضنته الغربية، في صراعهم المدمّر مع الآخرين من أجل التفوّق والسيطرة؟ ولاسيما أننا اعتدنا أن نجد في الغرب الكثيرين من أمثال حراري، ممَّن يتكلمون عادة بصيغة الجمع “نا” رغم إحالتهم (اللاواعية) للإنسان الغربي والمركزية الغربية.
بغض النظر عن الإجابات المتفائلة أو المتشائمة عن تلك الأسئلة، إلا أن فوكو كان قد حذّرنا منذ زمن طويل بألا نثق بأحد يملك سلطة فوقنا ويدّعي الحيادية. كما أن هناك في الغرب ذاته من يعي بقوة تلك المشكلات ويبحث في الأثر الموضوعي وغير الحيادي لتلك الثورات، وفي الجوانب السياسية، الاجتماعية، والاقتصادية المدمِّرة لها. على سبيل المثال، تؤكد الفيلسوفة وعالمة النفس الاجتماعي شوشانا زوبوف Shoshana Zuboff، في كتابها الضخم “رأسمالية المراقبة” أنه على الرغم من الاختراعات المذهلة والتطور العلمي غير المسبوق الذي أنتجته تلك الثورات التكنولوجية، إلا أن الاقتصاد السياسي النيوليبرالي الذي يموّلها ويحصد اليوم نتائجها، يقود البشرية نحو الكارثة. يحطّم الديمقراطية وينقل النظام الرأسمالي كله إلى مرحلة جديدة، مرحلة لا يكون فيها مصدر الثروة الأساسي في الطبيعة ولا في الصناعة؛ على ما كانته الرأسمالية الصناعية، بل داخل الإنسان ذاته، في سلوكه النفسي/الجسدي وتجربته الحياتية. وذلك معناه أن السلعة الأساسية التي بات يتم استخراجها وبيعها وتداولها في السوق الرأسمالي هي المعلومات التي ينتجها البشر حول أنفسهم وينشرونها عبر الانترنت. تعرُّف زوبوف رأسمالية المراقبة التي تحكم الطور الحالي للرأسمالية بأنها:
“نظام اقتصادي جديد يعامل التجربة الإنسانية كمادة خام ومجانية للقيام بممارسات تجارية خفيّة عبر استخراج المعلومات والتنبؤ بها وبيعها. كما أنها نمط إنتاج طفيلي يخضع فيه إنتاج السلع والخدمات لهندسة عالمية جديدة قائمة على التعديل السلوكي، وذلك ضمن إطار شامل لاقتصاد المراقبة”.[32]
يتلاقى ما قالته زوبوف حول رأسمالية المراقبة مع نظام الهيمنة الجديد الذي تحدث عنه بيونغ شول هان في كتابه “Infocracy”، ويسميّه “نظام المعلومات” (The Information Regime)، وهذا النظام هو “نظام هيمنة تمتلك فيه المعلومات المعالَجة بواسطة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي تأثيراً حاسماً على المسارات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. تحت مثل هذا النظام، ما يُستغل هو المعلومات والبيانات، وليس الأجسام والطاقات، كما هو الحال في النُظم التأديبية أو الانضباطية. ولا تعتمد فيه السلطة على امتلاك وسائل الإنتاج، بل على الوصول إلى المعلومات التي تُستخدم للرصد النفسي السياسي، والتحكم في السلوك والتنبؤ به. ترتبط نُظم Regimes المعلومات بالرأسمالية المعلوماتية، التي تتطور إلى رأسمالية المراقبة، وتختزل البشر إلى قطيع من (الماشية المستهلِكة) التي توفر البيانات”.[33]
وعندما نفكر في حقيقة أن الرقمنة Digitalisation باتت تغزو جميع مجالات حياتنا الواقعية[34]؛ من مجال التعليم إلى مجال الصحة إلى التصنيع والاتصالات والأبناك وكل أنواع الوسائط الأخرى المرتبطة بشؤوننا الخاصة والعامة، سندرك مباشرة من جهة أولى، حجم التداخل المعاصر غير المسبوق بين الحياة الإنسانية والحياة الآلية، أي بين البيولوجيا والتكنولوجيا. ومن جهة ثانية حجم البيانات المؤتمتة الضخمة التي باتت تملكها الشركات والدول عن كل شخص على وجه البسيطة لديه كمبيوتر أو هاتف ذكي ومتصل بالانترنيت. وفي عالم تتّحد فيه الدولة مع السوق ويتبادلان المنافع والسيطرة، ستصبح قوة الدول السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية مرتبطة بالدرجة الأولى بتكنولوجيا المعلومات، فالمعلومات التي تقطن في الذواكر الضخمة والسُحب الافتراضية، باتت تمثّل “البنية التحتية” التي تحدد سيادة وقوة أي دولة، سواء بالمعنى الخارجي للقوة، القائم على سباق التسلح التكنولوجي، أم بالمعنى الداخلي، أي من حيث المراقبة الشاملة للمواطنين. وبكلام آخر، “إذا كانت سيادة الدولة قد ارتبطت في السابق بذلك الذي يستطيع تحديد حالة الاستثناء؛ حسب كارل شميت الشاب Carl Schmitt (١٨٨٨-١٩٨٥)، ثم تطورت لتتعلق بذلك الذي يسيطر على موجات الفضاء أو (الأثير)؛ حسب كارل شميت المتأخر، فإن سيادة الدول اليوم باتت مرتبطة بذلك الذي يسيطر على المعلومات على الشبكة العنكبوتية”[35]. فالمعلومات أصبحت هي الوسيط التكنولوجي الذي يحدد شكل السيطرة الأكثر قوة وتأثيراً في بنية العالم الواقعي/الرقمي الذي نعيشه، الأمر الذي يعيدنا مرة أخرى إلى ما قاله ماكلوهان قبل ستين عاماً حول الوسيط والرسالة في عالم القرية الكونية Global Village.
تتكامل أعمال الشركات الخاصة وأجهزة السلطة في الاقتصاد السياسي لرأسمالية المراقبة، وتتقاطع أعمال الشركات الأمنية مع شركات التكنولوجيا وشركات الأدوية وشركات التأمين والبنوك وغيرها بطريقة جذمورية[36] ولا مركزية. على سبيل المثال، تعدُّ شركة أكسيوم Acxiom في الولايات المتحدة، إحدى الشركات الكبرى في جمع المعلومات وتحليلها. تحتفظ الشركة بمستودع هائل للمعلومات مع فيلق ضخم من الخوادم كما لو كانت مبنى لوكالة استخبارات. تمتلك أكسيوم بنكاً للمعلومات الشخصية لنحو ثلاثمائة مليون أمريكي. ومن الواضح أن الشركة تعرف عن مواطني البلد أكثر مما يعرفه مكتب التحقيقات الفيدرالي أو الدوائر الحكومية الداخلية. ولذلك تزداد صعوبة التمييز بين التطفل على البيانات بدوافع اقتصادية واستخدامها لأغراض استخباراتية. في الواقع لا تختلف عمليات أكسيوم عن عمليات الأجهزة السرية، لكن في مجتمع المعلومات الحالي؛ حيث يتم الدمج بين الدولة والسوق في مركّب واحد، تتشابه أنشطة أكسيوم وغوغل وفيسبوك بشكل متزايد مع أنشطة الوكالات الأمنية الرسمية. فالخوارزميات التي يستخدمها فيسبوك وسوق الأوراق المالية والخدمات السرية تبدو على درجة كبيرة من التطابق. وفي كل حالة من هذه الحالات، يتلخَّص الهدف في التحكُّم واستغلال المعلومات إلى أقصى الحدود الممكنة.[37]
من الصعب جداً أن نرى مجموعات البيئة الرقمية التي تملأ العالم الافتراضي على أنها “مجتمع” Society، ولا حتى “جماعة” Community. إن ما تشكّله هذه المجموعات هو “أسراب رقمية”[38]، شبيهة بأسراب الطيور أو الحيوانات، وذلك من حيث إنها أسراب مؤقتة، سريعة الزوال وغير مستقرّة، حيث يكون التقلّب هو سمتها المميزة. تتجمع الحشود الالكترونية على نحوٍ كرنفالي، أي بطريقة عفوية وغير موجهة، وهو ما يجعلها تختفي بالسرعة التي ظهرت بها، ويُفقدُها الإرادة والعزيمة وروح التضامن التي كانت تجمع النقابات أو العمّال أو الطبقات مثلاً في عهود سابقة، كما أنها تفقد القدرة على وضع علاقات السلطة المُهيمنة موضع تساؤل ونقد فعّال[39]. يجمع السرب الرقمي عدداً هائلاً من المُستخدِمين Users لكن من دون روح جماعية تجمعهم، ولا “نحن” توحّدهم، ولا انسجام داخلي فيما بينهم. إن أفراد السرب الرقمي هم أناس معزولون، مشتتون، منكفئون على ذواتهم، يجلسون أمام الشاشات كالغرباء، وتعمل الوسائط الرقمية على مضاعفة عزلتهم بدلاً من جمعهم، كما كان يحصل في زمن الوسائط الإلكترونية الجماهيرية مثل الراديو والتلفزيون[40].
بالمعنى السياسي، لم يعد نظام المعلومات الجديد محكوماً بالأفكار الليبرالية أو الشيوعية أو الفاشية، بل بات قديماً القول بانتصار الليبرالية الديمقراطية على النمطين الآخرين. ما يبدو أننا بصدده الآن هو اندماج جميع الأنظمة السابقة (بالطريقة نفسها التي اندمجت بها مجتمعات السيادة والضبط والمراقبة والتحكم) كلها ضمن نظام اقتصادي/سياسي لامركزي واحد. اقتصاده الأساسي هو المعلومات وسياسته الأساسية هي المراقبة الرقمية. فإذا كان صحيحاً أن أمريكا التي تقود العالم تقاوم صعود الصين اقتصادياً وسياسياً، فإن الصحيح أكثر هو أن أمريكا نفسها تصبح صينية أكثر مما تصبح الصين أمريكية. ونلاحظ كيف أن النظام السياسي/الاقتصادي لجميع الدول الديمقراطية الغربية، ينحو أكثر فأكثر نحو السلطوية والمراقبة الشاملة على الطريقة الصينية، ويتجه أكثر نحو السياسات القومية الشوفينية (الموجودة ضمناً والمُطورة في الصين، ولكن أيضاً في روسيا وفي الهند وغيرها). في الواقع، يمكننا تأويل نبوءة كارل ماركس Karl Marx (١٨١٨-١٨٨٣) بأن الرأسمالية ستدمر نفسها من الداخل، أو تحفر قبرها بيديها، على النحو التالي: إن العدو الذي سيدمّر الرأسمالية من الداخل هو أقوى ما تصنعه الرأسمالية ذاتها، وليس اندماج الثورتين التكنولوجيتين في المعلومات والبيولوجيا، وصناعة الإنسان النصف/آلي- نصف/بيولوجي Cyborg، إلا بداية طريق القوة الناجمة عن اندماج الإنسان بالآلة، وتدريب الآلة على الأفعال الإنسانية لتقوم بالفعل الإنساني ذاته، وتدريجياً تحل محله بالكامل.
كان ماركس قد وصف الرأسمالية يوماً بأنها مثل مصاص الدماء الذي يعيش على العمل الميت. فرأس المال هو عمل ميّت يعيش ويتغذى على امتصاص العمل الحي، ويزداد قوة كلما ارتشف منه المزيد. وفي رأسمالية المعلومات التي نعيشها اليوم، يمتص العالم الافتراضي حياتنا الواقعية، كما لو كان مصاص دماء أيضاً. يعيش ويتغذى على امتصاص الدماء من شرايين الواقع الحي، ويزداد قوة كلما استهلك المزيد من أعمارنا خلف الشاشات، وكلما راكم بياناتنا الحية فوق رأسماله المعلوماتي والرقمي الميت.
رابعاً: بين أورويل وهكسلي، من “الأخ الأكبر” إلى “السوما”
تعمل السياسة النفسية التي تنتهجها جميع منصّات التواصل الاجتماعي على أسس التنبؤ السلوكي Behavior Prediction، وتعديل السلوك Behavior Modification، وكلاهما بات يرتبط بأجهزة قياس نفسي تسمّى “Psychometrics”، وهي عبارة عن نماذج تعتمد على البيانات لتكوين ملفات شخصية للأفراد من أجل التنبؤ بسلوكهم، وغالباً ما يتفوّق التوصيف النفسي لتلك النماذج “البسايكومترية” على أقرب أصدقاء الشخص أو حتى على شريكه. ومع توفر بيانات كافية، يصبح من الممكن توليد معلومات تتجاوز ما نعتقد أننا نعرفه عن أنفسنا. يُعدُّ الهاتف الذكي جهاز تسجيل نفسي يغذيه المستخدم يومياً؛ بل وحتى كل ساعة، بالبيانات. وهذا يجعله قادراً على حساب شخصية مستخدمه بدقة[41].
بعبارة أخرى، أصبحت السيكولوجيا ساحة صراع واستثمار اقتصادي وسياسي كبرى في العالم الجديد (الشجاع)، فالسيكولوجيا هي الناقل والمُحرّك Vehicle الأساس للعمل والسلوك، للتحفيز الاقتصادي والتأثير السياسي (الأكثر أهمية بالنسبة لفيسبوك وإكس وتيك توك هو شدّ انتباهك، التأثير في “مُحركاتك” العاطفية كي نبقى على المتصفّح، ومن خلال ذلك، التأثير في خياراتك وذوقك وتطلعاتك وآرائك وأفكارك “ميكروياً” وبدفعات صغائرية Micro-targeting، سواء أكانت تلك الآراء حول الصحة أم المناخ أم كانت حول الانتخابات والأحزاب السياسية والأيديولوجيات السائدة). والأمر الذي يجب التنبّه له هنا هو أن ذلك التأثير لا يكون بالإجبار ولا بالتوجيه المباشر، ولا حتى بعرض معلومات وأفكار ومحتويات ناقدة لتوجهاتنا، بل على العكس، تعزيز أي توجه مسبق لنا – والذي نعبّر عنه بكتابة بوست أو تعليق أو مشاركة أو إعجاب أو متابعة على إحدى المنصّات- فضمن آلية باتت تُعرف بـ”فقاعة الفلتر” Filter Bubble، تقوم الخوارزميات بفلترة وضخّ المحتوى المناسب لرغباتنا وتوجهاتنا ذاتها، وتضعنا في ما بات يُدعى “غرف الصدى” Echo Chamber، حيث لا نعود نسمع سوى صدى أصواتنا وأفكارنا ذاتها لدى الآخرين الذين يُفترض أن يكونوا مختلفين معنا وعنّا. وهذا بالتالي يؤدي لعمائنا الكامل عن “عوالم” الآخرين، التي تصبح عوالم مختلفة بالفعل وكأنها قادمة من كون آخر. “يعمل الجيل الجديد من محركات البحث على الانترنيت على تسجيل كل ما يبدو أنه يعجبنا؛ وكل ما يُعجِب من أُعجبنا بهم أيضاً، ليحاول استقراء المزيد حولنا. إنها محركات تنبؤ تعمل باستمرار على إنشاء وصقل نظرية حول من نكون وما الذي سنفعله أو نريده فيما بعد، وعليه تعمل على تشكيل عالم فريد من المعلومات الخاصة بكل واحد منا على حدة، وتغير بشكل جذري الطريقة التي نواجه بها الأفكار والمعلومات”[42].
هذا هو بالضبط “عنف الإيجابية” الذي تحدثنا عنه سابقاً، والذي يحكم طوبولوجيا العالم الافتراضي، فهو لا يحتاج إلى أي عصا خارجية لفرض الطاعة رغم نجاحه المتزايد بتحويلنا جميعاً إلى عبيد. إن إغراق الخوارزميات للأشخاص بما يحبونه ويشتهونه والقيام بجذبهم عبر رغباتهم للبقاء على المتصفّح، سيؤدي غالباً إلى خلق عوالم مغلقة وانقسامات اجتماعية وسياسية لا مجال للمصالحة والتفاهم بينها، حيث سيكون لدى كل فئة آلاف المؤثرين Influencers والمشاهير الذين يتحدثون بلسانها ويدعّمون أفكارها وتوجهاتها المسبقة، ويلعبون دور الريادة في قيادة الحماقة والتسطيح إلى أعلى المستويات.
إن الأصل الانفعالي؛ رغبات وعواطف وانحيازات وأذواق، الذي تعتمد عليه جميع منصّات العالم الافتراضي، يجعل تقبل المختلفين مسألة في غاية الصعوبة، ويجعل آرائنا ذاتها محمّلة بالعواطف الجيّاشة. وهذا يقلل إلى الحدود الدنيا قدرة أي شخص على الاستماع الهادئ أو الانصات العقلاني لآراء المخالفين، كما يزيد نسبة اليقين في آرائنا ويقلل نسبة الشك بمعتقداتنا، ولا حاجة للتأكيد أن الشك هو أساس كل نقد، والحيرة هي أساس كل مراجعة ذاتية، وكلاهما معاً أساس كل تواضع صِحّي تجاه نسبة الخطأ فيما نفكر به وما نظنه صحيحاً. لكن كيف سيصبح الأمر عندما تكون آرائنا مدعّمة بجيش من المعجبين، وجيش آخر من الذين يفكرون مثلنا أو بطريقة مشابهة لما نفكر به، وكلاهما يشكلان العالم الذي تدفع به الخوارزميات إلى أقصاه عبر التعزيز والعرض بغاية الجذب والاستقطاب والوصول إلى أكبر عدد ممكن من المستهلكين. والخدعة الكبرى هي أننا بتنا نصدق الخوارزميات أكثر مما نصدق حواسنا وعقولنا، أي أننا نتبع ما تقوله لنا الخوارزميات بشكل لاواعي تقريباً. نحن نثق مثلاً بخرائط غوغل على هاتفنا الذكي أكثر بما لا يُقاس من ذاكرتنا المكانية، أو أننا نعتمد خرائط غوغل بغض النظر إن كنا نثق بها أم لا. لم يعد الأمر مسألة ثقة عقلية بل تجربة حسية إدراكية. لكن الأدهى هو أن تلك الثقة لا تتوقف عند مجرد ثقة بعرض غوغل لخرائط المدينة، بل أيضاً نثق بعروض مواقع المواعدة لمن هم الأكثر مناسبة لنا، أو نثق بما يقترحه فيسبوك من “أصدقاء” استناداً إلى عدد أصدقائنا المشتركين. نقوم بتنصيب تطبيقات على هواتفنا الذكية لقياس عدد خطواتنا التي نمشيها، معرفة حالة الطقس، تنظيم مواعيدنا. نلبس ساعات ذكية حساسة لقياس عدد ضربات القلب، قياس ضغط الدم والحرارة وحتى التنفس. وفي جميع تلك الحالات، نحن نرغب ونسعى باندفاع للحصول على تلك الأدوات ولا يقوم أحد بإجبارنا، بل لم نعد قادرين على العيش دونها، مع أن تلك الأدوات هي وسائل مراقبة رقمية تعمل أو ترتبط بنماذج فاعلة للتنبؤ السلوكي والتعديل السلوكي.
تسهم وسائط التواصل الاجتماعي بدورها في صناعة الحماقة بالمعنى الحقيقي لا بالمعنى الرمزي، أي إنها تترك تأثيرها في عمليات التفكير والتحليل والقدرة على التركيز. وذلك لا يحصل فقط نتيجة التنقلات السريعة بين الصور والأخبار والفيديوهات والحالات والبوستات والأفكار المكررة والجُمل المبتسرة؛ على الرغم مما تتركه تلك العمليات من تسطيح للفكر وفقدان للصبر والتأمل والتحمّل الذي تحتاجه أي عملية تفكير جدّي، بل الأهم هو نتيجة حالة “الإدمان التكنولوجي”[43] التي تصيب جميع المستخدمين بأشكال متفاوتة. والإدمان التكنولوجي شبيه إلى حد التطابق بالإدمان على المخدرات، ومثله تماماً يجعل الأشخاص غير قادرين على التوقف لساعات معدودة، وأحياناً لدقائق، دون الشعور بحاجة ماسة ودافع لا يُقاوَم لفتح التطبيقات وتقليب الصفحات. وتعمل الإعجابات والتعليقات عمل المُحفزات النفسية للبقاء آماد أطول أمام الشاشات بحثاً عن إثارة انتباه الآخرين وانتظاراً للمكافأة التي نتلقاها بإعجابهم وتفاعلهم. باختصار، ليس هناك مناعة لأحد أمام الإدمان التكنولوجي.
إن ما تحاكيه وسائط التواصل الاجتماعي لدى الناس هو الحاجة للفت الانتباه The need for attention، وتلك الحاجة مرتبطة بمسائل أعمق على المستوى النفسي، مثل الشعور بالقيمة والرغبة بالاعتراف Recognition، فعندما ينشر أحدهم أو إحداهن فكرة أو معلومة أو خبر أو صورة أو فيديو على منصة فيسبوك أو انستغرام أو إكس، يأتي اللايك كإشارة انتباه أولاً، وخلف الانتباه هناك اعتراف بالشخص الناشر للبوست، وخلف الاعتراف هناك قيمة وتقييم، فعدد اللايكات والتعليقات يعطي انطباعاً (صحيحاً أو كاذباً لا فرق) أن ما يقوله صاحب/ة المنشور مهمّاً وذا قيمة، وعندما يكون المنشور هو صورة صاحب/ة الحساب بالذات، تنتقل تلك القيمة من المقول إلى المرئي، أي من قيمة ما يقوله الشخص إلى قيمته وصورته بالذات. وعندما يتعلق الأمر بالشباب الصغار والمراهقين؛ وهم الأكثر تعرّضاً للتكنولوجيا الرقمية اليوم والأكثر حضوراً واستخداماً لوسائط التواصل الاجتماعي، سيغدو الأمر كارثياً، لأنهم الحلقة الأضعف والأكثر قابلية للتأثر بالآراء والتقييمات الآخرية حولهم. كما أن مقارنات النفس الدائمة بالآخرين؛ وهي العمليات التي لا تتوقف في ذلك العمر، تقود الكثيرين منهم نحو النرجسية وأوهام العظمة، لكن بالمقابل، تقود الكثيرين أيضاً إلى الإحباط والاكتئاب وكره الذات والشعور بالدونية. وبالعموم، ومثلما يحصل في الحياة الواقعية، ليس من السهولة بمكان فصل قيمة الآراء التي يقولها الأشخاص عن قيمتهم بالذات، فالأثر الذي يتركه إعجابك برأي أحدهم لا ينفصل بسهولة – داخله على الأقل – عن إعجابك به كشخص، وكثيراً ما يتعامل الناس مع النقد الموجه لآرائهم على أنه نقدٌ موجَّه نحوهم كأشخاص. يحتاج الأمر إلى الكثير من النضح، كي يستطيع المرء الانفصال عن آراء الآخرين حوله، وذلك ما لا يتوافر بسهولة في أعمار مبكرة.
يحاول الكثيرون اليوم مقارنة العالم المعاصر الذي نحياه بالعالم الديستوبي الذي وصفه جورج أورويل George Orwell (١٩٠٣-١٩٥٠) في روايته “1984”، لكن واقعنا الرقمي لم يعد يشبه عالم أورويل الكَمِد والكئيب، بل وبالأحرى عالم ألدوس هكسلي Aldous Huxley (١٨٩٤-١٩٦٣) الذي وصفه في روايته “عالم جديد شجاع” الصادرة عام 1932. ففي دولة المراقبة الشمولية التي وصفها أورويل، تلعب “شاشة الرصد” دوراً مركزياً من خلال عرض البروباغندا ودعاية النظام باستمرار. أمام تلك الشاشة تقوم الجماهير بأداء طقوس الخضوع، وترديد الهتافات في حالة من الحماس الجماعي. أما في المنازل الخاصة، فتعمل شاشة الرصد ككاميرا مراقبة، تحتوي على ميكروفون حساس جداً يسجل حتى أهدأ الأصوات[44]. وفي عالم أورويل أيضاً، يعيش الناس حياتهم معتقدين أنهم تحت المراقبة المستمرة من قبل “شرطة الفكر”. لا يمكن إطفاء الشاشات التلفزيونية، فهي تقدم كل يوم درساً للتمارين الرياضية يهدف إلى إنتاج أجساد خاضعة ومنضبطة، بينما ترتفع الشعارات الثلاثة الشهيرة لدولة الأخ الأكبر[45] “الحرب هي السلام، الحرية هي العبودية، الجهل هو القوة”[46].
أما في نظام المعلومات الحالي، فيتم استبدال شاشة الرصد الخاصة بالأخ الأكبر بشاشات الكمبيوتر والهواتف الذكية. لا يتم التحكم بالناس بل يتم تسليتهم، ولا يتم قمعهم بل تحويلهم إلى مدمنين. تصبح “شرطة الفكر” و”وزارة الحقيقة” التي وصفها أورويل غير ضرورية. وبدلاً من الألم والتعذيب، تصبح وسائل الهيمنة هي الترفيه والتسلية.
في رواية هكسلي، يتم تخدير الناس بالمتعة والاستهلاك، وتسيطر عليهم الرغبة القهرية في أن يكونوا سعداء، فكل رغبة وكل حاجة يجب تلبيتها فوراً. توزع الدولة عقاراً يسمى “سوما” Soma لزيادة الشعور بالسعادة بين السكان، ولا يكون اجبارياً أن تأخذ حبوب “السوما” لكن الناس يحبون أخذه ومن ثم يدمنون عليه. وبدلاً من شاشة الرصد في عالم أورويل، يتميز عالم هكسلي بدور السينما التي تقدم “صوراً شعورية” أو “شعوريات” Feelies تحتوي على “عضو العطر” وتوفر تجربة جسدية كاملة تخدر الناس، (تجدر المقارنة هنا مع التجربة التي توفرها نظّارات غوغل ونظّارات ميتا اليوم). تُستخدم جميع تلك الوسائل في عالم هكسلي؛ مثلما في عالم اليوم، كوسائل للهيمنة والتحكّم.[47]
في كتابه “تسلية أنفسنا حتى الموت” (Amusing Ourselves to Death)، يعرض نيل بوستمان Neil Postman (١٩٣١-٢٠٠٣) مقارنات دقيقة وبليغة بين عالمي أورويل وهكسلي، تعكس بشكل قوي ومكثف روح عصرنا ومشكلاته. يقول: “ما كان يخشاه أورويل هو أولئك الذين سيحظرون الكتب. أما ما كان يخشاه هكسلي، فهو أنه لن يكون هناك سبب لحظر أي كتاب، لأنه لن يكون هناك أحد يرغب بقراءة واحد. كان أورويل يخشى أولئك الذين سيحرموننا من المعلومات. بينما كان هكسلي يخشى من أن يُغرقونا بكمٍّ هائل من المعلومات لدرجة تجعلنا نستسلم للسلبية والأنانية. كان أورويل يخشى أن يتم إخفاء الحقيقة عنا. بينما كان هكسلي يخشى أن تغرق الحقيقة في بحر من الأمور غير ذات الصلة Irrelevance. كان أورويل يخشى أن نصبح ثقافة أسيرة. بينما كان هكسلي يخشى أن نصبح ثقافة تافهة […] في رواية “1984” يتم التحكم في الناس من خلال إلحاق الألم بهم. أما في رواية “عالم جديد شجاع” فيتم التحكم بهم من خلال إلحاق اللذة بهم. باختصار، كان أورويل يخشى أن ما نكرهه سيدمرنا. بينما كان هكسلي يخشى أن ما نحبه سيدمرنا”[48].
خامساً: الذكاء الاصطناعي ونهاية الإنسان البيولوجي
تستند الثورة الرقمية التي نعيشها في هذا القرن على ثلاثة أسس، تبني مع بعضها هيكلاً افتراضياً واحداً. الأساس الأول يأخذ شكل “بنية تحتية” أو Hardware ويحتوي المعلومات والبيانات الضخمة Big Data.[49] والأساس الثاني هو بمثابة “بنية فوقية” أو Software يقوم بالحوسبة ومعالجة المعلومات ويعمل على الذكاء الاصطناعي AI. والأساس الثالث هو عبارة عن وسيط Medium وهو شبكة الانترنيت.
وإذا أردنا التعبير عن ذلك الهيكل الافتراضي بلغة إنسانية سنقول: إنه هيكل يتألف من ذاكرة هائلة BD، وذكاء خارق AI، وشبكة عصبونية وسيطة Web. وما تقوم به تلك الشبكة العصبونية هو وصل الذاكرة الهائلة بالذكاء الخارق ليتم إنتاج أو انبثاق Emergence “المخيلة الافتراضية” من وحدة وتفاعل الثلاثي السابق. تلك المخيّلة هي الفضاء الطوبولوجي للعالم الافتراضي. ذلك العالم الذي بات موازياً إلى حد بعيد لعالمنا الواقعي إن كان من حيث حضورنا و”عيشنا” اليومي فيه، أو من حيث قضاء معظم أوقاتنا؛ سواء كانت أوقات عمل أم أوقات فراغ وترفيه، فوق منصّاته المتعددة ومواقعه المتنوعة. لكن الأخطر، هو أن العالم الافتراضي بات يحكم، يتداخل، يراقب، يتنبأ، يعدّل، ويوجه إلى حد بعيد العالم الواقعي، ويضعنا جميعاً ضمن ما يمكن تسميته بالسجن الرقمي العالمي Global Digital Panopticon.
تأتي أهمية الحديث عن الذكاء الاصطناعي، والدور الفريد الذي يلعبه ضمن التركيبة الهيكلية السابقة، من واقع أن جميع وسائط التواصل التي تملأ العالم الافتراضي اليوم باتت تعتمد على الذكاء الاصطناعي – سواء من حيث جمع المعلومات الضخمة وتخزينها أم من حيث معالجتها وتحليلها وتصنيفها وتوجيهها – فالذكاء الاصطناعي يعمل بوصفه “اليد الخفية” القابعة خلف وسائط التواصل. اليد التي تتحكم وتطوّر وتراكم المعلومات المُدخلة والمُخرَجة على واجهات العالم الافتراضي. وإن كانت وسائط التواصل الاجتماعي هي أداة المراقبة الجديدة في مجتمع التحكّم، فإن الذكاء الاصطناعي قد رفعها إلى جوهر ذلك المجتمع، ولم تعد مجرّد أداة، ولذلك يمكن القول أننا بتنا بحاجة إلى عقد اجتماعي من نوع جديد ومختلف، يمكن تسميته بالـ”عقد الاجتماعي/الافتراضي” Social Virtual Contract، وهو عقد مختلف عن كل العقود الاجتماعية السابقة في التاريخ.
يمكننا أن نعدّ هذا الأمر على أنه تغيير أول في معنى الإنسان ومعنى المجتمع، وأما التغيير الثاني فيكمن في انفتاح فضاء الممكنات الرقمي “طوبولوجياً” باتجاه ولادة نوع جديد ووعي جديد كلياً، وهو وعي الذكاء الاصطناعي ذاته. تلك الفرضية الأخيرة هي بالطبع مشكلة فلسفية جديدة ومعقّدة وما زالت مفتوحة على إجابات متنوعة، لكن ما يجب فهمه عندما نتحدّث عن “نوع جديد” هو أننا نقصد Species وليس مجرد صِنْف، وعندما نتكلم عن “وعي جديد” New Consciousness فنحن نقصد “إدراكاً ذاتياً” Self-awareness، وليس مجرد “ذكاء” Intelligence. ولكن في الحالتين، هذا يغيّر معنى السيطرة ومعنى الحرية في وقت واحد، وينقلهما معاً إلى عتبة جديدة ولحظة فريدة “Singularity”[50]، لم يسبق لها وجود في التاريخ، لا بالمعنى الأنطولوجي؛ أي الوجودي، ولا بالمعنى الإبستمولوجي؛ أي المعرفي.
لكن لكي نفهم آلية عمل الذكاء الاصطناعي لابد أن نعي أولاً مسألتين هامتين جداً: الأولى هي أن للذكاء الاصطناعي نفسه مدرستين ونموذجين مختلفين، فهناك نموذج الذكاء الاصطناعي الرمزي Symbolic AI، وهو النموذج الأقدم، وفيه يتم تمثيل المعلومات المُدخلة Input بشكل رمزي، حيث تقوم الخوارزميات المصممة في هذا النموذج بتحليل تلك الرموز واختيار النتيجة الأفضل أو الأكثر دقة Output بناءً على مجموعة كبيرة من المُدخلات المبرمجة مسبقاً. ومن جهة أخرى هناك نموذج آخر هو الذكاء الاصطناعي التفاعلي Communicative AI،[51] وهذا الأخير هو الأحدث، الأقوى، والأخطر. وهو القائم خلف معظم الابتكارات التقنية المذهلة التي حصلت في السنوات القليلة الماضية؛ من لقاحات كوفيد، إلى الـChatGPT ونماذج اللغة الكبيرة (LLM)، وصولاً إلى السيارات ذاتية القيادة وتقنيات التعرّف على الوجوه وغيرها. وهذا النموذج لا يعتمد على التمثيل الرمزي مثل سابقه، بل على “التعلم الآلي” Machine Learning، و”التعلم العميق” Deep Learning الذي يقوم بتحليل البيانات الضخمة والتعلم منها بشكل تلقائي. الشبكات العصبونية الاصطناعية Neural Networks، التي تحاكي بطريقة ما عمل الشبكات العصبية في الدماغ البشري، تمثل العمود الفقري لهذا النموذج. وقدرته على التعلم الذاتي وتوليد المعرفة هي ما يمثّل تحدياً للعقل البشري.
من عدّة أوجه، يمكن تشبيه الفارق التفاضلي والايبستمولوجي بين نوعي الذكاء الاصطناعي بذلك الذي حدث في مجال الهندسة بين الهندسة الإقليدية والهندسات اللاإقليدية، أي بين الفضاء الإقليدي ثلاثي الأبعاد والفضاء الريماني لانهائي الأبعاد. أو تشبيهه بالفارق بين الفيزياء التقليدية وفيزياء الكم. أما فلسفياً فيقوم الفيلسوف المكسيكي/الأمريكي مانويل ديلاندا بتشبيه الآلية التي يعمل بها الذكاء الاصطناعي الرمزي بآلية عمل المنطق الاستنتاجي عند أرسطو، حيث لا جديد تقدمه النتيجة غير موجود في المقدمات، وبالمقابل تشبيه الذكاء الاصطناعي التفاعلي بالمنطق الاستقرائي، حيث يتم الانتقال من مقدمات جزئية وتجريبية إلى نتائج جديدة دائماً لا توجد في المقدمات التي انطلقت منها، فالذكاء الاصطناعي التفاعلي ينتقل من دراسة “تعلُّم” أجزاء محددة، إلى استخراج الأنماط العامة، الكليّة وغير المحددة أو المُدخلة مسبقاً، والتي تقابل الكليّات التي تحدث عنها أرسطو.
المسألة الثانية فيما يخص الذكاء الاصطناعي، وهي مبنيّة على الأولى، تتعلق بالقفزة النوعية التي شهدها تطور الذكاء الاصطناعي في عام 2017، والمعروفة باسم “التحوّل” Transformation، والتي أدت إلى تطوير تقنية الـ”Transformer”؛ ومنها جاء حرف الـ”T” في الـ”ChatGPT”. قبل ذلك التاريخ، كان الذكاء الاصطناعي يركز بشكل أساسي على مهام التصنيف Ranking والتحليل المعلوماتي، مثل قيامه بتحليل وتصنيف مجموعة كبيرة من المعلومات، واختيار الأكثر دقةً وملاءمةً من بينها. لكن بعد عام 2017، حدث التحول الكبير في قدرات الذكاء الاصطناعي، حيث أصبح بالإمكان تحويل وتوظيف ونقل المعرفة بين مجالات واختصاصات متعددة كانت سابقاً منفصلة عن بعضها بعضاً، مثل التعرف على الوجوه، والترجمة، وتحليل النصوص، وألعاب الفيديو، والشطرنج، بالإضافة إلى إنتاج الأفلام والصور. من جهة أخرى، وبفضل التعلم الذاتي الآلي والعميق، تطور الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة تصنيفية، إلى تقنية توليدية Generative AI، حيث لم يعد يقتصر دوره على تحليل المعلومات، بل أصبح قادراً على توليدها وتنسيقها، وإنتاج محتوى جديد تماماً، لم يتم تزويده به مسبقاً. تلك التطورات بالمجمل، تمثّل خطوة كبيرة باتجاه ولادة الذكاء الاصطناعي العام (AGI)، الذي بات أمره يقلق الجميع، ويثير العديد من التساؤلات الأخلاقية والعلمية والفلسفية حول تأثيره المحتمل على المجتمع والعالم.
لكن كيلا نبقى في المجردات، نضرب مثلاً مباشراً يوضح التحوّل الذي حصل والفارق بين النموذجين بشكل ممتاز، وهو مثال بات معروفاً على نطاق واسع، أورده يوفال حراري على النحو التالي: “في 7 ديسمبر 2017، تم تحقيق إنجاز حاسم، ليس عندما هزم الكمبيوتر الإنسان في لعبة الشطرنج – فتلك أخبار قديمة – ولكن عندما هزم برنامج (AlphaZero) من غوغل، برنامج (Stockfish 8). كان (Stockfish 8) بطل العالم في الشطرنج بالكمبيوتر لعام 2016. وقد استفاد من قرون من الخبرة البشرية المتراكمة في الشطرنج، وكذلك من عقود من الخبرة الحاسوبية. كان قادراً على حساب 70 مليون وضعية شطرنج في الثانية. في المقابل، قام (AlphaZero) بحساب 80,000 وضعية فقط في الثانية، ولم يعلّمه مبدعوه أي استراتيجيات للشطرنج – ولا حتى الافتتاحيات القياسية. بدلاً من ذلك، استخدم (AlphaZero) أحدث مبادئ التعلم الآلي لتعلم الشطرنج بنفسه من خلال اللعب ضد نفسه. ومع ذلك، من بين مئة مباراة لعبها المبتدئ (AlphaZero) ضد (Stockfish)، فاز (AlphaZero) بثمانٍ وعشرين وتعادل في اثنتين وسبعين. لم يخسر حتى مرة واحدة. وبما أن (AlphaZero) لم يتعلم شيئاً من أي إنسان، فقد بدت العديد من حركاته واستراتيجياته الفائزة غير تقليدية في نظر البشر. ويمكن عدّها إبداعية، إن لم تكن عبقرية بشكل صريح”[52]. والمذهل في كل ذلك أن الوقت الذي استغرقه ألفا زيرو للتدريب والتعلم الذاتي قبل اللعبة كان أربع ساعات فقط لا غير.
الآن، عندما نقول إن الذكاء الاصطناعي هو اليد الخفية التي باتت تقف خلف جميع وسائل التواصل في العالم الافتراضي، وبأنه يتعلم ذاتياً من البيانات التي يقدمها ملايين البشر حول أنفسهم على المنصّات الافتراضية المختلفة، فهذا يعني أن ما يحوزه و”يعرفه” حول أفكارنا ورغباتنا ومخاوفنا وآرائنا وأذواقنا وميولنا واتجاهاتنا يفوق بمراحل ما نعرفه حول أنفسنا أو حول العالم الذي نعيش فيه.
كان ستيوارت راسل Stuart J. Russell (وهو من كبار علماء الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي اليوم) قد حذّر منذ وقت طويل نسبياً، عام 2008، مطالباً بضرورة إبعاد الذكاء الاصطناعي عن التدرب على السيكولوجيا البشرية، لكن في الواقع فإن تلك المعركة كانت قد تمّت خسارتها قبل أن تبدأ، لأن جميع شركات التكنولوجيا العملاقة، مثل مايكروسوفت وأمازون وغوغل وميتا وغيرها كانت قد فعلت ذلك مسبقاً، بل لم يكن بإمكانها أن تعمل وتربح المليارات دون معرفة رغبات وميول المستخدمين الذين يتم توجيه الإعلانات والدعايات لهم، فنحن كمستخدمين للمنتجات التكنولوجية كنّا وما زلنا البضاعة والزبائن في الوقت ذاته، والمعلومات المجمّعة حولنا كانت وما زالت هي المواد الأولية التي جعلت أصحاب تلك الشركات أثرى أثرياء الأرض. لقد أصبحت البيانات هي النفط الجديد الذي لا ينضب، والذي يتم استخراجه من ملايين البشر مجاناً مع كل نقرة أعجبني فوق الشاشة الزرقاء، ومع كل تعليق أو مشاركة أو بوست نكتبه، ومع كل فتح صفحة أو موقع أو مقالة نقرأها أو فيديو نراه، ومع كل تطبيق جديد نقوم بتنزيله على هواتفنا المحمولة.
أخيراً، هناك من يرى أن الثورة الحالية في الذكاء الاصطناعي أكبر وأعمق وأوسع بما لا يقاس من الثورة الصناعية التي عاشتها البشرية خلال القرون الثلاثة الماضية، إن كان من حيث التغير الهائل في وسائل الانتاج أو قوى الانتاج، أو من حيث تغيير طبيعة العمل الإنساني ومعناه وأدواته بشكل جذري. إن كان من حيث انقراض العديد من أنواع العمل نهائياً من الوجود أو من حيث اختراع أنواع جديدة لم توجد من قبل. لكن الفارق النوعي والايبستمولوجي الذي يجب فهمه والتوقف عنده هو أن الذكاء الاصطناعي هو ببساطة ذكاء غير بيولوجي. الإنسان الذي يعد بخلقه هو كائن غير بيولوجي، والحياة التي يقوم عليها هي حياة غير بيولوجية، حياة مبنية أساساً على السليكون Silicon لا على الكربون Karbonn الذي تأسست عليه الحياة العضوية.
الآن، إذا أخذنا تعريف الذكاء على أنه: “القدرة على تحقيق الأهداف”[53]، وأخذنا تعريف الحياة ذاتها على أنها: “نظام قادر على إعادة إنتاج نفسه عبر نقل المعلومات ومعالجتها”[54] كما يخبرنا واحد من أهم الفيزيائيين وعلماء الذكاء الاصطناعي اليوم، ماكس تيغمارك Max Tegmark، فسوف نجد أنفسنا على أعتاب نهاية الإنسان البيولوجي، وذلك من حيث إن ما كان يتم نسخه ونقله من جيل إلى جيل عبر الخلايا العضوية، وخلال أربع مليارات سنة من عمر أول خلية حيّة، هو المعلومات، أو الشيفرات المحمّلة بالمعلومات. لكن لأول مرة في التاريخ تنتقل تلك المعلومات – تتم معالجتها كلياً، وتنسخ نفسها تلقائياً، وتتعلّم ذاتياً – من غير أي ناقل بيولوجي، بدأت مع الذكاء الاصطناعي.
لا أحد يعرف إلى أين يمكن أن تنتهي تلك الألية الجديدة، لكن ضمن حدود معرفتنا البشرية على الأقل، فإن الذكاء الاصطناعي يحمل في طياته أن يكون أفضل شيء حدث للحياة البشرية على الإطلاق، أو أسوأ شيء على الإطلاق أيضاً. يمكن للبشر استخدامه لحل جميع مشكلات اليوم والغد، علاج الأمراض والأوبئة، التعامل مع التغير المناخي، انتشال الجميع من الفقر (وهذا ما يبدو لنا كفرصة ضائعة)، لكن يمكن أيضاً استخدام التكنولوجيا نفسها لخلق ديكتاتورية عالمية ووحشية، مع مراقبة وسيطرة ومعاناة غير مسبوقة داخل “الديجتال بانوبتيكون” (وهذا ما يبدو لنا أقرب للواقعية)، لاسيما إذا ما وضعنا في الحسبان الخلل العميق الحاصل في النظام الدولي، واستعصاء الحلول للمشكلات الدولية، وسوء القادة السياسيين لأقوى دول العالم، وحالة الانقسام والعداء والاستقطاب السياسي المنتشرة داخل الدول والمجتمعات والحكومات وفيما بينها.
خاتمة
في خضم التحولات الجذرية التي فرضتها الثورة الرقمية على واقعنا المعاصر، أصبح من الصعب تجاهل حقيقة أن العالم الافتراضي لم يعد مجرد فضاء للتواصل والترفيه، بل بات منظومة متكاملة من المراقبة والسيطرة التي تعيد تشكيل مفاهيم الحرية والسلطة. وهذا البحث لم يكن محاولة للإجابة عن أسئلة جاهزة ومحددة بقدر ما كان رحلة نقدية لاستكشاف الحدود الغامضة بين ما نعدّه حرية وما قد يكون في الواقع وجهاً آخر للهيمنة الرقمية. فالذكاء الاصطناعي ووسائط التواصل الاجتماعي التي نراها كأدوات تكنولوجية متقدمة، قد تكون سلاحاً ذو حدين؛ فهي توفر لنا الراحة والسرعة والتواصل، لكنها في المقابل، تضعنا تحت مجهر أنظمة المراقبة المعولمة. وهذا بالمجمل يضعنا أمام سؤال أكثر عمقاً: هل نحن فعلاً نعيش في عصر الانفتاح والحرية، أم أننا ننساق دون وعي نحو نظام تحكُّم غير مسبوق؟ إن ما يثير القلق فعلاً، ليس القدرة التقنية لهذه الأدوات فقط، بل الاستعداد البشري لقبولها دون تفكير نقدي. وفي النهاية لا يعد هذا البحث دعوة للتفكير في التكنولوجيا، بل هو دعوة لإعادة تقييم علاقتنا مع الواقع الافتراضي الذي بات يمتلك القدرة على رسم حدودنا، وتوجيه اختياراتنا، بل وحتى إعادة تعريف إنسانيتنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع العربية:
- دولوز، جيل، خارج الفلسفة، نصوص مختارة، نقلها إلى العربية، عبد السلام بنعبد العالي وعادل حدجامي، دار المتوسط، إيطاليا 2015.
- فوكو، ميشيل، المراقبة والمعاقبة، ولادة السجن، ترجمة، د. علي مقلد، مراجعة وتقديم، مطاع صفدي، مركز الإنماء القومي، بيروت 1990.
- نيتشه، فريدرك، هكذا تكلم زرادشت، كتاب للكل ولا لأحد، ترجمة، فليكس فارس، مؤسسة هندواي للنشر، يورك هاوس، المملكة المتحدة، طبعة جديدة صدرت عام 2014، وهي نسخة عن الطبعة الأولى الصادرة عام 1938.
- بال، فرانسيس، الميديا، ترجمة، فؤاد شاهين، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، ط1٫ 2008.
- هان، بيونغ تشول، مجتمع الشفافية، ترجمة، بدر الدين مصطفى، مراجعة، جواد رضواني، مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، المملكة المغربية، الرباط، ط1، 2021.
- هان، بيونغ تشول، مجتمع الإحتراق النفسي، ترجمة، بدر الدين مصطفى، دار معنى للتوزيع والنشر، ط1 2021.
- هان، بيونغ تشول، من داخل السرب، آفاق رقمية، ترجمة، بدر الدين مصطفى، دار معنى للنشر والتوزيع، ط1, 2021.
- أورويل، جورج، “1984”، ترجمة، انور الشامي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، 2006.
الأجنبية
- McLuhan, Marshall, Understanding Media, The extensions of man, London and New York 1964.
- Han, Byung-Chul, Topology of violence, translated by Amanda DeMarco.Cambridge, Massachusetts Institute of Technology: MIT Press, 2017.
- Han, Byung-Chul, Infocracy, Digitalization and the Crisis of Democracy, Translated by Daniel Steuer, Polity Press 65 Bridge Street Cambridge CB2 1UR, UK, p5.
- Harari, Yuval Noah, 21 Lessons for the 21st Century, Jonathan Cape, London 2018.
- Tegmark, Max, Life 3.0: Being human in the age of artificial intelligence, New York: Alfred A. Knopf, 2017.
- DeLanda, Manuel, Philosophy and Simulation: The Emergence of Synthetic Reason, Continuum International Publishing Group, London 2011.
- Zuboff, Shoshana, The Age of Surveillance Capitalism, The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power, Public Affairs, New York, First Edition: January 2019.
- Postman, Neil, Amusing Ourselves to Death: Public Discourse in the Age of Show Business, London: Penguin, 2006 [1985].
- Kurzweil, Ray, The Singularity Is Near: When Humans Transcend Biology, Penguin Books, London 2005.
- [1]طوبولوجيا “Topology”، هي كلمة ذات أصل إغريقي مؤلف من جزئين “طوبو” (τόπος – topos) وتعني مكان أو موضع، و”لوجيا” (λογία – logia) وتعني دراسة أو علم، والطوبولوجيا تعني حرفياً “دراسة الأماكن”. أصبحت فرعاً في الرياضيات على يد عالم الرياضيات الفرنسي الشهير هنري بوانكارييه (Henri Poincaré 1854-1912) الذي استخدمها لدراسة الفضاءات الهندسية التي تظل ثابتة رغم التشوهات أو الانحرافات المستمرة للأشكال الهندسية. وتستخدم اليوم في علوم الكمبيوتر لدراسة التركيب أو الهيكل العام لكيفية تنظيم شبكات الكمبيوتر وعقد الاتصال (nodes) التي تكون على شكل شبكة نجمية (Star) أو حلقية (Ring) أو خطية (Bus). أما فلسفياً فقد نقل المصطلح إلى الفلسفة جيل دولوز (Gilles Deleuze 1925-1995) وجعله مفهوماً مركزياً في فلسفته لدراسة الفضاء الإمكاني “الافتراضي” للمفاهيم الفلسفية، وطبّقه على التمييز الذي وضعه هنري برغسون (Henri Bergson 1859-1941) بين الوجود الافتراضي (virtual) والوجود الفعلي (actual) للمفهوم. ويتم استخدام المصطلح بكثافة اليوم لدى العديد من الفلاسفة الدولوزيين، وعلى رأسهم الفيلسوف المكسيكي/الأمريكي مانويل دي لاندا. واستناداً إلى دي لاندا، سنستخدم المصطلح خلال البحث بمعنى محدد هو “فضاء الممكنات” (space of possibilities).
- [2]بانوبتيكون (Panopticon)، وتعني مراقبة الكل، وهو نوع من السجون قام بتصميمه الفيلسوف الإنجليزي جيرمي بنثام عام (1785)، وتقوم فكرته على بناء سجن دائري، يمكن من برج في مركزه مراقبة جميع السجناء دون أن يعلموا في أي وقت تتم مراقبتهم، فيتصرفون وكأنهم تحت رقابة دائمة ويضبطون سلوكهم على هذا الأساس. وقد ألهمت فكرة البانوبتيكون بوصفها رمزاً للسلطة غير المرئية عدداً من الفلاسفة من أمثال ميشيل فوكو وزيغمونت باومان، واعتمدها الفيلسوف الألماني/الكوري الجنوبي بيونغ شول هان في معظم أعماله للحديث عن تحول البانوبتيكون القديم إلى آخر جديد هو “الديجتال بانوبتيكون” السائد اليوم في عالم السيطرة الرقمية المعاصرة.
- [3]Marshall McLuhan, Understanding Media, the extensions of man, London and New York 1964.
- [4], p. 5.
- [5], p. 7.
- [6]Ibid, p.10.
- [7]Ibid, p.10.
- [8]فريدرك نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، كتاب للكل ولا لأحد، ترجمة، فليكس فارس، مؤسسة هندواي للنشر، يورك هاوس، المملكة المتحدة، طبعة جديدة صدرت عام 2014، وهي نسخة عن الطبعة الأولى الصادرة عام 1938. ص 43.
- [9]بال، فرانسيس، الميديا، ترجمة، فؤاد شاهين، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، ط1٫ 2008، ص٩.
- [10] McLuhan, p.31
- [11]انظر، نصر الدين لعياضي، التفكير مع ماكلوهان ضد الماكلوهانية في عصر الميديا الرقمية، مركز الجزيرة للدراسات، 6 ديسمبر 2021، شوهد في 12،05،2024، على الرابط التالي: https://n9.cl/brpcz
- [12]التكنولوجيا التناظرية هي تكنولوجيا تستخدم قيم متغيرة باستمرار لتمثيل البيانات، على سبيل المثال، أجهزة التسجيل السمعي القديمة تقوم بتحويل الموجات الصوتية إلى إشارات كهربائية يتم تسجيلها على وسائط مثل الشريط المغناطيسي. وهي تختلف عن التكنولوجيا الرقمية المعاصرة التي تعتمد على تمثيل البيانات بشكل رقمي (ثنائي)، مما يسهل عمليات المعالجة والتخزين والنقل.
- [13]جيرمي بنتام، (Jeremy Bentham 1748-1832) هو فيلسوف وعالم قانون بريطاني وأحد مؤسسي الفلسفة النفعية، وهو من ابتكر مفهوم البانوبتيكون بغاية تحسين أوضاع السجون في زمنه.
- [14] ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة، ولادة السجن، ترجمة، د.علي مقلد ومراجعة مطاع صفدي، مركز الإنماء القومي، لبنان، بيروت 1990، ويخصص فوكو الجزء الأول من الكتاب في قسميه (التعذيب، العقاب) للحديث عن السلطة السيادية، ثم الجزء الثاني بقسميه (الانضباط، السجن) للحديث عن السلطة التأديبية، لكن انظر ص 216-217 حيث يتناول فوكو التحولات والفوارق بين نوعي السلطة المذكورين أعلاه بشكل مكثف.
- [15]يفصّل فوكو في مسائل انتهاك القانون ونظام العدالة فيما يسميه العصر الكلاسيكي فيقول “إن الجريمة تطال العاهل، فضلاً عن ضحيتها المباشرة؛ وهي تطاله شخصياً لأن القانون يعتبر كإرادة العاهل؛ وهي تطاله جسدياً لأن قوة القانون، هي قوة الأمير”. انظر ص81.
- [16]فوكو، ص 294.
- [17]لأسباب سياقية، سوف نستخدم كلمات “ضبط” و”انضباط” و”تأديب”، بمعنى واحد في النص وهو كلمة “discipline” التي استخدمها فوكو في كتابه “المراقبة والمعاقبة” (discipline and punish).
- [18]يقول فوكو: “إن السجن هو الصورة المركّزة، والصارمة لكل الانضباطات”، المرجع نفسه ص 253.
- [19]المرجع نفسه، ص 296.
- [20]تجدر الملاحظة أن فوكو بدأ كتابه بالتركيز على عقوبة داميان التي وقعت عام 1757م واستخدمها كنموذج مثالي لمجتمعات السيادة، انظر ص 47، وأنهى الكتاب بالتركيز على افتتاح الميتراي Mettray سنة 1840, والتي كانت بمثابة مدرسة ودير ومعمل ومعسكر وسجن في الوقت ذاته، أي تجمع كل العناصر المثالية لمجتمعات الضبط. انظر، المرجع ذاته ص 290.
- [21]أود الإشارة إلى أن كلمة control تعني التحكم والمراقبة في آن، أو التحكم عن طريق المراقبة. هذا ما يحيل إليه المعنى الدولوزي. ونحن سنستخدم الكلمتان هنا بالتبادل، لكن على أن يبقى التمييز قائماً بين ما عناه فوكو بالمراقبة وما عناه دولوز بعده، فالمراقبة في المجتمع الانضباطي عند فوكو هي أقرب للرقابة censorship أي المراقبة بغرض المنع والاعتراض والتقييد والضبط، بينما هي أقرب عند دولوز إلى رصد الأنشطة والسلوك وجمع المعلومات والبيانات التي تحصل في مجتمعات التحكم اليوم. ومعاني هذه الكلمات متداخلة مع بعضها فعلياً، فليس هناك رقابة بلا مراقبة، ولا تحكم ممكن بلا مراقبة أيضاً.
- [22]جيل دولوز، خارج الفلسفة، نصوص مختارة، نقلها إلى العربية، عبد السلام بنعبد العالي وعادل حدجامي، منشورات المتوسط، إيطاليا 2021، والنص المُستَخلص أعلاه هو بالأصل من مقال كتبه دولوز عام 1990 تحت عنوان “حاشية، حول مجتمعات المراقبة”، منشور ضمن الكتاب من ص132 إلى ص 141.
- [23]بيونغ تشول هان، مجتمع الشفافية، ترجمة، بدر الدين مصطفى، مراجعة، جواد رضواني، مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، المملكة المغربية، الرباط، ط1، 2021, ص 93.
- [24]المرجع نفسه، ص 93-94.
- [25]Byung-Chul Han, Topology of violence, translated by Amanda DeMarco.Cambridge, Massachusetts Institute of Technology: MIT Press, 2017, P6.
- [26]بيونغ تشول هان، مجتمع الإحتراق النفسي، ترجمة، بدر الدين مصطفى، دار معنى للتوزيع والنشر، ط١ 2021، ص 20.
- [27]بيونغ تشول هان، من داخل السرب، آفاق رقمية، ترجمة، بدر الدين مصطفى، دار معنى للنشر والتوزيع، ط1, 2021، ص104.
- [28]النرجسي مثل المكتئب، لا يمكنه أن يرى العالم خارج ذاته ولا يشعر به، فهو غارق تماماً داخل حدود عالمه الذاتي.
- [29]هان، مجتمع الشفافية، ص26.
- [30]من المعروف أنه قبل عهد نابليون والشرطة السرية التي أنشأها، لم يكن هناك تسجيل وفهرسة للناس العاديين أو لجميع أفراد المجتمع، فلكي يكون لديك بيوغرافيا وسيرة شخصية مسجّلة ومصنّفة لابد أن تكون شخصية مشهورة ومؤثرة لتحصل على هذا الامتياز. لكن إحصاء السكان وتسجيل ملفات لكل فرد في المجتمع بدأ مع الشرطة السرية في عهد نابليون بونابرت وانتشر بعدها.
- [31]Yuval Noah Harari, 21 Lessons for the 21st Century, Penguin Random House UK, London, First published by Jonathan Cape in 2018, p20.
- [32]Shoshana Zuboff, The Age of Surveillance Capitalism, The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power, Public Affairs, New York, 2019, P9.
- [33]Byung-Chul Han, Infocracy, Digitalization and the Crisis of Democracy, Translated by Daniel Steuer, Polity Press 65 Bridge Street Cambridge CB2 1UR, UK, p5.
- [34]على سبيل المثال، وحسب شوشانا زوبوف، فإن المعلومات المُرقمنة digital information كانت بنسبة واحد بالمئة عام 1960، ثم أصبحت بنسبة 25 بالمئة عام 2000 لكنها باتت 100 بالمئة عام 2013.
- [35]Han, Infocracy, p.16.
[36] الجذمور “rhizome”، هو مفهوم صاغه دولوز وغاتاري في كتابهما المشترك “ألف سطح”، وهو الجزء الثاني من ثنائيتهما الشهيرة “الرأسمالية والفصام”، ويشير إلى شبكة غير خطية من العلاقات التي يمكن أن تتفرع وتتشعب في أي اتجاه، فالجذمور يمتدّ مثل الشبكة في كل الاتجاهات دون أن تكون له بداية ووسط ونهاية، ودون بنية هرمية؛ جذر وجذع ورأس كما هو حال الشجرة، وينبني على التطور اللامتكافئ واللاخطّي لفروعه دون مركز واحد ووحيد.
- [37]هان، من داخل السرب، ص 97-98.
- [38]المرجع نفسه، ص٣٠.
- [39]المرجع نفسه، ص 32.
- [40]المرجع نفسه.
- [41]Han, Infocracy, p.23.
- [42], p. 31.
- [43]يعرّف الإدمان التكنولوجي في الأدبيات النفسية الجديدة على أنه حالة نفسية وسلوكية تتسم بالاستخدام القهري والمفرط للأجهزة التكنولوجية مثل الهواتف الذكية، الحواسيب، وألعاب الفيديو، إلى حد يسبب تأثيرًا سلبيًا على حياة الفرد الشخصية والاجتماعية والعملية. يتجلى هذا الإدمان في شعور قوي بالحاجة إلى استخدام التكنولوجيا بشكل مستمر، وعدم القدرة على التوقف عن استخدامها، حتى في وجه العواقب السلبية مثل تدهور العلاقات الاجتماعية، انخفاض الأداء الأكاديمي أو المهني، واضطرابات النوم والصحة العامة.
Young, K. S. (1998). Internet Addiction: The Emergence of a New Clinical Disorder, CyberPsychology & Behavior, 1(3), 237.
- [44]جورج أورويل، “1984”٫ ترجمة، انور الشامي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، 2006، ص9.
- [45]“الأخ الأكبر”، (Big Brother): هو القائد الغامض والحاكم المطلق للدولة الشمولية “أوقيانيا” في رواية أورويل، ورغم أن القارئ لا يراه بشكل مباشر، إلا أن صورته تملأ جميع الأماكن، مصحوبة بشعار “الأخ الأكبر يراقبك”.
- [46]المرجع نفسه، ص 10.
- [47]Han, Infocracy, p.20-21.
- [48]Neil Postman, Amusing Ourselves to Death: Public Discourse in the Age of Show Business, London: Penguin, 2006 [1985], p 17-18.
- [49]يقول ماكس تيغمارك “Max Tegmark”، وهو من أهم الفيزيائيين وعلماء التكنولوجيا في هذا القرن: “على مدى العقود الستة الماضية، انخفضت تكلفة ذاكرة الكمبيوتر إلى النصف تقريبًا كل عامين. لقد أصبحت محركات الأقراص الصلبة أرخص بما يزيد عن 100 مليون مرة، وأصبحت الذواكر؛ الأسرع والأكثر قدرة على التخزين والأكثر فائدة في الحوسبة، أرخص بنحو 10 تريليون مرة”. انظر Max Tegmark, Life 3.0 : Being human in the age of artificial intelligence, New York: Alfred A. Knopf, 2017. P, 81.
- [50]للتوسع في هذا الموضوع يمكن للقارئ العودة لكتاب راي كورزويل “The Singularity Is Near” ويتوقع فيه أن اللحظة الفريدة ستكون عام 2029، حيث ستتغير معالم الحياة الإنسانية بالكامل، وحيث سيصبح متاحاً تغيير واستبدال جميع أعضاء الإنسان تكنولوجياً بما فيها الدماغ. أما ماكس تيغمارك فيقول إن مصير الإنسان سيكون مثل مصير الأحصنة، فالأحصنة لعبت تاريخياً أدواراً مهمة في الحياة البشرية، العمل والنقل والإنتاج والحرب والصناعة ثم تحولت اليوم إلى حيوانات للزينة والترفيه في المزارع ولم يعد لها وظيفة مهمة للبشر، والمصير ذاته سيلاقي البشر بعد سيطرة الذكاء الاصطناعي لأنه لن يكونوا مهمين للعمل والانتاج والحروب وغيرها، فالبشر حكموا الكوكب لأنهم أذكى الكائنات وليس بعيداً أن يُحكَموا عند ولادة نوع أذكى منهم. أنظر كتاب ماكس تيغمارك Life0، ص 160. وكتاب كروزويل Ray Kurzweil, The Singularity Is Near: When Humans Transcend Biology, Penguin Books, London 2005.
- [51]انظر بهذا الخصوص كتاب مانويل دي لاندا “الفلسفة والمحاكاة” ولاسيما الفصل السادس من ص80 إلى ص89، والفصل السابع من ص 94 إلى ص97. “Manuel DeLanda, Philosophy and Simulation: The Emergence of Synthetic Reason, Continuum International Publishing Group, New York, 2011”
- [52]Harari, p, 40.
- [53]Tegmark, p. 37.
- [54], p. 71.