علي مبروك ومشروع التّحرّر الدّيني.. لماذا يخشى الأزهر أسئلتَه حتى بعْد رحيله؟

 تكوين
  • عقلٌ في مواجهة سنين من الظلام…

حينما نمعِن النّظر في تاريخنا الثّقافي والفكري العربي والإسلامي المعاصر، تَحضُرنا دومًا أسماءٌ أسستْ المشهد، وخلَّدتْ الحضور، ورسمَتْ على مشاريع فكرية لا زال صِيتُها مُدوِّيًا في سماء واقعنا ومجتمعاتنا لحدود اللحظة الآنية. وعلى قلَّة هذه الأسماء، وصلابة الواقع الذي تعيش فيه، لا زال المثقَّف العربي والإسلامي يُكابد ويُجالِد من أجل اجتراح الأفكار، ونقْد السّرديات المؤبِّدة للتخلُّف، لعلّنا نصل يوما إلى الحقيقة التي نسعى إليها جميعا، وهي أنّنا مجتمعات تستحقُّ أن تعيش حياة طيبة، دون أن يكون تراثها وفكرُها وإرثُها الحضاري عائقًا لها من التواصل الإيجابي، والتّسامح والتّعايش الإنساني. ولعل المدخل الأساس لاستعادة هذا الحلُم في هذا السياق المأزوم، والواقع الموْتور ثقافيا، هو أنْ نستعيد هذه الأسماء التي جاهدَتْ وكابَدتْ من أجل تنوير إسلامي، يعيد للإنسان اعتباره، دون أن يكون هناك صِدامٌ بين عقلانيته وعقيدته، بين تفكيره وتراثه، وبين إنسانيته ومُقدَّساته. ومن بين هذه الأسماء التي كُتبَ لها أن تموت قبل أن تنهي مشروعها، أو لنقُل بتعبير أدق حلْمها في فسْح المجال أمام التفكير النقدي ليكون هو القاطرة التي تجرُّ فضاءاتنا المُغلَقة إلى حيث الانفتاح والتَّسامح والتواصل نجد الكاتب المصري الراحل علي مبروك.

لم أكن أعرف علي مبروك شخصيا قبل أن يجمعَنا عملَان عبارةٌ عن حوارين أجريتُهما معه لفائدة مؤسَّسة مؤمنون بلا حدود[1]، ومنذ تلك اللّحظة التي تعرَّفتُ فيها على علي مبروك المفكر والباحث والمناضل الفكري، تعرَّفْتُ أيضا على الشقِّ الإنساني والأكاديمي فيه، إلى أنْ خطفَه الموت، أو لنقُل سرقه الموت على حين غفلةٍ منا جميعا دون سابق إنذار. لكن ما ارتسم في ذهني ونحن أمّة تحارب مثقّفيها، وتهمِّش مفكِّريها، وتنبُذ باحثيها، هو أنه في سياق التحوُّلات الفكرية التي عرفَها العالم العربي والإسلامي خلال العقود الأخيرة، يمكن الجزم بأنّ علي مبروك يعدُّ من الأسماء الكبيرة في ساحتنا الفكرية الإسلامية، الذين خاضوا معركة التّجديد الدّيني من داخل الحقل الفلسفي، وبأدوات علمية ومعرفية مُحكَمة. الشيء الذي جعل اسمه يتجاوزُ الموضوعات السِّجالية حول الإصلاح الديني، إلى أن يصير اسمُه مقترِنا بإعادة مُساءلة البِنية التي تأسَّس عليها العقل الإسلامي التقليدي، والكشف عن الآليات التي جعلَتْ من بعض القراءات التاريخية للدين حقائق نهائية لا تقبل النقاش.

فمن هو علي مبروك؟

إذا أردنا أن نعتمد على تعريف مبسّط لعلي مبروك يمكِننا الاستعانة بترجمة مختصَرة وضعتْها له مؤسّسة هنداوي، التي تكلّفت بنشر مؤلفاته على موقعها الإلكتروني، حيث أكّد التعريف بأن علي مبروك من مواليد سنة 1958، التحق بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وهناك بدأتْ رحلته الأكاديمية التي تدرّج فيها علميًا حتى حصل على درجة الأستاذية. ولم ينحصر نشاطه داخل الإطار المحلّي، بل انفتح على فضاءات أكاديمية أوْسَع؛ فشغَل منصب أستاذ مساعد بجامعة كيب تاون في جنوب أفريقيا، كما تولّى منصب نائب مدير المعهد الدولي للدّراسات القرآنية في جاكرتا، ما أتاح له الاحتكاك بتجارب بحثية متعدِّدة وأسهَم في تعميق أفُقه المعرفي.

انطلق المشروع الفكري لعلي مبروك مبكرًا منذ رسالته للماجستير سنة 1988، حيث انشغل بنقْد القراءات الأيديولوجية للتراث الإسلامي، خصوصًا في تجلّياته الكلامية والأصولية. كان يرى أن التراث لا يُفهم عبْر تمجيده أو إعادة إنتاجه، بل عبْر تفكيكه معرفيًا وتاريخيًا، والكشف عن السياقات السياسية والاجتماعية التي أسهمَتْ في تشكّله. ولتحقيق ذلك، استعان بمُقاربات منهجية متداخلة؛ فجمَع بين المنهج الأنثروبولوجي وتحليل الخطاب وبعض أدوات التحليل النفسي، إلى جانب المنهج البنيوي، في مُحاولة لتفكيك البُنى العميقة التي صنعَتْ ما يُسمّى بالعقل التقليدي. وقد تُوِّج هذا المسار النّقدي بعددٍ من المؤلّفات التي كرّسَتْ مكانته في الفكر العربي المعاصر، من أبرزها: «نصوص حول القرآن»، و«النبوة… من علم العقائد إلى فلسفة التاريخ»، و«الإمامة والسياسة: الخطاب التاريخي في علم العقائد»، و«ما وراء تأسيس الأصول… مساهمة في نزع أقنعة التقديس»، و«الخطاب السياسي الأشعري… نحو قراءة مغايرة». وتمثل هذه الأعمال حلقات متكاملة في مشروع يسعى إلى مساءلة آليات إنتاج المعرفة الدينية، وإعادة التمييز بين النصّ المؤسِّس وقراءات البشر له. وإلى جانب عطائه الأكاديمي، عُرف مبروك بحضوره الحيوي في الندوات والمؤتمرات والصالونات الثقافية، حيث جسّد نموذج المثقف المنخرط في قضايا مجتمعه، لا المنعكف داخل حدود الجامعة. غير أن مسيرته توقَّفت برحيله في 20 مارس 2016، وهو في أوْج عطائه الفكري، تاركًا خلفَه مشروعًا نقديًا ما يزال مفتوحًا على القراءة والنقاش، وراهنًا على ضرورة تجديد النظر في التراث بوصفه منتجًا تاريخيًا قابلًا للمساءلة والتفكير.

لن تكفينا صفحات وكلمات للتعريف بمسار علي مبروك، وهو الباحث والكاتب والمفكِّر والمثقَّف، صاحب المسار الأكاديمي الحافل والجريء في واقع جعل من الجُبن الفكري العملة الرائجة لدى الكثيرين ممن اختاروا أن يسيروا في مساحات المسموح به والمفكَّر فيه. وبالتالي فنحن هنا سننتقل إلى مشروعه الفكري لتكون لنا الفرصة للانتقال من السيرة إلى السؤال، ومن التعريف بالمسار الشخصي إلى تفكيك الرّهان الفكري الذي ناضَل الرجل من أجله. لأن علي مبروك لم يكن مجرّد أستاذ جامعي كتب في التراث، ولا باحثًا أقصى أمانيه ندوة هنا ومؤتمر هناك، بل كان صاحب مشروع يسعى إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الدّين والتاريخ، بين النص والسلطة، وبين المقدَّس والفهم البشري. والذي دلَّ على ذلك هو مساره الذي كان ينطلق من قلقٍ معرفي واضح، لماذا تحوّل التراث الإسلامي من مجال للاجتهاد والتعدّد إلى بنية مغلقة تُقصي الاختلاف؟ وكيف أصبح “الفهم” مساويًا لـ“الوحي”، حتى بات نقد التأويل يُعدّ مساسًا بالمقدَّس ذاته؟ وهل الأزمة التي يعيشها الفكر الديني اليوم كامنة في النصّ المؤسِّس، أم في آليات قراءته التي تشكّلت عبْر صراعات السياسة والسلطة؟

أسئلة مربكة تضعنا أمام سياقٍ معقَّد واجهَه علي مبروك ضمن مشروعه الفكري في الجامعة وفي أروقة المؤسَّسات الدينية، وفي الواقع المتصلِّب الذي يرى كل محاولة جادّة جرأة مبالغ فيها تستحق من العامة أن تصلبك فيها على خشبة الاتهام دون أن يكون لك الحق في الدفاع. ولهذا فعلي مبروك لا يطرح هذه الأسئلة بدافع الهدم، أو التشكيك، أو الصدام، بل بدافع التّفكيك الذي يمهّد لإعادة البناء، ويسائِل البِنية الأصولية التي احتكرَتْ تفسير الدين، وعادَتْ النقد، وحرَّمتْ التفكير، ورفضَتْ أن يفهم خارج القوالب الجاهزة التي أنتجَتْ التقديس. وكأن هذا المشروع الفكري يقتضي التعامل معه بوصفه محاولة لإعادة كتابة تاريخ تشكّل الخطاب الديني، وكشْف اللحظة التي تماهى فيها المقدَّس مع السياسي، والنص مع قراءته، والعقيدة مع السلطة. وعند هذه العتبة تحديدًا يبدأ اشتغاله الحقيقي: تفكيك ما يبدو بديهيًا، وإعادة مساءلة ما اعتُبر محسومًا.

  • علي مبروك وتحدّيات المواجهة الأزهرية

حينما نستحضِر اسم علي مبروك في سياق التجديد الديني تبرُز أمامنا علاقة جمعَتْ بينه وبين المؤسَّسة الدينية في مصر على مدار سنوات طويلة، والسبب هو مشروع علي مبروك الفكري، الذي كان يهدف إلى شيوع ثقافة النقد المؤسَّساتي للجماعة الدينية، أو طبقة الفقهاء المستحكِمة في دواليب الشأن الديني المصري. وبالرّغم من أن المحرِّك الأساسي لعلي مبروك لم يكن هو مهاجمةُ الدين، أو أنماط التديُّن الشعبي في مجتمعاتنا، إلا أن المؤسَّسة الدينية كان لها رأي آخر، حينما واجهَتْ نقدَهُ بالكثير من الخصومة الفكرية، وقابلَتْ أفكاره بالإقصاء والتهميش والتخويف الممنهج منها. وهذا يجعلنا نستحضِر دور الأزهر في المنظومة الدينية والسياسية المصرية. فقد أشار عبد الجواد ياسين في مقالٍ له منشور على موقع مركز تكوين الفكر العربي[2] بأن الجامع الأزهر نشأ عام 970م مع دخول الفاطميين إلى مصر، وكان هدفه في الأصل نشْر المذهب الشيعي وترسيخ سلطة الخليفة الفاطمي. وقد استمرَّ في أداء هذا الدّور طوال الحقبة الفاطمية، إلى أن حلَّت محلَّه في العصر الأيوبي (1169-1250م) مدارسُ نظامية ذات طابعٍ سنِّي. ثم عاد الأزهر إلى الواجهة في عهد المماليك (1250-1517م)، ليُوظَّف هذه المرة أداةً لإضفاء الشرعية على سلطة الحاكم. أما في العهد العثماني (1517-1803م) فقد تعمَّقت هذه الوظيفة السياسية، وأصبح الأزهر مركزًا تعليميًا ووسيطًا سياسيًا في آنٍ معًا. ومع قدوم الحملة الفرنسية ثم تسليم السلطة لمحمد علي، دخل الأزهر مرحلةً جديدة تراجعَتْ فيها استقلاليته، وبات أكثر ارتباطًا بالدولة المصرية الحديثة، محتفِظًا بدوره التعليمي والرّمزي بوصفه مرجعيةً دينيةً وأداةً لضبط التديُّن الشعبي.

لكن ما يهمُّنا هنا في هذا السّياق هو الجامع الأزهر في العصر الحديث لارتباطِه بموضوع دراستنا، فقد أشار أيضا عبد الجواد ياسين في مقاله السّابق أنّه بميلاد الدَّولة المصرية الحديثة، كان الأزهر في أوْج مكانته بوصْفه مؤسَّسةً أهليةً مستقلة تتمتع بصلاحياتٍ سياسية واسعة. لأن طبقة الفقهاء كانوا هم من قادوا حركة المقاومة الشَّعبية ضد الحملة الفرنسية، وأدَّوا دورًا محوريًا في إيصال محمد علي إلى السلطة عبْر الوساطة والضّغط على الدولة العثمانية. غير أنَّ هشاشة النظام الفقهي التقليدي قد بلغَتْ ذروتها، حيث بدأت تظهرُ بعض ملامح التحوُّل التدريجي نحو التحديث والعصْرنة والتمرُّد على قيَم القدامة.

ولنفهم بشكل جيد سلوك محمد علي السّياسي تجاه الأزهر، لا بدَّ من استحضار السّياق الثقافي والسياسي والفكري الذي طبَع فترة حُكمِه، حيث مثَّلتْ هذه الفترة الزمنية حركة تطورٍ في مسار الدولة سعَتْ إلى التحديث والعصرنة والخروج من سياق جمود العصر المملوكي الذي طبَع الفترة السابقة. ولم يكن هناك من سبيل إلا أن يتمَّ تحجيم نفوذ الفقهاء وتقليص دورهم لما لذلك من مصلحة في تسريع تحديث الدولة. وبذلك تمَّ اعتماد سياسة احتواء سلطة الفقهاء عبْر جملةٍ من الإجراءات الإدارية والقانونية، في مقدَّمتها تقليص استقلالهم المالي ثمّ إلغاء نظام الوقف الأهلي كليًا. وقد استمرّ هذا النهج كما يؤكّد عبد الجواد ياسين في عهد خلفائه، لا سيما الخديوي إسماعيل، الذي انتهج سياسة أكثر حداثةً من سابقيه، حيث بدأتْ ملامح التحوُّل نحو دولةٍ دستورية على النَّمط الغربي تتشكَّلُ بوضوح، وباتَتْ الأنظمة الإدارية والقانونية والقضائية والتعليمية تكتسي طابعًا عصريًا، في حين جرى ضمُّ السلطة الفقهية رسميًا إلى مؤسَّسة الدولة عبْر إنشاء وزارة الأوقاف ودار الإفتاء الحكومية. وهكذا فقد استطاعتْ الدولة المصرية أن تجرِّد الأزهر وبالتالي طبقة الفقهاء من السُّلط الموكولة إليها، لكنّها لم تستطع أن تلغيَ وجوده كلِّياً. فقد تحوَّل الفقهاء من مرجعيةٍ أهلية مستقلة إلى موظفين في خدمة الدولة، وأُعيد تعريف الأزهر ليكون مؤسَّسةً تعليمية دينية تتلقى تمويلها من الخزانة العامة، شأنُها في ذلك شأن سائر مؤسَّسات التعليم المدني الحكومية. غير أن هذه المعادلة التي بدَتْ في ظاهرها حلًا عمليًا براغماتيًا، كشفَتْ عن تناقضاتها العميقة مع مرور الزمن؛ إذ صار الأزهر يعاني من أزمةٍ مزدوجة: أزمة في المردود المعرفي من جهة، وأزمة في الازدواجية الثَّقافية من جهةٍ أخرى، في مشهدٍ يكشِف أن الاحتواء لم يكُن حلًا ناجزًا، بل كان تأجيلًا لإشكاليةٍ أعمق لم تُعالَج في جذورها حتى اليوم[3].

هذا عن علاقة الدولة المصرية بجامع الأزهر، أمّا عن علاقة علي مبروك به، فقد أثار ذلك في العديد من كتاباته وأبحاثه، وفي مقدّمتها كتابه “الأزهر وسؤال التجديد”. لقد كان الكتاب يرمي إلى كشف الفجوة بين النّظرية والتطبيق في الخطاب الديني الذي تبنّاه الأزهر، إذ أنّ الدولة المصرية أوكلت لمؤسسة الأزهر القيام بفعْل التجديد الديني، والخروج بالفكر الديني من المأزق الذي وصل إليه مع سيادة الأصوليات والتطرُّف والإرهاب، غير أنّ هذه الدعوة لم تتجاوز مسألة الحشد والجمع والخطاب الإعلامي، وكأنّ الأزهر سيجدِّد الخطاب الديني بصدْق النوايا، لا بالقدرة على تجاوُز الأعطاب التي يعاني منها اليوم الدين والعقل الأصولي الفقهي. ولو كانت الأمور تقاس بالنوايا لما عانَتْ مجتمعاتنا ولا زالت من نير الأمية والجهل والتخلُّف الحضاري، ولكنْ ثورة التجديد تقاس بمقاييس أخرى، تتطلَّب الوعي بالمرحلة. ولعلّ أهمّ الشروط التي تحتاجُها المرحلة، تلك المنبثقة من جملة الأدوات والمناهج والمفاهيم التي صارت اليوم من المكتسبات الإنسانية في المجال المعرفي، خاصّة تلك التي لها علاقة بحقل العلوم الإنسانية بشكل عام، وما وصلت إليه الأبحاث والكتابات في مختلف الميادين المعرفية. وبالتّالي فإننا هنا بإزاء واقع لا تنفع فيه النيات كما تريد أن توهِمنا بعض الخطابات الأصولية، أو المؤسّسات الدينية الرسمية، بقدْر ما يتعلق الأمر بأدوات ومناهج ومفاهيم تفرِض نفسها اليوم على الحقل الديني الإسلامي كي يستجيب بشكل أو بآخر لمتطلَّبات المرحلة الراهنة، ويتأقلَم بشكْلٍ إيجابي مع التحديات التي يفرضُها الواقع المُعاصر بكل إشكالياته وصعوباته.

لقد كان علي مبروك وهو يواجِه قدرة المؤسّسة الأزهرية على التّجديد الديني مُدرِكا بأن الخطاب الأزهري لا يعدو أن يكون خطابا إعلاميا أو فولكلوريا يذُرُّ الرماد في عيون المنتسبين والمؤمنين والمتعاطفين، ولم يكن في حقيقته رغبة صادقة في الخروج من سلطة العقل الأصولي والفقهي. ولعلّ أهم العوائق التي تصادِف الباحث في رحلته المعرفية بين المؤسّسة الدينية والتجديد هي مفهوم الخطاب نفسه. لن نكون مبالِغين إذا قلنا بأنّ مفهوم “الخطاب”[4] انتشر بشكل لافت حتى تجاوَز حدود الأوساط الأكاديمية والنخبوية ليصبح جزءًا من القاموس اليومي للناس العاديين، بل يمكن الجزم أنه صار في الكثير من الأحيان الموضة الأكثر شيوعا في الثقافة الدينية المعاصرة. خاصة بعد ما عرفَتْ دوَلنا ما سمّي بثورات الربيع العربي الذي أكل الأخضر واليابس ووضع المسلمين في مواجهة أسئلة حارقة مرتبطة بالفهم والوجود والتأويل، حين كشَف الموروث الديني الراكد عن طاقةٍ كامنة خطيرة، ورغبة في العنف المستتِر بالدين، والطائفية المَقيتة، وتدمير مُقدَّراتِ الدُّول بعناوين دينية. غير أن المُفارَقة المؤلمة تكمن في أن هذا الانتشار الواسع لم يصحبْهُ وعيٌ حقيقي بمضمون المفهوم ودلالاته، حتى عند أولئك الذين أُنيطَتْ بهِمْ مسؤولية التجديد من رجالِ المؤسَّسة الدينية أنفسهم.

وبعنوان “أزمة واقع أم أزمة خطاب”، يتساءل علي مبروك تساؤلا يفضي إلى إشارة هامة، حيث يقول بأن مصر والعالم العربي لم تدخل هذا القرن بوجه مختلف، بل جاءت تحمل الوهن القديم ذاته الذي تحوّل مع الزمن إلى عنفٍ يأكُل المجتمَعات من الداخل. والمؤلم أنّ المثقّفين في كل مرة تشتعِل فيها الأوضاع لا يتجاوزون طقوس النُّواح، يجترُّون التفسيرات المعتادة عن الأزمة التاريخية والاجتماعية وتآمُر الخارج، دون أن ينزِلوا إلى ما تحت السّطح حيث يرقُد الخطاب الذي يُنتج كل ما يَحدُث ويُعيد إنتاجه. والأخطر من ذلك أنّ هذا الخطاب لا يُشخَّص بوصفه أصْل الداء، بل يُستدعى بوصفه دواءً له. وكل تيار يدخُل الميدان حامِلاً يقينه الجاهز؛ الليبرالي يحلُم بمُصلِحٍ متسلِّط يُنجِز بالقوة ما عجَزَت عنه ليبراليته، والعلماني لا يرى نهضةً ممكِنة خارج النموذج الأوروبي، والسَّلفي لا يعرف طريقاً غير العودة إلى ما كان عليه الأولون. وما يجمع هؤلاء جميعاً أنّ الواقع في تصوُّرهم ليس موضوعاً للفهم بل مادة للإذعان، ومن أبى فالسيف هو الجواب. وهكذا لا يكون الخطاب علاجاً للعنف بل يكون جِذره الخفيُّ ومنبعه الأعمق.[5]

لكن بالرّغم من حُضور مفهوم الخطاب في الكثير من المؤسَّسات الدينية، إلا أن ذلك لم يترجَمْ إلى واقع فعْلي، حين عجزَتْ المؤسَّسة الأزهرية تحديدا عن أن تمنَح هذا المفهوم حضوره الحقيقي، وصار ترداده صدىً في فراغ، تزيِّن به النّدوات والمؤتمرات والمجالس، دون أن ينفَذ إلى عمْق القاعدة الدينية، أو يبلُغ أثره إلى المعنيين به بشكل مباشر. ولعل السبب الحقيقي في عدم انخراط الفقهاء في هذا المفهوم، هو عجزُهم عن تحمُّل تبعات الإيمان بمفهوم الخطاب، ولذلك تحاشَوا الاقتراب منه، إدراكا منهم بأن تبنِّيه أو الاعتقاد به سيُفضي حتمًا إلى تقويض الأُسس التي تتّكئ عليها المؤسَّسة وتستمدُّ منها شرعية وجودها واستمرارها. كما ينبغي الإشارة هنا إلى أن المؤسَّسة الدينية في علاقتها بالدين تقوم نظريًا بحراسته والذود عنه انطلاقا من ركيزتين أساسيتين: الأولى هي العقيدة، والثانية هي الفقه. وكِلا هذين المستويين يشكِّلان ما يمكن تسميته بالخطاب الديني. وإذا وصلنا إلى هذه النتيجة فإنّ أيّ تعاملٍ مع العقيدة والفقه من منظور مفهوم الخطاب، سيُهيِّئ حتمًا الشروط الكفيلة بزعزعة الصورة التي استقرَّ عليها وجود المؤسَّسة الدينية القائمة على التقديس. وهنا سيكون الأزهر قد أقدَمَ على تشغيل هذا المفهوم ضمن دائرة حراسته، وبالتالي يكون قد أشعل فتيل انهيار مؤسَّسته بيده. وفي هذا وحده ما يكشف لماذا لن يتجاوز الشيوخ حدود ترديد المفهوم دون أن يجرؤُوا على توظيفه فعليًا؟ ولكي يجيب علي مبروك عن هذا السؤال فهو يقدِّم لنا معنى الخطاب الذي يحيل بنظره إلى الفكرة الجامعة التي يرتكز عليها حقلٌ معرفي بعينه، وتندرج في كنفها أقوالٌ وآراء متفرِّقة ومتباينة، دون أن يُخِلَّ هذا التباين بانتمائها جميعًا إلى المجال المعرفي الذي تهيمِن عليه تلك الفكرة الجامعة. ومفاد هذا التعريف أن تجديد الخطاب لا يتحقق إلا بتجديد هذه الفكرة الجامعة في صميمها، لا بالتلاعب في الأقوال الجزئية المندرجة تحتها إبرازًا لبعضها وإخفاءً لبعض. فإذا كان الخطاب الفقهي يستوْعب في داخله طيفًا واسعًا من الآراء المتعددة والمتنازعة بتعدُّد أصحابها وتنازُعهم، فإن تجديده الحقِّ لا يكون إلا بالنظر في الفكرة الكلّية التي تجمَعُ هذه الآراء جميعًا تحت سقفٍ واحد. بيْد أن تصوُّر شيوخ المؤسَّسة للتجديد لا يعدو أن يكون إحلال رأيٍ فقهي محَلَّ آخر، مع إغفالٍ تامٍّ للفكرة الكليَّة الحاكمة لهذه الآراء كلها، والتي لن تتأثر بهذه التبديلات الجزئية ولن يبلغها تغييرٌ من خلالها.

إنَّنا هنا بإزاء واقع ديني لا يتحقَّق فيه التّجديد إلا بتجديد الفكرة الكليَّة الحاكمة لخطابه، وليس إقامة رأي فقهيٍ في مُقابلة رأي آخر. وبالتالي لا بد أن نشير في هذا المقام إلى أن مبدأ التفريق بين الناس في حقوقهم ومراكزهم القانونية في المنظومة الفقهية يقوم على أساس جنسهم ذكورًا وإناثًا، ودينهم مسلمين وغير مسلمين، ومكانتهم الاجتماعية أحرارًا وعبيدًا، وهو المبدأ الذي يمكن أن يشكِّل العمود الفقري الذي يرتكز عليه البِناء الفقهي كله. ومن ثَمَّ فإن هذا الفقه لا يقوم على مبدأ المساواة بين المخاطَبين بأحكامه، بل يُرتِّب بينهم تفاوتًا في الحقوق والالتزامات تبعًا لما يُميِّز كل فردٍ منهم من حيث هذه الاعتبارات الثلاثة. وبما أن هذا المبدأ هو السّاري في كل المدوَنة الفقهية عبر الزّمان في كل تفاصيلها وأبوابها، فإن ذلك يُحتِّم علينا القول بأنّ أي تجديدٍ مرتقَب لا يمكن أنْ يبدأ من خلال عمليات ترقيعية تهدِم أكثر ما تبني، ولا أن نضع آراء فقهية في مواجهة أخرى، بل من خلال النّظر في تجديد الفكرة الكلِّية من أساسها. وذلك لأنَّ التجديد الدّيني المنشود في هذا المقام لا تنبع أهميته أو ضرورته فحسْب من كونه شرطًا لا غِنًى عنه لقيام دولةٍ حديثة تتساوى فيها مراكز مواطنيها أمام القانون، بل تنبُع أيضًا من كوْنه استجابةً لما يُرسيه القرآن الكريم من مبدأ المساواة بين بني البشر. فهل تستطيع المؤسَّسة الدينية أن تُقدِم على هذه الخطوة، أم أن ما يحُول دُونها من قيودٍ نفسية ومعرفية أعمق من أن تُتجاوز؟[6]

  • لماذا أخفق المشروع الإصلاحي في مجتمعاتنا؟

قبل أنْ نُجيب عن هذا السُّؤال الإشكالي من منظور علي مبروك يحسُنُ بنا أن نذكِّر بأهمّ إصلاح ديني في العالم الحديث، والمسمَّى بالإصلاح الديني اللوثري، أو الإصلاح الذي قامت به الكنيسة البروتستانتية في صراعِها الحادّ مع الكنيسة الكاثوليكية، وأفضى إلى الحدّ من سلطة الكنيسة وسلطة رجالها، والسير قُدُما نحو تثبيت الدولة الحديثة. وبالرغم من أن مارتن لوثر قاد حركة إصلاحية دينيةً استهدفت البِنى الدينية، والأصول العقدية للكنيسة الكاثوليكية، إلا أنّه لم يكن الوحيد في سلسلة المُصلِحين الذين سبقوه ولم يكتُب لهم النّجاح كما كُتِب له. يخبِرنا سكوت إتش هندريكس في كتابه الهام عن مارتن لوثر مقدمة قصيرة جدا[7]، بأنّ مارتن لوثر لم يكُن الأول بين المُصلحين الدينيين الذين تحدّوا الكنيسة الرومانية، لكنه كان الوحيد الذي أفضَتْ إصلاحاته إلى حركة دينية كبرى غيّرَت وجه أوروبا. فقبله بقرون، خاض مصلحون آخرون المعركة ذاتها وانتهوا إلى مصائر مأساوية؛ فمثلا بيتر والدو الذي تخلَّى عن ثروته ليحيا حياة المسيح قد تمَّ رميُه بالهرطقة، وجون ويكليف الذي شكّك في سلطة الكنيسة قد تمّت إدانة كتاباته وأُحرقتْ عظامه بعد وفاته، أما جون هس فأُحرق حياً بعد مُحاكمة جائرة، وكذلك فعلوا بسافونارولا الذي حاول تحويل فلورنسا إلى جمهورية دينية فشُنِق وأُحرق.

