ظاهرة المراجعات عند الحركات الإسلامية: إشارات نقدية

 تكوين

عندما تأسَّست جماعة الإخوان المسلمين في عام 1928، أربع سنوات تقريبًا بعد أفول “الخلافة العثمانية”، كانت تروم تحقيق عدة أهداف، عنوانها الأهم “إحياء الخلافة”، أو “الخلافة على منهاج النبوة” بتعبير أدبيات جماعة “العدل والإحسان” في المغرب، وتفعيل “أستاذية العالم”، ضمن أهداف أخرى.

واضح أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب أسلمة المجتمع والنظام والدولة، لولا أنه برزت خلافات في أفق تفعيل هذه الأماني، وهذا أحد أسباب تفرع العمل الإسلامي الحركي، بين الشق الدعوي والشق السياسي والشق الجهادي الذي بزغ لاحقًا.

والحال أنه بعد المرور من عدة أزمات تنظيمية وفكرية، اتضح أنه لم يتحقق أي هدف من الأهداف المُسْطَرَةِ أعلاه، وهذا أحد أسباب ظاهرة المراجعات التي سوف نعاينها في الساحة العربية، وخاصة في الساحة المصرية، من منطلق أنه من مصر بالذات، انطلقت الجماعة الأم، إضافة إلى أنها تضم مختلف أطياف العمل الإسلامي الحركي.

من بين أهم المراجعات التي سنعاينها في المنطقة العربية، بزغت مراجعات “جماعة الجهاد” و”الجماعة الإسلامية” في مصر، في المقدمة، ابتداءً من عام 2007، وتلتها مراجعات الجهاديين في السعودية واليمن وليبيا، وبدرجة أقل مراجعات بعض الجهاديين في المغرب، حتى إنه صدرت عدة أدبيات إسلامية حركية تصنف في هذا السياق، نذكر منها: في الحالة المصرية، كتاب

  • “نهر الذكريات: المراجعات الفقهية للجماعة الإسلامية”
  • كتاب “استراتيجية وتفجيرات القاعدة: الأخطاء والأخطار”
  • ثم “سلسلة تصحيح المفاهيم”، وتضم أربعة كتب:
    – “مبادرة إنهاء العنف: رؤية شرعية ونظرة واقعية”
    – “حُرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين”
    – “تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء”
    – “النُّصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين”

عاينَّا المراجعات نفسها مع التيار الإخواني، في الساحة المغربية مثلًا، حيث كان أغلبه يرفض المشاركة في العمل السياسي، بوصفه عملًا لا شرعيًّا، بل لا تزال جماعة إسلامية وازنة في الساحة، وهي جماعة “العدل والإحسان”، ترفض المشاركة، لكن الأمر مختلف مع التيار الإسلامي الحركي المنافس له، أي حركة “التوحيد والإصلاح” وحليفها السياسي لاحقًا، حزب “العدالة والتنمية”، وقد تطلب الأمر الاشتغال على أدبيات “السياسة الشرعية” من أجل إصدار أعمال عن عدة أسماء، مثل: الثنائي “سعد الدين العثماني” و”محمد يتيم” وأسماء أخرى، بهدف إقناع القيادات والقواعد بأهمية الانخراط في العمل السياسي، وأخذ مسافة من الخطاب الإسلامي الحركي المتشدد الذي يُشيطن الدولة ومؤسساتها، وهو ما تحقق بالفعل، بل شارك الحزب في عدة استحقاقات انتخابية، وفاز في مرحلة ما بعد اندلاع أحداث 2011، إلى درجة أنه ترأس حكومة 2011 – 2016، وحكومة 2016 – 2022، قبل هزيمته في تشريعيات 2022، باحتلاله المرتبة الثامنة، والإعلان بالتالي عن إغلاق القوس الإسلامي الحركي، حزبيًّا، وليس إغلاق القوس مجتمعيًّا أو مؤسساتيًّا، لأنه حاضر في عديدٍ من مؤسسات الدولة والمنظمات الأهلية والحقوقية والإعلامية والطلابية وغيرها.

انتقل العقل الإسلامي الحركي طيلة هذه الحقبة الزمنية من محطة الآمال الكبيرة نحو التطلعات المتواضعة، مقارنة مع شعارات التأسيس، وتُعد ظاهرة المراجعات من أهم مميزات هذه المرحلة الانتقالية، بل إن تطورات الساحة العربية على الأقل، تصب في تغذية خيار المراجعات عِوض الاستمرار في ترويج شعارات طوباوية تبيُّن للجميع استحالة تحقيقها، مثل: “عودة الخلافة” و”أستاذية العالم” ضمن شعارات أخرى.

والحال أن مرور المنطقة العربية من عدة أحداث مفصلية في العقدين الماضين، تسبَّب في مسائلة حقيقة هذه المراجعات، بعد أن تبيَّن عمليًّا بأن مُجْمَل المعنيين بالظاهرة، سواء من التيار الجهادي أو التيار الإخواني، لا يُعَدُّ ممكنًا تصنيفهم في الخانة نفسها، ومن ثمَّ لم يعد ممكنًا الحديث عن أسماء إسلامية حركية، منخرطة في مسار المراجعات، وبيان ذلك كالتالي:

  1. في الحالة الجهادية على سبيل المثال، وبعد انخراط أغلب رموز الجماعات الإسلامية الجهادية في المراجعات -الحالة المصرية بالتحديد- كان علينا انتظار أحداث 2011 حتى نُعاين تحولات في خطاب الرموز نفسها، في سياق التفاعل مع تلك الأحداث، واتضح أن تلك الرموز انقسمت إلى تيارين:
    أ- بقي الأول وفيًّا لخيار المراجعات ولم يتراجع عنه قط، على الرغم من الإغراءات التي صاحبت تلك الأحداث، مثل: صعود القوى الإسلامية الحركية وفوز عديدٌ من الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية في استحقاقات انتخابية، رئاسية وتشريعية، ومع ذلك، بقي هذا التيار صريحًا بخصوص الانتصار لخطاب المراجعات، ونجد في مقدمة هؤلاء، “ناجح إبراهيم”، بل لا يزال هذا القيادي السابق مُصِرًّا حتى اليوم على الانتصار لهذا الخيار، سواء في كتبه ومنها كتاب كتبهُ بالاشتراك مع “هشام النجار” تحت عنوان “داعش: السكين التي تذبح الإسلام”، أو مقالاته، أو حتى فيما ينشره من مواقف في منصات التواصل الاجتماعي.
    ب- مقابل هذا التيار، بزغ من رموز الجماعات نفسها، من الذين أعلنوا في السابق عن تبني خيار المراجعات، وأخذ مسافة نهائية من خطاب التكفير و”الحاكمية” و”الجاهلية”، إذ سنعاينُ عودة هذه الرموز إلى خطاب حقبة ما قبل المراجعات، وهذا نموذج تطبيقي يؤكد أنه لم يَعُدْ ممكنًا تصديق الخطاب الذي يتحدث عن المراجعات طالما لم يتعرض لاختبارات ميدانية تهم التفاعل مع بعض أحداث الساحة في سياق اختبار تبني هذا الشعار أو غيره، على غرار الخطاب الرائج عند تيارات أخرى، يتحدث أهله عن الانتصار لخيار “الوسطية” و”الاعتدال”، مما يُحيلنا إلى النموذج الثاني الخاص بالمشروع الإخواني.
  2. في الحالة الإخوانية، عاينا انخراط عديدٌ من الأسماء، من القيادات أو القواعد، في خطاب المراجعات، بما في ذلك صدور عدة كتب تتحدث عن الانفصال التنظيمي عن المشروع الإخواني، داخل وخارج المنطقة العربية، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر في الساحة المغربية:
    أ ــ ما صدر داخليًّا، مع كتاب “كنت إسلاميًّا” للإعلامي “عمر العمري”، وتحدَّثَ في مقدمة كتابه بنبرة نقدية تُتَرْجِمُ مرارة تجربته الإسلامية الحركية، أنَّ “عنوان الرواية يحمل، أيضًا، نبوءة تبشِّرُ بنهاية ما يُسمَّى الإسلام السياسي أو الحركي، لا سيّما أنَّ الحركة الإسلامية في العالم انتهى بريقها وإشعاعها، ولم يَعُدْ بمقدورها الاستجابة لحاجيات الإنسان الرُوحية، والمعنوية، والماديَّة، كما أنَّها تحوَّلت إلى كائنات سياسية تسترزق باسم الدِّين والدعوة، وتبيع الوهم الرُوحي للناس، وأنَّه بات من اللازم، في هذا الوقت، بالذات، الاستعصام بوحي الله من أجل استلهام أفكار جديدة، ومعانٍ حداثية يُمكن أن يستنير بها الإنسان في دروب هذا العالم المظلم”.[1]
    ب ــ ما صَدَرَ خارجيًّا -في فرنسا بالتحديد- مع كتاب “لماذا انفصلت عن الإخوان المسلمين”[2] للكاتب “محمد لويزي”، ويرى أن “الجمهورية [الفرنسية] ستفقه جيدًا أن الإسلام ليس حركة إسلامية، وأن نبي مسلمي فرنسا لا يحمل اسم “محمد بن عبد الوهاب” أو “حسن البنا” أو “سيد قطب”[3]. وكان دالًّا توقف الكاتب عند موضوع أول خطبة جمعة مؤرخة في 11 فبراير 2011، هناك في أحد مساجد مدينة ليل [شمال فرنسا]، أي الخُطبة الأولى التي تلت تنحي الرئيس المصري السابق “حسني مبارك”، فقد اتضح أنها كانت مُخصَّصة “لحسن البنا” دون سواه”،[4] مطالبًا ومذكرًا في خاتمة العمل بأن “المساجد أماكن للعبادة وليس مقرات للأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية الحركية”[5]، وهذا ما نعاينه منذ عقود في الساحة الأوروبية من فرط هذه الممارسات.[6]

هذا عن أسماء أخذت مسالفة تنظيمية وأيديولوجية من المرجعية الإخوانية، ومن ثمَّ محق لها الحديث عن الانخراط في مراجعات، لكن لا ينطبق الأمر مع أسماء أخرى تزعم الادعاء نفسه، لولا أن مواقفها السياسية من بعض أحداث الساحة، تُفيد أنه على الرغم من انفصالها التنظيمي عن المشروع الإخواني، إلا أن تأثير النهل الأيديولوجي لا يزال حاضرًا، على هذا افتراض أنها صادقة وصريحة في الحديث عن المراجعات، أما إن كانت تُمارس التَقِيَّةَ وتخدم المشروع من مقام آخرَ، فالأمر كما هو بَدَهي، لا علاقة له بالمراجعات أساسًا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قائمة المراجع:

[1] أنظر لمزيد من التفصيل: عمر العمري، كنت إسلاميًا: عندما يتماهى الخيال مع الواقع، منشورات كيان ميديا، الرباط، ط 1، 2014. وجاء العمل في 215 صفحة من الحجم المتوسط، وصدرت طبعته الثانية عن المؤسسة نفسها في غضون العام 2015.

[2] أنظر:

Mohamed Louizi, Pourquoi j’ai quitté les Frères musulmans? Editeur: Michalon, Paris, janvier 2016

[3] المرجع نغسه، ص 240.

[4] المرجع نغسه، ص 190.

[5] لمرجع نغسه، ص 247.

[6] هذا عرض سابق في العمل نفسه، أنظر: منتصر حمادة، “إسلام ضد إسلام” في المجال التداولي الفرنسي، منصة مؤمنون، 5 أبريل 2016، على الرابط المختصر: https://shorturl.at/6jZST

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete