تكوين
المقدمة
تُعَدّ العلاقة بين الدين والدولة من أبرز الإشكاليات الفكرية والسياسية في التاريخ، إذ شكلت محور جدل دائم بين الفلاسفة، وعلماء الاجتماع، ورجال الدين والسياسة. والسؤال المركزي الذي يطرح نفسه هو: هل ينبغي فصل المجال الديني عن المجال الزمني، أم أن تداخلهما يشكل أساساً لشرعية الحكم وأخلاقيته؟
في السياق الغربي، جاءت العلمانية استجابة لصراع الكنيسة مع السلطة الزمنية، وأنتجت أنماطاً حديثة من شرعية الدولة تقوم على الشعب والعقد الاجتماعي والدستور، بدلاً من التفويض الإلهي. أما في السياق الإسلامي، فلم يكن الدين نقيضاً للدولة، بل شكّل أحد مرتكزاتها التأسيسية، إذ تداخلت الشريعة مع السياسة، وتجلّت مفاهيم الخلافة والإمامة بوصفها صيغاً تجمع بين البعد الروحي والبعد السياسي.
ومع نشوء الدولة الوطنية الحديثة في العالم العربي والإسلامي عقب الاستعمار، برزت محاولات متباينة لاستنساخ النموذج الغربي أحياناً، أو لإنتاج صيغ هجينة تسعى إلى التوفيق بين المرجعية الدينية وبنية الدولة الحديثة. وقد ولّد هذا التداخل أزمات مفاهيمية عميقة تمسّ شرعية السلطة، ومبدأ المواطنة، وحدود التعددية، ودور الدين في المجال العام.
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل مسار تشكّل العلاقة بين الدين والدولة في الفكرين الغربي والإسلامي، وفكّ وجوه التداخل والتوتر بين الروحي والزمني، واستقصاء انعكاساتها على بناء السلطة وشرعيتها في الدولة الحديثة. كما تسعى إلى تقديم قراءة نقدية تجديدية من منظور عربي-إسلامي، تضع الإشكالية في إطارها التاريخي والفكري، وتطرح أسئلة مفتوحة حول مستقبل هذه العلاقة في ظل التحولات المعاصرة للحداثة السائلة وتأثيرها على ثنائية الكونية والخصوصية.
تعتبر هذه الدراسة ذات منهاج اكاديمي تاريخي تحليلي ونقدي وفقا لنظرية الاستقراء النظري والتجريبي والتاريخ المقارن بين الثقفة الغربية والاسلامية.
فرضيات الدراسة:
- أن الغرب استطاع تطوير شرعية مؤسساتية للدولة الحديثة، بينما ظل النموذج الإسلامي التقليدي معتمدًا على الشرعية الشخصية والنصية.
- أن الاستعمار الغربي والإرساليات التعليمية لعبت دورًا رئيسيًا في استيراد قيم الحداثة الغربية دون تطوير أدوات داخلية لفهم الإسلام من مرجعيته الأصلية.
- أن التوفيق بين القيم الإسلامية والدولة الحديثة ممكن، شرط تطوير نموذج مؤسساتي يجمع بين النص الديني والاجتهاد والشورى والمحاسبة.
أسئلة البحث:
- كيف تطورت العلاقة بين الدين والدولة في الغرب والإسلام تاريخيًا؟
- ما الفروق المنهجية بين نماذج الشرعية الغربية والإسلامية؟
- كيف أسهمت عوامل الاستعمار والتعليم الغربي في تشكيل فهم النخب الإسلامية للحداثة والشرعية؟
- ما النماذج الممكنة للدولة الحديثة في العالم الإسلامي التي تراعي القيم الإسلامية ومتطلبات العصر؟
كلمات مفتاحية: الدين – الدولة – الروحي – الزمني – الغربي – الإسلامي – الحداثة – الشرعية.
أولاً: التأصيل المفاهيمي
يُعد هذا القسم مدخلاً نظريًا أساسيًا لفهم المصطلحات المفتاحية المرتبطة بالإشكالية، وهي: الدين، الدولة، العلاقة بين الروحي والزمني، ومفهوم الشرعية. يهدف الفصل إلى تحليل الجذور المفاهيمية لهذه المصطلحات، تتبع تحوّلاتها عبر التاريخ، وربطها بالنماذج التطبيقية والنظرية، مع نقدها واستشكالها من منظور أكاديمي شامل.
-
الدين: بين المعنى والوظيفة
في الغرب، ارتبط الدين طويلًا بالكنيسة كمؤسسة سلطوية، قبل أن يتحول مع الإصلاح البروتستانتي إلى إيمان فردي داخلي. هذا التحول أسّس للفردانية ولعلمنة المجال العام. ومع ذلك، لم يُقصَ الدين من الحياة العامة كليًا؛ فالولايات المتحدة مثلًا تحافظ على طابع رمزي ديني واضح (القسم على الإنجيل، الخطاب السياسي المسيحي)، رغم أن دستورها علماني. هنا نلمس إشكالية مزدوجة: الشرعية المؤسسية مدنية، لكن الشرعية الرمزية لا تزال دينية.
أما في الإسلام، فالدين لا يُختزل في الإيمان الفردي بل يشكّل نظامًا كليًا (شريعة) ينظم العبادة والمعاملات والسياسة. التجربة الأولى في “وثيقة المدينة” تكشف عن نموذج مبكر لشرعية دينية–سياسية متوازنة، حيث شكّل الدين إطارًا للهوية الجامعة، وفي الوقت نفسه أساسًا للتعايش بين المسلمين واليهود والوثنيين. هذا المثال يُبرز أن الإسلام لم يعرف الكهنوت مثل الكنيسة، بل عرف تداخلًا وظيفيًا بين السياسي والديني.
الإشكالية إذن أن الغرب حصر الدين في المجال الخاص وأبقى رمزيته، بينما الإسلام أدمجه في المجال العام وأسس على شموليته.
- الدولة: من الحق الإلهي إلى الشرعية المؤسسية
في أوروبا الوسيطة، تجسدت الدولة في شخص الملك المفوض من الله (الحق الإلهي للملوك). لكن الحروب الدينية، ولا سيما حرب الثلاثين عامًا (1618–1648)، أظهرت حدود هذا النموذج. وجاء صلح ويستفاليا (1648) ليكرس مفهوم “السيادة” بوصفها أساس الشرعية السياسية، وهو تحول تاريخي من الشرعية الدينية إلى الشرعية القانونية–السياسية.
في المقابل، لم يعرف الإسلام “الدولة” كمفهوم قانوني مجرد، بل تجسد في الخلافة والسلطنة. الشرعية كانت ترتكز على
- النص (القرآن والسنة)
- والبيعة (عقد بدائي)
- والنسب (القرشية).
لكن غياب مؤسسات قانونية ثابتة جعل السلطة مرتبطة بشخص الحاكم. سقوط الأندلس نتيجة التفتت الداخلي، وسقوط الدولة العثمانية لاحقًا، يُظهران حدود الشرعية الشخصية أمام التحولات الاجتماعية والسياسية. بالمقارنة، استمرارية الدولة الحديثة في الغرب بفضل مؤسساتها، لا بفضل الأشخاص.
-
الروحي والزمني: التداخل أم الفصل؟
التجربة النبوية جسّدت تداخلاً أصيلًا بين الروحي والسياسي، بينما مثّل الغرب صراعًا طويلًا انتهى بالعلمانية. لكن الفارق المنهجي أن الإسلام لم يعرف مؤسسة كهنوتية منفصلة يمكن مقارنتها بالكنيسة، ما يجعل مفهوم “الفصل” ذاته غير قابل للاستنساخ. يمكن القول إن الإسلام عرف “تمايزًا وظيفيًا” أكثر مما عرف “فصلًا مؤسسيًا”.
المقارنة تكشف أن الغرب لم ينجح تمامًا في تحييد الدين، إذ عاد في صيغ قومية وعنصرية (الفاشية، النازية، الشعبويات المسيحية)، فيما أُعيد إنتاج الاستبداد تحت غطاء الدولة الحديثة. في الإسلام، غياب المؤسسات المستقلة أدى إلى استبداد مزدوج:
- سياسي (طغيان السلاطين)
- وديني (تسييس الفتوى).
مثال ذلك “محنة خلق القرآن” في العصر العباسي، حين تحولت العقيدة إلى أداة لتثبيت هيمنة الدولة.
-
إشكالية الشرعية: من النص إلى التمثيل
في الغرب، تحولت الشرعية من الكنيسة إلى الدستور. لكن الرمزية المسيحية بقيت حاضرة (القسم على الإنجيل مثالًا). في الإسلام، بقي النص مصدرًا للشرعية، لكن السلطة السياسية هي التي مثّلتها. تجربة عمر بن الخطاب (تعطيل حد السرقة في عام الرمادة) تكشف عن مرونة نصية–سياسية ناجحة، بينما تجربة الأمويين (تثبيت الوراثة باسم الدين) والعباسيين (فرض الموقف العقدي) تكشف عن إخفاقات مبكرة في إدارة الشرعية.
ما يكشفه هذا المسار أن الشرعية، في كل من الغرب والإسلام، لم تكن يومًا مسألة نصوص مجردة، بل نتاجًا لتفاعلات تاريخية وسياسية. غير أن الفارق الجوهري هو أن الغرب استطاع بناء شرعية مؤسسية (الدستور، القانون)، بينما بقيت الشرعية في الإسلام أسيرة التمثيل الشخصي (الخليفة، السلطان). وهذا الفارق يفسر مأزق الدولة الحديثة في العالم الإسلامي: فهي بين نموذج غربي مؤسسي لم يترسخ تاريخيًا، ونموذج إسلامي تقليدي قائم على النص والشخصية.
ثانيا: جذور العلاقة بين الدين والدولة في الفكر الغربي
تُعَدّ إشكالية العلاقة بين الدين والدولة في الغرب من أعمق الجدليات التي رافقت تشكّل الدولة الحديثة. فمنذ المسيحية الأولى، ارتسم توتر بين الوعد الأخروي للتعاليم الدينية والحاجة الدنيوية لتنظيم المجتمع السياسي. وقد عبّر أوغسطين في مدينة الله عن هذه الثنائية، حين ميّز بين “مدينة الله” و”مدينة البشر“، معتبرًا أن الدولة الأرضية لا تكتسب قيمتها إلا بخدمتها للخلاص. لم يكن هذا فصلاً صريحاً، بل تراتبية جعلت المجال الزمني خاضعًا للروحي.
غير أنّ الكنيسة الكاثوليكية، منذ العصور الوسطى، لم تكتفِ بالسلطة الروحية، بل تحوّلت إلى فاعل سياسي مباشر. وقد تجسّد ذلك في صكوك الغفران ومحاكم التفتيش، فضلًا عن مبدأ “السيفين” الذي منح البابا سلطة عليا على الملوك. هذا التداخل أنتج صراعًا متواصلًا بين السلطتين، وأفضى أحيانًا إلى أزمات عميقة مثل صراع غريغوريوس السابع وهنري الرابع في القرن الحادي عشر.
في مواجهة هذا الاحتكار، جاء توما الأكويني ليعيد التوازن بين العقل والإيمان، مستفيدًا من الفلسفة اليونانية ومن التراث الإسلامي في الأندلس. في الخلاصة اللاهوتية، وضع مفهوم “القانون الطبيعي” كأساس لتقييد السلطة، فاتحًا الباب أمام استقلالية نسبية للسلطة الزمنية. غير أن الكنيسة بقيت متمسكة بسلطتها العليا، ما مهّد لاندلاع الإصلاح الديني في القرن السادس عشر.
مارتن لوثر وجّه نقدًا جذريًا لممارسات الكنيسة، خصوصًا ربط الخلاص بالمال، ورفع شعار العودة إلى الكتاب المقدس كمصدر مباشر للإيمان. هذه الثورة الدينية حوّلت الشرعية من الكنيسة إلى النص ومن المؤسسة إلى الضمير الفردي. لكن نتائجها السياسية كانت أبعد: فقد عزّزت سيادة الدولة الوطنية، وظهرت أولى بوادر “الفصل الوظيفي” بين الدين والسياسة. مرسوم نانت (1598) في فرنسا أو معاهدة ويستفاليا (1648) شكلا لحظتين بارزتين لتثبيت هذه الصيغة الجديدة.
عصر التنوير نقل هذا التحول إلى مستوى فلسفي. فهوبز صاغ فكرة العقد الاجتماعي كبديل عن التفويض الإلهي، ولوك ربط الشرعية بالحقوق الطبيعية للفرد، فيما رأى روسو أن الدين إذا تحول إلى ولاء طائفي فإنه يضعف المواطنة. أما فولتير، فقد دعا في رسالة في التسامح إلى حرية الضمير باعتبارها شرطًا لتقدم الإنسانية. كل هذه المشاريع لم تلغِ الدين، لكنها أعادت تحديد موقعه في المجال الخاص، وحصرته في الضمير الفردي.
جاءت الثورة الفرنسية عام 1789 لتجسد هذا المسار في صورة سياسية حاسمة: فقد ألغت “الحق الإلهي للملوك“، أممت ممتلكات الكنيسة، وكرّست مبدأ أن الشعب والدستور هما مصدر الشرعية. ومع ذلك، لم تختفِ الرمزية الدينية كليًا من المجال العام، بل أعيد توظيفها في لغة الجمهورية نفسها، التي حملت طابعًا “مقدسًا مدنيًا“.
من خلال هذا المسار، يظهر أن العلاقة بين الدين والدولة في الغرب لم تكن انتقالاً بسيطًا من التبعية إلى الفصل، بل كانت سلسلة من المحاولات لحل إشكالية الشرعية: كيف يُدار المجال السياسي من دون استغلال المقدّس، ومن دون إنكار دوره الرمزي؟
ثالثا: الدين والدولة في الفكر الإسلامي
لم يعرف الإسلام سلطة كهنوتية كالتي عرفتها المسيحية الغربية، ولم يتأسس على مؤسسة كنسية تتحكم في مصائر الناس، لكن ذلك لا يعني أنه ظل بمنأى عن إشكاليات السلطة والشرعية. فمنذ وفاة النبي ﷺ، برز سؤال محوري: من يملك الشرعية؟ هل تستمد من النص الإلهي، أم من الأمة عبر الشورى والبيعة، أم من القوة والغلبة؟ هذه الجدلية ستطبع مسار الفكر السياسي الإسلامي، وتكشف أن الإشكالية لم تكن في الدين ذاته، وإنما في التأويلات والممارسات التي رافقت تطور الدولة.
في المرحلة النبوية، كانت وحدة الدين والدولة عضوية؛ النبي كان قائدًا دينيًا وزعيمًا سياسيًا وقاضيًا ومصلحًا اجتماعيًا في آن واحد. ومع الخلافة الراشدة استمر هذا النموذج على أساس الشورى والبيعة، لكن سرعان ما ظهرت إشكالات في طبيعة السلطة: هل هي توقيفية منصوص عليها أم اجتهادية بشرية؟ ومع صعود الدولة الأموية، وقع التحول من نظام الشورى إلى الملك الوراثي، حيث جرى تبرير السلطة بآليات جديدة مثل مبدأ “التغلب”، الذي جعل الاستقرار مقدَّمًا على الشرعية.
في العصر العباسي، اكتسبت الدولة طابعًا مركزيًا بيروقراطيًا، وظهر الفقه السلطاني مع الماوردي والجويني، محاولًا صياغة قواعد تنظم العلاقة بين الخليفة والرعية. غير أن هذا الفقه، رغم محاولته تقييد الحاكم بالشرع، تحول في كثير من الأحيان إلى أداة لتبرير الواقع السياسي القائم. ويكفي أن نتذكر محنة “خلق القرآن” في عهد المأمون، حين فُرضت عقيدة رسمية وقُمعت المعارضة، لتظهر بوضوح التوتر بين النص والسلطة والفقه.
مع الدولة العثمانية، استقل العلماء نسبيًا عن السلطة، وصار لهم دور رمزي في ضبط الشرعية من خلال الفتوى. غير أن هذا الاستقلال ظل ناقصًا، إذ لم تكن هناك آليات حقيقية لمحاسبة الحاكم أو عزله، وظلت العلاقة محكومة بتوازن هش بين الشرع والسلطان. نظام “الملل” الذي أقر حقوق الأقليات الدينية جسّد مظهرًا للتعددية، لكنه تحول لاحقًا إلى مدخل للتدخل الأجنبي والامتيازات التي استغلتها قوى استعمارية وحركات صهيونية.
إذا قارنا هذه التجربة بالتاريخ الغربي، نجد أن الإسلام لم يعرف محاكم التفتيش أو صكوك الغفران، بل أنتج نماذج للتسامح والتعايش كما في وثيقة المدينة والعهدة العمرية وتجربة الأندلس. في المقابل، ظل الغرب إلى قرون متأخرة رازحًا تحت استبداد الكنيسة، قبل أن يقود صراع الدين والدولة إلى بروز العقد الاجتماعي والدولة الحديثة. لكن هذه المقارنة لا ينبغي أن تحجب حقيقة أن الإسلام نفسه عرف انحرافات عن مثله الأولى، تمثلت في هيمنة منطق الغلبة وتحويل المرجعية الدينية إلى أداة سلطوية.
في العصر الحديث، ومع سقوط السلطنة العثمانية سنة 1924، أعيد فتح السؤال حول طبيعة العلاقة بين الدين والدولة: هل الإسلام دين ودولة معًا، أم دين فقط؟ وقد انقسمت التيارات الفكرية بين:
- الإصلاحيين (الأفغاني وعبده) الذين سعوا إلى التوفيق بين الإسلام والدولة الحديثة
- والسلفية السياسية التي طالبت بالعودة إلى نموذج الخلافة
- والعلمانيين المسلمين (علي عبد الرازق) الذين رأوا أن الإسلام لم يحدد شكلًا للحكم.
استند كل طرف إلى النص القرآني: “لا إكراه في الدين” (البقرة: 256) و”وأمرهم شورى بينهم” (الشورى: 38) لتأكيد شرعية موقفه.
هكذا يتضح أن إشكالية الشرعية في الإسلام ليست في النصوص نفسها، بل في التأويلات التي تراوحت بين مرجعية قيمية تهدف إلى العدل والشورى، ومرجعية سلطوية تبرر الغلبة والاستبداد. والنتيجة أن التاريخ الإسلامي شهد لحظات مضيئة في التسامح والنهضة (الأندلس، بيت الحكمة، إصلاحات سليمان القانوني)، لكنه عرف أيضًا إخفاقات حين تغلبت السلطة على النص، واستُخدم الفقه لتسويغ الواقع بدلًا من محاكمته.
الإسلام إذًا قدّم نموذجًا مختلفًا عن الغرب، لكنه واجه بدوره سؤالًا بنيويًا دائمًا: من يملك الشرعية؟ النص، الأمة، أم السلطان؟ والإجابات المتعددة على هذا السؤال هي التي شكّلت مسار الفكر السياسي الإسلامي حتى اليوم.
رابعاً: التداخل بين الروحي والزمني في الثقافتين الإسلامية والمسيحية
لم يعرف الإسلام، بخلاف المسيحية الغربية، مؤسسة كنسية تفصل بوضوح بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية. بل ترك النص القرآني والسنّة النبوية المبادئ الكبرى للحكم والإدارة، مثل العدل والشورى والرحمة، دون تحديد نموذج سياسي جاهز أو صيغة سلطوية نهائية. هذا الانفتاح فسح المجال لاجتهادات وتأويلات متعددة عبر العصور، جعلت العلاقة بين الديني والسياسي متغيرة بحسب السياقات التاريخية والاجتماعية.
منذ البداية، عكست “وثيقة المدينة” نموذجًا مبكرًا للتعددية والتعايش، حيث حُددت علاقة المسلمين بغيرهم داخل دولة مدنية. لكن مع انتقال الحكم من الشورى إلى الوراثة منذ عهد معاوية بن أبي سفيان، بدأ الشرخ بين المثال القرآني والممارسة السياسية، وبرزت إشكالية الشرعية في ثلاث صور:
- شرعية دينية تستند إلى النصوص، ظهرت في الخلافة الراشدة ثم ضعفت مع الفتن الكبرى.
- شرعية توافقية تقوم على الشورى والبيعة، عبّر عنها أبو بكر بقوله “ولّيت عليكم ولست بخيركم“، لكنها تراجعت مع الملك الأموي.
- شرعية واقعية فرضها مبدأ “الغلبة“، حيث اعتُبر السلطان المتغلب مطاعًا حفاظًا على الاستقرار.
- أما عند الشيعة، فتطورت شرعية روحية ترى الإمام امتدادًا للنبوة بمرجعية إلهية، منفصلة عن السلطة الزمنية منذ حادثة السقيفة.
هذا التعدد في أشكال الشرعية انعكس على الفقه السياسي: فالماوردي والجويني سعوا إلى تقنين علاقة الخليفة بالسلطة، بينما ابن خلدون نظّر لشرعية الغلبة باعتبارها ضمانًا للاستقرار. لكن في كل الأحوال، غابت المؤسسات المستقلة القادرة على ضبط السلطة، وظل الدين عُرضة للتسييس، حيث استُخدمت الفتوى لتبرير استبداد الحكام.
التجربة الإسلامية قدّمت إصلاحات مؤسساتية مهمة، مثل إصلاحات عمر بن الخطاب (ديوان الجند والعطاء، تنظيم القضاء، المحاسبة) وإصلاحات السلطان سليمان القانوني (القانون نامه، تعزيز استقلال القضاء، ضبط الضرائب). لكنها ظلت مرتبطة بشخصية الحاكم ولم تتطور إلى مؤسسات دائمة، ما جعلها عرضة للانهيار مع تغير الظروف.
في المقابل، خاض الغرب المسيحي صراعًا طويلًا مع الكنيسة، من الإصلاح البروتستانتي على يد مارتن لوثر، مرورًا بالنهضة والتنوير، وصولًا إلى الثورة الفرنسية. هذا الصراع أفضى إلى بروز العقد الاجتماعي والدولة الحديثة، لكنه أنتج أيضًا علمانية صارمة كثيرًا ما تجاهلت القيم الروحية، وهو ما انعكس في أزمات الهوية كما في فرنسا وقضية الحجاب.
اليوم، يعيد الغرب نفسه النظر في علاقة الدين بالفضاء العام بفعل أزمات العلمنة، وثورة الذكاء الاصطناعي، ومخاوف “نهاية الإنسان“. أما في العالم الإسلامي، فلا تزال الإشكالية الأساسية هي غياب بناء مؤسساتي يفصل بين السلطات ويمنع الاستبداد، مع استمرار استدعاء نصوص وأحاديث مثل “لا تسبوا الولاة” لتكريس الطاعة والخضوع، وهو ما ساعد على إدامة السلطوية.
لقد حاول عدد من المفكرين المسلمين – من الإصلاحيين (الأفغاني، عبده) إلى العلمانيين (علي عبد الرازق) – إعادة التفكير في طبيعة الحكم في الإسلام. كما قدّم باحثون معاصرون مثل حامد عبد المجيد ومحمد ضياء الريس ونفين عرنوس قراءات في السلطة والمعارضة في الفكر السياسي الإسلامي. غير أن هذه الجهود كثيرًا ما اتسمت بالتبريرية أو افتقرت إلى منهج نقدي صارم يفصل بين النص المقدس والتحليل العلمي.
ويبقى التحدي المطروح اليوم: كيف نبني نظامًا سياسيًا إسلاميًا مؤسساتيًا معاصرًا يزاوج بين النص والاجتهاد، وبين الشورى والمحاسبة، دون الوقوع في فخ التسييس الديني أو ثقافة الاستبداد؟
خامساً: الدولة الحديثة وشرعية السلطة في العالم الإسلامي
شهدت الدولة الحديثة في العالم الإسلامي تحولات جوهرية على مستوى مفاهيم الشرعية، في ظل سؤال مركزي: هل ينبغي تأسيس الدولة وفق النموذج الإسلامي، أم على غرار النموذج الغربي؟ أدت السياسات الاستعمارية الأوروبية، القائمة على المركزية والثقافة الاستعلائية، إلى إدخال مفاهيم جديدة مثل العلمانية، وفصل الدين عن الدولة، وتشكيل الدول القومية عبر تقسيمات جغرافية وسياسات الانقلابات.
مع سقوط الخلافة العثمانية عام 1924، دخلت المجتمعات الإسلامية في أزمة شرعية عميقة، إذ لم يعد مفهوم الدولة مرتبطًا بالخلافة أو الإمامة، بل بالدولة الحديثة. هنا يطرح السؤال الأساسي: من أين تستمد الدولة الحديثة شرعيتها؟ هل من الدين، أم من الشعب، أم من الأمة، أم من القانون، أم من القوة؟
على الرغم من أن النظام العثماني كان قائمًا على نظام الولايات شبه المركزي، فقد منح أحيانًا استقلالًا جزئيًا للأقاليم. ومع نهايته، ظهر فراغ سياسي ونموذج مشوش للسلطة، إذ ساهم الاستعمار (فرنسا، بريطانيا، إيطاليا) في تأسيس أنظمة وظيفية تتوافق مع النموذج الغربي وتكرّس قيمه.
بات من الصعب اليوم تحديد نموذج إسلامي حداثي يوازن بين مقاصد الشريعة ومتطلبات العصر، في ظل هيمنة النموذج الغربي كمرجع وحيد للدولة الحديثة. وتعقد الأمر التحولات الراهنة في الغرب نفسه، الناتجة عن الثورة الرقمية، الذكاء الاصطناعي، والرأسمالية المعولمة، والتي أدت إلى تشظٍ أخلاقي وقيمي في المجتمعات الغربية.
يعتمد النموذج الإسلامي أساسًا على التوفيق بين الديني والسياسي، بخلاف التجربة الغربية التي قامت على صراع داخلي مع السلطة الدينية أسفر عن قطيعة بين الدين والسياسة. لكن بفعل الاستشراق، والإرساليات التبشيرية، وتعليم النخب في المؤسسات الغربية، تُمثل قيم الحداثة الغربية أحيانًا كخيار حتمي، بينما يفتقر الفكر السياسي الإسلامي إلى أدوات داخلية منهجية لفهم التراث الإسلامي من مرجعيته الأصلية.
أضاف الاستبداد السياسي والمذهبي، المعزز بشرعيات قبلية وطائفية، إلى تعقيد هذا الوضع، إذ أعاق تطوير فكر سياسي إسلامي مؤسساتي يقوم على الشورى والعدل وكرامة الإنسان. وكان لذلك أثر واضح على تصوّر الإسلام الروحي والسياسي، خاصة في سياق صعود الأصولية وسقوط الاجتهاد، وهيمنة النفوذ الاستعماري حتى على المؤسسات الدينية.
تعددت نماذج الحكم في العالم الإسلامي، ومنها:
- النموذج القومي العلماني: كما في تركيا الحديثة على نهج أتاتورك، الذي قام على قطيعة مع التراث الديني والسياسي.
- النموذج الريعي التقليدي: مثل الإمارات والسعودية الحديثة، التي تعيد تفسير الدين في ضوء المعايير الحديثة.
- النموذج الثيوقراطي-الثوري: كما في إيران، حيث تتداخل الشرعية الدينية بالسلطة السياسية.
- النموذج التكفيري: كما في طالبان وبعض الفصائل الجهادية، حيث تقوم السلطة على تفسير صارم للنصوص.
- النموذج العسكري القومي: كما في مصر، حيث يسيطر الجيش على السلطة السياسية مع تحجيم مؤسسات الحكم المدني.
- النموذج الإسلامي الحزبي: كما في تجربة الإخوان المسلمين، الذي يسعى لدمج الشرعية الدينية مع ممارسة الحكم المؤسساتي.
يبقى السؤال الرئيسي: كيف يمكن بناء نموذج مؤسساتي معاصر في العالم الإسلامي يوازن بين النص الديني والاجتهاد، وبين الشرعية والشورى، دون الانزلاق في فخ التسييس الديني أو الاستبداد؟
سادساً:إذا كان الفصل في التجربتين– مطلق أم نسبي؟
لم يكن الفصل في الغرب عملية مطلقة منذ البداية؛ بل جاء نتيجة سيرورة تاريخية معقدة. فقد شهدت أوروبا العصور الوسطى خضوع الملوك لسلطة الكنيسة البابوية، حيث مثّل توما الأكويني نموذجاً للتوفيق بين العقل واللاهوت، في إطار يجعل السياسة امتداداً للنظام الديني. لكن هذا الوضع بدأ يتغير مع الإصلاح البروتستانتي الذي قاده مارتن لوثر، مؤسساً لفكرة الاستقلال السياسي عن الكنيسة. ثم جاءت الثورة الفرنسية (1789) لتؤكد قطيعة جديدة عبر إعلان مبدأ السيادة الشعبية وفصل الدين عن الدولة. غير أن هذه القطيعة لم تكن مطلقة؛ إذ ظل الدين حاضراً في المجال الأخلاقي والاجتماعي، كما يبين ألكسيس دو توكفيل في تحليله للدين في أميركا، حيث شكّل عامل توازن اجتماعي رغم الحياد السياسي. وعليه، فإن التجربة الغربية لم تعرف فصلاً كلياً بل تحولات متدرجة بين التبعية والاستقلال، بين الهيمنة الكنسية والسيادة المدنية وتطور الدين الى رموز دينية اخرى قومية او ايديولوجية تمارس علمنتها وفق شعائر دينية وتفسر وتعطي معنى للحياة مثلما كانت تفعل المسيحية حيث يقول ايميل دوركهايم : ان المجتمع هو الاله الحقيقي الذي يعبده الانسان وكل المقدسات ما هي الا انعكاس لروحه الجمعية:. مثال: الاشتراكية في القرن العشرين كانت اشبه بدين جديد ، لها انبياء (ماركس ، لينين)، وكتب مقدسة ( رأس المال، البيان الشيوعي) وطقوس ( المؤامرةات الحزبية). وفي العصر الحديث تحولت الشركات التكنولوجية والعلامات التجارية الى مقدسات ، تمنح الهوية والانتماء بدل الكنيسة ( جان بورديار)، في فلسفة المجتمع الاستهلاكي 1970، إذ يقول أن الاستهلاك لم يعد مجرد تلبية للحاجة، بل اصبح نظاما من العلامات، نظاما من المعاني ، اشبه بالدين ويوزع الرموز.” مثلا : الحج الى متجر آبل عند إطلاق لآيفون جديد يشبه شعائر دينية جماعية. ناهيك امثلة اخرى مثل انتقال الاسرة الغربية المرتبطة بالمؤسسة الكنسية ( زواج ديني، انجاب وفق تقاليد دينية ) الى القانون المدني والاحتيار الفردي بحيث اصبحت الاسرى تبنى حول القيم الليبرالية ( الحرية المساواة بين الجنسين) اكثر من القيم اللاهوتية، بيتر بيرغر في كتابه المظلة المقدسة، 1967. الذي يقول حتى عندما تضعف الاديان المؤسسية تبقى الحاجة الى معنى متجاوز، وغالبا ما تنتقل هذه الحاجة الى فضاءات جديدة مثل الاسرة أو الايديولوجيا. كذلك يذهب مانويل كاستلز في عصر الشبكات ، 1996: إلى القول:” ان الهوية في المجتمع الشبكي باتت تبنى من خلال المشاركة الرقمية ، التي تتخذ مكان الطقوس الدينية التقليدية . مثلاً: الترند العالمي اليوم أشبه بقداس جماعي عالمي.
الاستنتاج حسب رؤية روبرت بيلا أن الدين انتثل من طثوس الكنيسة الى طقوس الدولة الحديثة ( الدستور) حيث ان العلاقة لم تعد تضبط بين الانسان والاله، بل بين المواطن والدولة.
المرونة في التجربة الإسلامية
أما في الإسلام، فإن العلاقة بين الروحي والزمني تأسست منذ البداية على تداخل وظيفي. فقد كان النبي ﷺ قائداً دينياً وزعيماً سياسياً، جامعاً بين التشريع والقيادة. لكن بعد وفاته، دخلت الأمة في اجتهادات تاريخية متعددة حول طبيعة السلطة:
- في السقيفة برز البعد السياسي التوافقي لاختيار الخليفة وذلك من خلال اجتهاد سياسي قائم على التفاوض لا على وحي او نص مقدس ، إذ اسست السقيفة لفكرة الشرعية التي تبنى بالبيعة والتوافق الاجتماعي وليست وراثة دينية، إذ يقول المرخ الطبري واصفا السقيفة بأنها فلتة وقى الله شرها في اشارة الى عمر أي، أنها كانت أشبه بتسوية سياسية سريعة اكثر من كونها مبدأ مؤسسا.
- في العصر الأموي والعباسي، ظهرت أشكال من تغليب السياسي على الديني( معاوية يورث ليزيد)، حيث استخدم الخلفاء الفقهاء لإضفاء الشرعية على حكمهم.
- في المقابل، تبنى بعض الفقهاء مثل الماوردي في الأحكام السلطانية تصوراً يجعل الإمامة ضرورة دينية وسياسية معاً، بينما رأى ابن خلدون أن الخلافة تحولت تدريجياً إلى ملك سياسي مغلف بالدين( ملكا عضوض) ، واستخدام الدين كغطاء حيث اعتبر الخليفة ظل الله في الارض . حيث يقول المستشرق هاملتون جب أن الخلافة العباسية لم تكن استمرارا للخلافة الراشدة ، بل كانت مؤسسة سياسية جديدة استعملت الدين لتثبيت سلطتها.
هذا التعدد التاريخي يدل على أن التجربة الإسلامية لم تنتج نموذجاً واحداً جامداً، بل تراوحت بين الدمج والفصل النسبي، وبين المشروعية الدينية والمقتضيات السياسية.
النقد المعاصر ومقاربات التوازن
في الفكر الحديث، تعرّضت العلاقة بين الدين والسياسة لنقد واسع من مفكرين إسلاميين.
- يرى محمد عابد الجابري أن التاريخ الإسلامي يُظهر إمكانية الفصل التدريجي بين الدين والسياسة، مستنداً إلى أن السلطة في الإسلام لم تكن دوماً متماهية مع الشرعية الدينية، بل اتخذت مساراً براغماتياً. وهو يدعو إلى إعادة قراءة التراث لبناء عقل سياسي مدني لا يُقصي الدين، لكنه لا يختزله في الحكم.
- بينما يؤكد عبد الكريم سروش أن الدين، بصفته مرجعية أخلاقية وروحية، يجب أن يظل فوق تناقضات السلطة الزمنية. ويشير إلى أن جعل السياسة دينية بالضرورة يؤدي إلى تسييس المقدس، وهو ما يقوض حرية التدين ذاتها.
بهذا المعنى، يفتح الفكر النقدي الإسلامي الحديث أفقاً للتوازن بين المجالين، من خلال الاعتراف بمرجعية القيم الدينية دون تحويلها إلى أداة هيمنة سياسية.
رابعاً: المقارنة النقدية
يتضح من المقارنة أن الفصل الغربي لم يكن مطلقاً، كما أن التداخل الإسلامي لم يكن جامداً. بل إن كل تجربة عكست شروطها التاريخية الخاصة:
- في الغرب، كانت المواجهة مع الكنيسة هي التي دفعت نحو العلمنة.
- في الإسلام، لم تكن هناك مؤسسة كهنوتية مركزية، مما سمح بمرونة أوسع في العلاقة بين السياسي والديني.
إن العلاقة بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية ليست مسألة حسم نظري أو ثنائية مغلقة، بل هي سيرورة تاريخية متغيرة، تخضع لشروط الزمان والمكان، وتستلزم مقاربة نقدية تعترف بالنسبية والمرحلية، بعيدًا عن القراءات المطلقة. المطلوب إذن ليس إلغاء الدين أو تجريده من السياسة، بل تحريره من التوظيف السلطوي الذي يجعل منه أداة لإضفاء الشرعية على الاستبداد. فالتجربة الإسلامية، وإن لم تعرف استبدادًا كنسيًا مماثلًا للتجربة الأوروبية، فقد شهدت أنماطًا من الاستبداد السياسي الذي غالبًا ما جرى تبريره تحت شعار “منع الفتنة” أو الحفاظ على وحدة الأمة.
إن إعادة صياغة العلاقة اليوم لا يمكن أن تستنسخ النموذج الثيوقراطي الغربي (القائم على الصراع الكنسي)، ولا النموذج العلماني الإقصائي، بل تتطلب صياغة دولة مدنية بمرجعية إسلامية، دولة تقوم على مؤسسات وقوانين بشرية تستلهم القيم العليا من الدين باعتباره إطارًا أخلاقيًا مرشدًا، لا باعتباره أداة هيمنة سياسية. هذا التصور يتيح تجاوز إشكالية “الحداثة السائلة” التي أشار إليها زيغمونت باومان، وذلك من خلال الجمع بين الشورى كمبدأ سياسي، والاجتهاد كمبدأ قانوني، بما يحقق التوازن بين الثابت الشرعي والمرونة الاجتهادية.
المشكلة الجوهرية لا تكمن في “إسلامية الدولة”؛ إذ إن التجربة العثمانية – على سبيل المثال – لم تمنع قيام إمبراطورية إسلامية شاركت بفاعلية في النظام الدولي، بل امتد حكمها إلى أبواب فيينا وأسهمت في فض النزاعات الدينية في أوروبا. إنما تكمن الإشكالية في احتكار تأويل الإسلام من قبل فئة تسعى لوضع نفسها فوق المجتمع ومؤسساته، وهو ما يفتح الباب أمام الاستبداد والتلاعب بالشرعية الدينية.
وقد تفاقمت هذه الإشكالية مع التأثيرات الاستشراقية والاستعمارية التي عملت على إعادة تشكيل بعض المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي. فقد سعى الاستعمار إلى صناعة نخب دينية متماهية مع مصالحه، وهو ما ظهر بوضوح في الخطابات الغربية الحديثة التي صاغها مستشرقون أمثال برنارد لويس، الذي نظّر لفكرة “الفوضى الخلاقة” و”الشرق الأوسط الجديد”، مقدِّمًا الإسلام بوصفه “دينًا مأزومًا” يحتاج إلى إعادة تشكيل. هذه السياسات انبثقت ضمن ما سُمي بـ”الدبلوماسية الإبراهيمية”، حيث تم توظيف الدين أداةً لإعادة إنتاج خرائط جيوسياسية تخدم المصالح الغربية.
وعليه، فإن الحديث عن “إسلام جديد” في الخطاب الغربي لا يشير إلى تجديد داخلي نابع من الفكر الإسلامي، بل إلى سياسات استشراقية واستعمارية وتبشيرية سعت إلى تفريغ الدين من مضامينه، وإشاعة الانقسامات التكفيرية والمذهبية، كما ظهر في ظاهرة “داعش” وغيرها من التنظيمات التي استُخدمت أداةً لتشويه الإسلام وإضعاف قدراته على مقاومة الهيمنة الخارجية. هذه الاستراتيجيات خلقت فجوات عميقة بين التيارات التقليدية والحداثية والعلمانية، مما سمح بتعزيز نخب مروّجة لأطروحات العلمنة الكاملة وقطع الصلة مع التراث، بدلًا من قراءته قراءة نقدية تنقيه من شوائب الاستشراق والإرساليات الغربية.
إن هذا الواقع يعكس استمرار هيمنة النزعة الاستعلائية الغربية، التي تجسدت في العلوم الحديثة أيضًا، حيث جرى استخدام الأنثروبولوجيا وعلم الأنساب والدراسات الجينومية لتعزيز سرديات عنصرية حول التفوق الحضاري والعرقي، كما في بعض المحاولات لإثبات أصول شرق أوسطية مزعومة لمجموعات يهودية، بما يكرّس ثنائية “المتحضر” و”البدائي” في الوعي الغربي.
وبناءً عليه، فإن المطلوب اليوم هو إرساء فكر مؤسساتي يحدد بوضوح حدود كلٍّ من السلطتين الروحية والزمنية، ويؤسس لآليات رقابة متبادلة تضمن عدم تجاوز أي سلطة على الأخرى، وذلك في إطار دولة مدنية تستلهم القيم الإسلامية العليا دون أن تقع في فخ التسييس المفرط للدين أو الاستلاب أمام نماذج العلمنة الغربية.
الاستنتاج: الفصل بين السلطة الروحية والزمنية ليس حقيقة مطلقة في أي من التجربتين، بل هو نسبي وتاريخي، مرتبط بتحولات الفكر والمجتمع. والإسلام، بخلاف النموذج الكنسي، يتيح إمكانات اجتهادية للتوفيق أو التمييز، الأمر الذي يجعل مقاربته أكثر تعددية ومرونة. وهنا تبرز أهمية النقد المعاصر (الجابري، سروش) في صياغة تصور يوازن بين القيم الدينية ومتطلبات الدولة الحديثة، دون الوقوع في ثنائية الدمج المطلق أو الفصل الكلي.
الخاتمة: إمكانية التوفيق بين القيم الإسلامية والدولة الحديثة
يمكن التوفيق بين القيم الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة، لكن ذلك مشروط بإعادة تعريف العلاقة بين الدين والمجتمع، وبين الدولة والتاريخ. فعلى الرغم من أزمات الشرعية التي رافقت التجربة الإسلامية، أفرز التاريخ الإسلامي أشكالًا من الشرعيات شبه المؤسسية، إلى جانب إصلاحات إدارية وتجارب سياسية متميزة، إلا أن الحسم النهائي في مسألة الشرعية ظل غائبًا.
يظل استقرار السلطة في العالم الإسلامي مرتبطًا بزوال الاضطرابات الناتجة عن الاستعمار، وفتح المجال أمام مراجعة نقدية للتراث من داخل المرجعية الإسلامية نفسها، والانفتاح العقلاني على متطلبات الحداثة، دون الوقوع في محاكاة النماذج الغربية أو إسقاطاتها الثقافية أن الاسلام غير قابل للفصل بين السلطتين.
لقد وقع العديد من النخب الفكرية في فخ استيراد النموذج الغربي دون مساءلة جذوره التاريخية والثقافية، مما أدى إلى قطيعة بين الدولة والمجتمع، بدلًا من تحقيق تحديث حقيقي يرتكز على مقومات التراث الإسلامي. كما ساهم الاستعلاء الثقافي والسياسي الذي مارسته القوى الاستعمارية في تهميش التجربة الإسلامية وتشويهها، ما أدى إلى حالة من الاغتراب الديني والثقافي، انعكست في تصاعد الاستبداد من جهة، ونمو الأصولية من جهة أخرى، في عدد من المجتمعات العربية والإسلامية.
لذلك، يظل التحدي الجوهري أمام الفكر السياسي الإسلامي المعاصر هو بناء نموذج مؤسساتي حديث قادر على المواءمة بين مرجعية الشريعة وضرورة الاجتهاد من جهة، وبين آليات الشورى والمساءلة من جهة أخرى، بما يضمن استقرار الدولة ويعزز المشاركة المجتمعية. ويقتضي هذا النموذج أن يحافظ على البعد الروحي والأخلاقي والقيمي للإسلام، من خلال تجديد الفقه والخطاب الإسلامي، تجديدًا يتجاوز الجمود دون أن يقع في فخ التفريغ أو التذويب داخل أنماط العلمنة الاستهلاكية التي تفرضها حداثة السوق السائلة بحسب توصيف زيغمونت باومان.
إن التحدي لا يقف عند حدود التغريب أو الاستيلاب الحضاري والثقافي، بل يمتد إلى مواجهة التحولات التكنولوجية الراهنة، وفي مقدمتها ثورة الذكاء الاصطناعي وسلطة الخوارزميات، التي تعيد تشكيل أنماط إنتاج المعرفة وتوزيعها، بل وتطرح نفسها كوسيط جديد بين الإنسان والعالم. وهو ما يستدعي مقاربة نقدية تستحضر تجارب تاريخية مشابهة، مثل أثر الطباعة في عصر الإصلاح الأوروبي، أو أثر الإنترنت في عصر العولمة، حيث لم تُلغ هذه الأدوات المرجعيات الدينية أو القانونية، لكنها أعادت صياغة أنماط حضورها وسلطتها.
يُمكن القول إن التحدي المعاصر يتمثل في بلورة مشروع سياسي وفكري قادر على الجمع بين الخصوصية الحضارية الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة، بحيث يتجاوز ثنائية الارتهان للنموذج الغربي من جهة، والانغلاق في قوالب العلمنة الشاملة من جهة أخرى. ويقوم هذا المشروع على إبداع صيغة توازن جديدة بين الثابت الشرعي وما يتيحه من مرجعية قيمية، وبين الاجتهاد المرن الذي يسمح بمواكبة التحولات الاجتماعية والسياسية. كما يسعى إلى التوفيق بين القيم الدينية، ومتطلبات البنية المؤسسية الحديثة، والإرادة الشعبية بوصفها أساسًا للشرعية.
وهذا المسعى يجد له سندًا في المرجعية الإسلامية؛ إذ يُستدل بالآية القرآنية: «وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» [آل عمران: 159] التي تضع قاعدة لمشاركة الأمة في القرار السياسي، في توازٍ مع قيم العدالة والكرامة التي يؤكدها النص القرآني في قوله: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ» [الإسراء: 70]. وإذا ما قورن ذلك بالتصورات الغربية، نجد مثلًا عند جون لوك في “رسالة في التسامح” دعوةً إلى فصل الدين عن الإكراه السياسي مع الحفاظ على حرية المعتقد، في حين يشدد جان جاك روسو في “العقد الاجتماعي” على أن الإرادة العامة هي مصدر الشرعية السياسية. ومن هنا، يتضح أن النموذج الإسلامي المعاصر يمكن أن يستلهم من تراثه النصي روح المشاركة والعدالة، وفي الوقت ذاته يحاور التجارب الفكرية الغربية بما يسمح بتطوير نموذج يرفض اختزال الإنسان في سلعة ضمن منظومة استهلاكية نفعية – ما يُعرف بـ “العبودية الجديدة” – ويؤكد على البعد الأخلاقي والكرامة الإنسانية باعتبارهما ركيزتين لأي مشروع مجتمعي معاصر.
تكمن أهمية هذه الدراسة في مقاربتها غير التقليدية لمقولة: «الإسلام دين ودولة لا يعرف الفصل». إذ تبيّن أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن النبي ﷺ مارس السياسة بصفته رسولاً وزعيماً، لكن بعد وفاته اختلف المسلمون حول طبيعة السلطة (السقيفة، الفتنة الكبرى)، ما يدل على أن العلاقة بين الدين والسياسة لم تكن نصاً ثابتاً، بل تجربة تاريخية متحوّلة.
وتتمثّل القيمة المضافة لهذه الورقة في إبراز أن الغرب، على الرغم من صراعه الطويل مع الكنيسة، لم يتحرر كلياً من حضور الدين، بل ظلّ الدين قائماً بتمثلات رمزية وقومية مختلفة (الشعبويات المسيحية، الخطاب الديني لدى ترامب وبوش، استدعاء المسيحية في حرب العراق). وهو ما يؤكد غياب الفصل المطلق بين المجالين الديني والسياسي.
وترى الدراسة أن المطلوب اليوم هو نخب عربية وإسلامية قادرة على دراسة الإسلام وفقاً لمناهج أصيلة، انطلاقاً من الشريعة الإسلامية نفسها التي تدعو إلى تكريم الإنسان وأداء الأمانات، مع اعتماد تأويلات للنصوص الدينية تعمل باستقلالية عن السلطة السياسية. فليس الهدف هو استنساخ مفاهيم الفصل أو العلمنة، إذ إنهما مصطلحات نابعة من التجربة الغربية، التي فشلت بدورها في التحرر التام من الدين ومن الاستبداد اللاهوتي، بل عاد الدين ليظهر بتمثلات أكثر عنفاً عبر أيديولوجيات متطرفة (مثل محاكم التفتيش، النازية، المحارق)، ناقلةً معها ثقافة العنصرية والاستعلاء إلى العالم عبر ما يُعرف اليوم بالدبلوماسية الدينية، التي تتجلى مثلاً في “الاتفاق الإبراهيمي” الذي يصوّر الإبادة الفلسطينية كصراع سياسي محض، متجاهلاً أبعاد السيادة وحقوق الإنسان.
وفي هذا السياق، يشير الكاتب دايفيد باترسون، المتخصص في دراسات الهولوكوست ومعاداة السامية، إلى وجود تشابه بين مناخات الإبادة النازية وثقافة الموت والشهادة في خطاب بعض الحركات الجهادية. فهو يرى أن تمجيد الموت، سواء في خدمة “الفوهرر” أو في سبيل “الجهاد”، يمثل وجهاً من وجوه التقديس الفاشي لفكرة أن “الغاية تبرّر الموت”، حيث يتحول الإنسان إلى أداة، ويُنظر إلى القتل كطقس تطهيري. ورغم ما يثيره هذا الطرح من جدل، إلا أنه يفتح الباب للتساؤل: متى تتحول العقيدة إلى ذريعة للقتل؟ وهل يمكن أن تُستعار مفاهيم من الفكر النازي وتُزرع داخل خطاب ديني بمسميات مختلفة؟ إذ يفترض باترسون أن معاداة السامية في الخطاب الجهادي المعاصر ليست جزءاً أصيلاً من الإسلام، بل فكرة حديثة استوردت من أوروبا النازية ثم أعيد تصديرها بلبوس ديني عبر حركات الإسلام السياسي.
ويقابله طرح تشارلز تايلور، الذي يرى أن القومية ليست مجرد انتماء ثقافي، بل وسيلة لتأسيس الهوية الجماعية وربطها بالعقد الاجتماعي الحديث. أما الحروب الدينية التي عرفتها أوروبا فلم تكن صراعات عقائدية خالصة، بل استُخدمت كأداة لتطوير العقد الاجتماعي وتحويل الشرعية من التفويض الإلهي إلى السلطة السياسية المؤسسية. وهذا ما يفسر استمرار حضور الدين في المجال العام بأشكال ورموز جديدة، وبقاء نزعات الاستبداد والعنصرية وإن اتخذت صيغاً قانونية وإدارية في التعامل مع الهجرة والمهاجرين والعلاقة مع الآخر.
أما التجربة الإسلامية فقد عرفت تحولات وتقلبات متعاقبة ضمن سياق السلطتين، أفضت في كثير من الأحيان إلى نزعات استبداد سلطوي، نتيجة تداخل عناصر ذاتية وخارجية مرتبطة بالاستعمار، والنخب المتغرّبة، والخلافات الفكرية التي غابت عنها أدوات النقد الداخلي للتراث. وقد أدى ذلك إلى هيمنة المقاربات الاستشراقية أو التغريبية في معالجة قضايا الأمة، وإلى تفاقم أزمات السلطة وطاعة الحاكم، سواء كان عادلاً أو ظالماً، بحجة تجنب الفتنة. كما أسهم ذلك في إفشال محاولات الإصلاح، التي بقيت حبيسة المبادرات الفردية ولم ترتق إلى مستوى المؤسسات القادرة على إنتاج مشروع نهضوي، في ظل انقسامات عميقة ومتجذرة، غذّاها الاستعمار وأعاقها من خلال فرض معاييره الغربية على حساب الأصالة الإسلامية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
المراجع العربية
- الماوردي، أ. الح. (1987). الأحكام السلطانية والولايات الدينية (م. م. إبراهيم، تحقيق). القاهرة: دار المعرفة.
- ابن خلدون، ع. ر. (2003). المقدمة (إ. عباس، تحقيق). بيروت: دار الفكر.
- الزحيلي، و. (2000). السياسة الشرعية في الإسلام: الدولة والدستور والحكم. دمشق: دار الفكر المعاصر.
- علي عبد الرازق، أ. (1925). الإسلام وأصول الحكم. القاهرة: دار الهلال.
- أحمد أمين، أ. (1998). فكر إسلامي: من القرون الوسطى إلى العصر الحديث. القاهرة: دار الفكر العربي.
- حسن حنفي، ح. (1997). الحداثة والدولة في العالم الإسلامي. القاهرة: دار المعارف.
- عبد الرحمن بدوي، أ. (1995). الفكر الإسلامي المعاصر: تحولات ومقاربات. القاهرة: دار الثقافة.
- محمد عبده، ر.، الطهطاوي، ر.، الأفغاني، ج. د. (بدون تاريخ). تحليل وتركيب.
- العروي، ع. (2000). الدولة الحديثة في العالم العربي. تونس: دار الغرب الإسلامي.
- علي الوردي، ع. (1978). لمحات اجتماعية من تاريخ الحضارة الإسلامية. بغداد: دار الطليعة.
- طه عبد الرحمن، ط. (2003). الفكر الإسلامي: مقاربات مع الحداثة. الرباط: مركز الدراسات الإسلامية.
- أسعد علي، أ. (2009). الاستعمار والتعليم في العالم الإسلامي: دراسة تاريخية تحليلية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
- جدعون فهمي، اسس التقدم عند مفكري الاسلام في العالم العربي الحديث، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطعة الاولى.
- الدكتور حسين سعد، (2006). الاصولية الاسلامية العربية المعاصرة بين النص الثابت والواقع المتغير، سلسلة اطروحات الدكتوراه 52، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت .
- مجموعة باحثين ، (2006). الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرة،مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت.
المراجع الأجنبية
- أوغسطين، القديس. (2001). مدينة الله. بيروت: دار الكتاب اللبناني.
- توما الأكويني، ت. (2012). Summa Theologica (ترجمة: Fathers of the English Dominican Province). لندن: Benziger Brothers.
- جون لوك، ج. (1998). رسالة في التسامح. بيروت: دار الفكر.
- جان جاك روسو، ج. ج. (2005). العقد الاجتماعي. بيروت: دار التنوير.
- فولتير، ف. (1999). رسالة في التسامح. بيروت: دار النهضة العربية.
- مارتن لوثر، م. (2000). عقيدة الإصلاح الديني. بيروت: دار المشرق.
- Patterson, D. (2010). A Genealogy of Evil: Anti-Semitism from Nazism to Islamic Jihad. Cambridge University Press.
- Taylor, C. (1993). Reconciling the solitudes: Essays on Canadian federalism and nationalism. University of Toronto Press.
- Bauman, Z. (2000). Liquid modernity. Cambridge, UK: Polity Press.
- Aquinas, T. (2012). Summa Theologica (Fathers of the English Dominican Province, Trans.). London: Benziger Brothers. (Original work written 1274)
- Berger, P. (1967). The sacred canopy: Elements of a sociological theory of religion. New York: Anchor Books.
- Bourdieu, J. (1970). La société de consommation. Paris: Éditions de Minuit.
- Durkheim, É. (1995). The elementary forms of religious life (K. E. Fields, Trans.). New York: Free Press. (Original work published 1912)
- Castells, M. (1996). The rise of the network society. Oxford: Blackwell.
- Tocqueville, A. de. (2000). Democracy in America (H. Mansfield & D. Winthrop, Trans.). Chicago: University of Chicago Press.
- Locher, H. (2008). European history: From the Middle Ages to modernity. London: Routledge.
- Luther, M. (2000). On the freedom of a Christian. Beirut: Dar Al-Mashreq.
المراجع الاسلامية والتاريخية
- Al-Mawardi, A. H. (1987). Al-Ahkam al-Sultaniyyah wa al-Wilayat al-Diniyyah (M. M. Ibrahim, Ed.). Cairo: Dar Al-Ma’rifah.
- Ibn Khaldun, A. R. (2003). Al-Muqaddimah (I. Abbas, Ed.). Beirut: Dar Al-Fikr.
- Al-Tabari, M. (1990). Tarikh al-Tabari. Beirut: Dar Al-Fikr.
- Mawdudi, A. A. (1995). Islamic political thought. Lahore: Islamic Publications.
- Al-Zuhayli, W. (2000). Al-Siyasah al-Shar’iyyah fi al-Islam: Al-Dawlah wa al-Dustur wa al-Hukm. Damascus: Dar Al-Fikr Al-Mu’asir.
- Abdul-Rahman, T. (2003). Al-Fikr al-Islami: Maqaribat ma’ al-hadathah. Rabat: Markaz Al-Dirasat Al-Islamiyyah.
- Al-Arabi, A. (2000). Al-Dawlah al-Hadithah fi al-’Alam al-‘Arabi. Tunis: Dar Al-Gharb Al-Islami.
- Al-Wardi, A. (1978). Lamhat Ijtima’iyyah min Tarikh al-Hadharah al-Islamiyyah. Baghdad: Dar Al-Tali’ah.
- Al-Jabri, M. A. (1996). Critique of Arab reason. Beirut: Dar Al-Fikr.
- S oroush, A. K. (2000). Reason, freedom, and democracy in Islam. Tehran: Markaz-e Nashr-e Daneshgahi.