لقد كان هؤلاء المصلحون جميعاً يحتكِمون إلى الإنجيل مرجِعاً أعلى من البابا، وينشُرون تعاليمه بلغة الناس، وينتقدون الفساد المستشري في أوساط رجال الدين، غير أنّ حركاتهم اندثرَتْ أو بقيَتْ هامشية. ولهذا تميَّز عنهم مارتن لوثر، ولم يكُن ذلك فقط بعُمق أفكاره وحدها، أو حجم الإصلاحات التي اقترَحها لإصلاح ما تمّ إفسادُه، بل لأنه قد توفرَّت له شروط لم تتهيأ لغيره؛ وهنا نستحضر اكتشاف الطباعة التي ساهمَتْ في نشْر أفكاره بسرعة غير مسبوقة، كما وفّرَتْ له الحركة الإنسانية أدوات علمية لقراءة الإنجيل بلغاته الأصلية، وحمَتْه الإمارات الألمانية من بطْش الكنيسة والإمبراطور. فضْلاً عن ذلك، أدرَكَ لوثر أنّ الإصلاح الحقيقي يمُسُّ العقيدة لا السلوك فحسْب، وأن الخلاص يقُوم على الإيمان لا على الأعمال. وعلى هذا الأساس، لم تكُن حركة الإصلاح البروتستانتي ثمرة عبقرية فرد، بل نتاج تضافُر أفكاره مع ظرف تاريخي نضَج توقيته.

كانت هذه إشارة فقط للإصلاح في السياق المسيحي الذي نعتبر بأنّ بعض فتراته تُشبِه إلى حدٍّ كبير مسارات التحوُّل الديني في مجتمعاتنا، غيْر أنّنا نختلِف معه في أنّ مشروع الإصلاح في بيئتنا لم يكتمِلْ ولم ينضُج بالشَّكل الكافي الذي يمَكِّنُنا من أن نجيب عن أسئلة التنمية والتقدم والحضارة والسلم والأمْن العالميين. وإذا عدْنا لسؤال الإخفاق من جديد خاصّةً من منظور علي مبروك الذي تحدّثنا عنه سابقا يمْكِنُنا أن نرصُد العديد من الإشارات. وذلك لأنّ علي مبروك يرى بأن فشل النهضة العربية الحديثة لم يكُن وليد الصُّدفة أو نتاج ظروف عابرة، بل كان تجلِّيًا لبِنية فكرية راسخة عبْر قرون من الاستحكام والتسلُّط والانحطاط الإسلامي. وحينما ننظر في هذا المسار نجد بأن المسألة السياسية طغَتْ بشكْلٍ كبير على خطاب النّهضة حتى غدَتْ مِحوَره الذي لا يحيد عنه، فأصبح كل شيء يُوزَن بمقياس الصراع على السلطة، بدلًا من أن يُقاس بمقياس تجديد العقل وإعادة تشكيله. ومن هنا يمكن أن نستوعب لماذا أخفَق الإصلاح الديني بدوره؛ إذ لم يُولد مستقلًا، بل نشأ في أحضان ذلك الخطاب السياسي، وسار في دُروبه، فخضَع لأولوياته وانصاع لضغوطه. بل أكد علي مبروك[8] على أنه حين أخفَق الخطاب في إنجاز أيَّ تقدُّم حقيقي، لم يتوقَّف ليسأل عن علَّة إخفاقه في ذاته، بل راح يُحمّل المجتمع مسؤولية فشله. وفي هذا الموقف تحديداً يكشف عن حقيقته؛ فهو ليس خطاب نهضة بل خطاب نخبة، أي ستار أيديولوجي تُخفي به النخبة هيمنتها على المجتمع وتبرر تسلطها عليه. ذلك أن هذا الخطاب لم يسْعَ يوماً إلى زعزعة مقولات الثقافة السّائدة والتحرُّر من أفُقها المعرفي نحو أفُقٍ مغايِر تنضُج فيه مقولات النهضة وتترعرع. والحال أنّ النهضة لا تنبُت في أيَّ تربة كانت، بل تحتاج إلى شروط معرفية خاصة تجعلها ممكنة. وأي محاولة لزرْعها خارج هذه الشروط لا تُنتج نهضة حقيقية، بل تُنتج مسخاً هجيناً عاجزاً عن أن يُحدث أي أثر في الواقع.

يتقاطع علي مبروك في هذا السياق مع ما ذهب إليه الجابري وهو يقارب مسألة الخطاب العربي المعاصر خاصة في شقه النهضوي، فحين نقرأ الخطاب النهضوي العربي بعين الجابري، لا نجد أمامنا مجرَّد أفكار متفرقة أو مواقف فردية، بل نجد بِنية متماسكة تحكُم طريقة التفكير ذاتها قبل أن تحكُم نتائجه. فالجابري في كتابه “الخطاب العربي المعاصر”[9] لا يسأل ماذا قال النهضويون، بل يسأل كيف فكّروا، وما الذي جعل تفكيرهم يدور في حلقة مفرَغة على الرغم من صدق نواياهم وعمْق اطلاعهم.

يرى الجابري أن الخطاب العربي المعاصر لم يُولد من رحِم إشكاليات معرفية داخلية، بل وُلد استجابةً لصدمة الهيمنة الأوروبية، أو لنقُل بتعبير أدقّ صدمة الحداثة الغربية. وهذا المنشأ الدفاعي جعل الخطاب العربي يتَّسِم بخصائص فردية؛ جعلَتْ منه مجرَّد ردَّ فعْلٍ لا فعلاً مستقلاً، وصارت أسئلته محكومةً بما يطرحُه الآخر لا بما تقتضيه ضرورة المعرفة. ومن هنا تفرّعت تياراته الثلاثة الكبرى؛ السلفي الذي آمن بالتراث في صيغته الماضوية واستدعاه ليُقوِّم به الحاضر المنحرف بزعمه، والليبرالي الذي استدعى المنظومة الغربية واعتبرها مدينته الفاضلة، والقوْمي الذي وجد في قضايا الهوية والأمة ملاذَه الأخير من أجل الإجابة عن كلّ سؤال حارق. وإذا كانت الأجوبة تتباين انطلاقا من المنظور الذي يؤسِّس به كلّ تيار رؤيته للإصلاح، فإنَّ كلّ الرؤى تشترك في العلة ذاتها؛ إذ تنطلق جميعاً من مسلَّمات مسبَقة لا تقبل المساءلة، وتعمل على تسويغ مواقف لا على اكتشاف حقائق. والآلية التي يرصُدها الجابري بوضوح هي ما يمكن تسميته بالاستدعاء التوظيفي للتراث؛ فالنهضويون لم يتعاملوا مع الموروث بوصْفه موضوعاً للدراسة النقدية، بل استدعَوْه بوصفه حجة في نزاعات الحاضر. فتحوّل الماضي إلى مرآة يرى فيها كلَّ تيّار صورته الخاصة، ويقرأ فيه ما يريدُ إثباته سلفاً. وتترتب على هذا الاستدعاء آلية أخرى لا تقِلُّ خطورةً، هي المُطابقة الزائفة بين المفاهيم؛ حين يُقال إن الشُّورى هي الديمقراطية، وإن الزكاة هي الاشتراكية، وإن الاجتهاد هو العقلانية. هذه المطابقات تبدو توفيقاً بين الأصالة والمعاصرة، لكنها في الحقيقة تُفقد المفاهيم دقتها وتُعفي العقل من مشقة التفكير الحقيقي.

وبالعودة من جديد إلى علي مبروك نجده يؤكِّد على البُعد السياسي في الخطاب النهضوي، فمع نهايات القرن التاسع عشر بدا جلياً أن حلْم التمدُّن قد تبخّر، وأنّ مصر تسير نحو الوقوع تحت الهيمنة الأوروبية التي انتهَتْ باحتلالها. وقد كشَف هذا الواقع المرير عن أزْمة عميقة في طريقة تعامل العالم الإسلامي مع الحداثة، وانعكس ذلك بالضرورة على فهْم الشريعة والتَّعامل معها. في هذا السياق انقسم المفكِّرون المسلمون إلى مسارين متباينين؛ فالأفغاني استدعى الشريعة دِرعاً واقية للهوية الإسلامية المهدَّدة بالاقتلاع، فيما رأى محمد عبده أن الأزمة ليستْ في الحداثة بل في الفهم الجامد للإسلام ذاته، وأصرَّ على ضرورة مقاربة عقلانية منفتِحة تجعل الإسلام متسقاً مع متطلبات العصر. وقد تباينت التجارب بحسب السياق الجغرافي والتاريخي؛ ففي مصر التي لم تعرف صداماً حادّاً مع الحداثة كالذي عرفته الهند، ساد الميل إلى إصلاح الشريعة من الداخل وجعلها منسجمة مع التمدن الحديث. أما مسلمو الهند الذين عاشوا الغزو الأوروبي بكل ثقله على الحكم والقضاء والإدارة، فقد لجأوا إلى استحضار مفاهيم الشريعة الوسيطة سلاحاً للدفاع عن هويتهم المهددة، حتى وصل بهم الأمر إلى توظيف فكر ابن تيمية لإعلاء مبدأ تميّز المسلم وخصوصيته في مواجهة الآخر[10].

حينما تصير السّياسة هي المجال المهيمن على خطابنا، ينجذِب الجهد الفكري نحو ما هو آنيٌ وإجرائي، أي أن هناك حضور مكثَّف لكل الموضوعات المتعلقة بالدّولة والسلطة وموازين القوى ومظاهر التقدُّم الخارجية. أما الشروط المعرفية العميقة التي كانت سببًا في هذه المظاهر، فيُمكِننا الجزم بأنّها كانت خارج سياق الاهتمام. وهو الشيء الذي رأيناه بجلاءٍ في كيفية تعامُل الخطاب النَّهضوي العربي مع ما أفرَزَتْه الحداثة الأوروبية من مظاهر الحداثة. ففي الوقت الذي استوْرد فيه الخطاب العربي كلَّ المنتجات الحداثية الأوروبية في السياق العربي والإسلامي، كان في الجهة المقابلة بعيدا عن امتلاكه للعقل الذي أبدعها والمنطق الذي أوْجدها. وهنا بدأ ظهور الخطاب الذي يزاوج بين أدوات العصر الحديث وعقلية الموروث التقليدي، بالرّغم من وجود تبايُنات واضحة بين كلا العقليتين. وإذا أردنا أنْ نكون أكثر دقة في تجلية هذا الخطاب التلفيقي، وجب التذكير ببعض التجارب الإصلاحية التي قادها مفكّرون ومثقفون نهضويون كبار، فرفاعة الطهطاوي في الوقت الذي أُعجِب بالنظام الدستوري الفرنسي، كان يؤمِنُ بالتصور التقليدي للحاكم باعتباره ظلّ الله في الأرض الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون. ثم جاء جمال الدين الأفغاني الذي وجد نفسه يدافع عن دين يتّهمُه الآخرون بالتخلف والانحطاط والانحدار، فحاول أن يُقِيم حاجزا بين ما يعتبره إسلاما أصيلا نقيًّا وإسلاما منحرِفًا ساهم في إفساده أهلُه والمتآمرون عليه، كما جعل الإصلاح رهينًا باستعادة ذلك الأصل المفقود. غير أنَّ التأمُّل الدقيق كما يؤكِّد علي مبروك يكشِف أن هذا “الأصل” المنشود لم يكن خارج الخطاب المهيمن قط، بل كان أحد وجوهه وتأويلاته. ففي مسألة الجبْر والاختيار مثلًا، رفض الأفغاني الجبر الصريح متكئًا على نظرية الكسب الأشعرية[11] دليلًا على فاعلية الإنسان وحريته، غير أن الكسب في عمقه لا يعدو أن يكون جبرًا ملطّفًا؛ فالفعل يُنسب شكلًا إلى الإنسان لكنه في حقيقته مخلوق لله وحده، وقدرة الإنسان لا استقلال لها، إذ تُثبت الحرية باللسان وتُنكرها في الواقع[12]. وهنا تتكشف المفارقة الصارخة، وهي عجز الفكر الإصلاحي أن يقيم شأنا للإنسان كما وعد بذلك، خاصة أنه انتهى إلى نظرية تسلبه هذه الفاعلية من جذورها. بل إن هذا التصور-نظرية الكسب- يُرسي في عالم السياسة ما يشبه مبدأ “الفاعل الأوحد”؛ فكما أن الله وحده هو الفاعل الحقيقي في المنظومة العقدية، يغدو الحاكم وحده الفاعل الحقيقي في المنظومة السياسية، فيما يتحول الناس إلى مجرد أدوات تُنجز بها إرادة فوقية. والمعضلة لا تكمن إذن في مُفردة الجبر بعينها، بل في نظام خطابي كامل يُفرز رؤية للإنسان باعتباره أداةً لا ذاتًا حرة.

أما حينما نصل إلى تلميذ جمال الديني الأفغاني وهو محمد عبده فقد كانت رؤيته أكثر وعيًا وعُمقا من سابقيه إذ نادى برؤية إصلاحية تتناغم مع متطلّبات العصر والإشكالات التي يطرحُها، وأدرك أن بلوغ مكتسَبات الحداثة لا تأتي فقط باستيراد منتجاتها، بل أيضا بالعمل على تطوير البِنية الذهنية والفكرية المرافقة لهذه المنجزات، خاصّة تلك المنظومة الفكرية القائمة على تحرير الفكر الديني من قيوده، والانفتاح على مفاهيم التعدد والاختلاف مستوحيًا تجربة الإصلاح البروتستانتي التي حطَّمت احتكار التأويل الواحد كما مرّ معنا سابقًا. بيد أنَّه هو الآخر لم يُنجز القطيعة الجذرية مع الخطاب الموروث، حيث ظلَّت محاولته تتأرجَح بين الأشعرية والاعتزالية، وبين فهمَيْن متناقضيْن للاختلاف، دون أن يبلُغ إلى وحدة منطقية متماسكة. وهذا يقودُنا إلى خلاصة جوهرية، وهي أنّ فشَل المشروع الإصلاحي العربي والإسلامي لم يكن بالأساس متمثِّلا في سوء النوايا، أو التقديرات الخاطئة فحسْب، ولكن لأن هذا المشروع نبَت في بيئة فكرية وثقافية حاولَتْ أن تشتغِل وتعمل ضمن المجال ذاته الذي كان سببًا حقيقيا في المأزق الفكري الذي ما زلنا نعيشه، فاستبدلوا مضمونًا بآخر، ورأيًا فقهيا بمثيله، وعقيدةً بما يشبِهها دون أن يمسُّوا القاعدة التي تنظّم الجميع. وهكذا فإنّ أي مشروع إصلاحي ديني يحاول تجديد وتحديث المنظور الديني لا يمكِن أن يحقق غاياته بإحلال الكسْب محلَّ الجبْر، ولا بإلصاق مفهوم حديث على جوار تصوُّر عتيق، بل بكسْر البِنية العميقة التي تُصوّر الإنسان أداةً والسلطة فاعلًا أوحدًا. فما لم تُعد صياغة العلاقة بين الإرادة الإنسانية والحرية والمسؤولية من أساسها، فإنّ كل تجديد لن يكون سوى زخرفة جديدة تُضاف إلى جدار متصدِّع. وكأنّ سؤال الإصلاح الجدِّي يتجاوز منطق المُجاورة أو منطق التلفيق والتجزيء، إلى مساءلة البِنية نفسِها من جذورها، وذلك لأنّ الأزمة تكمُن في البِنيات والأسُس، وليستْ وليدة المُخرَجات والنتائج فقط. وما لم يُمسّ هذا المنطق، سيظلُّ الإصلاح يدُور في دوَّامته، يُعيد إنتاج أزمتِه في الوقت الذي يظنُّ أنَّه قد تجاوَزها.[13]

  • الأزهر بين حراسة المذهب وتحرير النص

يواصل علي مبروك توجيه سهام النّقد لمؤسَّسة الأزهر باعتبارها مؤسَّسة معنية بالشأن الديني، ومؤَمَّنة على حمْل مشروع الإصلاح الديني، غير أن هذا النقد غالبًا ما كان يقرأ في سياق مشبَع بالتّحامل الإيديولوجي، والتهميش الثقافي الممنهج والمقصود، حيث نظرَتْ المؤسَّسة الأزهرية إلى هذه الإشارات على أنَّها رغبة من الباحث في تأليب الرَّأي العام عليها، أو على الأقلّ التقليل من أهميتها أو ضرورتها في سياقٍ موتور عربيا وإسلاميا وعالميا. ومن بين الإشارات الهامة في مشروع علي مبروك والموَجَّهة إلى مؤسَّسة الأزهر، تلك الإشارة التي أكَّدتْ على أنَّ الأزهر لم يكُن يومًا مؤسَّسةً دينيةً بمعزل عن السياسة وتوازُنات السلطة، وهذه هي الإشارة نفسُها التي تحدَّث عنها عبد الجواد ياسين في مقالته السَّابقة، ونحن نحاول التأكيد عليها هنا. فقد تمَّ تأسيسُه من طرف الدَّولة الفاطمية التي اعتبرتْهُ منبرًا لمذهبها الشيعي، إلى أنْ جاء المماليك فحوّلوه أداةً لنشْر المذهب السني، ثم واصل أداء دوره في كل فترة زمنية معينة، يخدُم من يحكُم ويُضفي على سلطته شرعيةً دينية. ومن هذا التاريخ الطويل تكرَّسَتْ في بنيته فكرة أن الدين لا يُمثَّل إلا من خلال مذهب بعينه، لا من خلال انفتاح حر ومباشر على النص المؤسِّس ذاته. غير أن المذهب، مهما بلغَتْ مكانته، لا يمكن أن يحلَّ محل الدين، لأنه في نهاية المطاف هو تعبير من تعبيرات الدين، واجتهادات عقل بشري محكوم بعوامل الزمان والمكان والاجتماع البشري. أي إنه تركيب بشري تتفاعل فيه نصوص الوحي مع شروط الواقع وموازين القوى. ولذلك فإنَّ الإصرار على مطابقة المذهب للدّين مطابقةً تامة يحوّله من اجتهاد بشري قابل للمراجعة إلى مُطلَق مقدَّس لا يُمَس، يُقاس به غيره ويُدان سواه.

ما يشير إليه هنا علي مبروك سبق وأنْ طرحه محمد سعيد رمضان البوطي بشكل واضح حين كتب كتابه الشَّهير:” اللامذهبية أخطر بدعة تهدد العالم الإسلامي “[14]، وهو يؤسّس للتقليد، والاتباع، والمذهبية الدينية، بدَل فتْح النص والدين على أبعاده الإنسانية المتكاملة. وفي ذلك يقول البوطي:” وقد علم كل عاقل في الدنيا أن الناس جميعا لو عرفوا كيفية اتباع المعصوم والوسيلة إلى فهم المراد من كلامه لما انقسموا إلى قسمين مقلدين ومجتهدين، ولما قال الله للصنف الأول فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، فقد أمرهم باتباع أهل الذكر مع أنهم غير معصومين، ولم يأمرهم بالرجوع إلى ألفاظ الكتاب والسنة مع أنهما معصومان “.

ولعل الخطورة التي يشير إليها نص البوطي هي أنَّه حين يتحوَّل المذهب إلى إطار كلّي شامل يحكُم الفهم ويُنتج المعنى، يغدو الإصلاح داخله أمرًا عسيرًا. إذ لا يعدو أن يكون استبدال قول بآخر دون المساس بالبِنية العميقة التي تُنتج الأقوال وتمنحُها مشروعيتها. وهكذا يتحوَّل ما يُسمى إصلاحًا إلى مجرد ترقيع، فيما يظل النسق الحاكم على حاله. وهذا ما سيدفعنا للوقوف مع النص السابق وقفة تأملية نحاول من خلالها إبراز أوجُه الضعف فيها والتناقض الحاصل في بِنيتها. ولفهم طبيعة هذا الخلاف، لا بد من الوقوف عند تعريف البوطي للمجتهد والمقلِّد. فالمجتهد عنده هو القادر على تخيُّر الأدلة واستنباط الأحكام منها، وهو في هذا يشبِه الطبيب المتخصِّص الذي يميِّز بين الأقوال ويضعُها في موضعها الصحيح. أما المقلّد فهو العاجز عن ذلك، وهو يمثِّل عنده السواد الأعظم من الناس الذين يجب عليهم اتباع المجتهدين دون مناقشة أو تمحيص.[15]

غير أن هذا التقسيم يمثل خللًا جوهريًا، إذ إن التقليد الحقيقي ليس مجرد العجز عن الاستنباط، بل هو قبول قول بلا دليل والدفاع عنه والتعصب له كأنه حقيقة مطلقة. أما الاتباع، وهو الأخذ بالدليل واتباع الحجة حيثما وُجدت، فهو شيء مختلف تمامًا، بل هو مطلوب ومحمود، وقد أشار إليه القرآن الكريم صراحةً في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ۝ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: 17–18). وهنا يكمن الخلط الذي وقع فيه البوطي حين أسقَط هذه الفئة الثالثة من حسابه وألحقها قسْرًا بالمقلدين.

ولا يقف النقد عند هذا الحد، بل يمتدُّ إلى مناقشة الأدلة النقلية التي استند إليها البوطي. فقد وظّف آية:” فاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ الأنبياء 7، ليُرسّخ فكرة وجوب تقليد العلماء والرجوع إليهم في كل صغيرة وكبيرة. بيد أن هذا التوظيف يُبيّن على أنه مبني على انتزاع الآية من سياقها الأصلي، ذلك أن الآية نزلت ردًا على المشركين الذين أنكروا أن يكون الرسول بشرًا، فطُلب منهم الرجوع إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى ليتأكدوا أن الله أرسل من قبل رسلًا من البشر. فـ”أهل الذكر” إذن هم أهل التوراة والإنجيل في هذا السياق بالذات، لا علماء الفقه الإسلامي كما أراد البوطي أن يُوهم. وهكذا يتكشّف النمط الذي يسير عليه البوطي في بناء حججه؛ إذ يلجأ إلى انتزاع النصوص من سياقاتها وإسقاطها على معانٍ لم تُقصد لها، وذلك كله في خدمة فكرة مركزية واحدة هي تكريس التقليد وإغلاق باب الاجتهاد أمام عامة المسلمين. وهو بذلك لا يحرر العقل المسلم، بل يُحكم قيوده، ولا يفتح أمامه آفاق التفكير، بل يُسلّمه إلى سلطة المجتهدين تسليمًا لا رجعة منه، في حين أن الإسلام في جوهره لم يجعل بين الإنسان وبين ربه وسيطًا لا يُناقَش ولا يُراجَع.

لن نكون مبالغين بأن المنزلق الخطير الذي وقع فيه البوطي من خلال كتابه السابق، هو حين دعا الناس إلى التقليد والتسلف، مستشهدًا بالآية الربانية التي تنهى عن اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ۖ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ التوبة 31، وهو بذلك يرفع راية الدين ليُسوّغ ما يتناقض مع روحه في الجوهر. فحين يأمر البوطي المقلد بالرجوع إلى الكتاب والسنة، يبدو الأمر في ظاهره دعوة صحيحة ومشروعة. لكن هذه دعوة مجوّفة من الداخل، إذ إن المقلد حين يرجع إلى الكتاب لا يرجع إليه ليفهم مراد الله مباشرة، بل ليسأل العالم المجتهد عن رأيه فيه. وهكذا يتحوَّل الرجوع إلى النص إلى رجوع إلى العالِم في نهاية المطاف، ويغدو القرآن الكريم مجرد ذريعة للوصول إلى رأي المجتهد لا إلى مراد الله. وهذا ما يفضحه القرآن ذاته حين يقول “﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ محمد 24، ثم يضيف ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ص29 ، فالتدبر المطلوب ليس بالوكالة عن العلماء، بل هو فعلٌ عقلي مباشر يمارسه كل إنسان بنفسه. أما فيما يخصُّ الاحتجاج بأن “أهل الذكر” في الآية يعني العلماء، فيردُّ الكاتب بأن هذا الفهم يتجاوزُ منطق الاصطلاحات القرآنية ذاتها. فكلمة “الذكر” في سياقها الأصلي تعني الكتب السماوية، وأهلُها هم من يحمِلون هذه الكتب ويتلونها. فضلًا عن ذلك، فإن توظيف هذه الآية لتكريس مفهوم التقليد الفقهي هو في حقيقته توظيف لإقصاء الإنسان العادي من القدرة على التفاعُل المباشر مع نصوص القرآن، وتحويل الثقافة الفقهية التقليدية إلى حارس أمين لا يمكن تجاوزه.[16]

وبالعودة إلى علي مبروك وعلاقته بالأزهر، فهو يؤكد بأنّ هذا الأخير خرج من التجربة الفاطمية مثقلا بجروح عميقة، كشفتْ عنها تحوُّله إلى مؤسسة شبْه سياسية، غايتها هي تبرير السياسات المتتالية لمن يحكِم سيطرته على مقاليد الدولة، سواء من هذا الاتجاه أو ذاك؛ فقد أُغلقت أبوابه وعُطِّلت صلاة الجمعة فيه ردحًا من الزمن، حتى بُعث في عهد المماليك أشدَّ التصاقًا بالمذهب السني، وتحديدًا بالفقه الشافعي والعقيدة الأشعرية. ومع تعاظم الأوقاف وتوطيد علاقة العلماء بالدولة، ترسّخ هذا التطابق بين المؤسَّسة والمذهب، حتى صار الأزهر حارسًا أمينًا لنسق مغلق يستمد شرعيته من رعاية السلطة ويستمدُّ بقاءه من الدفاع عنها. وقد حاول بعض أعلامه، كمحمد عبده ومحمود شلتوت، كسْر هذا الانغلاق، لكن جهودهم بقيتْ فردية لم تصمد أمام صلابة البنية الكلية التي تحكم المؤسسة. وفي قلْب هذه البنية يقبعُ المذهب الأشعري بمبدئه القائل بانفراد المطلق بالفعل الحقيقي في العالم، وتراجُع كل ما سواه إلى مجرد أدوات وعلامات. وفي السياسة، يتجسد هذا التصوُّر في مركزية الحاكم بوصفه الفاعل الأوحد. وينعكس ذلك على العقل ذاته فيجعله عقلًا لاهوتيًا دائريًا ينطلق من الإيمان بالمطلق ليعود فيثبتُه، بدَل أن ينفتح على اكتشاف القوانين والعلل في العالم.

وخطورة هذه البنية من منظور علي مبروك هي أنَّها صارت بالفعل هي العدسة أو النظارات التي من خلالها يتمُّ قراءة النص القرآني. وبالتالي تحوَّل هذا النص إلى خادم وموظَّف وأداة في يد الفقيه والسياسي يوجِّه نصوصه إلى الغاية التي تحقق السلطة والحكم والهيمنة، ولم يعُد ذلك الفضاء الرحب الذي يسعى إلى تحرير الإنسان من الجمود والتقليد والاندحار القيمي والأخلاقي. ولعل أوضح مثال على ذلك ما جرى لآية ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ البقرة 256، التي حوصرت دلالتها من كل جانب؛ فقيل إنها منسوخة، أو مخصوصة بحالة بعينها، أو مقيَّدة بشروط تجرُّدها من معناها. وبهذا لم يعُد الإنسان قادرا على استنطاق النص للاستفادة من دُرره ومعانيه والأفق الذي يمنحه أمامنا من الحرية العقدية والدينية، بقدْر ما صار المذهب والتفسير والفقه هو المتحكِّم في النص والمستحكِم في زمام تأويله وتفسيره نحو الوجهة التي يراد تكريسها وهيمنتها. من هنا يتبين لنا أن الأزمة ليست في نصوص القرآن في الكثير من القضايا المعرفية أو المثيرة للجدل، بل في تلك البِنية المعرفية التي حاولتْ ولا تزال أن تؤطر الفهم القرآني داخل نسق مغلق من الاجتهادات البشرية. وبالتالي فحين يستحضر الأزهر اليوم آيات الرحمة والسماحة في بياناته، يبقى هذا الاستحضار منقوصًا ما لم يقترن بجرأة تفكيك الخطاب الذي يحرُسه. إذ لا يكفي توظيف النصوص الجميلة في مناسبات التهدئة، وهي في الوقت ذاته أسيرة قراءة مغلقة تُفرغها من طاقتها التحريرية.

ويبقى السؤال الجوهري مطروحًا بكل ثقله: هل يملك الأزهر الشجاعة المعرفية ليعيد النظر في الخطاب الذي شكّل هويته عبر قرون؟ وهل يستطيع أن يتحرّر من إرْث المذهبية الضيِّقة ليمنح النصَّ فضاءه الرحب؟ إن الجواب لا يخص مؤسَّسة بعينها، بل يمسُّ مصير علاقة المسلمين بكتابهم من الأساس، وإمكانية بناء عقلٍ قادر على الجمع بين الإيمان والحرية، وبين النص والتاريخ، دون أن يطغى أحدهما على الآخر. الجواب ضمنه علي مبروك كتابه “السلطة والمقدس” بعنوان: “الاستخلاص الأخير”، وهو يتحدث عن واقعنا العربي وغياب الديمقراطية عنها، إذ يعتبر أن هذا الواقع ليس مصادفة ولا قدراً، بل هو نتيجة حتمية لخطاب تراثي تجذّر فيه التسلط حتى صار ثابتاً بنيوياً، وخطاب معاصر لا يعرف إلا النبذ المتبادل بين تياراته دون أن ينتج معرفة حقيقية. وما لم يُدرك هذا الجذر العميق ويُفكَّك، فلا معنى للحديث عن أفق ديمقراطي. والمدخل الحقيقي لهذا التفكيك ليس الدعوة السياسية ولا بناء المؤسسات والدساتير، وإن كانت ضرورية، بل الحفر المعرفي في بنية الثقافة ذاتها التي تُنتج التسلط وتُعيد إنتاجه. فالأزمة لا تقيم في الواقع السياسي، بل في ثقافة لا تعرف غير الإقصاء والنفي، ولا تُتقن النقد والتفاعل والاستيعاب. وهذا يعني أن نقد الاستبداد السياسي وحده لن يُجدي ما لم يُقترن بنقد ثقافة الاستبداد في العمق. فالخطاب الذي لم يتحرر من منطق التسلط في بنيته المعرفية لن يُنتج غير الاستبداد حتى حين يُفكر في الديمقراطية. ومن هنا فإن الأفق الممكن للتحول الديمقراطي في العالم العربي هو أفق الثقافة لا السياسة[17].

  • القرآن في خدمة السلطة: آليات الإطلاق والتعالي في الفكر الإسلامي

من المواضيع المثيرة للجدل في مشروع علي مبروك الفكري، تلك الرُّؤية المنبثِقة من علاقة الإنسان بالقرآن، فكما هو معلوم ظلَّ النصُّ القرآني مختطَفا في فترات زمنية مختلفة ومن تيارات متعددة، كل يحاول أن يقرأه ضمْن دائرة اعتقاده، أو فهْمه للوجود، أو طبيعة السّلطة التي يسعى إلى إنتاجها أو إعادة إنتاجها. ولهذا ظلَّ علي مبروك يميِّز بين النص القرآني كمجال مقدَّس، وبين التأويلات والاجتهادات والتفسيرات التي أنشِئت حوْله. ولعل ما أشار إليه في كتابه نصوص “حول القرآن” يفيدنا في هذا المقام، فبالنسبة إليه، فالعلاقة بين الإنسان والنص القرآني، أو بين الإنسان والمقدَّس، قد تصير خطراً حين تتحول الفكرة إلى مطلق. وللتوضيح فالخطر لا يكمُن في الفكرة ذاتها، بل في الطريقة التي يُعاد تشكيلها بها داخل الوعي، والعقل الجمعي والذهنية الإنسانية. فكل فكرة تُولد في سياق، وتتفاعل مع واقع، وتكتسب معناها من حركتها داخل التاريخ. غيْر أن ما يمكن تسميته بـ”الإطلاق” هو اللحظة التي تُنتزع فيها الفكرة من شروطها الزمنية والإنسانية، وتُرفع إلى مقام مفارِق، فتتحوَّل من طاقة مفتوحة إلى نموذج مكتمل، ومن أفقٍ للتحرر إلى أداة للهيمنة.

هذا الإطلاق الذي تحدث عنه علي مبروك في هذا السياق هو ما أشار إليه نصر حامد أبو زيد ضمن كتابه “نقد الخطاب الديني”، وسمّاه بالتوحيد بين الفكر والدين[18] ، ومفاد هذه الإشكالية حسب أبي زيد هو أنَّه منذ فجْر الإسلام كان ثمة وعي راسخ بأن النصوص الدينية لها مجالها الخاص، وأن ثمة مجالات أخرى تُرِك فيها للعقل البشري والخبرة الإنسانية، وهو ما جسّده مبدأ “أنتم أعلم بشؤون دنياكم”. غير أنَّ الخطاب الديني المعاصر مع تزايُد المدِّ الأصولي، والتيارات السلفية بمختلف تلاوينها تتجاهل هذا التمييز وتمدّ فاعلية النصوص لتشمل كل شيء، بل تتجاوَز ذلك إلى ما هو أخطر؛ إذ يصير هناك توحيدا بين النص الديني وبين الفهم الخاص للمجتهد أو المفسِّر أو الفقيه، فيمحو المسافة بين قراءته البشرية وبين المقصد الإلهي، متحدثاً باسم الله دون أن يدرك خطورة هذه المنطقة التي تحاشى الخطاب الإسلامي عبْر تاريخه الاقتراب منها.

ومن أبرز تجليات هذا الخلط أن صار الأصوليون والمتحدثون باسم “الإسلام” يتكلمون عنه بصيغة القطع واليقين الدّوغمائي دون تنسيب، غير مدرِكين أنهم لا ينتجون سوى فهمهم للنص، وإدراكاتهم لأبعاده ومعانيه. ولعلَّ محاولتهم اليائسة اختزال الدين في بُعْد واحد، وفهْم واحد، متناسين ومتجاهلين مبدأ التعدد والاختلاف، ينسِف كل القاعدة التي بنيَتْ عليه هذه الأفهام، خاصة أنها أقوال واجتهادات تخالف ما استقرَّ عليه التاريخ الإسلامي نفسه الذي شهد تنوعاً حقيقياً في وجهات النظر. وهذا الإصرار على الأحادية يُفضي إلى نتيجتين خطيرتين:

الأولى: أن للإسلام معنىً ثابتاً لا يتأثر بحركة التاريخ ولا باختلاف المجتمعات.

والثانية: أنّ هذا المعنى يحتكره فريق من العلماء مبرَّؤون في نظر أنفسِهم من كل تحيُّز وهوى. وينتهي هذا الخطاب في المُحَصِّلة إلى تكريس نوعٍ من الكهنوت الديني الذي يجعل العلماء مرجعاً أخيراً لا يُطعن فيه، بل يصل إلى اشتراط التلقي الشفاهي المباشر عنهم. والمفارَقة أن هذا الخطاب ذاته ينكِر من حيث المبدأ وجود أي سلطة مقدَّسة في الإسلام، بينما يُكرّسها على أرض الواقع. وهذا التناقض بين المبدأ والممارسة هو ما يكشف عن طبيعته الأيديولوجية التي لا يكُفُّ عن إنكارها.

وإذا عدنا للعلاقة التي بدأنا منها هذا المبحث يصبح السؤال عن القرآن سؤالاً يتجاوز طبيعته اللاهوتية إلى بنيتِه التاريخية حسب علي مبروك: كيف يُقرأ؟ وكيف يُحوَّل من خطاب متفاعل إلى مرجعية مغلقة؟ فالقرآن، من حيث هو وحي نزل بلغة معينة وخاطب مجتمعاً بعينه، منخرط في العالم لا منفصل عنه. وبالتالي فنحن بإزَّاء كتاب منزَل باللغة العربية، هذا النزول يقتضي دخوله في شبكة دلالية وثقافية محددة، واستجابته لوقائع مخصوصة ومحكومة بشروط تاريخية محددة. ومن ثمة، فإن التّعالي الذي يُضفى على النص القرآني، ويتجاوز به حدود التاريخانية، هو في الحقيقة محاولة لإضفاء الشرعية على أفهام تاريخية صدَرتْ وأنتجَتْ وِفق شروط ثقافية وفكرية عبَّرتْ عن السقف المعرفي الذي كان يحرِّك الفاعلين فيها.

هذه الآلية ظهرَتْ مُبكِّراً مع التحوُّل من التفكير بالرأي إلى التفكير بالأصل. خاصة مع التجربة الإسلامية الأولى التي اتَّسمت بقدْر كبير من الحيوية والاجتهاد. فالصحابة مثلًا لم يشتغلوا بنموذج نظري مكتمل يرُدُّون إليه الوقائع، بل كانوا يتحرَّكون في ضوءِ المصالح الكُليَّة ويتعاملون مع الواقع مباشرة. غير أن هذا الانفتاح سُرعان ما انقلب إلى نوع من المعيارية؛ فبدَلاً من التعامل مع التجربة بوصفها حدَثاً تاريخياً مشروطاً، جرى استخلاصها وتحويلها إلى أصل متعالٍ يُقاس عليه كل جديد. وهكذا أفرِغ التاريخ من تاريخيته، وتحوَّلتْ الممارسة إلى مثال واجب التكرار. أما في المجال السياسي، فقد كان هذا التحول كبيرا وغاية في الوضوح. فالسلطة في بداياتها لم تكن محكومة بنظرية مكتملة، بل عرفَتْ تعدُّداً في الصِّيغ والآليات. لكن لاحقاً جرى تقديم هذه التجربة في صورة نموذج شرعي مكتمِل، يُستدعى لتثبيت أنماط حكْم لاحقة. وبالتالي وجدَتْ المجتمعات مع سيادة هذا النوع من التفكير، نفسَها أمام إشكالية يمكِن تسميتها بالقرآن في خدمة السلطة، لا لأنه يفرض ذلك، بل لأنَّ فهمَهُ يُعاد تشكيله ليؤدي هذه الوظيفة.

لم يكتفِ الأصوليون عند هذا الحد، بل امتدَّ التعالي في منظورهم ليطال فهمهُم وتصوُّرهم للقرآن ذاته. فبدلاً من النظر إليه كخطاب متشكِّل في العالم، جرى نقلُه إلى مستوى ميتافيزيقي سابق على التاريخ. وبالتالي صِرنا أمام نصٍّ مفارِق للزمان والمكان، لم يتكلَّم به البشر، بل صفة قديمة قائمة بذاتها. هذا الانتقال لم يكُن لاهوتياً خالصاً، بل كان يحمل بعْداً سياسياً واضحاً؛ إذ إن رفْع النصِّ إلى مقام المطلق المتعالي يتيح لمن يحتكِر تفسيره أن يحتكر السلطة أيضاً. فمن يملك الدلالة يملك الشرعية. وظهرَتْ إشكاليات عميقة في علاقة الإنسان بالقرآن، وأثيرتْ قضايا خطيرة مزَّقتْ الجسم الإسلامي، كمسألة خلْق القرآن وقِدمه، حيث لم تكن هذه القضية مسألة نظرية محضة، بل كانت تعبيراً عن صراع على موقع الإنسان في إنتاج المعنى. فإذا كان الكلام قديماً قائماً بذاته، فإن الفهم البشري يغدو مجرد تلقٍّ، لا مشاركة. وهكذا يُسحب الإنسان من ساحة الدلالة ليصبح وعاءً لا فاعلاً. أما إذا نُظر إلى القرآن بوصفه فعلاً إلهياً متَّجهاً إلى بشر بعينهم، فإن معناه يتشكل في التفاعل، ويظل مفتوحاً على التاريخ.

ويواصل علي مبروك تفكيكه لهذه البنية المغلقة ليؤكِّد أن بنية التعالي أيضاً تتجلَّى في الخطاب الكلامي الذي سعى إلى إنتاج مركز مرجعي واحد يحتكر تمثيل “الإيمان الصحيح”، والإسلام الحق، والفرقة الناجية، والطائفة المنصورة. وبما أننا أمام بنية اختزالية واحتكارية للحق في الاجتهادات الذاتية، فإن كل اختلاف يُعاد تعريفه بوصْفه انحرافاً، وتجسيدا، لمفهومي “السنة والبدعة” لا كتنوع مشروع، بل كتراتبية رمزية تُقصي المخالف، وتنجز فعلاً إقصائياً حين تتحول “عقائد إيمانية” إلى “العقائد” الحصرية التي لا إيمان خارجها. والمفارقة حسب علي مبروك أن الحداثة العربية أعادت إنتاج هذه الآلية ذاتها. فبدلاً من النموذج السلفي، جرى تبنِّي نموذج غربي جاهز، دون تفكيك بنية التفكير النمذجي. وصار العقل الديني مشتغلا بالإلحاق، لا بالتحليل البنيوي لشروط إنتاج النماذج ذاتها. فالحداثة ليستْ أدوات تقنية تُستعار، بل رؤية شاملة للكون والوجود والآخر يتطابق فيها البُعد الأداتي مع الفلسفي. وحين يُفصل أحدهما عن الآخر، تُختزل التجربة إلى قشرة بلا روح. ولهذا فكل تعالٍ أنطولوجي يجعل الحقيقة قائمة خارج التاريخ، ينتج تعالياً إبستيمولوجياً يجعل المعرفة إلحاقاً بالأصل، ويؤدي إلى رؤية تكرارية للتاريخ تجعل الحاضر إعادة إنتاج للمثال، وتختزل الثقافة في نموذج مركزي، يصبح فيه الواقع تابعاً لا منتجاً.

ولكي نواجه هذه البِنية المغلَقة والمتعالية والمتجاوزة لشروط إنتاجها، تبرُز الحاجة إلى إعادة التفكير في العلاقة مع القرآن من منظور “القرآن من أجل الإنسان”. وهذا لا يعني إخضاع النص للهوى، بل التمييز بين مستويين داخله: مستوى تأسيسي يتصل بالقيم الكبرى كالعدل والمساواة والكرامة، ومستوى إجرائي يتمثَّل في الصيغ الجزئية التي تجسَّدت فيها هذه القيم ضمن سياق تاريخي محدد. القيم تبقى، أما الصيغ فتتغيَّر بتغيُّر الشروط. وإلا تحولتْ الوسيلة إلى عائق يحجب المقصد. لقد وعى التراث الإسلامي نفسه شيئاً من هذه الديناميكية في مفهوم النسخ، حيث يرتبط الحكم بوقته وشروطه. فالصلاح ليس صفة أبدية لصيغة معينة، بل هو تحقق المصلحة في ظرف محدد. ومع تغير الظروف، يتغير الحكم ليظل المقصد ثابتاً. بهذا المعنى، لا يكون التاريخ نقضاً للوحي، بل مجالاً لتحقق قيَمه في صور جديدة. وهنا لا يعني تحرير الفكر من أسْر المطلق إلغاء الإيمان، بل إعادة الوعي بشرط الإنسان. فالمطلق الإلهي، إن جاز التعبير، ينفتح على التاريخ ولا يلغيه. أما الإطلاق البشري فهو الذي يسعى إلى تجميده وتحويله إلى أداة سيطرة. وحين يدرك الفكر أن المعنى لا يُعطى جاهزاً، بل يُنتج في صيرورة مفتوحة، يمكن أن يبدأ تاريخ مختلف، لا يقوم على تكرار المثال، ولا على احتكار الدلالة، بل على حوار دائم بين النص والإنسان. هناك فقط يتحرر القرآن من أن يكون في خدمة السلطة، ويعود إلى مجاله الطبيعي: خدمة الإنسان.[19]

  • خاتمة:

ونحن في نهاية هذه الرحلة المعرفية مع مشروع أعتبره من المشاريع الرائدة في فضاءاتنا الثقافية والفكرية، يمكننا الجزم أو على الأقل الإقرار بأن علي مبروك هو حالة ضمن حالات فكرية ونماذج ثقافية تستحق منا كل التنويه والإشادة، ليس فقط لأنها كتبت ونادت حتى بح صوتها، وإنما أيضا لأنه واحد من الأصوات الجريئة التي استطاعت أن تقود مشعل التنوير في واقع موتور ومأزوم، وفي ظل سياجات معرفية وثقافية يستحيل معها فعل البوح والقراءة، ناهيك عن فعل الإصلاح والتجديد. إذن نحن لسنا بإزاء مفكر وباحث عادي يكتب في التراث وموضوعات التجديد والإصلاح الديني، بل أمام عقل استثنائي آثر أن يحمل أثقل الأسئلة في زمن اختار فيه كثيرون الصمت أو المجاملة. فقد دخل مبروك معركة التجديد الديني من بابها الأصعب؛ لا من باب الشعارات ولا من باب السجال، بل من باب التفكيك المعرفي العميق الذي يمسّ البنية قبل أن يمسّ المضمون.

كما أن ما بقي من مشروعه بعد رحيله المبكر ليس مجرد كتب تُقرأ وتُوضع على الرف، بل أسئلة حية تظل تحفر في وعينا ولاوعينا، وتستفز العقل للاضطلاع بمهماته الجسيمة؛ لماذا تحوّل الفهم البشري إلى مقدّس لا يُمسّ؟ ومتى صار النص أداةً في يد السلطة بدل أن يكون فضاءً لتحرير الإنسان؟ وكيف يمكن أن نُعيد للقرآن طاقته التحريرية في مواجهة قرون من التدجين والتوظيف؟ كلها أسئلة تكشف أن أزمتنا لا تكمن في النصوص، بل في طريقة قراءتها، وليست في الدين بل فيمن احتكروا تفسيره، وليست في التراث بل فيمن حوّلوه من مجال للاجتهاد والتعدد إلى سجن مغلق يحرس نفسه بنفسه. وهذا الكشف وحده يجعل من مشروعه إضافة حقيقية لا يمكن تجاهلها لكل من يريد أن يفكر جدياً في سؤال التجديد.

غير أن ما يُحزن ويُقلق في آنٍ واحد أن مجتمعاتنا لا تزال تُحارب مفكريها قبل أن تقرأهم، وتهمّش أسئلتهم قبل أن تتأمّلها. فعلي مبروك لم يُسكته الأزهر ولا السلطة، بل سرقه الموت قبل أن يُكمل مشروعه. لكن الأسئلة التي تركها خلفه أعند من أن تموت، وأعمق من أن تُدفن. وربما كانت مهمتنا اليوم أن نواصل ما بدأه؛ لا بتكرار إجاباته، بل بالأمانة لروح أسئلته، تلك الروح التي لا تقبل اليقين الجاهز ولا تطمئن إلى الإجابات المحصّنة بأسوار التقديس.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

[1] – يوسف، هريمة. تفكيك الخطاب الأصولي حوارات مع كبار المفكرين والمثقفين العرب. المكتب العربي للمعارف،ط1،2023 .

[2] – عبد الجواد ياسين مقال مراجعات تاريخية ضرورة سياسية أم عبء تاريخي؟ مناقشة الأزهر والدولة الحديثة مركز تكوين الفكر العربي https://url-shortener.me/DNGQ

[3] – عبد الجواد، ياسين. المقال السابق.

[4] –  يستخدم مصطلح »الخطاب« على نطاق واسع في النظرية والتحليل الاجتماعي، كما هو الحال مثلا في عمل ميشيل فوكوه، للإشارة إلى شتَّى طرائق بناء مجالات المعرفة والممارسة الاجتماعية.

نورمان، فيركلف. الخطاب والنظام الاجتماعي. ترجمة محمد عناني. مؤسسة هنداوي، ط1،2022, ص: 15.

[5] – علي، مبروك. الدين والدولة في مصر هل من خلاص؟. مؤسسة هنداوي،ط1،2024. ص: 11.

[6] – علي، مبروك. الأزهر وسؤال التجديد. مؤسسة هنداوي، ط1،2022. ص: 7.

[7] – سكوت، إتش هندريكس. مارتن لوثر مقدمة قصيرة جدا. ترجمة كوثر محمود محمد. مؤسسة هنداوي،ط1،2012. ص: 15.

[8] – علي، مبروك. الإمامة والسياسة. مؤسسة هنداوي،ط1،2024. ص: 24.

[9] – محمد، عابد الجابري. الخطاب العربي المعاصر دراسة تحليلية نقدية. مركز دراسات الوحدة العربية،ط5،1994. ص: 19 وما بعدها.

[10] – علي، مبروك. مفهوم الشريعة بين تسييس الإسلام وتحريره. مؤسسة هنداوي،ط1،2024. ص: 195.

[11] – يمكن الاطلاع أكثر على النظرية السياسية الأشعرية كما شرحها علي مبروك في كتاب:

علي، مبروك. الخطاب السياسي الأشعري من إمام الحرمين إلى إمام العنف. مؤسسة هنداوي،ط1،2024. ص: 13.

[12] – انظر ما كتبه محمد سعيد رمضان البوطي حول معنى نظرية الكسب في كتابه، الإنسان مسير أم مخير؟، المطبعة العلمية،ط2،2001, ص: 58.

[13] – علي، مبروك. الأزهر وسؤال التجديد. ص: 11.

[14] – محمد سعيد رمضان، البوطي. اللامذهبية أخطر بدعة تهدد العالم الإسلامي. مكتبة الفارابي،ط2، ص 21.

[15] – المرجع نفسه. ص 102 103

[16] – يوسف هريمة. الفكر الديني السلفي وأزمة البنيات المؤسسة. المكتب العربي للمعارف،ط1،2023 .

[17] – علي، مبروك. السلطة والمقدس. مؤسسة هنداوي،ط1،2024. ص: 93.

[18] – نصر، حامد أبو زيد. نقد الخطاب الديني. مؤسسة هنداوي،ط1،2024 . ص: 25.

[19] – علي، مبروك. نصوص حول القرآن في السعي وراء القرآن الحي. مؤسسة هنداوي،ط1،2024. ص: 85.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete