تكوين
إذا كانت الثقافة في أحد تعريفاتها، ما يبقى عند الإنسان بعد نسيانه جميع ما تعلّمه، فتكون الفلسفة بوصفها نظام تفكير، الثابت الأرجح والمبين في سيرة المثقف، تزيّن تجربته وتضفي عليها نكهة فريدة، فيها من السرد الممتع بقدر ما فيها من التلازم العقلاني المثير للشغف والاهتمام في آن معًا.
أشير تحت هذا العنوان إلى إنموذج من المثقفين، تحضر الفلسفة بأحوالها المتصلة بالعقلانية والالتزام والحوار والنقد، في سيرته، حضورًا راجحًا، يجعل الكتابة عنه، سفَرًا مثمرًا في تجرِبة ثقافية غزيرة المناهل متعدّدة الأبعاد.
أفتتح هذا الباب بسيرة الدكتور معن زيادة، مفكّر عروبي، وصاحب تجرِبة ثقافية تتقاطع في مراحل نضجها واختمارها، أنماطٌ فكرية، فيها من الدراية بقدر ما فيها من الرواية ومن الفلسفة بقدر ما فيها من الأيديولوجيا، ضدان يتعاندان، فينتجان خلاصات معرفية طيبة النكهة شديدة الوقع والأثر.
هو عَلَمٌ من أعلام العقلانية، استقى أصولها من تبحّره في الفلسفة وتياراتها، عبَّ من معارفها واختبر مناهجها، فكانت له خيرَ معين وأمضى سلاح في مواجهة التقليد، المعيق لنهضة العرب المعرفية والقومية.
١—طرابلس البداية
إذا كانت بدايات معن زيادة في طرابلس طالبًا نبيهًا يعتصم بحبل السؤال، عروبيًا مناضلًا في معركة الدفاع عن القضايا القومية، في بيئته الأم، طرابلس، مدينة العروبة بامتياز، فمن الطبيعي أن ينموَ عنده وجه من وجوه العقلانية الواعدة والحس النقدي، انتهيا به في بحر الفلسفة مُتعلمًا ومُعلمًا، باحثًا ومحققًا، سبر أغوارها، كاشفًا أسرارها، مستثمرًا مناهجها في نظرته إلى الواقع العربي وقراءته للتجارِب التي عرفها بأبعادها الفلسفية، الثقافية، السياسية والقومية.
—مرحلة التحصيل
بدأت معالم شخصيته تتكون في المدينة التي وُلد فيها (١٩٣٨) ودرس في مدارسها ولعب في شوارعها وباحاتها، فاكتسب من تجارِبه اليومية بين أهله ورفاقه وأساتذته في مدارس الزاهرية والحدادين والكلية الإسلامية، مزايا رافقته على امتداد عمره.
لم يكن معن زيادة طالبًا عاديًا، مع صغر سنه، كان واعيًا، نبيهَا، حذرًا من الأجوبة عن أسئلته الكثيرة، في بيته كما في مدرسته ومجتمعه، لم يكن ليرضى بالجواب الأول، ولا بالمعلومة الأولى، ولا بالمعارف السائدة، ما طبع سلوكه بنمط من أنماط التمرد، على واقع تسود فيه التقاليد، حتى وصل به الأمر عندما سُئل عن دينه في استمارة لإحدى الباحثات في العلوم الاجتماعية، لم يُجب عن السؤال، فاستوضحه مدير المدرسة سبب إحجامه عن الإجابة، فكان ردّه “لم أختر ديني حتى. الآن. . . لم يتيسّر لي الاطلاع على مبادئ كل منها. . . “، كان الجواب صادما للمدير يخرج من فم شاب في المرحلة التكميلية، تربّى في بيت يعيش قواعد الدين الإسلامي ويحترم أصوله.
هذا الموقف، إلى غيره من المواقف التي تحمل شيئًا من الاعتراض والتمرد (تركه االزاهرية) بيت خالته في إحدى قرى الكورة/ثم إلى بيروت/ثم إلى صيدا و صور) يعطي فكرة معبرة عن ظروف تكوّن شخصية معن زيادة، ونوعية المقدمات التي تبني عقله المتهيّء دائما لأسئلة التمييز والمقارنة، فها هو يقارن بين مدرسة الزاهرية ومديرها ومدرسة الحدادين ومديرها، وقد عرف المدرستين وتتلمذ على أساتذة كل منهما، بحسه النقدي استطاع أن يميز خصائص كل من البيئتين التربويتين، فرأى مدرسة الزاهرية (مدرسة فرح أنطون) بغالبيتها المسيحية (الأورتودكسية)، أكثر انفتاحًا وحداثة بطلابها وأساتذتها ومديرها، راجت بين أهلها أفكار علمانية نتيجة الحضور الأيديولوجي للحزب القومي السوري، مُلمحًا إلى أن من أسباب نمو هذا الحزب، توجس زعيمه أنطون من الديمغرافية السنية المترامية خارج الهلال الخصيب، في حين وجد في مدرسة الحدادين بغالبيتها السنية، التي سميت لاحقا على اسم الإمام الغزالي، مناخا هو الأقرب إلى المحافظة والتقليد.
لم ينشغل معن زيادة في تلك المرحلة بالمدرسة ومتطلباتها بقدر انشغاله بالنشاطات السياسية، لكنه، مع ذلك، لم يقصر في إعداده للشهادات الابتدائية، التكميلية والثانوية والنجاح فيها، لا سيما الثانوية وكان قد أعدها في الكلية الإسلامية للتربية، ونال معدلًا مرتفعًا يخوله الدخول إلى كلية الطب أو غيرها من الكليات العلمية في جامعة القاهرة، لكنه آثر الانتساب إلى قسم الفلسفة في الجامعة نفسها، معربًا عن حبه للفلسفة وميله إلى اختصاص قد يسهم، من جهة، في الإجابة عما كان يراوده من أسئلة عن الوجود وما بعده، ويصلّب، من جهة أخرى منهجه في النضال الفكري الذي كان يخوضه في مسيرة الإعلاء من شأن القومية العربية. هذه القومية التي طبعت ثقافة المدينة، ملأت عقله وقلبه، فكان مناصرًا عنيدًا لها في ساحة الصراع الفكري بين جملة من الأحزاب الأيديولوجية الموزعة بين القومية العربية والشيوعية والقومية السورية. . . استهوته القومية العربية، عشية قيام الوَحْدة بين مصر وسوريا، فانخرط في العمل الحزبي بعد أن تنظّم في حركة القوميين العرب، ولعب دورًا فاعلًا في التثقيف الحزبي وإنشاء الخلايا في المدارس، حتى امتد نشاطه إلى بيروت بالتعاون مع رفاق حزبيين في العاصمة.
مثلت حياة معن زيادة في طرابلس، بتجارِبها التربوية والاجتماعية والسياسية، ما يمكن أن يكون مرحلة تحصيلية، تأسيسية لمستقبل فكري وسياسي واعد، استكمل بناءها عندما قرر أن يلتحق بقسم الفلسفة في جامعة القاهرة.
٢-العمل السياسي
-لم يكن انتساب معن زيادة إلى قسم الفلسفة، ليخفف من حرارة انهمامه بالعمل السياسي الملتزم في حركة القوميين العرب، بل على العكس، كان من شأنه أن يضاعف نشاطه في أوساط الطلبة العرب في القاهرة، وكانت المسألة اليمنية مدار اهتمامه ومحور حراكه السياسي في تلك المرحلة، ما دعاه إلى تكثيف تواصله مع المعارضة اليمنية و رموزها المنضوين تحت راية الحركة أو المقربين منها، كما استطاع بحكم عمله مراسلًا لجريدة الحرية التي كانت تصدرها الحركة في بيروت، أن ينسج علاقات ويبِني صداقات مع كثيرٍ من الأدباء والمفكرين ويغطي كثيرًا من النشاطات الثقافية والحلقات الأدبية، حتى بدا الثقافيُّ والسياسيُّ وجهين متلازمين لشخصية معن وتجربته، فإلى السياسة، توسعت انشغالاته في حقول الآداب والفنون على تنوعها، مما أكسبه ثقافة جامعة، كان لها الأثر الكبير في توسيع آفاق تفكيره وتطوير نظره إلى الأشياء والوقائع والأحداث، وفي صوغ مقدماته العقلية المستجيبة بقدر كبير إلى الفلسفة بما هي العلم بالكلي Universel، كان من شأن عقلانيته الفلسفية أن تقوّي ملكة النقد عنده، وتغذي ميله الى الانفتاح على الآخر من أهل الفكر والثقافة والإعلام بنزعاتهم الأيديولوجية المختلفة معتمدًا الحوارَ منهجًا في مناقشة أصحاب الآراء والمواقف التي لا تتفق مع خياراته وتوجهاته.
مع انقضاء السنوات الأربع، دارسًا على كبار أساتذة الفلسفة في القسم ومُصادقًا لهم، مثل زكريا إبراهيم الذي خصه بمحبة وتقدير كبيرين، وأحمد فؤاد الأهواني وإبراهيم مدكور ومحمود الخضيري ويوسف مراد صاحب مذهب “التكاملية” وعثمان أمين رئيس قسم الفلسفة وصاحب مذهب “الجوانية”، وزكي نجيب محمود رائد الوضعية المنطقية في الفكر الفلسفي العربي، وقد أعجب به وبالمحاضرات التي كان يلقيها على طلابه حول مبادئ الوضعية المنطقية، فنشأت بينهما صداقة خاصة، توثقت عُراها عند مجيئه للتدريس في جامعة بيروت العربية، كان زكي نجيب محمود “مقاتلًا” صلبًا في معارك الدفاع عن العقل في مجتمع يُجيز كل شيء للنفس وانفعالاتها، خصومته الفكرية كانت حادة مع الشيوعيين ومنهم محمود أمين العالم، على خلفية اتهامه بالتسويق للثقافة الغربية التي تشبَّع منها جرَّاء دراسته في إنكليترا، لقد تعلم كثيرًا من متابعته الحثيثة لحراكه الفكري، فكانت خلاصة ما تعلم، وعي أهمية النظر إلى الأشياء بعقلانية وموضوعية.
تخرَّج معن مجازًا في الفلسفة من جامعة القاهرة وعاد إلى بيروت ليدرّس المادة في جامعة بيروت العربية، وكان ذلك في العام ١٩٦٢، وليستمر في الوقت نفسه في الصحافة التي أحبها، فعمل في مجلة” الحرية” وجريدة “المحرر”، المنبرين الإعلاميين لحركة القوميين العرب، فاقتصر آنذاك نشاطه الحزبي على هذا الجانب، مُتابعًا المخاض السياسي في البلد عبر المقابلات التي كان يجريها مع سياسيين أمثال: كمال جنبلاط وريمون إدّه. شغلت القضية الفلسطينية الحيّز الأكبر من عقله ووجدانه، وكان قد عايش مآسي اللاجئين عندما استقبلهم أهل المدينة (طرابلس) ووفروا لهم المأوى، فعرف قادتها في لبنان، لم يُخْفِ إعجابه بجورج حبش وسموّ أخلاقه وتواضعه، أما نايف حواتمه فكان ثوريًا طيبًا على شيء من الغرور، لا سيما عندما كان يحاول تشبيه نفسه بكبار الثوريين في العالم أمثال شي غيفارا، وعند مقابلته ياسر عرفات خرج بانطباع سلبي، إذ وجده شخصية انتهازية، لم يحبه يوما كما كان يقول في سياق حديثه عن تلك المرحلة.
٣-تجرِبة العيش مع الآخر
ثلاث سنوات قضاها مفكرنا بين التدريس الجامعي والصحافة، إلى أن حصل على منحة لإعداد دكتوراة في الفلسفة في الخارج وكان ذلك في العام ١٩٦٥، فنصحه د. حسن صعب بالانتساب إلى معهد الدراسات الإسلامية في جامعة ماكغيل في كندا، وهي من أهم الجامعات في العالم، فعمل بالنصيحة وأعدّ نفسه للسفر إلى عالم جديد، إلى تحدٍّ معرفي وحضاري، رُكنيه: العقل والحرية.
بدأت ملامح هذا الاختبار بالانكشاف ما إن وضع مفكرنا رجله في الطائرة، واستقر في مِقعده، حتى بانت على امتداد الرحلة، بين الركاب، معالم التناقض الحضاري والفوارق الثقافية. الغربيون من المسافرين، ما إن أقلعت الطائرة حتى انصرفوا بغالبيتهم إلى القراءة في كتب ومجلات حملوها معهم، في حين انصرف الشرقيون إلى التلهي تارة بإشغال المضيفات بطلبات لا تنتهي، وطورًا بالأحاديث الساذجة عن يومياتهم بانتظار وجبات الطعام، كان المشهد لافتًا ومعبرًا عن أنموذجين حضاريين مختلفين إلى حدّ التناقض، في نظر كل منهما إلى المعرفة، إلى الوقت وإلى السلوك الاجتماعي، فحب المعرفة، واستثمار الوقت بالنافع والمفيد، والسلوك المتمدن، قِيَمٌ طبعت سمات الغربيين على امتداد الرحلة، في حين غابت كليًا عن طبيعة حضور الشرقيين في “مجتمع الطائرة” الضيّق و الغني في آنً معًا.
لعلها صدمة أصابتني، يقول، جراء ما شاهدت وعاينت، لكني حاولت أن أتلقاها بصبر معتبرًا ما رأيت، الواقعة الأولى في تجرِبة مركّبة وواعدة في آن، سوف أعيشها طوال مدة تحضيري لشهادة الدكتوراة في كندا.
لعل الواقعة الثانية الصادمة له لأنه شرقي، كانت عند استقباله في المطار من مسؤوليْن في معهد الدراسات الإسلامية واصطحابه إلى السكن مؤقتًا في مركز جمعية الشبان المسيحيين، إلى أن يصبح سكنه جاهزًا في المباني الجامعية، صُدِمَ عندما رأى الشبان، يذهب الواحد منهم إلى الحمام عاريًا يضع المنشفة على كتفه بدل أن يستر بها أعضاءه الحساسة، الجميع يتصرفون على هذا المنوال ولا يبالي أحد بالآخر أو ينظر إليه، لأن الأمر عندهم طبيعي وعادي، ولما ذهب إلى الجامعة القريبة من المكان الذي يسكن فيه، ليستكشف المكان الذي سوف ينتقل إليه والإقامة فيه، وجد الطلاب والطالبات بلباسهنّ المثير يتحاضنون ويتبادلون القبل دون أدنى حرج، حتى بدا له أنه زائر وصل للتوّ من كوكب آخر، بل من مجتمع يتناقض بقيمه وعاداته وثقافته كل التناقض مع المجتمع الجديد الذي حلّ فيه.
مع ذلك كان يدرك معن زيادة في قرارة نفسه، أن ما يراه هو طبيعي في مجتمع يقوم على أفهومين مركزيين: العقلانية والحرية، حاسمين في تكوين شخصية الفرد وصناعة ثقافته وبناء المؤسسات بناءً ديمقراطيًا، علميًا، وإرساء نظام قيمي، لم تعرفه المجتمعات العربية والإسلامية، لأن الحرية والعقلانية، لم يلقيا فيها تربة خَصِبة، بل كانا مبعثا، في معايير الثقافة السائدة، للاتهام بالتبديع والتكفير.
ترسّخ عنده الحضور الفاعل لهذه العقلانية في أنظمة إدارة جامعة ماكغيل وفي برنامجي الماجستير والدكتوراه في معهد الدراسات الإسلامية فيها، في المقررات التي يجب متابعتها والخضوع لامتحانات في موادها وتقديم بحث في كل منها، فيكون إنجاز الرسالة جزءًا متممًا للشهادة، ماجستير كانت أو دكتوراة.
هذا المسار الأكاديمي الكثيف بمواده والمستوجب لكثير من التركيز والإعداد، إضافة إلى اجتيازه بنجاح، بإشراف كبار أهل الاختصاص أمثال تشارلز آدامز، مدير المعهد، قد فتح لمفكرنا مزيدًا من النوافذ الكاشفة لمزايا الحضارة الغربية وأسرار تفوّقها في الميادين العلمية والثقافية والإنسانية.
إذا كان النص الفلسفي في واحدة من ميّزاته، توازنًا بين الإشارة والعبارة، فإن اختيار معن زيادة شمس الدين الشهرزوري، أحد شارحي السهروردي، صاحب المذهب الإشراقي العرفاني، موضوعًا لرسالة الماجستير، واختياره ” الحركة من الطبيعة إلى ما وراء الطبيعة عند ابن باجه “موضوعًا لرسالة الدكتوراة، ينمّان عن إدراك لأهمية التكامل بين تهذيب النفس وتصفية القلب من جهة، ومنطق العقل وسلامة التفكير من جهة أخرى، في بناء نصّ فلسفي، مُطعَّمِ العبارةِ بإشارات تفتح آفاقه على فيض من المعاني والأفكار. لقد عبّر مفكرنا في مقدمة تحقيقه “السماع الطبيعي” عن تقديره للدور الذي لعبه ابن باجه الأندلسي في الانتصار للفلسفة في وجه مناهضيها، “في الوقت الذي كانت الفلسفة تتعرّض فيه لحملات الغزالي وأهل السلف العنيفة، نهض ابن باجه في المغرب ليدعم صرح الفلسفة، وليعبّد من جديد الطريق الفكري الذي بدأه الكندي والذي شهد ذُروة مجده على يد الفارابي وابن سينا. . . “.
٤—مرحلة التحقيق
بدأ معن زيادة تحقيق أهدافه عندما شرع في استثمار الحمولة المعرفية التي راكمها، جراء إنجازاته الأكاديمية وتجارِبه السياسية النضالية، في تحديث الفكر العربي، فوضع كتابًا تحت عنوان: “معالم على طريق تحديث الفكر العربي”، يرى فيه أن معركة العرب مع التخلف من أجل التقدم لا تزال على أشدها وستستمر على شدتها هذه لفترة طويلة، وهي مسألة متداخلة مع غيرها من المسائل والقضايا الأخرى، مثل: قضية الاستقلال والتحرّر والعدالة والوَحْدة.
استطاع في كتابه أن يقدم توصيفًا دقيقًا للمراحل التي اجتازها الفكر العربي. المرحلة الأولى هي مرحلة التأسيس والتأصيل، امتدت زهاء قرن (١٩)، ورغم فشل هذا المشروع النهضوي لأسباب مختلفة منها ما هو وليد السياسات الاستعمارية ومنها ما هو داخلي، غير أن هذه المرحلة أسهمت في إرساء الفكر العربي الحديث على قواعد ثابتة مهّدت لظهور الفكر القومي.
أما المرحلة الثانية فمتداخلة مع الأولى لاسيما في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وشغلت ما يقارب السبعين سنة من القرن العشرين، وفيها انطلق الفكر العربي ووضع مشروعه النهضوي الحديث، ورغم الإشارات التي كانت تنبئ بنجاح هذا المشروع، مع ما كان يحمله من آمال، إلا أنه لم يستطع مقاومة أسباب الفشل، فسقط تحت ضربات الضغوط الخارجية، والثغرات التنظيمية والسياسية. توّجت المرحلة الثالثة التي بدأت مع الثلث الأخير من القرن العشرين، هذا الفشل، فاعتبرها مفكرنا مرحلة انحسار، ساد فيها التخبّط بين مشاريع تحديثية وطنية وقُطْرية محدودة الأفق، مع هيمنة الأيديولوجيات المعادية للتحديث عمومًا.
لا شك أن مشروع التحديث العربي كان لُبَّ الجهود التي بذلها في ميادين النضال الفكري كافة، لقد استمر في متابعة المشروع الفكري لرفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي لا سيما اهتماماتهما الفكرية والعملية التي كان لها الأثر الكبير في “إنهاض” مشروع النهوض العربي، فالطهطاوي، كما يرى مفكرنا، رصد ركنين للتقدّم، أحدهما مادي والآخر معنوي، فالركن المادي يتمحور حول المنافع العمومية، مثل: الزراعة والصناعة والتجارة. أما الركن المعنوي فمداره: التمدن والأخلاق والآداب. وشرط تقدم الملة وتمدّنها ينعقد على استقامة التكامل بين هذين الركنين.
إلى جانب الطهطاوي، أخذ المشروع الفكري والسياسي لخير الدين التونسي حيزًا من اهتماماته، حقق له إحدى نسخ كتاب “أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك”، معتبرًا هذا الكتاب من أهم الكتب التاريخية، ويُمثل في مضمونه أهم تقرير يعدّه مفكر مسلم عن تقدّم المدنية الأوروبية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، يدعو فيه إلى الإفادة من هذه المدنية. الطهطاوي والتونسي، قد وضعا برأي د. زيادة، معالم مشروع نهضوي، فيه كثيرٌ من حداثة النهضة الأوروبية، كان لجهودهما فائدة كبيرة لمن جاء بعدهما، مثل: أحمد فارس الشدياق، جمال الدين الأفغاني، محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي.
يستطيع الناظر في عمق التجرِبة المعنية أن يستشعر تصويبه على مكامن الوهن في بِنية الفكر العربي، لقد استتر هذا التصويب في سلوكياته الفكرية المُقارِعة لوجوه التقليد المتجلّية في استفحال سلطة العقيدة (والاعتقاد بما هو عقدة على القلب بحسب الغزالي) على حساب حرية الرأي، وسطوة العصبية القبلية على حساب المجتمع المدني الديمقراطي، وهيمنة الريعية على حساب الاقتصاد المنتج، لقد توسع محمد عابد الجابري في تحليل هذه المفاهيم وذهب إلى رؤية العقيدة والقبيلة والغنيمة معوقات بِنيوية حالت دون نجاح العقل العربي في إدارة شؤون الأمة ومعالجة أزماتها المختلفة، بما يضمن انسلاكها في مصاف الأمم المتقدمة.
لم يترك معن زيادة جُهدًا إلا وبذله دفاعًا عن قضايا الأمة العربية، عن قضية القضايا، فلسطين، جرح الأمة النازف، بعقله وقلبه وجوارحه، ناصرها وأسْمَع صوتها، على منابر الشرق والغرب، في ساحات العواصم ومنتدياتها، انتظم في حركة المقاومة الفكرية مناضلًا إلى جانب: جورج حبش ونايف حواتمه ووديع حداد، الصديق الأقرب لقائد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، كرّس أحلى عمره وأكثره حيوية وطاقة لمحاربة أعدائها ومقارعتهم بالحُجة تارة وبالسلاح الأيديولوجي تارة أخرى، إلى أن انتهى به الأمر بعد الخيبات التنظيمية في بِنية الثورة الفلسطينية، وفشل السياسات التي انتهجتها منظمة التحرير، إلى قرار اتخذه بترك كل شيء والعودة إلى بيروت، إلى الجامعة اللبنانية وإلى قسم الفلسفة تحديدًا، لينصرف إلى البحث و التدريس.
٥—مرحلة تحقيق التحقيق: الجامعة اللبنانية/قسم الفلسفة
كانت هذه المرحلة من أشدّ المراحل حساسية، في البلد عمومًا وفي الجامعة بخاصة، ساد فيها مناخ طائفي/أيديولوجي متشنّج، انعكس على قسم الفلسفة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وكان مبعثًا لعوائق واجهت د. معن عندما قدّم طلبًا للتفرّغ في هذا القسم، لكنه استطاع أن يتجاوزها، بسيرته العلمية ومعونة بعض من عارفيه وقادري تجربته الغنية، وأن يتمگن بعد فترة من تفرّغه، من الفوز في انتخابات رئاسة القسم ضد د. كمال الحاج الذي كان يتبوّأ هذا المركز.
لم يكن قسم الفلسفة في كلية الآداب، قسمًا عاديًا، يقف دوره عند حدود تدريس الفلسفة، بل كان مساحة لحوار فكري حاد وساحة لصراع أيديولوجي مرتفع الحرارة، تجاوزت أصداؤه كلية الآداب، بين مجموعة من الأساتذة في القسم تناصر القومية اللبنانية وعلى رأسهم د. كمال الحاج صاحب موسوعة الفلسفة اللبنانية والمنظرّ للكِيان السياسي بوصفه شرطًا لوجود القومية بالفعل، ولفلسفة الميثاق الوطني (راجع: وليد الخوري، كلام على شفير الميتافيزيقا)، ومناصري القومية العربية ومن حالفهم من الأحزاب اليسارية، وعلى رأسهم د. معن زيادة، المنظّر للقومية العربية، المتبحر في خصائصها والمدافع عن أصالة مبادئها وسموّ قيمها.
كان حضور معن زيادة أستاذ الفلسفة مؤثرًا في قسم الفلسفة لكلية الآداب، في وقت ما كانت الفلسفة لتنأى بنفسها عن صراع فكري تجلى بقوة في الجامعة عمومًا وفي هذا القسم بخاصة، بين أقطاب ثلاثة: أشرنا إلى اثنين منهم: كمال الحاج، ومعن زيادة وثالثهم موسى وهبه شارح الماركسية، المتمكن من مبادئها والمؤمن بصلاحية تقدمها في معارك الفكر الإنساني.
يكفي النظر والتفكّر في هذا الثلاثي، كي ندرك حجم الدور الذي لعبته الفلسفة، وتدريسها بخاصة من هؤلاء المُجلِّين، في إغناء الحوار الفكري بين أهل الفلسفة طلابًا وأساتذة، مع اختلاف خياراتهم الثقافية والأيديولوجية. استطاع زيادة أن يكون أستاذًا ناجحًا في شرح المواد الفلسفية، متمرّسا في تفكيك الإشكاليات التي تطرحها، دون أن ينجح في التحرر من إغراءات الأيديولوجيا، فإذا بهواه العروبي يطبع كل قول يقوله أو رأي يُبديه أو فعل يُقدِم عليه، كان التزامه بالقومية العربية مُعلنًا، لم يحاول إخفاءه حتى في سياق النقاشات التي كانت تدور بينه وبين الطلاب في القاعة حول مسائل فلسفية، كيف يخفيه وهو رأس الحربة في صراع فكري كان يجتاح الجامعة والوطن على حد سواء، في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات.
هذا الانحياز للقومية العربية، لمكامن الثراء في تراثها، لا سيما الفلسفي منه، كان مبعثًا للعمل على إصدار “موسوعة الفلسفة العربية”، لعلّها الإنجاز الأهم في سلسلة إنجازاته الفكرية الغنية والهادفة، أشرف على إدارتها وتحريرها، وقد شارك في كتابة موضوعاتها كبار المشتغلين بالفلسفة من الأقطار العربية كافة، أُخرِجت في أجزاء ثلاثة، اختصّ كل منها بجانب من جوانب الفلسفة العربية.
تناول الجزء الأول المفاهيم والمصطلحات، والثاني عالج المذاهب والتيارات والمدارس أما الثالث فاهتمّ بالأعلام، هذا التصنيف يبقى من خصائص المنهجية العلمية التي تحلى بها د. زيادة، فالفصل بين أنواع المادة الفلسفية، من شأنه أن يُسهّل مُهمة الباحث في تحصيل مضمونها، كي يعيد الوصل بينها في مشروع بحثي يسعى في إنجازه أو تحقيقه. وعليه فإن ثمة حكمةً تقف وراء هذه الموسوعة ووراء القالب الذي انتهت إليه، فهي في وجه من وجوهها استجابة لهمّ معرفي طالما شغل د. زيادة، وهي في وجه آخر، جُهد مطلوب في مسيرة الدفاع عن الموقع الحضاري عمومًا للأمة العربية والفلسفي بخاصة، لقد جاءت الموسوعة لتدحض آراء بعض المستشرقين منهم إرنست رينان الذي رأى الفلسفة العربية هي الفلسفة اليونانية بأحرف عربية، ولتعمل في الوقت نفسه على إبراز قدرة هذه اللغة على استيعاب المعاني الفلسفية بأبعادها الكلية والتعبير عنها بمصطلح عربي مُبين و أصيل، ولتضع بين أيدي المهتمين، طلابًا وباحثين وأساتذة، مرجعًا فلسفيًا عربيًا موثوقًا، أعدّته وأشرفت على إعداده عقول متمكنة من العربية وعلومها ومن الفلسفة ومدارسها المختلفة.
يختم د. زيادة مقدمة الجزء الأول بالآتي: “هذه الموسوعة هي باختصار وتواضع، إسهام منّا في ميدان تخصصنا وفي النهضة الفكرية العربية والمشروع الحضاري العربي الجديد. . . يخرج هذا العمل من لبنان عساه يكون دليلًا على وجود بقية من عقل في قطر عربي وفي وطن عربي يكاد يختنق العقل فيه”.
في معرض الإشارة إلى المنهجية المتبعة، وردت المصطلحات في الجزء الأول تبعًا لتسلسل أبجدي، مترجمة إلى لغات ثلاث: الفرنسية، الإنكليزية والألمانية، أذكر على سبيل المثال مصطلح “آخر”، الذي افتتح به هذا الجزء.
-آخر:Autre/Other/Ander
إن مفهوم ال “آخر” هو أحد مفاهيم الفكر الأساسية، شأنه في هذا شأن “أنا” أو “كينونة” لذلك فهو يستعصي على التعريف، لأن التعريف يقوم على الوصف والمقارنة والتمييز والتحديد. . . إلخ،
أما لجهة تصنيف التيارات الفلسفية، فقد أشار إليه في مقدمة المجلد الثاني، الخاص بالمدارس والتيارات والمذاهب، فقد حرص د. زيادة في هذه المقدمة التي وضعها تحت عنوان “الفلسفة العربية الحديثة والمعاصرة بين الإبداع والإتباع”، على اعتماد التصنيف الذي رسمه د. جميل صليبا لهذه التيارات والمدارس، فأشار إليها بالآتي:
- ١-تيار الفكر المادي ممثلًا بشبلي الشميّل (١٨٥٠-١٩١٧) الطبيب والمفكّر اللبناني الذي كان أول عربي يتبنى المذهب الدارويني. . .
- ٢-تيار العقلانية كما فهمها مفكرون عرب أمثال محمّد عبده (١٨٤٩-١٩٠٥) ومحمد فريد وجدي (١٨٧٨-١٩٥٤)، حاولا فهم الإسلام فهمًا عصريًا وكان لهما اتباع ومؤيدون، ويندرج في هذا التيار يوسف كرم المتوفى عام١٩٥٩، كان مدار عقلانيته فلسفة أرسطو، قدّمها في ثوب جديد، وقد سلك طريقه غالبية المشتغلين بالفلسفة من الذين عاصروه.
- ٣-تيار المثالية، يضمّ عدة اتجاهات فلسفية يجمعها تأثّر مشترك بالمثالية القديمة بدءًا بأفلاطون مرورًا بأبي حامد الغزالي وهنري برغسون وغيرهم…
- ٤-تيار المدرسة التكاملية في علم النفس، لا سيما تكاملية يوسف مراد التي اهتمت بدراسة العلاقة بين الظواهر النفسية والظواهر الفيزيولوجية، معطيًا لهذه العلاقة بعدًا فلسفيًا. . .
- ه-التيار الوجودي، ظهر في الوطن العربي بعد عودة الطلاب الذين كانوا يدرسون في فرنسا إبان الحرب العالمية الثانية. . . في طليعة هؤلاء عبد الرحمن بدوي الذي تأثّر بالوجوديين الأوروبيين أمثال: هايدغر، كيركغارد وسارتر، وضع مجموعة من الكتب والدراسات أطلق عليها اسم الوجودية العربية. . .
- ٦-تيار الشخصانية، أراده أصحابه ردًّا على الوجودية وعلى الماركسية في الوقت نفسه، نادى بهذا التيار الفلسفي مفكرون معادون للماركسية والوجودية، من أمثال رينيه حبشي ومحمد عزيز الحبابي وغيرهما.
- ٧-تيار الاتجاهات العلمية، جاءت هذه الاتجاهات متأثرة بالتقدم العلمي الحديث في أوروبا، معه تغيّرَ كثيرًا من الحقائق، ودُحضت كثيرٌ من المفاهيم التي سادت في العصرين القديم والوسيط. كان للمدارس الفلسفية التي ظهرت في أوروبا مع ازدهار النهضة العلمية، أثرها الكبير في المثقفين العرب، أظهروا اهتمامًا واضحًا بأفكارها المتنوعة، وكان يعقوب صرّوف المثقف اللبناني- المصري في طليعة المؤمنين بأن المستقبل هو للعلم، فجعل مجلة المقتطف التي كان يرأس تحريرها، مِنبرًا يدعو إلى سيادة التفكير العلمي، ويشدّد على العلاقة السببية بين العلم والتقدّم والنهضة، كذلك برزت أسماء، عمل أصحابها على نشر الثقافة العلمية، أمثال: إسماعيل مظهر وشبلي الشميِّل، مع كونهما مختلفين في الموقف من الدين، كان يرى الشميّل أن العلم هو دين الإنسان، في حين رأى مظهر أن الدين حقيقة لا يحجبها العلم. يندرج أيضًا في هذا التيار العلمي زكي نجيب محمود أحد المفكرين العرب القلائل الذين صاغوا منهجًا فلسفيًا واضحًا، إذ دعا إلى اعتماد التفكير العلمي وسيادة منطق العقل، والطريق إلى ذلك انتهاج الوضعية المنطقية التي نذر نفسه لشرحها وتبسيطها، فكان جلّ جهوده بمنزلة دعوة إلى عقلانية عربية جديدة.
لم يَفُتْ د. زيادة أن يُبدي بعض الملاحظات النقدية حول التصنيف الذي وضعه د. جميل صليبا للتيارات والمدارس الفلسفية التي عرفتها الثقافة العربية، فوجد أنه تصنيف غير شامل، يُهْمِلُ الإشارة إلى تيارات أخرى شَهِدت رواجًا وقبولًا من النخب والشعوب العربية، مثل: الماركسية والاشتراكية والقومية، والبِنيوية والفرويدية وغيرها من التيارات التي سوف يتناولها هذا الجزء من الموسوعة، ناهيك أن هذا العرض التصنيفي، يبقى على أهميته التاريخية، وانفتاحه على الثقافة الغربية، موضع تساؤل عن مدى إسهام هذه التيارات الفلسفية في توفير الحلول الناجعة للأزمات المختلفة التي تَعْصِفُ بالمجتمعات العربية، يضيف زيادة أن هذه التيارات لم تلقَ انتشارًا مقبولًا، وبقيت على قَيْدِ الحياة في بيئة الأساتذة الجامعيين الذين انشغلوا بها واشتغلوا عليها، في أبحاثهم ومحاضراتهم الجامعية.
في السياق نفسه يأتي انهمامه بالفكر العربي عمومًا، فتسلّم رئاسة تحرير مجلة “الفكر العربي” التي كان يُصْدرها معهد الإنماء العربي، وكان قد سبق أن عرفه هذا المعهد، باحثًا فيه ثم مديرًا له. ولا غرو في القول إن هذه المجلة، بخلفيتها الأيديولوجية المنفتحة على كل ما من شأنه أن يُسهم في الكشف عن مواطن القوة في الثقافة العربية، ويطوّر الأدوات المعرفية التي يتوسل بها الفكر العربي في إنتاجه لهذه الثقافة، كانت مَعْبرًا مكرّسا لكل باحث في قضايا العرب الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية. استضافت على صفحاتها كبار المفكرين والعلماء المتبحرين في العلوم الإنسانية على اختلافها، وجمعت في أعدادها أبحاثا أكاديمية عالية القيمة، استفاد منها المهتمون بهذه العلوم، أساتذة وطلابًا، في الجامعات اللبنانية والعربية. أذكر أن معرفتي الأولى بهذه المجلة حصلت في أثناء محاضرة للأب فريد جبر، عن مفهوم “الحدّ définition»، فعندما بدأ في تحليل نصّ من كتاب “المستصفى في علم الأصول” لأبي حامد الغزالي، أخرج من “شنطته” العدد٤٢ من “مجلة الفكر العربي” وكان قد نُشِرَ له فيه بحثٌ قيّم بخصوص الموضوع الذي يعالجه في المحاضرة، فأشار الى الطلاب بضرورة الاطلاع عليه، ومراجعته والاستفادة منه، مُعْربًا في الوقت نفسه عن رصانة الأبحاث العلمية التي تنشرها هذه المجلة، ومُشيرًا إلى الخلفية المعرفية التي تحكم الإدارة الأكاديمية لموادّها.
يستطيع المتابع لتجرِبة د. زيادة، الفيلسوف العروبي، أن يقع على خبير متمكّن، يمتلك من “الحِنْكَةِ” المعرفية ما يمنحه فنّ الوصل بين عناصر ربما وجدها البعض متباعدة، فاجتمعت في شخصه الصحافة والسياسة والفلسفة، وأدب السرد الذي تجسد في كتابه “الفصول الأربعة” وأن يتلمَّس في مساره الفكري والنضالي، “تعاندًا” (الصيغة مشتقة من ظرف المكان “عند”) مُجديًا بين الفلسفة والأيديولوجيا، والتعاند تفاعل بين “عندين” “عِنْد” الفلسفة و”عِنْد” الأيديولوجيا، غالبًا ما يُثْمِرُ ثمرًا طيبًا حتى ولو رافقه شيء من المعاندة. وعليه فإذا كان المفهوم الفلسفي يقترن بالكونية، لكنه يستبطن إمكان انحسار” إطلاقيته” عند التحقّق محكومًا بشروط الزمان والمكان، كذلك المفهوم الأيديولوجي، المولود من تجرِبة جماعة معينة بشروط زمكانية محدّدة، يستبطن إمكان انكسار خصوصيته، عند انفتاحه على الأفق الإنساني العام. لعل فيما اختزنته تجرِبة الفيلسوف القومي معن زيادة، من انفتاح تواصلي على الآخر، على قاعدة الحس الإنساني الجامع، وحرصه في الوقت نفسه على قوميته العربية، بل عروبته الحضارية، بعمقها الإنساني ما يفسر هذا الوجه من وجوه المصالحة بين الفلسفة والأيديولوجيا التي رافقته في مسيرة حياته.
لكنّ السؤال يبقى مطرُوحًا ومشروعًا في الوقت نفسه عن الحدود التي تقف عندها الأيديولوجيا القومية أمام نشاط العقل الفلسفي في تجرِبة معن زيادة، ومعلوم أن مصلحة الجماعة التي تعبر عنها الأيديولوجيا هي فوق كل اعتبار، كل شيء يُستثمر في سبيل حمايتها ويستخدم، بما في ذلك العقل، في حين يتجاوز العقل الفلسفي الحرّ مصلحة جماعة معينة لحساب مصلحة الإنسان (بالحروف العريضة) وماهيته الكلية الجامعة، وقِيَمِه الأونيفرسالية العابرة للخصوصيات والهُويات البسيطة والمركبة. ما يدفع استطرادًا إلى سؤالٍ مُركَّبٍ يتناول إشكالية العلاقة بين الفلسفي والسياسي في تجرِبة معن زيادة، هل تقدمت الفلسفة على السياسة في هذه التجرِبة، بوصفها أصلًا تستهدي به، أو تقدمت السياسة على الفلسفة بوصفها الغاية و”بيت القصيد” كما يُقال، أو أن الإثنين تساويَا في المرتبة، على خلفية حضور السياسة حضورَ مادةٍ والفلسفة حضورَ أداةٍ، في هذه التجرِبة؟ والجواب عن هذا السؤال ليس سهلًا، فيه من التركيب والتعقيد ما يحفّز على تخصيص بحث معمّق، يتعقَّب فيه الباحث خيط الوصل في نصوص معن زيادة وأفكاره و”يقرأ” بانتباه وإصغاء ما تقوله “حياة” الرجل، ويفكّك باحتراف علمي، “الميكانيزمات” المعرفية التي استطاعت أن تزاوج في مسيرته بين هذين الرفيقين اللدودين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
١-معن زيادة، الفصول الأربعة، سيرة حياة، بيروت، دار رياض نجيب الريّس ١٩٩٩.
٢-معن ريادة، معالم على طريق تحديث الفكر العربي، عالم المعرفة، عدد١١٥، الكويت ١٩٨٧.
٣-معن زيادة/رضوان السيد، تحقيق كتاب “أقوم المسالك لمعرفة أحوال الممالك، خير الدين التونسي، دار الطليعة، بيروت ١٩٨٧.
٤-معن زيادة/رضوان السيد، تحقيق كتاب “المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين”، سعيد بن سعيد النيسابوري، معهد الإنماء العربي، بيروت ٢٠٠٢.
٥-معن زيادة/رضوان السيد، ترجمة كتاب “مفهوم الحرية في الإسلام، فراز روزنتال، ١٩٧٨.
٦-معن زيادة، تحقيق وتقديم “شرُوحات السماع الطبيعي، ابن باجه، دار الكندي ودار الفكر، بيروت، ١٩٧٨.
٧-الموسوعة الفلسفية العربية في ثلاثة أجزاء.
٨-معن زيادة، الحركة من الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة، دار اقرأ، بيروت١٩٨٥.