تكوين
منذ السبعينيات من القرن الماضي انكبت الابحاث والدراسات في العالم العربي على الحقبة النهضوية، لتستعيد رموزها وتسائل إشكالياتها من: فارس الشدياق وفرنسيس المراش ومحمد عبده وجمال الدين الافغاني إلى عبد الرحمن الكواكبي وأديب اسحق وفرح أنطون ونجيب العازوري، ومن القومية والوطنية والعلمانية إلى الثورة والتقدم والعدل الاجتماعي. لكن قلما تم التوقف أمام الرائد النهضوي الفذ عمر فاخوري بما يستحق من تقدير واهتمام جديين، لما تميزت به مواقفه وكتاباته ومقالاته من التزام نادر وصادق بقضايا الأمة والوطن والمجتمع والناس.
ولعل في العودة إلى عمر وإعادة قراءة نصوصه من جديد كثيرًا من العبر والدروس في هذه المرحلة المصيرية، إذ يتطلع العرب إلى مشروع نهضوي جذري ويتحولون من أنظمة استبدادية إلى أخرى تعترف بإرادتهم وحقوقهم السياسية والاجتماعية.
ولد عمر فاخوري عام 1895 في بيروت في محلة زقاق البلاط، في بيئة إسلامية محافظة، وتميزت الحقبة التي نشأ فيها بانحطاط السلطنة العثمانية، واعتماد جمعية الاتحاد والترقي سياسة التتريك والعمل لتذويب القوميات غير التركية في القومية الطورانية، في ظل استياء عام من تردي إلا وضاع الاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن استشراء النعرات الطائفية التي كانت السلطة العثمانية تغذيها وتعمد إلى إثارتها.
التحق عمر في سن مبكرة بـ “الكلية العثمانية ” لأحمد عباس الزهري حيث أنهى علومه الثانوية. وقد كانت هذه الكلية مركزًا للثقافة العربية، وكان روادها يناقشون مفاهيم الديمقراطية والاشتراكية وسياسة التتريك وخطرها على الأمة العربية حضارة وتاريخًا.
انضم عمر إلى “جمعية العربية الفتاة “مناضلًا ضد الحكم التركي وتوّج نضاله بكتابه “كيف ينهض العرب؟” عام 1913 الذي كاد يذهب به إلى حبل المشنقة لولا توسط نافذ من أقربائه وصغر سنه وتعهد والده بإتلاف كل نسخ الكتاب. وقد قال عمر في ذلك: “أراد إلا تراك اعدامي فافتداني أبو عمر بأن أعدم الكتاب”. واذ آلم عمر شنق رفاقه عام 1916 تأبط رزمة من كتابه كان خبأها وراح يوزعها على المارة تحديًا على رغم تحذيرات والده. حين قدمت جيوش الحلفاء لم يرَ فيها عمر سوى مستعمرين جدد، فراح يكتب مقالات معادية للاستعمار بتوقيع “مسلم ديمقراطي ” في جريدة “الحقيقة” لأحمد عباس إلا زهري. انتسب عام 1919 إلى حزب “الاستقلال ” في دمشق وسافر إلى باريس حيث درس الحقوق والآداب وأسس مع بعض الطلبة العرب “الجمعية السورية العربية”، وهناك تضلَّع في الفرنسية، وتكونت لديه ثقافة غربية واسعة وقامت بينه وبين الأديب الفرنسي أناتول فرانس صداقة حميمة.
بعد رجوعه إلى بيروت أنشأ مع صديقيه صلاح اللبابيدي وعمر الزعني مكتبًا للمحاماة، وانخرط في الحركة الكشفية، وترجم عددًا من الكتابات، وذاعت شهرته الأدبية فانتخب عضوًا في المجمع العلمي بدمشق. وبعد وفاة زوجته سلوى طباره وطفلها بحمى النغاس، انقطع زمنًا عن الكتابة، لكن زوجته الجديدة أقنعته بالعودة إلى الكتابة، فكان كتابه “الباب المرصود” الذي أثار تساؤلات في شؤون الفكر والنقد.
بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية انضم عمر إلى عصبة مكافحة النازية في سوريا ولبنان وكان عميدَ مجلتها “الطريق”. وأصدر عام 1942 كتابه “لا هوادة” ضد النازية، ثم كتاب أديب في السوق عام1944. وبينما كان منكبًا على كتابة رواية “حنا الميت” دهمه مرض اليرقان، ولم يكن قد كتب منها سوى فصلين وتُوفي عام1946.
هذه السيرة الحافلة بالإنجازات الثقافية والسياسية والوطنية تثوي وراءها رؤية إلى الأدب والثقافة باعتبارهما التزامًا بقضايا الأمة وشؤون الناس. فالأدب في رأي عمر يجب أن يكون “مرآة الحياة وصورتها وترجمانها “وعلى الأديب أن ينزل إلى سوق الحياة، “لينظر ويعرف ويعقل ويشعر وينفعل، فتدخل هذه العناصر جميعًا في مادة أدبه”. فالصلة بين الأدب والحياة يجب ألا تنقطع حينًا من الأحيان.
في هذا الإطار من الالتزام الاجتماعي والقومي، وفي سياق رؤية ليبرالية ثابتة، يجب أن يفهم نضال عمر ضد التتريك والنازية وتأسيسه او انضمامه إلى الجمعيات الوطنية والقومية، وكتاباته ومقالاته المناوئة للأتراك والنازية والداعية إلى الحرية والنهضة القومية والاجتماعية. ولم يكن كتابه “كيف ينهض العرب” ولمّا يبلغ الثامنة عشرة إلا تأكيدًا لالتزامه المبكر بنهضة أمته ومجتمعه وتحررهما، لكن كيف يمكن الارتقاء بالأمة إلى هذه النهضة المرتجاة؟
إزاء هذا السؤال الإشكالي رأى عمر فاخوري الذي كتب كتابه “كيف ينهض العرب؟” في مرحلة التتريك وصعود النزعة الطورانية، أن الحرية هي أساس النهضة القومية والوطنية والمجتمعية وهي أقدس القيم التي تستحق النضال من أجلها. وهذه الحرية ذات وجوه متعددة سياسيًا واجتماعيًا وقوميًا، ويجب أن تأخذ في الحسبان كل هذه الوجوه، فالحرية لا تقبل التجزئة، من النضال التحرري ضد التتريك إلى النضال ضد النازية والفاشية، إلى النضال من أجل العدل الاجتماعي، إلى النضال من أجل الحرية القومية والوطنية، ولم يكن من دون دلالة أن يتصدر الصفحة الأولى من كتاب فاخوري “كيف ينهض العرب ؟”قول الرائد النهضوي قاسم أمين: “الحرية الحقيقية تحتمل إبداء كل رأي ونشر كل مذهب وترويج كل فكر”.
إقرأ أيضًا: فلسفة بناء الكِيان اللبناني في فكر ميشال شيحا
وإذا كان الفاخوري قد ذهب إلى الحد الأقصى في القول بالحرية الفكرية بتبنيه رأي قاسم أمين، فإنه شدّد في الوقت نفسه على العدل الاجتماعي والطبقي بقوله في “الاتحاد السوفياتي حجر الزاوية” :”لقد حلمت البشرية منذ أجيال بعالم غير عالمنا، يخلو من الفقر والظلم والجهالة يعمل فيه الناس جميعًا ويبذلون خير جهودهم ويتمتعون فيه بكل الفرص للتطور والصلاح، جماعات وأفرادًا متكافلين متضامنين “أو بقوله في “الحقيقة اللبنانية”، “ليس يجدي المواطن شيئًا أن تعلن حقوقه وحريته، إذا لم يعطَ في الوقت ذاته، الوسائل الضرورية لممارسة تلك الحقوق والحريات”.
ثمة ترابط أساسي إذا عند فاخوري بين الحريات الفكرية والاجتماعية والقومية، ولكن التحول إلى الحرية منوط بثورة تتناول الجوانب المدرسية والمدنية والسياسية والاجتماعية والأسرية والعلمية لتغيرها جميعًا بطريق يكفل تجدد الحياة في الأمة، فالثورة تكف عن أن تكون ثورة ما لم تنتهِ برسوخ معتقد جديد، فالثورات السياسية التي تبهر أعين المؤرخين هي أقل الثورات قيمة وما كان تغيير اسم الحكومة أو طراز الإدارة أو القانون، تغييرًا لحالة الشعب العقلية أبدًا، وليس قلب أوضاع الأمة دليلًا على قلب روحها البتة “ان الثورات الكبرى هي التي تحدث في العادات والمبادئ وإلا فكار، والتي تؤثر في مصير الشعوب وحياة إلا مم وهي الحادثة بشكل بطيء قلّما ينتبهوا اليه المؤرخون”.
من هنا إدانة عمر فاخوري للانقلابات الفوقية التي لا تتجاوز حدود الصراع على السلطة دون أن تتسرب إلى قلوب الجماهير، فمن السهل “دفع زمرة من الأشقياء أو شلة من العساكر إلى النهب والتخريب والقتل، ولكن يلزم للنهوض بشعب كامل -أو على إلا قل- بالقسم الأعظم من هذا الشعب، عمل عظيم وجهد كبير وقوّاد ماهرون”.
في ضوء هذه الرؤية لمفهوم الثورة، رأى عمر أن الجمود حركة فاترة ونبض ضعيف لا بد من أن تعقبهما الحركة الفاعلة متى توافرت لها الطرق الفعالة والهمم العالية. ولن يتحقق ذلك إلا إذا أصبحت “العربية أو “المبدأ العربي” ديانة للعرب يغارون عليها ويتعصبون لها كما المؤمنون لأديانهم. فالتعصب أرقى الفضائل في حياة إلا مم والشعوب المتقدمة تقدس قوميتها وتتعصب لها أشد التعصب.
إقرأ أيضًا: نقد الأيديولوجيا الشيوعية في النشأة والمآلات: الحزب الشيوعي اللبناني نموذجًا
أما القومية العربية فركائزها في نظره التاريخ والجنس واللغة التي هي العامل المحدد للجنسية “فيها وحدها يصبح إلا نسان عضوًا في جسم الأمة وهي وحدها تخوله الجنسية، حقًا إن اللغة هي الإنسان نفسه”. وفي هذا يلتقي عمر في تصوره اللغوي للقومية العربية مع بطرس البستاني وفرنسيس المراش وساطع الحصري وكمال الحاج.
على هذه الخلفية الأيديولوجية رأى عمر أن استقلال لبنان يجب أن يمثل السواد الأعظم من أفراد الشعب، لأن الاستقلال ليس وضعًا سياسيًا وحسب، وإنما وضعًا اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا حتى يشعر اللبناني أن الوطن الذي استقل “هو وطنه وليس لأفراد أو فئات منه، كل شيء يتبدل في الدنيا وهم لا يتبدلون”. إن استقلال الوطن اللبناني يتوقف على استقلال الشعب اللبناني وتمتعه بحرياته المدنية والسياسية تمتعًا صحيحًا.
ولن يستقيم ذلك أيضًا مع الحالة الطائفية التي تمزق الوطن والشعب اللبنانيين حتى بات “بين المذهب والمذهب وبين الجنس والجنس، من الحدود والحواجز ما يحتاج معه إلى جوازات سفر، كأننا شعوب في شعب واحد وأوطان في وطن”. إلا أن نظامًا سياسيًا ديمقراطيًا صحيحًا لكفيل بأن يمحو تلك الحدود الوهمية المؤذية. مثل هذا النظام يؤلف ويجمع، والوطنية تؤلف وتجمع، وخلاص لبنان في هذا التوجه المزدوج نحو الديمقراطية الاجتماعية والمواطنية اللاطائفية.
ترى لو استوعب اللبنانيون والعرب بعضًا من أفكار عمر فاخوري السياسية والاجتماعية، هل كانوا يعانون ما يعانونه اليوم من أزمات تهدد حاضرهم ومستقبلهم في الصميم؟