تكوين

“وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ [أي الصّبيّ] بَعْدَ الِانْصِرَافِ مِنِ الْكُتَّابِ أَنْ يَلْعَبَ لَعِبًا جَمِيلًا يَسْتَرِيحُ إِلَيْهِ من تعب المكتب بحيث لا يتعب في اللّعب. فَإِنَّ مَنْعَ الصَّبِيِّ مِنَ اللَّعِبِ وَإِرْهَاقَهُ إِلَى التَّعَلُّمِ دَائِمًا يُمِيتُ قَلْبَهُ وَيُبْطِلُ ذَكَاءَهُ وَيُنَغِّصُ عَلَيْهِ الْعَيْشَ حَتَّى يَطْلُبَ الْحِيلَةَ فِي الْخَلَاصِ مِنْهُ رَأْسًا ” ([1]).

تعليم الصّبيان والعقد اللّعبيّ

يُنسب هذا القول “علّم الصّبيان وهم يلعبون” تارة إلى الرّسول دون أن نجد له أثرًا في كتب الأحاديث والسّنن والمسانيد، وطورًا إلى الجاحظ دون أن نجد في كتبه ورسائله ما يشي بأنّه قائلها. وإن كان قد كتب رسالة في “المعلّمين” ([2]) فإنّه لم يُؤْثَرْ عنه قول في تعليم الأطفال باللّعب، بل إنّ اللّعب الّذي نجده عنده أو عند غيره من الأدباء القدامى، لعب قريب من المعركة. فالعلاقة بين المعلّمين والصّبيان قائمة على العراك المستمرّ. في هذا السّياق أورد ابن الجوزي سلسلة من النّوادر في الباب الثّاني والعشرين “في ذكر المغفّلين من المعلّمين” من كتابه “أخبار الحمقى والمغفّلين” أسند بعضها إلى الجاحظ نورد منها هاتين النّادرتين:

“قال الجاحظ: مررت بمعلّم وصبيانه يتصافعون، وبعضهم يصفع المعلم. فقلت لهم: ما هذا؟ قال: يكون لي عليهم دَيْنٌ، فقلت له: يُنسى ويُقضى لا أراه يحصّل شيئًا […] قال الجاحظ: ومررت بمعلّم صبيان وهو جالس وحده وليس عنده صبيانه. فقلت له: ما فعل صبيانك؟ قال: ذهبوا يتصافعون، فقلت: اذهب وانظر إليهم، فقال: إن كان ولا بدّ، فغطّ رأسك لئلا يحسبوك أنا، فيصفعوك حتّى تعمى”([3]).

وفي الفصل الأربعين “في أنّ الشدّة على المتعلّمين مضرّة بهم“، من الباب السّادس من المقدّمة، يورد ابن خلدون ما يلي: “فينبغي للمعلّم في متعلّمه والوالد في ولده أن لا يستبدّا عليهما في التّأديب. وقد قال محمّد بن أبي زيد في كتابه الّذي ألّفه في حكم المعلّمين والمتعلّمين: “لا ينبغي لمؤدّب الصّبيان أن يزيد في ضربهم إذا احتاجوا إليه على ثلاثة أسواطٍ شيئا“([4]).

وفي كتاب السّيوطي “الإتقان في علوم القرآن” نجد في بعض أبوابه (الباب الثّامن عشر في جمعه وترتيبه) الخبر التّالي:

“وَأَخْرَجَ ابْنُ أَشْتَةَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ يُقَالُ لَهُ أَنْسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: اخْتَلَفُوا في القراءة عَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ حَتَّى ‌اقْتَتَلَ الْغِلْمَانُ وَالْمُعَلِّمُونَ”([5]).

فألفاظ مثل: “يصفع” و”يتصافعون”، و”ضربهم”، و”اقتتل”، يشي بأنّ اللّعب في تعليم الأطفال والغلمان هو بديل المعركة، هذا إذا استحضرنا تصوّر يوهان هويزينغا Johan Huizinga الّذي عرّف اللّعب بقوله الشّهير: “اللّعب معركة، والمعركة لعب“([6]). ولكن بأيّ معنى؟

ها هنا نحتاج إلى إيضاح معنى من معاني اللّعب أطلق عليه روجيه كايوا Roger Caillois لفظ “أغون” Agôn ([7]). فإن كانت كلمة «ἀγών» “الأغون” الإغريقيّة القديمة تعني كلّ شكل من أشكال المنافسة (في الفعل) compétition والمنافرة (في القول) joute oratoire في مجالي الفنّ والرّياضة فإنّها قد اقترنت في سياقها الإغريقيّ بلفظ “بوليموس” «Πόλεμος»، Pólemos ، أي “الحرب” في اللّسان العربيّ. ويبدو أنّ العلاقة بين “البوليموس” و”الأغون” دياكرونيّة عند نيتشه، فقد ميّز فيها بين طورين عرفهما الإنسان الإغريقيّ:

أمّا الطّور الأوّل، فهو الّذي كان فيه طبع الإغريق قاسيًا موسومًا بميْسم الرّغبة المتوحّشة في التّدمير. فقد كانت القسوة الملازمة لكلّ نصر تُمثّل منتهى الغبطة والسّرور. وليست هذه الصّورة الفظيعة القاتمة الّتي رسمها نيتشه، بغريبة على كلّ من له اطّلاع واسع على الثّقافة الإغريقيّة. فقد كانت شائعة في كتب المؤرّخين كلّما وصفوا حماسة الإغريق ووحشيّة طرقهم الحربيّة عندما ينتصرون. فقد كانوا يُمثّلون بأعدائهم من المدن أو القبائل الأخرى شرّ تمثيل.

بَيْدَ أنّ الانتقال إلى الطّور الثّاني لم يرافقه انطماس تامّ لخُلق الإغريق الحربيّة. فقد ظلّ عنف الإنسان الإغريقيّ يتفجّر بكلّ فظاظة في لحظات الانتقام، فتبرز حينها غرائزه الّتي تقودها أهواء وقوى غضبيّة لا يُطفئ عطشها الدّمويّ شيئًا. ويبدو أنّ كلّ ما حصل في هذا الطّور، هو أنّ شراسة ذاك الإنسان وميوله الدّمويّة إلى العنف قد أضحت الأساس الّذي نهض عليه المثال البطوليّ l’idéal héroïque. غير أنّ الانتقال من المثال الحربي إلى المثال البطوليّ لم يخل من الغموض والتّعقيد.

إقرأ أيضًا: الأخلاق الإنسانية

فالتّاريخ الإغريقيّ يُخبرنا بأنّ الكراهية والبغضاء عند بشر أشدّاء من ذوي البأس والبطش، قد تحوّل إلى قوى نفسيّة أرغمتها ضرورة العيش معا إلى الحدّ من غلوائها وتطرّفها. فالكراهية الّتي استخدمت لتحقيق غايات اجتماعيّة صارت تسمّى منافسة rivalité. فالحاجة إلى الاجتماع قد تطوّرت، وصارت بطريقة عفويّة، قوّة قادرة على ترويض تلك القوى النّفسيّة ونزعاتها ونزواتها. تلك القوّة صارت تسمّى الدّولة، وهي شرط وجود الإنسان المدنيّ. أمّا تلك القوى “الغضبيّة” الّتي روّضتها الدّولة، فقد جعلت غرائزها الحبيسة تشتغل، لتبتدع فنَّ حياة جديدًا وأسلوبًا في الوجود فريدًا، وهب لحياة الإنسان الإغريقيّ معنى حقيقيّا لها، ووسم في الآن نفسه حضارة الإغريق بميسم سمّاه جاكوب بروكهارت “الطّبع التّنافسيّ” caractère agonistique.

إذا افترضنا أنّ هذا الطّبع التّنافسيّ هو الأساس الّذي نهض عليه تصوّر اللّعب في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، جاز لنا حينئذ أن ننزّل اللّعب على غرار جاك هنريو Jacques Henriot في تاريخ العقليّات لمّا تساءل “أو لم يكن [اللّعب] بمفرده عقليّة: أي طريقة مخصوصة في تصوّر العالم؟”([8]).

من الشّيّق أن نجد ملامح هذا التّصوّر العربي الإسلاميّ في المأثور من الأحاديث. ففي كتاب “كنز العمّال” نجد حديثين مرفوعين إلى عمر بن الخطاب جاء فيهما ما يلي:

  • “[11386] عن مكحول أنّ عمر بن الخطاب كتب إلى أهل الشام أنْ علّموا ‌أولادكم السّباحة والرّمي والفروسيّة“.
  • [11387] عن زيد بن حارثة أنّ عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الشّام أن يتعلّموا الرّمي، ويمشوا بين الغرضين (أي المسابقة بالعدو) حفاة، وعلّموا ‌أولادكم الكتابة والسّباحة“([9]).

وفي صحيح مسلم جاء ما يلي:

“حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ ثُمَامَةَ بْنِ شُفَيٍّ، أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَقُولُ: “وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ” [سورة الأنفال، الآية 60]، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ”([10]).

فتعليم الصّبيان السّباحة والرّماية والفروسيّة، هي تمارين تهيّئ الصّبيان لخوض الحروب على نحو لعبيّ ينهض في البداية على التّباري والتّنافس([11]). ويبدو أنّ هذا التّصوّر الحربيّ للّعب قد فرضته ظروف الإسلام المبكّر الّذي اختار سبيل الغزو والحرب والفتح، لتثبيت أركان الدّولة زمن الرّسول والخلفاء من بعده. فكانت إيتيقا المحارب هي المتحكّمة في العقد أو الميثاق اللّعبيّ le contrat ludique ([12]) الّذي نهضت عليه قواعد اللّعب التّنافسيّة أو “الأغونيّة” في فجر الإسلام.

والمقصود من مصطلح “الميثاق اللّعبيّ“: هو الامتثال الحرّ لقواعد اللّعب، ليبتدع كلّ لاعب -عن طواعية- العالم اللّعبيّ الّذي اختار أن يكون فيه فور تحوّله إلى لاعب. آية ذلك أنّ العناية بالفرس هي ضرب من اللّعب؛ تجعل من المعتني بفرسه فارسًا عندما يمتثل لقواعد اللّعب وهي، أخلاق الفروسيّة بوصفها تأديبَ النّفس على ركوب الخيل وقت الحرب وفي مناسبات السّباق([13]).

وحتّى ينقلب اللاّعب إلى فارس، وجب أن ينتقل من حال لا لعب فيها إلى حال اللّعب. وهي ضرب من اللّهو المباح. ذلك أنّ الحال الّتي لا لعب فيها، أي حال الجدّ، هي الّتي لا تنصرف فيها النّفس عن ذكر الله. فنفس المؤمن تظلّ باستمرار متّصلة بطقوس العبادات ومقتضيات الحياة اليوميّة. فإذا انقطع ذلك الاتّصال بعالم الجدّ انتقلت إلى عالم اللّعب. وهو انتقال لا يكون إلاّ برخصة نجد صياغتها في سنن النّسائي الكبرى الّذي أورد حديثا استثنيت فيه أربعة أنشطة لا تُلهي عن ذكر الله هي:

“أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحِيمِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ وَجَابِرَ بْنَ عُمَيْرٍ الْأَنْصَارِيَّيْنِ يَرْمِيَانِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لِصَاحِبِهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ اللهِ فَهُوَ لَهْوٌ وَلَعِبٌ إِلَّا أَرْبَعَ، ‌مُلَاعَبَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَتَأْدِيبُ الرَّجُلِ فَرَسَهُ، وَمَشْيُهُ بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ، وَتَعْلِيمُ الرَّجُلِ السَّبَّاحَةَ»([14]).

أنموذجان في التّعليم: المروءة والظّرف

تضبط هذه الأحاديث المأثورة -بغضّ النّظر عن صحّتها من ضعفها- أنموذج المروءة كما تصوّرها الإنسان العربي في العصور الوسطى. وهي عند الإغريق القدامى تقابل لفظ areté الّتي هي صفة النّبيل الأرستقراطيّ. فقد كان الإغريق يرون دائمًا أنّ القوّة والبسالة في القتال، إنّما هما يكونان معًا الأساس الطّبيعيّ الّذي ينهض عليه حقّ القيادة والسّؤدد. ولأجل ذلك كان من المستحيل عزل السّؤدد عن areté/مروءة. فجذر aristos يستعمل للدّلالة على المواهب والرّفعة الخارقة، وهو يستعمل في صيغة الجمع، لتعيين الخاصّة ووصفها. غير أنّ مواهب الفرد يمكن أن تفهم وفق معايير متنوّعة تنوّع المهمّات الّتي يتعيّن عليه إنجازها. ورغم ذلك ظلّ لفظ areté/مروءة في التّصوّرات الإغريقيّة القديمة، يعني القوّة وبراعة المحارب أو الرّياضيّ، خاصّة الحماسة الّتي تستثار في المعركة. وهي لا تُعد فضيلة أخلاقيّة متميّزة عن القوّة. فقد كانت الحماسة دائمًا قريبة من الشّدّة الجسمانيّة. وقد ظلّ لفظ areté/مروءة يستعمل للدّلالة بصفة خاصّة على القوّة البطوليّة والشّجاعة. وهو استعمال مطّرد بشدّة في المعجم التّقليديّ للشّعر الملحميّ. ويفسّر ذلك بأنّه في عصر المعارك والهجرات الكبرى كان المرء يحاكم من زاوية قيمته في المعركة. فصفةagathos  توافق دلالة areté/مروءة وإن كان اللّفظ منحدرًا من جذر مختلف. وهو يفيد اقتران النّبل بالقيمة الحربيّة، كما يدلّ في بعض الأحيان على معنى “نبيل” و”البسالة” و”القادر”، وقلّما كان يعني “الطّيّب” أو الصّالح([15]).

ويبدو أنّ لهذا الاقتران بين النّبل والقيمة الحربيّة ما يضاهيه في الموروث الأخلاقيّ العربيّ. فكثيرًا ما اقترنت “المروءة” بقيمة أخرى هي “الفتوّة”. وقد عرّف الجابري “الفتوّة”، مستندًا إلى المعاجم اللّغويّة، بأنّها تعني: “الفتاء والشّباب، (فتى، شاب). والصّفات الّتي تجعل من الشّخص فتى قسمان: صفات جسميّة وأخرى معنويّة.

  • أمّا الصّفات الجسميّة فأبرزها القوّة، قوّة الشّباب وما يرتبط بها من طول القامة واللّياقة البدنيّة، وطلاقة اللّسان والقدرة على تحمّل المشاقّ والمهارة في الطّعن والفروسيّة إلخ.
  • وأمّا الصّفات المعنويّة فيأتي في مقدّمتها السّخاء والكرم والوفاء بالوعد والحِلم وحماية الضّعيف وإغاثة الملهوف والتّواضع والعفو والرّزانه وقوّة الاحتمال والميل إلى الزّعامة والسّيادة مع التّواضع”([16]).

ورغم أنّ الجابري يميل إلى اعتبار الفتوّة “القيمة المركزيّة في أخلاق الشّباب عند العرب”، جاعلًا المروءة “خاصّة بالكهول والشّيوخ”، فإنّ هذا التّمييز بين القيمتين لا يصحّ إلاّ في القرون اللاّحقة، عندما تبنّت بعض الجماعات مثل: المتصوّفة أو جماعة العيّارين أو الفتيان هذه القيمة، جاعلين منها المنوال المثاليّ الّذي يتحقّق فيه “كَمال الرُّجُولِيَّة” و”الإِنسانيّة”، إلاّ أنّها في البداية كانت (أي الفتوّة) تُمثّل الجانب الحربيّ من المروءة، مرسّخة بذلك فكرة ارتباط المروءة بالسّؤدد. ولعلّ هذا الارتباط هو الّذي نهض عليه ما يُسمّيه الجابري “السّلوك الأنموذجيّ للأرستقراطيّة القبليّة الأمويّة”. وهو سلوك قد استمرّ بعد الأمويّين. فقد كان الأمراء والخلفاء والوزراء من بعدهم ينشّئون أبناءهم تنشئة تجمع بين الفروسيّة والأدب، أو بين السّيف والقلم. وتزخر أخبار الأدب والتّاريخ بذلك، منها هذا الخبر الّذي أورده ياقوت في معجمه:

“قال السّلاّمي: حدّثني أبو العباس، محمد بن أحمد الغضاري، قال: حدّثني عمي محمد بن الفضل، وكان قد بلغ مائة وعشرين سنة، قال: لما قَدِمَ عبد الله بن طاهر نيسابور، وأقدم معه جماعة من فرسان طرسوس وملطية، وجماعة من أدباء الأعراب، منهم عرام، وأبو العميثل، وأبو الميسجور، وأبو العجنس، وعوسجة، وأبو الغدافر وغيرهم، فتفرّس أولاد قوّاده وغيرهم بأولئك الفرسان، وتأدّبوا بأولئك الأعراب”([17]).

وإذا عدنا مرّة أخرى إلى العالم الإغريقيّ، فإنّنا نجد الملحمات تولي عناية بمزايا أخرى غير areté/مروءة. فالأوديسا ما انفكّت تتغنّى بخصال بطلها أوليس الذّهنيّة فقد وضعت بسالته القتاليّة في مرتبة ثانويّة مقارنة ببراعته البلاغيّة وسعة حيلته. وقد بدأت منذ زمان هوميروس تتسرّب إلى مفهوم areté/مروءة ذاتِه خصال أخرى غير الشّجاعة والقوّة.

ونجد ما يضاهي ذلك في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة. ففي زمان الأمويّين بدأ الجانب الحربيّ في المروءة يضمحلّ ويخبو كلّما اقترن بجماعات أخرى غير أرستقراطيّة السّيف. من هذه الجماعات ما يسمّيه الجابري بـ “طبقة الكتّاب الّتي بدأت تبرز منذ أواسط العصر الأمويّ، بوصفها فئة خاصّة تحاكي طبقة مماثلة في نظام الدّولة السّاسانيّة. وقد وصفها الكتّاب بأنّها “أهل المروءة“. يقول عبد الحميد في رسالة له مشهورة يخاطب فيها الكتّاب، كتّاب الدّواوين:

“فجعلكم الله معشر الكتّاب في أشرف صناعة أهل الأدب والمروءة والحلم والرّويّة، بكم ينتظم الملك، وتستقيم للملوك أمورهم”([18]).

إنّ اضمحلال الخُلُق الحربيّ من المروءة، قد قرّبها إلى قيمة “الظّرف” وجعلها ملابسة له. فما معنى الظّرف؟ أورد صاحب اللّسان في مادّة [ظ.ر.ف]، معانٍ عدّة هي:

“الظَّرف البَراعةُ وذكاء القلب يُوصَف به الفِتْيانُ الأَزْوالُ والفَتَياتُ الزَّوْلاتُ ولا يوصف به الشيخ ولا السيّد. وقيل الظرفُ حسنُ العِبارة، وقيل حسن الهيئة، وقيل الحِذْقُ بالشيء […] وتَظَرَّف فلان أَي تكلَّف الظَّرْف، وامرأَة ظَريفة من نِسوة ظَرائِفَ وظِرافٍ […] الأَصمعي وابن الأَعرابي الظَّرِيف البَلِيغ الجَيِّد الكلام، وقالا الظَّرْف في اللسان واحتجا بقول عمر في الحديث إذا كان اللِّصُّ ظَريفًا لم يُقْطع معناه، إذا كان بَلِيغًا جيِّد الكلام احتجّ عن نفسه بما يُسقط عنه الحَدَّ”([19]).

ويبدو من هذه المعاني المختلفة أنّ الظّرف صفة تتعلّق باللّسان. فالظّريف هو من يُحسن الكلام، فهو حَسَنُ العبارة بليغٌ، جيّد الكلام، لا تضيق عليه معاني الكلام. ويبدو أنّ هذه الصّفة هي الّتي تعهّدها أهل الأدب عندما جعلوا من التّلازم بين الأدب والمروءة والظّرف شرطًا من شروط التّميّز الاجتماعي بين جميع الفئات الاجتماعيّة. فعندما يقول الوشّاء في مقدّمة كتابه

“يجب على المتأدّب اللّبيب، والمتظرّف الأريب، المتخلّق بأخلاق الأدباء، والمتحلّي بحلية الظرفاء، أن يعرف قبل هجومه على ما لا يعلمه، وقبل تعاطيه ما لا يفهمه، تبيّن الظّرف وشرائع المروءة وحدود الأدب، فإنّه لا أدب لمن لا ‌مروءة له، ولا ‌مروءة لمن لا ظرف له، ولا ظرف لمن لا أدب له”([20])

فإنّه يحدّد المنوال الّذي ينبغي أن يُعتمد في تمييز الظّريف عن غيره من غير الظّرفاء.

يُسلمنا كلّ هذا إلى أن نتبيّن وجود تصوّرين يمكننا أن نؤوّل بهما العبارة الشّهيرة “علّم الصّبيان وهم يلعبون”.

  • أوّلهما يمثّل إيطيقا المروءة الحربيّة الّتي كانت تجمع بين قوّة السّيف وسلطة البيان. فتعليم صبيان الأمراء والملوك كان ينتهج أسلوبًا تربويًّا قائمًا على الاقتداء بالفرسان والأدباء حتّى يتفرّس أولاد القوّاد وغيرهم “بأولئك الفرسان”، ويتأدّبوا “بأولئك الأعراب”. غير أنّ هذا المنوال لن يبقى حكرًا على هذه الطّبقة من الخاصّة، بل سيتحوّل إلى تمرين من تمارين تأديب النّفس الّتي نجدها في كتب الأخلاق أو ما يُسمّى بأدب النّفس. ففي فصول “كتاب الصّبر والشّكر” من كتاب إحياء علوم الدّين لأبي حامد الغزالي تتحقّق فضيلة الصّبر باللّعب بـ “[…] تعويد ‌الصّبي الّذي يُراد منه المصارعة والمقاتلة بمباشرة أسباب ذلك منذ الصبا، حتّى يأنس به ويستجرِئ عليه وتَقْوَى فيه مِنَّته. فمن ترك بالكليّة المجاهدة بالصّبر؛ ضعف فيه باعث الدّين ولا يقوى على الشّهوة وإن ضعفت. وَمَنْ عَوَّدَ نَفْسَهُ مُخَالَفَةَ الْهَوَى غَلَبَهَا مَهْمَا أَرَادَ”([21]).
  • أمّا التّصوّر الثّاني، فهو قائم على الانفصال لابتداع أنموذج الظّريف. ففي كتاب الموشّى يُعرّف الإنسان الظّريف بأنّه، كلّ من أدّب نفسه وهذّب أخلاقها. ويبدأ التّهذيب بتعلّم آداب المائدة. فالظّرف بهذا المعنى ليس صفة طبيعيّة تولد مع بعض الأفراد ويحرم منها سائر النّاس، بل هو سلوك نمطيّ متكوّن من مجموعة من الأوامر والنّواهي والممنوعات الهادفة إلى قولبة سلوك الفرد على نحو يغدو به ظريفًا أو ممثّلًا لصورة الظّريف تمثيلًا يُمكِّنه اللّحاق بالخاصّة، ويستجيب في الآن نفسه لمعايير التّميّز، بإنتاج العلامات التّمييزيّة الّتي تعرضه بوصفه مختلفًا عن العوامّ: في الطّعام وطريقة الأكل واللّباس والتّعطّر والكلام. وفي هذا السّياق أورد الوشّاء في كتاب الموشّى، قائمة طويلة من المحظورات الّتي ينبغي أن يتركها الظّريف حتّى يتّصف بـصفة ذوي التظرّف ومباينتهم لذوي التكلّف. يقول:
    “اعلم أنّ من كمال أدب الأدباء، وحُسن تظرُّف الظّرفاء، صبرهم على ما تولّدت به المكارم، واجتنابهم لخسيس المآثم، وأخذهم بالشّيم السَّنيّة والأخلاق الرضيّة، وأنهم لا يُداخلون أحدًا في حديثه، ولا يتطلّعون على قارٍ في كتابه، ولا يقطعون على متكلِّمٍ كلامه، ولا يستمعون على مُسِرّ سره، ولا يسألون عما وُرّي عنهم عِلمه، ولا يتكلمون فيما حُجب عنهم فهمه، يتسرّعون إلى الأمور الجليلة، ويتبطّؤون عند الأشياء الرذيلة، فهم أمراء مجالسهم، بهم يُفتح عَسِر الأغلاق، وبهم يتألّف مُتنافِر الأخلاق، تسمو إليهم الآماق، وتنثني عليهم الأعناق، ولا يطمع في عيبهم العائب، ولا يقدر على مَثالبهم الطالب، ألا ترى أنهم لا يتنخّعون، ولا يتبصّقون، ولا يتثاءبون، ولا يستنثرون، ولا يتجشّؤون، ولا ينمطّون، ولك عيبٌ عند الظرفاء، مكروه عند العلماء، وفيه حديثٌ مأثورٌ حدّثنيه عُبيد بن شريك قال: حدثنا ابن أبي مَرْيَم قال: أخبرني يحيى بن أيوب قال: أخبرني ابن عجلان عن سعيد المَقْبري عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: إن الله يحبّ العُطاس، ويكره التثاؤب، وإن أحدكم إذا قال هاها، فإنّ ذلك الشيطان يضحك في جَوفه. والظرفاء لا يتثاءبون، ولا يتمطّون، ولا يوقّعون أكفّهم، ولا يُشبّكون أصابعهم، ولا يمدّون أرجلهم، ولا يحكّون أجسادهم، ولا يمسّون آنافهم، خاصةً إذا كان أحدهم بين يدي خليله، أو ربيطه، أو حبيبه، أو من يحتشمه، ومن يُكرمه…”([22]).

يلفت هذا الشّاهد الانتباه إلى اطّراد الأفعال المنفيّة الدّالة على “ما لا يجب القيام به”، لضبط القاعدة الّتي تنصّ على “ما يجب القيام به”. ووظيفة هذه القواعد هي الانفصال عن كلّ ما هو طبيعيّ في سلوك الإنسان مثل: التّنخّع أو التبصّق أو التّثاؤب أو الاستنثار أو التّجشّؤ. فإتيان مثل هذه الأفعال هو نفي لكفاية الظّريف الّتي لا تحصل إلاّ بتجنّب إتيان هذه الأعمال. فشرط الانتقال إلى دائرة الظّرفاء هو امتلاك هذه القدرة على الانقلاب conversion حتّى تبلغ النّفس مرتبة “كمال أدب الأدباء، وحُسن تظرُّف الظّرفاء”. ولا يتحقّق ذلك إلاّ بالمران، أي بضرب من الأعمال الّتي تهدف إلى تحويل النّفس وتغييرها بحملها على الصّبر “على ما تولّدت به المكارم”، واجتناب “لخسيس المآثم”، والأخذ “بالشّيم السَّنيّة والأخلاق الرضيّة”.

وسواء أحدث الانقلاب بالاقتداء، أي بمحاكاة منوال المروءة الحربيّة الخاصّ بتربية الأمراء والملوك وعِلْيَة القوم أم تحقّق بمنوال “المران”، أي حمل النّفس على التّأدّب بخلق “الظّرف والظّرفاء” والأدباء فإنّ “تعليم الصّبيان وهم يلعبون” قد تحقّق في كلتا الطّريقتين بالانقلاب.

كلّ تربية انقلاب

يرى الفيلسوف الفرنسيّ بيار هادو Pierre Hadot أنّ عبارة “التّمارين الرّوحانيّة” Exercices spirituels. تشمل في الفلسفة القديمة la philosophie antique كلّ “ممارسة ترمي إلى إجراء تغيّر جذريّ في الكينونة”([23]). وهو يرى أنّ التّربيّة تمرين من هذه التّمارين الرّوحانيّة، لأنّها تغيّر الكينونة بالانقلاب. ولذلك يعتبر “كلّ تربية هي انقلاب”([24]). ويبدو أنّ مفهوم الانقلاب conversion محوريّ في تفكيره، حتّى إنّه خصّه بمقالة حلّل فيها فيلولوجيّا معاني هذا اللّفظ في الاستعمالين الإغريقيّ والرّومانيّ. فلفظ «conversion» المنحدر من اللّفظ اللاّتيني «conversio» يعني “الارتداد” و”الرّجوع” «retournement» و”تغيير الاتّجاه” «changement de direction». فاللّفظ يُستعمل لتعيين كلّ معاني الرّجوع والتّحوير transposition. ويُوافق لفظ «conversio» اللاّتينيّ كلمتين إغريقيّتين مختلفتي الدّلالة. فهو من ناحية يوافق كلمة epistrophè الّتي تعني “تغيّرًا في القبلة” «changement d’orientation»، وتتضمّن معنى العود retour أو العودة إلى الأصل retour à l’origine، أو العودة إلى الذّات retour à soi. أمّا كلمة metanoia فتعني تغيّرا في التّفكير «changement de pensée» أو التّوبة «repentir»، كما تتضمّن فكرة التّحوّل mutation أو الإحياء renaissance. ففي مفهوم «conversion» تقابل داخليّ بين فكرة “العودة إلى الأصل” وفكرة الإحياء «renaissance». “فقطب “الوفاء – القطيعة” fidélité-rupture هذا قد وَسَمَ الضّمير الغربي منذ ظهور المسيحيّة”([25]).

إقرأ أيضًا: تعليم دون مدارس قراءة في فلسفة إيفان إيليتش

إذا استأنسنا بهذا التّصوّر ورأينا “كلّ تربية هي انقلاب” جاز لنا تأويل عبارة “علّم الصّبيان وهم يلعبون” بوصفها أسلوبًا في تربية الأطفال ينجز باللّعب. ذلك أنّ الطّفل في التّصوّر الإغريقيّ القديم ليس سوى مرحلة من مراحل نموّ الإنسان هي في النّهاية حال من أحواله تُسمّى “طفولة” أو «enfance»، من اللّفظ اللاتينيّ in-fantia وهي تُمثّل شرط كلّ طفل، أو شرط “من لا يتكلّم”، أو “من لم يتكلّم بعد”، أو من كان “دون لوغوس” «sans logos». والانتقال إلى حال أخرى مثل: الصّبى أو الشّباب أو الكهولة هو انتقال، كالانتقال من الطّبيعة إلى الثّقافة، يحتاج إلى وسائط كثيرة مثل: العائلة والمدرسة ومؤسّسات المجتمع المختلفة منها التّربية. بَيْدَ أنّ العرب لم يكن لهم التّصوّر نفسه. فالطِّفل لغةً هو “الصَّغِيرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ” (لسان العرب). أمّا لفظ الصّبيّ فهو يُسمّي مرحلة من مراحل نموّه “والصَّبِيُّ: مِنْ لَدُنْ يُولَد إِلى أَنْ يُفْطَم” (لسان العرب). فهو في هذه المرحلة غير مُكلَّفٍ بشيء شأنه شأن المجنون، لأنّ التّكليف يقتضي العقل. فهو في تلك السّنّ في طور الفطرة. وهذا المفهوم قريب من معنى الأصل والابتداء، فالفطرة تعني الابتداء([26]). وفيها قولان: أحدهما يرى أنّها لا تتبدّل، فهي تعني، “مَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الخلقَ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ. وَقَدْ فَطَرهُ يَفْطُرُه، بِالضَّمِّ، فَطْرًا أَي خَلَقَهُ. الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْهَا، لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ” (لسان العرب). أمّا القول الثّاني، فيذهب إلى أنّها تتغيّر بالتّديّن مستندًا في ذلك إلى “قَوْل النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كلُّ مولودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرةِ؛ يَعْنِي الخِلْقة الَّتِي فُطِرَ عَلَيْهَا فِي الرَّحِمِ مِنْ سعادةٍ أَو شَقَاوَةٍ، فإِذا ولَدَهُ يَهُودِيَّانِ هَوَّداه فِي حُكْم الدُّنْيَا، أَو نَصْرَانِيَّانِ نَصَّرَاه فِي الْحُكْمِ، أَو مَجُوسِيَّانِ مَجَّساه فِي الحُكم، وَكَانَ حُكْمُه حُكْمَ أَبويه حَتَّى يُعَبِّر عَنْهُ لسانُه، فإِن مَاتَ قَبْلَ بُلُوغِهِ مَاتَ عَلَى مَا سَبَقَ لَهُ مِنَ الفِطْرةِ الَّتِي فُطرَ عَلَيْهَا فَهَذِهِ فِطْرةُ الْمَوْلُودِ” (لسان العرب).

فالفطرة قريبة من مفهوم “الصّفحة البيضاء” Tabula rasa الفلسفيّ. وقد عَرَّفَ جميل صليبا في معجمه هذا المصطلح كما يلي: “الصّفحة البيضاء أو الملساء، اصطلاح مستمدّ من كلام (أرسطو) عن الكيفيّة الّتي تكون عليها النّفس قبل حصولها على المعرفة. وهي الحالة الّتي أطلق عليها العرب اسم العقل الهيولانيّ، أو العقل بالقوّة الّذي هو استعداد محض لم يقبل بعد شيئًا من الكمال الّذي يخصّه. فجوهر الإنسان خُلِقَ إذن خاليًا من العلم، إلاّ أنّه جوهر قابل، والتّجربة تنقش عليه ما يلائم استعداداته من الصّور حتّى يصبح بعد ذلك عقلا بالفعل”([27]).

وإذا كانت حال الفطرة عند الصّبيّ دليل نقصان معرفيّ، فإنّ ملكة الكلام عنده في ابتداء أمرها ناقصة بدورها غير كاملة. ولذلك كان يُخاطب بطبقته في الكلام، ومرتبة “من لم يتكلّم بعد”. وتتطلّب هذه الحال من المعلّم والأب أن يتكلّما ببلاغة أخرى لا تُكتسب إلاّ بمعاشرة الصّبيان. ومن أمثلة هذا الضّرب من المخاطبات، ما أورده الغزالي في باب التّوبة من كتاب إحياء علوم الدّين. يقول:

“[…] أمَا ترى الأب إذا أراد أن يستنطق ولده ‌الصبيّ كيف ينزل إلى درجة نطق ‌الصبيّ كما قال صلّى الله عليه وسلّم للحسن “كخ كخ” لمّا أخذ تمرة من تمر الصَّدَقَة ووضعها في فِيه. وما كانت فصاحته تقصر عن أن يقول “اِرْمِ هذه التمرة فإنّها حرام”، ولكنّه لما علم أنّه لا يفهم منطقه ترك الفصاحة، ونزل إلى لكنته، بل الذي يعلّم شاة أو طائرًا يصوِّت به رغاءً أو صفيرًا تشبّهًا بالبهيمة والطائر تلطّفًا في تعليمه. فإيّاك أن تغفل عن أمثال هذه الدقائق. إنّها مزلّة أقدام العارفين فضلًا عن الغافلين نسأل الله حسن التوفيق بلطفه وكرمه”([28]).

وعلى أساس هذا النّقصان المعرفيّ اللّغويّ تحدّد في الموروث الأدبيّ نوع التّربية الّتي كان يُنشّأ عليها الطّفل قديمًا. ولمّا كانت التّربية بالضّرورة انقلابًا conversion يحدث في نفس من نربيّه، ترتّب على ذلك أنّ فطرة الصّبيّ لا يمكنها أن تظلّ ثابتة لا تتبدّل، لأنّها جُبلت على التّعلّم. ولكن كيف تتعلّم؟ بل كيف نعلّمها؟

توجد فنون كثيرة في تربية الصّبيان. من ذلك أنّ تربية الطّفل عند الإغريق كانت إرشادًا إلى سبيل (أو سبل) المغامرة الّتي تقوده إلى الانتقال والتّنقّل من فضاء إلى فضاء. فقد كان فعل “سافر” عند الإغريق يُكْمل كلمة “بيداغوجيا”. وليس أدب الطّفل عندهم سوى بيداغوجيا تقصّ كيف ينبغي أن يُرافق المرشد un guide الطّفل ويقود مغامرته([29]).

وقريب من معنى المرافقة والمغامرة “معاشرة الصّبيان” في منوال التّربية العربي، هذا إذا فهمنا من لفظ “المعاشرة” معنى الرّياضة والارتياض dressage.

وقد وجدنا عبارة “معاشرة الصّبيان” عند ابن الجوزي في حديث أورده على لسان الخليفة العبّاسي المأمون، صَوَّر فيه علاقة الصّبيّ المتعلّم بمعلّمه ننقل منه ما يلي:

“وهذا شيء قلّ أن يخطئ ونراه مطّردًا، ولا نظنّ السبب في ذلك إلاّ معاشرة الصّبيان، وقد بلغني أن بعض المؤدّبين للمأمون أساء أدبه على المأمون وكان صغيرًا، فقال المأمون: ما ظنّك بمن يجلو عقولنا بأدبه ويصدأ عقله بجهلنا، ويوقرنا بزكانته ونستخفّه بطيشنا، ويشحذ أذهاننا بفوائده ويكلّ ذهنه بغيّنا، فلا يزال يعارض بعلمه جهلنا، وبيقظته غفلتنا، وبكماله نقصنا، حتى نستغرق محمود خصاله، ويستغرق مذموم خصالنا، فإذا برعنا في الاستفادة برع هو في البلادة، وإذا تحلّينا بأوفر الآداب تعطّل من جميع الأسباب، فنحن الدّهر ننزع منه آدابه المكتسبة فنستفيدها دونه، ونثبت فيه أخلاقنا الغريزيّة فينفرد بها دوننا، فهو طول عمره يكسبنا عقلًا ويكتسب منا جهلًا، فهو كذُبالة السّراج ودودة القزّ”([30]).

يقدّم هذا الحديث شهادة خليفة وهو يقيّم تجربته التّعليميّة مع معلّمه لمّا كان صبيًّا. ولكنّه يصف في الآن نفسه طريقة في تعليم الصّبيان قائمة على نقل معارف السّلف إلى الخلف بضرب من التّبادل. فما يهبه المعلّم لكلّ صبيّ من كمال يبادله بما عند صبيّه من نقصان. فهو كذُبالة السّراج أو كالشّمعة يُضيء العقول بنور علمه، وكلّما أضاء تلاشى وذَوَى حدَّ الفناء. فعندما يكتمل عقل الصّبيّ يكون عقل معلّمه قد انقلب إلى حال الغباوة والبلادة. وإن كان المعلّم في وصف المأمون “كذُبالة السّراج ودودة القزّ” فإنّ صورة الأمّ المغذّية بلبنها، وقد مثّلتها ها هنا صورة نور السّراج وحرير دودة القزّ، لا تخفى. فكلاهما، أي المعلّم والمتعلّم، يُمثّل رغم تبادلهما غير المتكافئ، مفهوم الثّقافة بوصفها أنظمة من التّرويض تهيّأت، لتنقل إلى الأجيال اللاّحقة مضامين معرفيّة وأخلاقيّة ذات أهمّيّة حيويّة تضمن استمرارها وتوالدها. ويرتبط بمفهوم الثّقافة هذا بُعدُ التّعهّد la dimension «d’entretien» الّذي يحيل بدوره على العناية بهذا العود الأبدي للمثيل le similaire وقد تجسّد في الخلف. فمهما يكن منوال تعليم الصّبيان فإنّ كلّ “عناية” souci أو رعاية soin هما في المقام الأوّل مجنّدان لخدمة كلّ تماثل la similitude ([31]). ويتطلّب هذا الأمر من أعضاء كلّ مجتمع أن يتصرّفوا دائما على نحو تكون فيه أعمالهم جميعا متلائمة بما يكفي ليكون الخَلَفُ منها مماثلًا للسَّلَف. ولا يتحقّق ذلك إلاّ في سياق مخصوص يكون فيه النّاس واثقين من قدراتهم من التّوالد والتّناسل، ومن نجاعة فنونهم التّعليميّة، ومن جاذبيّة أسلوبها في الحياة بما يمكّنها من مقاومة كلّ تنويع أو تجديد في تعليم الصّبيان([32]).

تربية الصّبيان وزاوية النّظر السّكولاستيكيّة

في هذا المقام نجد عند أبي حامد الغزالي نصًّا طويلًا ورد في فقرة عنوانها: “بَيَانُ الطَّرِيقِ فِي رِيَاضَةِ الصِّبْيَانِ فِي أوّل نَشْئِهِمْ وَوَجْهُ تَأْدِيبِهِمْ وَتَحْسِينِ أَخْلَاقِهِمْ” من كتابه إحياء علوم الدّين، ما يؤكّد زاوية النّظر هذه الّتي تجعل من الخَلَفِ صورة مماثلة من السَّلَفِ. ورغم طول النّصّ فإنّنا نورده كاملًا لأنّه يفي ببيان المقصود:

“اعْلَمْ أَنَّ الطَّرِيقَ فِي رِيَاضَةِ الصِّبْيَانِ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ وَأَوْكَدِهَا. والصّبيانُ أَمَانَةٌ عِنْدَ وَالِدَيْهِ وَقَلْبُهُ الطَّاهِرُ جَوْهَرَةٌ نَفِيسَةٌ سَاذَجَةٌ خَالِيَةٌ عَنْ كُلِّ نَقْشٍ وَصُورَةٍ، وَهُوَ قَابِلٌ لِكُلِّ مَا نُقِشَ وَمَائِلٌ إِلَى كُلِّ مَا يُمَالُ بِهِ إِلَيْهِ فَإِنْ عُوِّدَ الْخَيْرَ وَعُلِّمَهُ نَشَأَ عَلَيْهِ وَسَعِدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وشاركه في ثوابه أبوه وَكُلُّ مُعَلِّمٍ لَهُ وَمُؤَدِّبٍ، وَإِنْ عُوِّدَ الشَّرَّ وَأُهْمِلَ إِهْمَالَ الْبَهَائِمِ شَقِيَ وَهَلَكَ وَكَانَ الْوِزْرُ في رقبة القيم عليه والوالي له وقد قال الله عزّ وجلّ “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا” (سورة التّحريم، الآية6) وَمَهْمَا كَانَ الْأَبُ يَصُونُهُ عَنْ نَارِ الدُّنْيَا فَبِأَنْ يَصُونَهُ عَنْ نَارِ الْآخِرَةِ أَوْلَى وَصِيَانَتُهُ، بِأَنْ يُؤَدِّبَهُ وَيُهَذِّبَهُ وَيُعَلِّمَهُ مَحَاسِنَ الْأَخْلَاقِ وَيَحْفَظَهُ من القرناء السُّوءِ وَلَا يُعِوِّدُهُ التَّنَعُّمَ وَلَا يُحَبِّبُ إِلَيْهِ الزينة والرفاهية فَيَضِيعُ عُمْرُهُ فِي طَلَبِهَا إِذَا كَبِرَ فَيَهْلِكُ هَلَاكَ الْأَبَدِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُرَاقِبَهُ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ فَلَا يَسْتَعْمِلُ فِي حَضَانَتِهِ وَإِرْضَاعِهِ إلاّ امْرَأَةً مُتَدَيِّنَةً تأكل الحلال، فإنّ اللَّبَنَ الحاصل من الحرام لا برَكَةَ َفيه. فإذا وقع عليه نشو ‌الصبي انعجنت طينته من الخبيث، فيميل طبعه إلى ما يناسب الخبائث وَمَهْمَا رَأَى فِيهِ مَخَايِلَ التَّمْيِيزِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْسِنَ مُرَاقَبَتَهُ وَأَوَّلُ ذَلِكَ ظُهُورُ أَوَائِلِ الْحَيَاءِ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ يَحْتَشِمُ وَيَسْتَحِي وَيَتْرُكُ بَعْضَ الْأَفْعَالِ فَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِإِشْرَاقِ نُورِ الْعَقْلِ عليه حتى يرى بعض الأشياء قبيحًا ومخالفًا للبعض، فصار يستحي من شيء دون شيء وهذه هدية من الله تعالى إليه وبشارة تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب وهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ.

إقرأ أيضًا: متلازمة الظلم: القابليّات المحرّكة أو الدوال البائسة

فَالصَّبِيُّ الْمُسْتَحِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُهْمَلَ بَلْ يستعان على تأديبه بحيائه أو تمييزه، وَأَوَّلُ مَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفَاتِ شَرَهُ الطَّعَامِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَدَّبَ فِيهِ مِثْلُ أَنْ لَا يَأْخُذَ الطَّعَامَ إِلَّا بِيَمِينِهِ وَأَنْ يَقُولَ عَلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ عِنْدَ أَخْذِهِ وَأَنْ يَأْكُلَ مِمَّا يَلِيهِ وَأَنْ لَا يُبَادِرَ إِلَى الطَّعَامِ قبل غيره وأن لا يحدق النَّظَرِ إِلَيْهِ وَلَا إِلَى مَنْ يَأْكُلُ وَأَنْ لَا يُسْرِعَ فِي الْأَكْلِ وَأَنْ يُجِيدَ الْمَضْغَ وَأَنْ لَا يُوَالِيَ بَيْنَ اللُّقَمِ وَلَا يُلَطِّخَ يَدَهُ وَلَا ثَوْبَهُ وَأَنْ يُعَوَّدَ الْخُبْزَ الْقَفَارَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ حَتَّى لَا يَصِيرَ بِحَيْثُ يرى الأَدَم حتمًا، ويُقَبَّحُ عِنْدَهُ كَثْرَةُ الْأَكْلِ بِأَنْ يُشَبَّهَ كُلُّ مَنْ يُكْثِرُ الْأَكْلَ بِالْبَهَائِمِ وَبِأَنْ يُذَمَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ‌الصَّبِيُّ الَّذِي يُكْثِرُ الْأَكْلَ وَيُمْدَحُ عِنْدَهُ ‌الصَّبِيُّ الْمُتَأَدِّبُ الْقَلِيلُ الْأَكْلِ وَأَنْ يُحَبَّبَ إِلَيْهِ الْإِيثَارُ بِالطَّعَامِ وَقِلَّةُ الْمُبَالَاةِ بِهِ وَالْقَنَاعَةُ بِالطَّعَامِ الْخَشِنِ أَيَّ طَعَامٍ كَانَ، وَأَنْ يُحَبَّبَ إِلَيْهِ مِنَ الثِّيَابِ البِيضِ دون الملوَّنِ والإبْريسم، وَيُقَرَّرَ عِنْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ النِّسَاءِ وَالْمُخَنَّثِينَ وَأَنَّ الرِّجَالَ يَسْتَنْكِفُونَ مِنْهُ وَيُكَرَّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ. ومهما رَأَى على صبيّ ثوبًا من إبريسم أو ملوَّن فينبغي أن يستنكره ويذمّه ويحفظ ‌الصبيّ عَنِ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ عُوِّدُوا التَّنَعُّمَ وَالرَّفَاهِيَةَ وَلُبْسَ الثِّيَابِ الْفَاخِرَةِ وَعَنْ مُخَالَطَةِ كُلِّ مَنْ يُسْمِعُهُ مَا يُرَغِّبُهُ فِيهِ فَإِنَّ ‌الصَّبِيَّ مَهْمَا أُهْمِلَ في ابتداء نَشْئِه خَرَجَ فِي الْأَغْلَبِ رَدِيءَ الْأَخْلَاقِ كَذَّابًا حَسُودًا سروقًا نمّامًا لحوحًا ذا فضول وَضَحِكٍ وَكِيَادٍ وَمَجَانَةٍ وَإِنَّمَا يُحْفَظُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ بِحُسْنِ التَّأْدِيبِ، ثُمَّ يَشْتَغِلُ فِي الْمَكْتَبِ فَيَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ وَأَحَادِيثَ الأخبار وَحِكَايَاتِ الْأَبْرَارِ وَأَحْوَالَهُمْ، لِيَنْغَرِسَ فِي نَفْسِهِ حُبُّ الصَّالحين، ويُحفظ مِنَ الْأَشْعَارِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْعِشْقِ وَأَهْلِهِ ويُحفظ من مخالطة الأدباء الذين يزعمون أنّ ذلك من الظّرف ورقّة الطبع فَإِنَّ ذَلِكَ يَغْرِسُ فِي قُلُوبِ الصِّبْيَانِ بَذْرَ الْفَسَادِ.

ثُمَّ مَهْمَا ظَهَرَ مِنَ الصَّبِيِّ خُلُقٌ جَمِيلٌ وَفِعْلٌ مَحْمُودٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُكْرَمَ عَلَيْهِ وَيُجَازَى عَلَيْهِ بِمَا يَفْرَحُ بِهِ وَيُمْدَحُ بَيْنَ أَظْهُرِ النَّاسِ، فَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَغَافَلَ عَنْهُ وَلَا يَهْتِكَ سِتْرَهُ وَلَا يُكَاشِفَهُ وَلَا يُظْهِرَ له أنّه يتصوَّر أن يتجاسر أَحَدٌ عَلَى مِثْلِهِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا سَتَرَهُ الصبي واجتهد في إخفائه فإنّ إظهار ذَلِكَ عَلَيْهِ رُبَّمَا يُفِيدُهُ جَسَارَةً حَتَّى لَا يُبَالِيَ بِالْمُكَاشَفَةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ إِنْ عَادَ ثَانِيًا فينبغي أَنْ يُعَاتَبَ سِرًّا وَيُعَظَّمَ الْأَمْرُ فِيهِ وَيُقَالُ لَهُ إِيَّاكَ أَنْ تَعُودَ بَعْدَ ذَلِكَ لِمِثْلِ هَذَا وَأَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْكَ فِي مِثْلِ هَذَا فَتَفْتَضِحَ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَا تُكْثِرِ الْقَوْلَ عَلَيْهِ بِالْعِتَابِ فِي كُلِّ حِينٍ فَإِنَّهُ يَهُونُ عَلَيْهِ سَمَاعُ الْمَلَامَةِ وَرُكُوبُ الْقَبَائِحِ وَيَسْقُطُ وَقْعُ الْكَلَامِ من قلبه وليكن الأب حافظًا هيبة الْكَلَامِ مَعَهُ فَلَا يُوَبِّخُهُ إِلَّا أَحْيَانًا وَالْأُمُّ تُخَوِّفُهُ بِالْأَبِ وَتَزْجُرُهُ عَنِ الْقَبَائِحِ.

وَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ عَنِ النَّوْمِ نَهَارًا فَإِنَّهُ يُورِثُ الْكَسَلَ وَلَا يُمْنَعَ مِنْهُ لَيْلًا، وَلَكِنْ يُمْنَعُ الْفُرُشَ الوطيئة حتى تتصلَّب أعضاؤه ولا يسمن بدنه فلا يصبر عن التَّنَعُّمِ، بَلْ يُعَوَّدُ الْخُشُونَةَ فِي الْمَفْرَشِ وَالْمَلْبَسِ وَالْمَطْعَمِ.

وَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مِنْ كُلِّ مَا يَفْعَلُهُ فِي خِفْيَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُخْفِيهِ إِلَّا وهو يعتقد أنّه قبيح، فإذا ترك تعود فِعْلَ الْقَبِيحِ وَيُعَوَّدُ فِي بَعْضِ النَّهَارِ الْمَشْيَ وَالْحَرَكَةَ وَالرِّيَاضَةَ، حَتَّى لَا يَغْلِبَ عَلَيْهِ الْكَسَلُ وَيُعَوَّدُ أَنْ لَا يَكْشِفَ أَطْرَافَهُ وَلَا يُسْرِعَ المشي ولا يرخي يديه بل يضمّها إلى صدره، وَيُمْنَعُ مِنْ أَنْ يَفْتَخِرَ عَلَى أَقْرَانِهِ بِشَيْءٍ مِمَّا يَمْلِكُهُ وَالِدَاهُ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ مَطَاعِمِهِ وملابسه أو لوحه ودواته، بَلْ يُعَوَّدُ التَّوَاضُعَ وَالْإِكْرَامَ لِكُلِّ مَنْ عَاشَرَهُ وَالتَّلَطُّفَ فِي الْكَلَامِ مَعَهُمْ وَيُمْنَعُ مِنْ أَنْ يأخذ من الصبيان شيئًا بدا له حشمة إن كان من أولاد المحتشمين، بَلْ يَعْلَمُ أَنَّ الرِّفْعَةَ فِي الْإِعْطَاءِ لَا فِي الْأَخْذِ، وَأَنَّ الْأَخْذَ لُؤْمٌ وَخِسَّةٌ وَدَنَاءَةٌ وإن كان من أولاد الفقراء فليعلم أن الطمع والأخذ مهانة وذلّة وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ دَأْبِ الْكَلْبِ فَإِنَّهُ يُبَصْبِصُ فِي انْتِظَارِ لُقْمَةٍ وَالطَّمَعِ فِيهَا.

وَبِالْجُمْلَةِ يُقَبَّحُ إِلَى الصِّبْيَانِ حُبُّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالطَّمَعِ فِيهِمَا وَيُحَذَّرُ مِنْهُمَا أَكْثَرُ مِمَّا يُحَذَّرُ مِنَ الْحَيَّاتِ والعقارب، فإنّ آفة حبّ الذّهب والفضّة والطمع فيهما أَضَرُّ مِنْ آفَةِ السُّمُومِ عَلَى الصِّبْيَانِ، بَلْ على الأكابر أَيْضًا.

وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّدَ أَلَا يَبْصُقَ في مجلسه ولا يمتخط وَلَا يَتَثَاءَبَ بِحَضْرَةِ غَيْرِهِ وَلَا يَسْتَدْبِرَ غَيْرَهُ وَلَا يَضَعَ رِجْلًا عَلَى رِجْلٍ وَلَا يَضَعَ كَفَّهُ تَحْتَ ذَقْنِهِ وَلَا يَعْمِدَ رَأْسَهُ بِسَاعِدِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ الْكَسَلِ وَيُعَلَّمُ كَيْفِيَّةَ الْجُلُوسِ وَيُمْنَعُ كَثْرَةَ الْكَلَامِ وَيُبَيَّنُ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْوَقَاحَةِ وَأَنَّهُ فِعْلُ أَبْنَاءِ اللِّئَامِ وَيُمْنَعُ الْيَمِينَ رَأْسًا صَادِقًا كَانَ أَوْ كَاذِبًا، حتى لا يعتاد ذلك في الصّغر ويمنع أن يبتدِئ بالكلام ويعوّد ألا يتكلم إلا جوابًا وبقدر السؤال وأن يحسن الِاسْتِمَاعِ مَهْمَا تَكَلَّمَ غَيْرُهُ مِمَّنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا وَأَنْ يَقُومَ لِمَنْ فَوْقَهُ وَيُوَسِّعَ لَهُ الْمَكَانَ وَيَجْلِسَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيُمْنَعُ مِنْ لَغْوِ الْكَلَامِ وَفُحْشِهِ وَمِنَ اللَّعْنِ وَالسَّبِّ وَمِنْ مُخَالَطَةِ مَنْ يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْرِي لَا مَحَالَةَ مِنْ القرناء السُّوءِ وَأَصْلُ تَأْدِيبِ الصِّبْيَانِ الْحِفْظُ مِنْ قُرَنَاءِ السوء، وينبغي إذا ضربه المعلم أن لا يكثر الصراخ والشّغب، ولا يستشفع بأحد بل يصبر ويذكر له أن ذلك دأب الشجعان والرجال وأن كثرة الصّراخ دأب المماليك والنّسوان

وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ بَعْدَ الِانْصِرَافِ مِنِ الْكُتَّابِ أَنْ يَلْعَبَ لَعِبًا جَمِيلًا يَسْتَرِيحُ إِلَيْهِ من تعب المكتب بحيث لا يتعب في اللعب، فَإِنَّ مَنْعَ الصَّبِيِّ مِنَ اللَّعِبِ وَإِرْهَاقَهُ إِلَى التَّعَلُّمِ دَائِمًا؛ يُمِيتُ قَلْبَهُ وَيُبْطِلُ ذَكَاءَهُ وَيُنَغِّصُ عَلَيْهِ الْعَيْشَ حَتَّى يَطْلُبَ الْحِيلَةَ فِي الْخَلَاصِ مِنْهُ رَأْسًا.

وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَلَّمَ طَاعَةَ وَالِدَيْهِ ومعلمه ومؤدّبه ومن هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا مِنْ قَرِيبٍ وَأَجْنَبِيٍّ وَأَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِمْ بِعَيْنِ الْجَلَالَةِ وَالتَّعْظِيمِ وَأَنْ يَتْرُكَ اللَّعِبَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَهْمَا بَلَغَ سِنَّ التمييز فينبغي أَلَا يُسَامَحَ فِي تَرْكِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ ويؤمر بالصّوم في بعض أيّام رمضان ويجنّب لبس الديباج والحرير والذّهب، وَيُعَلَّمُ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ حُدُودِ الشَّرْعِ، وَيُخَوَّفُ مِنَ السَّرِقَةِ وَأَكْلِ الْحَرَامِ وَمِنَ الخيانة والكذب والفحش وكل ما يغلب على الصبيان، فإذا وقع نشؤه كَذَلِكَ فِي الصِّبَا فَمَهْمَا قَارَبَ الْبُلُوغَ أَمْكَنَ أن يعرف أسرار هذه الأمور فيذكر له أنّ الأطعمة أدوية، وإنما المقصود منها أن يَقْوَى الإنسانُ بها على طاعة الله عزّ وجلّ، وأنّ الدّنيا كلّها لا أصلَ لها، إذ لا بقاء لها، وأنّ الموت يقطع نعيمها، وأنّها دار ممرّ لا دار مقرّ، وأنّ الآخرة دار مقرّ لا دار ممرّ، وأنّ الموتَ منتظر في كلّ ساعة، وأنّ الكَيِّس العاقلَ من تزوّد من الدنيا للآخرة حتّى تعظم درجته عند الله تعالى ويتّسع نعيمه في الجنان. فإذا كان النّشْء صالحًا كان هذا الكلام عند البلوغ واقعًا مؤثّرا ناجعًا يثبت في قلبه كما يثبت النّقش في الحجر وإن وَقع النشْء بخلاف ذلك حتّى أَلِفَ الصبيّ اللَّعبَ والفحشَ والوقاحةَ وشَرَهَ الطعام واللباس والتزيُّن والتفاخر نَبَا قلبُه عن قبول الحقّ نَبْوَةَ الحائط عن التّراب اليابس. فأوائل الأمور هي الّتي ينبغي أن تُراعى، فإنّ الصبيّ بجوهره خُلق قابلًا للخير والشرّ جميعًا، وإنّما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين. قال صلى الله عليه وسلّم: كلّ مولود يُولد على الْفِطْرَةِ وَإِنَّمَا أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ”([33]).

لا يحتاج هذا النّصّ النّفيس في مجال تربية الصّبيان إلى شرح معمّق فحسب، وإنمّا إلى تأمّل للوقوف على زاوية النّظر السّكولاستيكيّة الّتي بنت الأقاويل الّتي نسج منها هذا النّصّ([34]). ولفظ “السكولاستيكيّة نسبة من لفظ الإغريقي skholè الّذي يعني “وقت الفراغ”، والرّاحة والجمام واللّهو. ومنه نحت لفظ «école»، (أي المدرسة) الّذي اشتقّ من اللّفظ اللاّتينيّ schola.

إذا استحضرنا أنّ الغزالي كان إمامًا قد دَرَّسَ طويلًا في المدرسة النّظاميّة ببغداد، وأنّه ألّف كتابه إحياء علوم الدّين بالعربية بين سنوات 489-495 هـ/ 1096-1102م، فإنّ اعتبارنا نصّ الغزالي هذا مبنيّا من منظور مدرسيّ له ما يبرّره. ذلك أنّ “زاوية النّظر السّكولاستيكيّة مرتبطة على نحو لازم بالوضعيّة السّكولاستيكيّة، بما أنّه لا يمكن ممارسة هذه الطّريقة في النّظر إلاّ داخل المدرسة أو أيّ وضعيّة من وضعيّات التّعليم الجادّ”([35]). وداخل المدرسة، يكون الحقل المعرفيّ قد تشكّل تشكّلًا مدرسيّا. “والمقصود من عبارة التّشكّل المدرسيّ، كلّ فضاء جُعِل للّعب وللّعب فقط، سواء أكان هذا اللّعب جادّا أم غير جادّ. ومن خصائص هذا الفضاء أنّ قوانين الحياة تُعلَّق وتتعطّل في حدوده العادات وتغدو مجرّدة من كلّ قيمة.”([36]). فالنّظرة السّكولاستيكيّة هي نظرة مدرسيّة محكومة بمؤسّسة المدرسة الّتي “لا تُمارس فيها أنشطة المجتمع، لأنّه لا ينظر إلى الأعمال الّتي تمارس في هذه الأمكنة على أنّها أعمال جادّة وإن مورست بكلّ جدّ. ويعني الجدّ في سياق اللّعب كلّ عمل له غايات مؤسّسة للأعمال الإنسانيّة، ومرتبط بمعنى الوجود، وله علاقة بمشروع الحياة، وخاضع على نحو من الأنحاء لفلسفة من فلسفات الأخلاق القائمة على مفهوم الواجب، أو فلسفة تستند إلى بعض نظريّات الفعل الواجب”([37]).

إذا استندنا إلى هذه الخلفيّة السّكولاستيكيّة وجب أن نؤوّل كلّ الأعمال الّتي تنجز في الفضاء المدرسيّ على أنّها أعمال مبنيّة بناء لعبيّا وإن مورست بكلّ جدّ. آية ذلك أنّ كلّ الأقوال الواردة في نصّ الغزالي المتعلّق برِيَاضَةِ الصِّبْيَانِ، قد بُنيت بجهة “وجوب الفعل” devoir faire. فقد اطّرد ذكر فعل “ينبغي” بمفرده ستّ عشرة مرّة صيغت بواسطته ما ينبغي أن ينجز وما لا ينجز من الأعمال الّتي ترمي إلى تحقيق غاية هي تغيير حال الصّبيّ الطّبيعيّة الّتي فُطر عليها إلى حال أخرى حدَّدَ المتلفّظ المضطلع بدور الفاعل المرسلactant destinateur، باصطلاح السّيميوطيقا السّرديّة، ملامحها على نحو مثاليّ. وهي توافق على نحو من الأنحاء إرادة الفعل vouloir faire عنده. فما يرغب فيه المتلفّظ ويريده قد صاغه بألفاظ “الوجوب”: ينبغي([38]). ويدلّ اطّرادها على أنّه يمتلك من الكفاية المعرفيّة في تنشئة الصّبيان ما يسّر له تسطير برنامج متكامل في “رِيَاضَةِ الصِّبْيَانِ” تتعلّق بمأكله وملبسه وتعليمه وتهذيب خُلُقه وتأديبه. وليس فعل الوجوب “ينبغي” سوى موجِّه جَاعلِيّ (من الجَاعلِيّة) modalité factitive، ونعرّفه على أنّه “فعل الفعل” أو “حمل على الفعل”، بمعنى أن نجعل فاعلا (الصّبيّ) ينجز عملا من الأعمال. ولا يتحقّق كلّ عمل إلاّ بإنجاز أو عدم إنجاز ضديده. ففي تعليمه ينبغي أن “يَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ وَأَحَادِيثَ الأخبار وَحِكَايَاتِ الْأَبْرَارِ وَأَحْوَالَهُمْ لِيَنْغَرِسَ فِي نَفْسِهِ حُبُّ الصَّالحين”. ولا يتحقّق ذلك إلاّ بصيانته وحفظه وحراسته “مِنَ الْأَشْعَارِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْعِشْقِ وَأَهْلِهِ، ويُحفظ من مخالطة الأدباء الذين يزعمون أنّ ذلك من الظّرف ورقّة الطبع فَإِنَّ ذَلِكَ يَغْرِسُ فِي قُلُوبِ الصِّبْيَانِ بَذْرَ الْفَسَادِ”. ففي أشعار العشّاق ومخالطة الأدباء تسكن بذرة الفساد. ومعنى ذلك أنّ كلّ فعل يأتيه الصّبيّ لا يتحقّق إلاّ بوجوب القيام بنقيضه. فما لا ينبغي القيام به هو إنجاز لفعل آخر توجّب القيام به. فالنّفي ها هنا لا يبطل فعلا، بل يؤسّس لفعل آخر. وعلى هذا المنوال توالت النّصائح. والنّتيجة أنّه “إذا كان النّشْء صالحًا كان هذا الكلام عند البلوغ واقعًا مؤثّرا ناجعًا يثبت في قلبه كما يثبت النّقش في الحجر. وإن وَقع النشْء بخلاف ذلك حتّى أَلِفَ الصبيّ اللَّعبَ والفحشَ والوقاحةَ وشَرَهَ الطعام واللباس والتزيُّن والتفاخر نَبَا قلبُه عن قبول الحقّ نَبْوَةَ الحائط عن التّراب اليابس”.

وليس الوالد في هذا البرنامج سوى منفّذ لبرنامج الفاعل المرسل، أي المتلفّظ الّذي تنبثق، من موقع التّلفّظ، عبارته في شكل قواعد يلتزم الأب بتنفيذها حتّى يحفظ ابنه ويصونه بتربيته وترويضه وتمرينه على ما لا ينبغي القيام به حتّى يكون في النّهاية على شاكلته.

بَيْدَ أنّ برنامج الغزالي في رياضة الصّبيان يشترط أن ينفّذ باللّعب لأنّ “مَنْعَ الصَّبِيِّ مِنَ اللَّعِبِ وَإِرْهَاقَهُ إِلَى التَّعَلُّمِ دَائِمًا يُمِيتُ قَلْبَهُ وَيُبْطِلُ ذَكَاءَهُ وَيُنَغِّصُ عَلَيْهِ الْعَيْشَ حَتَّى يَطْلُبَ الْحِيلَةَ فِي الْخَلَاصِ مِنْهُ رَأْسًا”. وهو شرط محكوم بزاوية النّظر السكولاستيكيّة لأنّ تنفيذه لا يتجاوز حدود المدرسة. ففي الواقع اليوميّ نجد ممارسات احتيج لتبريرها اللّجوء إلى الحديث وسنّة الرّسول. من ذلك مسألة لعب الصّبيّ في المسجد. هل يترك يلعب على هواه أم يمنع؟ والجواب: “ولا بأس بدخول ‌الصبيّ المسجد إذا لم يلعب، ولا يحرّم عليه اللّعب في المسجد ولا السّكوت على لعبه إلاّ إذا اتّخذ المسجد ملعبًا وصار ذلك معتادًا. فيجب المنع منه. فهذا ممّا يَحِلُّ قليلُه دون كثيره. ودليل حِلِّ قليله ما رُوِيَ في الصّحيحين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقف لأجل عائشة رضي الله عنها حتّى نظرت إلى الحبشة يزفنون ويلعبون بالدّرق والحراب يوم العيد في المسجد. ولا شكّ في أنّ الحبشة لو اتّخذوا المسجد ملعبًا لمنعوا منه. ولم ير ذلك على النّدرة والقلّة منكرًا حتّى نظر إليه، بل أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلّم لتُبْصِرَهُم عائشة تطيِيبًا لقلبها، إذ قال “دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ” (جِنْسٌ مِنَ الْحَبَشِ يَرْقُصُونَ. اللّسان) كما نقلناه في كتاب السّماع”([39]).

يؤكّد هذا الشّاهد أنّ قواعد رياضة الصّبيان، إذا ما نظر إليها من جهة نظريّة الثّقافة، لا بُدَّ أن يتبيّن أنّ “تاريخ الثّقافات هو كذلك تاريخ عدم الارتباط بالسّابق”([40]). فمن ينصت إلى منطوق هذه العبارة لا بُدَّ أن ينتبه إلى أنّ الخطاب السّكولاستيكيّ في العصر الوسيط، ونصّ الغزالي الآنف الذّكر أنموذج منه، لا يمكنه أن يفهم عبارة “علّم الصّبيان وهم يلعبون” إلاّ في أفق التّعاقب الّذي يقتضي أن يكون اللاّحق مرتبطا بالسّابق. فالمبدأ الأنسابيّ le principe généalogique وكلّ تدبير جنيالوجيّ arrangement généalogique كان يضمن، في ثقافات ما قبل الحداثة، استمرار العلاقة الوثيقة بين السّلف والخلف. وبتهافته يبطل عمل النّقل acte de transmission، ويتعطّل نظام التّعاقب succsession. فالمبدأ الأنسابيّ ينهض على الوراثة الّتي تأبى التّجديد في نظامها الوراثيّ، لأنّ كلّ جِدّة في نظام السّلالة يعني إنشاء نسخ فاسدة من الأصل، وإنتاج صور تفتقد “الشّبيه” le semblable الّذي يضمن عودته على نحو أبديّ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش والمراجع:

[1] أبو حامد بن محمّد بن محمّد الغزالي، إحياء علوم الدّين، بيروت – لبنان، دار ابن حزم، الطّبعة الأولى، 2005، ص957.

[2] أبو عثمان الجاحظ، “كتاب المعلّمين”، ضمن، رسائل الجاحظ، تحقيق وشرح عبد السّلام محمّد هارون، القاهرة، مكتبة الخانجي، الطّبعة الأولى، 1979، الجزء الثّالث، القسم الأوّل من الفصول المختارة من كتب الجاحظ، ص25-51.

[3] أبو الفرج بن الجوزي، أخبار الحمقى والمغفّلين، بيروت، شرحه عبد الأمير مهنّا، دار الفكر اللّبناني، 1990، ص151.

[4] عبد الرّحمان ابن خلدون، المقدّمة، وهي الجزء الأوّل من تاريخ ابن خلدون المسمّى، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشّأن الأكبر، ضبط المتن ووضع الحواشي والفهارس خليل شحادة، مراجعة سهيل زكار، بيروت – لبنان، دار الفكر للطّباعة والنّشر والتّوزيع، 2001، ج1، ص744. والإبراز إبرازنا.

[5] جلال الدّين السّيوطي، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق مركز الدّراسات القرآنيّة، المدينة المنوّرة ـ المملكة العربيّة السّعوديّة، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف،1426 هـ – 2006م، ج1، ص389. والإبراز إبرازنا.

[6] انظر، Johan Huizinga, (1995) Homo Ludens. Essai sur la fonction sociale du jeu., Traduit du néerlandais par Cécile Seresia., Paris, nrf Gallimard, p77. ، حيث يقول، «Le jeu est combat, et le combat est jeu»

[7] انظر، Roger Caillois, (1958) Les Jeux et les hommes. Le masque et le vertige., Paris, tel Gallimard, 5ème édition, p25-34.

[8] انظر، Jacques Henriot, (1989) Sous couleur de jouer. La métaphore ludique, Paris, José Corti, p21. ، حيث ذكر ما يلي، « […] le Jeu peut trouver sa place dans une histoire des mentalités. N’est-il pas, à lui seul, une « mentalité » : une façon particulière de concevoir le monde ?».

[9] علاء الدين علي المتّقي بن حسام الدين الهندي البرهان فوري، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، ضبطه وفسّر غريبه الشّيخ بكري حيّاني، صحّحه ووضع فهارسه ومفتاحه الشّيخ صفة السّقّا، بيروت، مؤسّسة الرّسالة، الطّبعة الخامسة، 1985، ج4، ص467. والإبراز إبرازنا.

[10] أبو الحسين مسلم بن الحجّاج القشيري النّيسابوري، صحيح مسلم، المملكة العربيّة السّعوديّة، إخراج وتنفيذ بيت الأفكار الدّوليّة للنّشر والتّوزيع، الطّبعة الثّانية، 2016، [الحديث 1917]، ص795.

[11] انظر، Johan Huizinga, Homo Ludens. Essai sur la fonction sociale du jeu., op.cit, p152. ، حيث عقد في كتابه فصلا عنوانه “اللّعب والحرب”، صاغ فيه يوهان هويزينغا Johan Huizinga التّصوّر التّالي: “إن انطلقنا من اقتناعنا بأنّ “الأغون” «agôn» يعرض دائما في حدّ ذاته طابعا لعبيّا فإنّ السّؤال الّذي سيطرح حينئذ هو أن نعلم إلى أيّ حدّ وجب أن نتصوّر الحرب على أنّها وظيفة الأمّة الأغونيّة agonale.”

[12] انظر، Colas Duflo, (1997) Jouer et philosopher, Paris, PUF., Collection Pratiques théoriques,, p221.، الّذي اجترح مصطلح “العقد اللّعبيّ” أو “الميثاق اللّعبيّ”. وقد جرّه ذلك إلى نحت مصطلح “مساواة الحرّيّة” «légaliberté» الّذي مكّنه من تعريف متصوّر “العقد اللّعبيّ” بهذه العبارة: “يؤسّس العقد اللّعبيّ سلطان “مساواة الحرّيّة”، إنّه الفعل الّذي يمتثل فيه كلّ واحد لقواعد اللّعب، مبتدعا من ثمّة، بامتثاله، العالم اللّعبيّ.”، «le contrat ludique instaure le règne de la légaliberté, c’est l’acte par lequel chacun se soumet aux règles du jeu, créant par là le monde ludique»,

[13] صاغت هذا الميثاقَ اللّعبيَّ على نحو ضمنيّ بعضُ الأحاديث المأثورة، نذكر منها ما جاء في الحديث الشّهير الّذي أورده، أبو الحسين مسلم بن الحجّاج القشيري النّيسابوري، صحيح مسلم، م.م، [الحديث 1871]، ص780.: “حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»”. ونجد في حديث آخر شرحا لمعنى الخير: “الأجر والغنيمة”.

[14] أبو عبد الرحمان أحمد بن شعيب بن علي النسائي، كتاب سنن الكبرى، حقّقه وخرّج أحاديثه حسن عبد المنعم شلبي، بمساعدة مكتب تحقيق التّراث الإسلامي، أشرف عليه شعيب الأرناؤوط، قدّم له عبد الله بن عبد المحسن التركي، بيروت، مؤسّسة الرّسالة، الطّبعة الأولى، 2001، الجزء الثّامن، (ملاعبة الرّجل زوجته، [الحديث8888])، ص176.

[15] انظر الفصل الأوّل “النّبل والمروءة”، «Noblesse et areté»، من الكتاب الأوّل “اليونان القديمة”، «La Grèce archaïque»، من كتاب، Werner Jaeger, (1964-2007) Paideia. La formation de l’homme grec. La grèce archaïque, le génie d’Athènes., Traduction de André et Simonne Devyver, autorisée et revue par l’auteur., Paris, tel Gallimard, p29-41.

[16] محمّد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي. دراسة تحليليّة نقديّة لنظم القيم في الثّقافة العربيّة، الدّار البيضاء – المغرب، المركز الثّقافي العربي، الطّبعة الأولى، 2001، ص.ص514-515.

[17] شهاب الدّين ياقوت الحمويّ الرّومي، معجم الأدباء. إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، تحقيق إحسان عبّاس، بيروت ـ لبنان، دار الغرب الإسلامي، الطّبعة الأولى، 1993، ج1، ص20621.

[18] محمّد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي. دراسة تحليليّة نقديّة لنظم القيم في الثّقافة العربيّة، م.م، ص507.

[19]لسان العرب، مادّة [ظ.ر.ف]. وممّا جاء في معاني الظّرف ما يلي: ” وقال غيرهما الظَّريف الحسَنُ الوجه واللّسان. يقال لسان ظَرِيف ووجه ظريف وأَجاز ما أَظْرَفُ زيدٍ في الاستفهام أَلسانه أَظْرَفُ أَم وجهه؟ والظَّرفُ في اللّسان البلاغةُ، وفي الوجه الحُسْنُ، وفي القلب الذَّكاء. ابن الأعرابي: الظّرْفُ في اللسانِ، والحَلاوةُ في العينين والملاحةُ في الفم والجمالُ في الأَنف. وقال محمد بن يزيد: الظَّرِيفُ مشتقّ من الظّرْف وهو الوِعاء كأَنه جعل الظَّرِيفَ وعاء للأَدَب ومَكارِم الأَخلاق. ويقال فلان يَتَظَرَّفُ وليس بظَرِيف والظّرف الكِياسة وقد ظَرُف الرّجلُ بالضّمّ ظَرافةً فهو ظَرِيف. وفي حديث مَعاوية قال: كيف ابنُ زياد؟ قالوا ظَريف على أَنّه يَلْحَن. قال: أَوليس ذلك أَظرَفَ له؟ وفي حديث ابن سِيرين الكلامُ أَكثرُ من أَن يكذب ظَريف، أَي أَنَّ الظَّرِيف لا تَضِيق عليه مَعاني الكلام فهو يَكْني ويُعَرِّض ولا يكذب. وأَظْرَفَ بالرجل ذكره بظَرْف وأَظْرَفَ الرجُلُ وُلد له أَولاد ظُرَفاء.”.

[20] أبو الطّيّب محمّد بن أحمد بن إسحاق الوشّاء، الموشّى في الظّرف والظّرفاء، تحقيق د. فهمي سعد.، بيروت، عالم الكتب، الطّبعة الأولى 1985، ص1.

[21] أبو حامد بن محمّد بن محمّد الغزالي، إحياء علوم الدّين، م.م، ص1417.

[22] أبو الطّيّب محمّد بن أحمد بن إسحاق الوشّاء، الموشّى في الظّرف والظّرفاء، م.م، ص192-193. والإبراز إبرازنا.

[23] انظر، Pierre Hadot, (1995) Qu’est-ce que la philosophie antique?, Paris, Folio, p271.، حيث يقول: « une pratique destinée à opérer un changement radical de l’être».

[24] انظر،Pierre Hadot, (1987) Exercices spirituels et philosophie antique, Préface d’Arnold I. Davidson, Paris, Nouvelle édition revue et augmentée, Albin Michel, coll «Bibliothèque de L’Évolution de l’Humanité », p145.، حيث يؤكّد أنّ «Et toute éducation est conversion.».

[25] انظر فصل “انقلاب”، «Conversion»، Ibid, p143.

[26] في مسألة الابتداء، يؤكّد، أبو حامد بن محمّد بن محمّد الغزالي، إحياء علوم الدّين، م.م، ص958، أنّ “أوائل الأمور هي الّتي ينبغي أن تُراعى، فإنّ الصبيّ بجوهره خُلق قابلًا للخير والشرّ جميعًا، وإنّما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين. قال صلّى الله عليه وسلّم: كلُّ مولودٍ يُولد على الْفِطْرَةِ وَإِنَّمَا أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ”.

[27] جميل صليبا، المعجم الفلسفي، جزآن، بيروت – لبنان، الشّركة العالميّة للكتاب، 1994، ج1، ص730.

[28] أبو حامد بن محمّد بن محمّد الغزالي، إحياء علوم الدّين، م.م، ص1380.

[29] انظر،Michel Serres, (1996) Atlas, Paris, Champs Flammarion, p132.

[30] أبو الفرج بن الجوزي، أخبار الحمقى والمغفّلين، م.م، ص149. والإبراز إبرازنا.

[31] انظر، Peter Sloterdijk, (2011) Tu dois changer ta vie, De l’anthropotechnique, Traduit de l’allemand par Olivier Mannoni, Maren Sell Éditeurs, p386-387.

[32]راجع فقرة “التّمثيل بين التّكافؤ والأشباه والنظائر” ضمن، العادل خضر، الأدب عند العرب، سننه ووظائفه ومؤسّساته، مقاربة وسائطيّة، تونس، دار مسكلياني للنّشر، الطّبعة الثّانية، 2017، ص563، حيث بيّنا نوع العلاقة المنعقدة بين السّلف والخلف نقتطف منها ما يلي: ” فالخلف مثلا لا يكون خلفا إلاّ بعمل التّكرار. ولا ينجز عمل التّكرار إلاّ إذا انقلب السّلف إلى مثال أي مقدار “لغيره يحذى عليه. والمثال القالب الّذي يقدّر على مثله […] ويقال امتثلت مِثَال فلان احتذيت حَذْوَه وسلكت طريقه […] وامتثل طريقته تبعها فلم يَعْدُهَا.” (لسان العرب). وعلى هذا النّحو يكون الخلف ممتثلا أو محتذيا أو تابعا، بمعنى أنّه يحيي بفعله أو قوله أو خُلقه سنّة السّلف ونهجه وطريقته أو ما به يكون السّلف سلفا ويتقوّم به. فإن خالف السّلف فهو طالح أو خارج أو مخالف… ولا يكون الخلف طالحا إلاّ عند ثالث un tiers يقيس درجة الاختلاف، ويحكم عليها بالسّلب أو بالإيجاب، بمقدار مطابقتها أو مفارقتها للمثال أو القالب.”.

[33] أبو حامد بن محمّد بن محمّد الغزالي، إحياء علوم الدّين، م.م، ص955-958.

[34] يذكر بيار بورديو، Pierre Bourdieu, (1994) Raisons pratiques. Sur la théorie de l’action., Paris, Points- Essais, p217. ، أنّ أوستين قد استعمل هذا التّعبير في كتابه الحسّ والحساسيّة Sens and sensibilia.

[35] العادل خضر، الأدب عند العرب الأدب عند العرب، سننه ووظائفه ومؤسّساته، مقاربة وسائطيّة، م.م، ص451. في هذا السّياق يرى بورديو “ضرورة أن تأخذ تأمّلات أفلاطون في المدرسة، وحتّى عبارته الشّهيرة اللّعب بجدّspoudaiôs paizein, «jouer sérieusement»، مأخذ الجدّ. ففي الوضعيّة السّكولاستيكيّة الممأسسة اجتماعيّا يمكن أن نكون جدّيين عند اللّعب بجدّ فنحمل محمل الجدّ أشياء اللّهو ونعتني عناية فائقة بمشاكل يجهلها النّاس الجدّيّون أو المنشغلون انشغالا حقيقيّا بمشاكل العالم الاجتماعيّ جهلا تامّا. فالإنسان المدرسيّ أو الأكاديميّ هو إنسان مستعدّ للّعب بجدّ لأنّ وضعه (أو الدّولة) يضمن له كلّ الوسائل للّعب الجادّ كالوقت الحرّ، والتّحرّر من ضرورات الحياة، والكفاءة اللاّزمة المكتسبة بتعليم نوعيّ ذي أساس مدرسيّ، وخاصّة الاستعداد بوصفه تهيّؤا وميلا للمشاركة في رهانات لا تنشأ إلاّ في العوالم المدرسيّة، ولكنّها في نظر النّاس الجدّيّين لا طائل من ورائها.”.

[36] العادل خضر، م.ن، ص453.

[37] العادل خضر، م.ن، ص453.

[38] انظر، مدخل «Devoir»، من معجم،Algirdas. Julien Greimas, &, et Joseph Courtés, (1979) Sémiotique Dictionnaire raisonné de la théorie du langage, tome1, Paris, Hachette, p.p95-97.

[39] أبو حامد بن محمّد بن محمّد الغزالي، إحياء علوم الدّين، م.م، ص815.

[40] انظر، Peter Sloterdijk, (2016) Après nous le déluge., Les Temps modernes comme expérience antigénéalogique., Traduit de l’allemand par Olivier Mannoni, Paris, Éditions Payot & Rivages, p212.، حيث يقول: «[…] l’histoire des cultures est aussi l’histoire du non-rattachement à l’antérieur».

إقتباسات

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete