عندما يرى الله النساء بعيون الرجال: دراسة سوسيو-أنثروبولوجية في التأويل الذكوري “للمقدس”

 تكوين

مقدمة:

تُفهم المرجعية الدينية، من منظور سوسيولوجيا الدين، بوصفها بناءً اجتماعيًا مركبًا تتداخل فيه المعرفة المقدسة مع السلطة الرمزية، إذ لا تنتج الشرعية الدينية فقط عبر النصوص، ولكنْ عن طريق الفاعلين المخولين اجتماعيًا لتفسيرها واحتكار معناها، وهو ما يجعل المرجعية فضاءً للصراع على السلطة أكثر من كونها مجالًا رُوحيًا خالصًا. في هذا السياق، يُبين ماكس فيبر أن السلطة الدينية هي نمط من أنماط الهيمنة الرمزية التي تستمد مشروعيتها من الاعتقاد الاجتماعي بقداسة الفاعل لا من النص وحده، مؤكدًا أن “الشرعية الدينية” لا تقوم بذاتها، بل تنتج اجتماعيًا عبر الاعتراف الجماعي”[1] .

وانطلاقًا من هذا الإطار، يمكن فهم الإقصاء التاريخي للنساء من صناعة المرجعية الدينية في الإسلام والمسيحية واليهودية وغيرها من العقائد بوصفه نتاجًا لبِنى أبوية أعادت تنظيم المجال الديني بما يخدم احتكار الرجال للمعرفة المقدسة. فبحسب بيير بورديو، تعمل المؤسسات الرمزية ومنها المؤسسة الدينية “على إعادة إنتاج الهيمنة عبر تحويلها إلى بداهات طبيعية، إذ تصبح اللا مساواة غير مرئية ومقبولة اجتماعيا”[2]، وهو ما ينطبق على تحويل استبعاد النساء من الفتوى والكهنوت والحاخامية إلى مسألة “شرعية دينية” لا اختيار اجتماعي.

وتؤكد دراسات النِسْوية الدينية أن هذا الإقصاء لم يكن نتيجة غياب النساء عن المعرفة الدينية، بل نتيجةُ تغييبهن المؤسسي، إذ تُشير أمينة ودود إلى أن “النساء كن حاضرات في إنتاج المعرفة الإسلامية المبكرة، لكن التاريخ الرسمي للفقه أعيدت كتابته من منظور ذكوري”[3]، ما جعل التفسير الذكوري يقدم بوصفه التفسيرَ الوحيد الممكن. وفي السياق المسيحي، تظهر روزماري رويثر أن استبعاد النساء من الكهنوت لم يكن قرارًا لاهوتيًا خالصًا، بل هو انعكاس لبِنية اجتماعية أبوية أعادت قراءة النصوص بما يخدم تجذير السلطة الذكورية، معتبرة أن “اللاهوت المسيحي” الكلاسيكي صاغ صورة الإله والسلطة الدينية على مقاس التجرِبة الذكورية”[4]، أما في اليهودية، فتوضح جوديث بلاسكو أن استبعاد النساء من الحاخامية والتفسير التلمودي يُمَثِّلُ نمطًا من “الإقصاء المعرفي، يمنعن به من المشاركة في إنتاج المعنى الديني رغم كونهن جزءًا من الجماعة المؤمنة “[5]، وبهذا المعنى، فإن صناعة المرجعية الدينية عبر التاريخ لم تكن عملية محايدة، بل ممارسةٌ اجتماعية أنتجت داخل علاقات قوة غير متكافئة، حولت فيها الأعراف الذكورية إلى مسلمات عقدية، وأقصيت النساء (مسلمات ومسيحيات ويهوديات وأخريات) من حقهن في أن يكن فاعلات في إنتاج المقدس، لا فقط متلقيات له. إن هذا الإقصاء، وفقا للسوسيولوجيا النقدية للدين، لا يعكس جوهر العقائد بقدر ما يعكس تاريخًا طويلًا من تديين اللا مساواة الاجتماعية وتحويلها إلى “نظام معنى مقدس” يعيد إنتاج نفسه عبر المؤسسات والخطاب والذاكرة الدينية الجماعية.

إقرأ أيضًا: المرأة في اللا شعور الإسلامي

ولذلك فإن الإشكالية السوسيولوجية لهذا البحث تتجلى في فهم كيف ولماذا جرى تاريخيًا تنظيم المرجعية الدينية بوصفها مجالًا احتكاريًا للرجال؟ وما الآليات الاجتماعية والرمزية التي أسهمت في إقصاء النساء باختلاف عقائدهن من المشاركة في إنتاج المعنى الديني وصناعة الشرعية المقدسة؟ وللإجابة عن هذه الطرُوحات سنتناول الظاهرة عن طريق الديانات الأربع الأكثر اتباعًا في العالم وهم تباعًا: (الإسلام، المسيحية، اليهودية والهندوسية).

1-الدينُ آليةُ إنتاجٍ للهيمنة الذكورية

من المنظور السوسيولوجي، لا يكمن الإشكال الفعلي فقط في غياب النساء عن مواقع الفتوى أو الكهنوت أو الحاخامية، وإنما في تحويل هذا الغياب إلى أمر بدهي وطبيعي وحتى مقدس عبر المؤسسات الدينية والخطابات التأويلية التي أعادت إنتاج الهيمنة الذكورية. لا يمكن فهم غياب المرأة عن مواقع المرجعية الدينية الرسمية في المسيحية واليهودية أو حتى الإسلامية باعتباره مشكلة “شخصية” أو نتيجة نقص معرفي أو رُوحي، بل هو ظاهرة نابعة من بِنى اجتماعية ورمزية وتاريخية أوسع تكوّنُ السلطة الدينية نفسها. وتشير توطئة بحث أكاديمي منشور في مجلة Religions المختصة بالدراسات الدينية إلى أن “مكان المرأة داخل جماعتها الدينية مُعقد اجتماعيًا وسياسيًا وثقافيًا ولا يرتبط فقط باللاهوت، وأن النساء المحرومات من المناصب الرسمية غالبًا ما يستخدمن سلطة غير رسمية داخل الدين ذاته”[6]. هذا التحدي لا يرتبط فقط بمنع النساء من المناصب، بل بربط السلطة الدينية نفسها بهياكل اجتماعية تحمل تصورات جندرية مترسخة.

وقد تناولت الدراسات النقدية في النِسْوية والدراسات الدينية، كيفية اشتغال الاختلاف الجندري داخل التراث الديني نفسه، إذ تقول روزماري رويثر في تحليل نقدي للدين إن “كل ما يقلل أو ينفي الإنسانية الكاملة للنساء لا يجب أن يفترض أنه أمر إلهي… بل نتاج قراءة اجتماعية تاريخية للنصوص والتقاليد”[7]، ومن هنا نتبين أن التفسيرات التقليدية للنصوص الدينية التي تُخَوِّلُ للرجال حصرًا صلاحية التأويل والفتوى، ليست مسألة مرتبطة بالعقيدة فقط، ولكنْ ولكنها آلية اجتماعية لإعادة إنتاج السلطة الذكورية داخل المؤسسة الدينية.

بناء على هذا المنظور السوسيولوجي، نفهم أن غياب المرأة عن المرجعية الدينية المؤسسية ليس نتيجة لجفاف رُوحاني أو غياب كفاءة، بل هو نتيجة تراكم أنظمة اجتماعية وثقافية تربط بين الجنس والسلطة المعرفية، لذلك تعد المشاركة الدينية النسائية نسبية داخل النخبة الدينية المحتكرة من الرجال، إذ يتحدد دور النساء غالبًا في فضاءات غير رسمية للسلطة الدينية: (التأثير الاجتماعي والطقوسي داخل الجماعة نفسها) وهذا ما تؤكده الأدبيات الحديثة في دراسات المرأة والدين.

إقرأ أيضًا: لماذا يرث الرجل ضعف المرأة؟

ومثالًا نجد أنه في السياق الإسلامي، وَفْق الدراسات المعاصرة يعود غياب المرأة عن المناصب الرسمية للمرجعية الدينية إلى تراكمات اجتماعية وسياسية تركز السلطة في مؤسسات ذكورية، على سبيل المثال، مقالة علمية حديثة تناقش إعادة تفسير مفهوم الفتوى لتشمل النساء لتكن مراجع فقهية في باكستان، معتبرة أن التهميش التاريخي للنساء من مواقع إصدار الفتاوى، كان بناءً اجتماعيًا وسياسيًا وليس نصًا لاهوتيًا صريحًا.

أما من منظور الأنثروبولوجيا الدينية، فإن الوضع لا يختلف كثيرًا بين الديانات الكبرى، فمثلا في سياق الإيمان المسيحي، نجد أن كثيرًا من الطوائف المسيحية اليوم تسمح بتعيين النساء ليكن كاهناتٍ وأساقفةً، “إلا أن معظم التقاليد التاريخية (مثل الكاثوليكية الأرثوذكسية) احتفظت بمناصب اليسسـقفية والكرسي الرسولي للرجال فقط حتى القرن العشرين، مما يُظهر نمطًا مؤسسيًا شائعًا عبر التقاليد الدينية في السيطرة الذكورية على الوظائف الرسمية للسلطة الرُوحية” [8].

2-المرأة في الإسلام خارج البوابة المقدسة

لقد مَثَّلَ الحقلُ الديني الإسلامي، منذ انبعاث المؤسسات العلمية النظامية، بوصفه حقلًا ذكوريًا بصورة أساسية، ويصف جورج طرابيشي هذه العملية بقوله إن: “المؤسسة الدينية الإسلامية، كغيرها من المؤسسات الدينية، جرى تأسيسها وتطويرها من الرجال ولصالح الرجال، فأصبحت بذلك ذكورية في بِنيتها ووظيفتها”[9]، لذلك فإن إنتاج المعرفة وإضفاء الشرعية الدينية يعتمد على “السلطة التقليدية كما تجسدها المؤسسات الدينية التي تعتمد على قدسية الأعراف والأوامر الموروثة”[10]، وفي هذا الصدد تشير زيبا ميرحسيني أن: “المؤسسات الدينية الرسمية تعمل عملَ أقفاصٍ ذهبية للنساء، إذ يسمح لهن بالوجود ولكن ضمن شروط وحدود تحددها الأطر الذكورية المهيمنة”[11].

ووفقًا لما تقدم يرى الباحثون أن عدم تمكين المرأة بأن تكون مرجعية دينية في كثير من المجتمعات ليس حكمًا لاهوتيًا وحده، ولكن هو نتاجٌ لتفكير اجتماعي ثقافي مرتبط بنمط هيمنة ذكورية تاريخية داخل المؤسسات الدينية.

فمثلا لو قمنا بمقاربة سوسيولوجية لفهم غياب المرأة عن المناصب الافتائية في المجتمعات الإسلامية التقليدية، سنجد أنه لا يمكن فهم ظاهرة نُدرة “المفتيات” في السياقات الإسلامية التقليدية إلا بتفكيك الفتوى من كونها ممارسة دينية بحتة، إلى اعتبارها حقل اجتماعي بمعنى بورديو، تتنازع فيه المواقع والسلطات والرموز. فالفتوى ليست محض استنباط شرعي، بل هي ممارسة سلطوية تُنتج وتكرس علاقات القوة داخل المجال الديني وخارجه. ومن ثمَّ فإن غياب المرأة عن هذا الحقل، ليس قضية فقهية معزولة، بل هو تعبير عن بِنية جندرية عميقة تحكم تنظيم المجال الديني وتوزيع السلطة الرمزية داخله. ومن ثمَّ يوجد عديدٌ من الآليات السوسيولوجية التي تناولت التمثلات الاجتماعية والرمزية الداعمة لبقاء المرأة خارج البوابة، ومن أكثر هذه الآليات نجد إجلال فكرة الحضور الذكوري، فبالنظر إلى فكرة جسد المفتي والمرتبط بهرمية الحكمة، سنجد أن المخيال الجمعي، يربط منصب المفتي بصفات مجردة تُنسب ثقافيًا للذكورة، لأن الرجل هو الوحيد الذي يتسم بعدة صفات منها الجرأة في قول الحق، والحياد المزعوم. في المقابل نجد الجسد الأنثوي، في الخطاب التقليدي، بوصفه جسدًا مرتبطًا بالعاطفة، والتقلب، والحيز الخاص. هذه التمثلات الرمزية تجعل المجتمع ينظر بشك إلى قدرة المرأة على إصدار خطاب شرعي محايد وموثوق.

إقرأ أيضًا: المرأة والتنظيمات الإسلامية: بين التَّأطيرات النظرية والمُمارسات العمليَّة

ووفقا لما تقدم، نفهم أن حيازة المرأة للثقة الاجتماعية هي مسألة جدًا صعبة، لأن ثقافة الثقة ترتكز على دعم السلطة الأبوية، ومن ثمَّ تقبل الفتوى مرتبط بثقة المستفتي، وهذه الثقة لا تتأسس على الكفاءة العلمية فقط، بل على السلطة الكاريزمتية للمفتي، والمترسخة عبر صور الأب والشيخ والحكيم. والمرأة تفتقر إلى هذا المخزون الرمزي من “الأبوة الرُوحية”، مما يجعل كسب الثقة العامة مُهمة شاقة للغاية، حتى لو حصلت على الإجازة العلمية، كما لا ننسى فكرة الخوف من الفوضى الرمزية، لأن السماحَ للمرأة بالإفتاء ينظر إليه في اللا وعي الجمعي التقليدي، على أنه تحدٍ للنظام الرمزي الأبوي الذي يرتكز عليه النظام الاجتماعي. لهذا يُعد حضور المرأة في هذا المنصب تهديدًا لاستقرار المُتخيل للمجال الديني. لذا يكون مقاومة ظهور المفتيات مقاومة للاختلال الرمزي المتصور أكثر منه نقاشًا بشأن النصوص. وتبرر هذه المقاومة إقصائها للمرأة من هذا المنصب بعُقدة الجسد الأنثوي والذي يُمثل في المجتمعات العربية والمسلمة فكرة “الجسد الحرام” أو “الجسد المعيب” بوصفه مركزَ الشرور والشهوات والفتنة، مما يجعله غير مؤهل لتمثيل السلطة الدينية العلنية. وهنا نستلهم فكرة ماري دوغلاس التي ترى أن “الجسد هو نموذج مصغر للمجتمع، والحدود الجسدية تمثل الحدود الاجتماعية”[12].

وخلاصةً لما سبق، يُعَدُّ غياب المرأة عن المؤسسات الدينية “نتاجًا للعنف الرمزي، ذلك الأسلوب من العنف الخفي الذي يُمارس عبر التصورات والمقبوليات الاجتماعية، ويكون أكثر فعالية لأنه لا يرى عنفًا”[13]، لذلك فإن الإفتاء في المجتمع المسلمة يُعَدُّ من أهم آليات إنتاج الخطاب الديني، وهو بدوره يُعيد إنتاج المعايير القيمية والاجتماعية التقليدية للمجتمعات، كما ارتبط الإفتاء بالفضاء العام، وهو مجال خضع تاريخيًا لمنطق الهيمنة الذكورية. وبهذا جرى تأنيث التدين وتجريد المرأة من سلطة التأويل، مقابل تذكير الفقه وتحويله إلى مجال مغلق أمام النساء. لذلك فإن التغيير الحقيقي، يتطلب إعادة بناء العلاقة بين المرأة والحقل الديني من أساسها، وهذا يعني مراجعة جذرية للتراث وتأويلاته الذكورية.

2- المرأة في الهندوسية من قداسة الآلهة إلى حقيقة الاستعباد الاجتماعي

لا تُعَدُّ الأديان مجموعة من النصوص فقط، وإنما هي منظومات تحافظ على علاقات القوة الاجتماعية وتعيد إنتاجها عن طريق الطقوس والمؤسسات والنصوص المقدسة والممارسات اليومية. كما تقدم الأديان رموزًا وقصصًا عن القوة والحرية، لكن في واقع المجتمع تترجم هذه الرموز بطرق تعكس هياكل اجتماعية سائدة مثل: البطريركية والطبقية.

وفي هذا السياق سنقدم وضعية المرأة في الديانة الهندوسية، والتي إن تناولناها من مقاربة أنثروبولوجية، فإننا لن نكتفِ بالبُعد اللاهوتي الذي يُبرز حضورَ آلهات قويات مثل سيتا ودورغا، وإنما ينبغي لنا تحليل العلاقة الجدلية بين الرمز الديني والبِنية الاجتماعية التي تعيد إنتاجه. فالهندوسية، بوصفها نسقًا دينيًا وحضاريًا، تقدم في مستوى الأسطورة والطقس تصورًا كونيا للأنوثة بوصفها طاقة كونية (شاكتي)، تجسد فيها دورغا القدرة الحربية الحامية للنظام الكوني، وتُصاغ سيتا في ملحمة رامايانا صياغةَ نموذجٍ للطهارة والوفاء والتضحية، غير أن هذا التمجيد الرمزي لا ينعكس بالضرورة على التراتبية الجندرية في الواقع الاجتماعي. تشير الباحثة “آرتي داهاند” إلى أن “النصوص الملحمية الهندوسية تُنتج أيديولوجيا مزدوجة للأنوثة، تصور داخلها المرأة في آن واحد مصدرَ قوةٍ رُوحية وموضوعًا للضبط الأخلاقي والاجتماعي”[14]، وهو ما يكشف عن توتر بِنيوي بين التقديس الرمزي والموقع الاجتماعي الفعلي. كما توضح كاثلين إرندل أن “عبادة الإلهة تمنح النساء حيزًا تعبيريًا داخل الطقوس، لكنها لا تُفضي تلقائيًا إلى إعادة توزيع السلطة المؤسسية داخل البِنية البراهمانية”[15].

هذا التناقض يصبح أكثر وضوحًا عند العودة إلى النصوص التشريعية مثل “مانو سمريتي”، إذ ينسب إلى مانو القول إن “المرأة يجب أن تكون تحت وصاية أبيها في الصغر، وزوجها في الشباب، وأبنائها في الشيخوخة، ولا يجوز لها الاستقلال”[16]، وهو نص يعكس تَقْنينا صريحًا للتبعية الجندرية داخل النظام الاجتماعي. وتبين “أوما شكرافاتي” “أن تكوّن البطريركية البراهمانية ارتبط تاريخيًا بضبط جسد المرأة وتنظيم زواجها وخصوبتها لضمان نقاء النسب الطبقي، معتبرة أن السيطرةَ على النساء كانت آلية مركزية في إعادة إنتاج نظام الطبقات”[17]، وبهذا المعنى، فإن وجود آلهات مثل دورغا لا يُلغي اشتغال ما تسميه السوسيولوجيا إعادة الإنتاج الرمزي للهيمنة، إذ تستثمر صورة الإلهة الأم أو الزوجة المثالية لتعزيز أدوار الطاعة والعفة داخل الأسرة الأبوية. وتذهب ليندسي هارلان إلى “أن تمثلات سيتا تستخدم اجتماعيًا لترسيخ نموذج الزوجة الصابرة التي تعرِف فضيلتها عبر التضحية”[18]، وهو ما يحول الرمز الديني إلى معيار أخلاقي يقاس به سلوك النساء في الحياة اليومية.

المرأة أيضًا: المرأة بين الطبيعة والثقافة: صورة المرأة في الوعي الإنساني

كذلك تشير “لوسيندا رامبارج” إلى أن الطقوس المرتبطة بالإلهة قد تُنتج أنماطًا معقدة من الفاعلية النِسْوية، لكنها تبقى محكومة بإطار اجتماعي أوسع لا يُعيد بالضرورة توزيع الامتيازات الاقتصادية أو الدينية”[19]، وعليه، فإن التحليل السوسيو-أنثروبولوجي يكشف أن المسألة لا تتعلق بغياب رموز أنثوية مقدسة، بل بالفصل البِنيوي بين “القداسة الرمزية” و”السلطة الاجتماعية”، إذ يمكن لثقافة دينية أن تُمجد الأنوثة تمجيدَ قوةٍ كونية (شاكتي)، وتُبقي على احتكار الرجال لمواقع الكهنوت والتفسير والسلطة الطقسية. إن هذا التعايش بين التمجيد الأسطوري والتهميش الاجتماعي يفهم بوصفه نتاجًا لتاريخ طويل من التفاعل بين النصوص الملحمية، والقوانين الدينية، والبِنى الطبقية البطريركية، التي تُعاد صياغة صورة المرأة فيها باستمرار داخل حدود النظام الاجتماعي السائد، فبينما تظل الإلهة في السماء رمزًا للقوة، تبقى المرأة في المجتمع خاضعة لشروط الهيمنة التي تُعيد إنتاجها الطقوس ذاتها التي تمجدها.

4-ما بين الأسقفية والحاخامية، المرأة انعكاس للمدنس

تفسر محدودية حضور المرأة بوصفها صانعةً للمرجعيةِ الدينية في المجتمعات المسيحية واليهودية ضمن مقاربة سوسيولوجية تربط بين البِنى الرمزية للمقدس، وآليات السلطة، وأنماط التنشئة الاجتماعية الجندرية. فمنذ تكوّن المؤسستين الكنسية والحاخامية، جرى احتكار إنتاج المعنى الديني وتأويل النصوص ضمن هرمية ذكورية صارمة، أُضفي فيها على الذكورة طابع “الشرعية المقدسة” بوصفها القادرة على تمثيل الإله، واحتكار الطقس، وضبط المجال الديني العام. هذا الاحتكار لا يقوم فقط على نصوص دينية مؤولة تاريخيًا، ولكنْ يتغذى من بِنى اجتماعية أوسع تُقصي النساء من مسارات التعليم اللاهوتي، ومن شبكات الاعتراف المؤسسي، ومن آليات الترقي الرمزي. في هذا السياق، يمكن الاستئناس بتحليل ماكس فيبر للسلطة الكاريزمية والمؤسسية، الذي تتحول فيه المرجعية الدينية إلى سلطة تقليدية مُغلقة تعيد إنتاج ذاتها عبر طقوس الاعتراف والرسامة (الرسامة أو السيمخاه هي طقس تقليدي قديم يعني وضع اليد أو التعيين، يتم بموجبه إجازة طالب العلوم الدينية ليصير حاخامًا)، وهي مسارات أقصيت منها النساء تاريخيًا. كما يسهم ما وصفه إميل دوركايم بالتمييز بين المقدس والدنيوي في تكريس فصل رمزي يجعل الجسد الأنثوي، المرتبط اجتماعيًا بالإنجاب والعاطفة، أقرب إلى “المدنس”، مقابل عقل ذكوري ينظر إليه نظرةَ أهلٍ لحمل المقدس وتأويله. ويكتمل هذا الإقصاء عبر ما سماه بيير بورديو بالعنف الرمزي، الذي تتشرب فيه النساء أنفسهن تمثلات تقنعهن بأن غيابهن عن المرجعية الدينية أمر طبيعي أو إلهي، لا نتاج تاريخ اجتماعي من الإقصاء. وعليه، فإن تغييب المرأة عن صناعة المرجعية الدينية في المسيحية واليهودية لا يعود إلى نقص في الكفاءة الرُوحية أو المعرفية، بل إلى تضافر تاريخي بين السلطة الذكورية، والتأويل الانتقائي للنصوص، والبِنى المؤسسية التي تحول الدين من مجال إيمان مفتوح إلى حقل سلطة مغلق يعاد فيه إنتاج الهيمنة باسم المقدس.

ومن منطلق تحليل سوسيو-أنثروبولوجي لمكانة المرأة في اليهودية والمسيحية، نجد أنها لا تختلف كثيرًا عن مكانتها في الإسلام أو الهندوسية، نظرًا لأنها تخضع للبناء البطريركي نفسه الذي صاغ المتخيل الديني وحوله إلى مؤسسة ضبط اجتماعي وجنساني. فمن منظور أنثروبولوجيا الأديان، لم تكن النصوص التأسيسية محض وحي مفارق، بل كانت انعكاسًا لتراتبية سوسيو-ثقافية تهدف إلى حصر المقدس في الفضاء الذكوري وإقصاء الأنثوي إلى هوامش الدنس، فمثلا في الديانة اليهودية، نجد أن التلمود قد كرس ثنائية (العقل/الرجل) مقابل (الجسد/المرأة)، إذ ينظر إلى المرأة نظرةَ كِيانٍ بيولوجي مرتبط بالمنزل، مما أدى إلى إقصائها من الفضاء الطقسي العام، وهو ما يؤكده الأنثروبولوجي إيمانويل ليفيناس في سياق تحليله للغيرية، لكن بصيغة تهميشية أحيانًا. أما في المسيحية، فقد حدث انزياح أنطولوجي عبر شخصية مريم العذراء، إذ رفعت المرأة إلى مصاف القداسة بشرط نفي الأنوثة البيولوجية (التبتل)، في حين ظلت حواء تمثل رمزية السقوط والإغواء، هذا التشظي في صورة المرأة المسيحية يخدم إعادة إنتاج الهيمنة الكنسية التي جعلت من جسد المرأة ساحة للصراع بين الخطيئة والخلاص. وبناء على ذلك، نجد أن الممارسة الدينية في كلا المعتقدين قد صاغت أنطولوجيا دونية للمرأة، لا تستمد شرعيتها من النص فحسب، ولكنْ من حاجة البِنية الاجتماعية للحفاظ على نقاء النسب والسلطة الرمزية للرجل، وهو ما يجعل من الإصلاح الديني المعاصر معركة “سوسيو-سياسية” بامتياز لإعادة تعريف الهُوية الجندرية داخل فضاء المقدس.

وفي هذا السياق، تقول الباحثة “روزماري رويثر” في تحليلها النقدي للبِنى الذكورية داخل الفكر المسيحي:

“إن اللاهوت المسيحي التقليدي قد هَمَّشَ المرأة عن طريق ربط الطبيعة البشرية الكاملة بالذكورة، معتبرًا أن المرأة لا تُمثل صورة الله إلا تمثيلًا ثانويًا أو عن طريق ارتباطها بالرجل، وهو ما شرعن استبعادها من سلك الكهنوت والقيادة الرُوحية عبر القرون.[20]“

خاتمة:

خلاصة لما تقدم يمكن القول إن إقصاء المرأة من سُدة المرجعية الدينية في الديانات التوحيدية (اليهودية، المسيحية، الإسلام) والديانات الشرقية: الهندوسية، لا يُمثل محض “اتفاق فقهي” عابر، وإنما هو انعكاس لنية سوسيولوجية عميقة تهدف إلى صيانة “مركزية الذكر “داخل الحقل الديني. إن هذا الإقصاء يجد جذوره في عملية “تنميط المقدس”، إذ تُبنى الهُوية الدينية للجماعة عن طريق ممارسات إقصائية تحول جسد المرأة إلى عائق أمام المقدس، ففي حين تتقاطع هذه الأديان في استغلال مفاهيم “الطهارة والنجاسة” و”الفتنة” لتبرير إبعاد المرأة عن الفضاء الطقسي العام، إلا أن وضعيتها السوسيو-دينية تتمايز في “الآليات الرمزية” المتبعة.

فبينما اعتمدت المسيحية على نموذج “إنكار الأنوثة” ليكون شرطًا للقداسة، واعتمدت اليهودية على “الفصل الراديكالي” بين دراسة الشريعة والتدبير المنزلي، نجد أن الإسلام قد أسس لمنظومة “الولاية” التي وإن منحت المرأة حق التملك والاجتهاد العلمي تاريخيًا، إلا أنها حصرت “الإمامة الكبرى” والقضاء في الذكورة حصرًا يضمنُ استقرار البِنية القبيلة-السياسية. أما في الهندوسية، فإن المفارقة تبلغ ذُروتها عندما تُعبد “الآلهة الأنثى” (Devi)  بوصفها رمزًا للقوة والطاقة، تُقصى المرأة الواقعية من سلك “البراهمة” (الكهنة) وتُحصر في طقوس منزلية تابعة للرجل، مما يكشف عن هُوة سحيقة بين “الأنثى الرمزية” و”المرأة السوسيولوجية”. إن هذا التباين لا ينفي وَحْدة المصير الإقصائي، بل يؤكد أن المقدس يظل “حكرًا ذكوريًا” ما لم تُفكك البِنى الاجتماعية التي تنتج هذا الفكر.

وفي هذا السياق، تؤكد الباحثة فاطمة المرنيسي في تحليلها للسلطة السياسية والدينية في المتخيل الإسلامي:

“إن استبعاد المرأة من القيادة الدينية والسياسية ليس نابعًا من جوهر العقيدة، بل هو نتاج لـ ‘هندسة اجتماعية’ قامت بها النخبة الذكورية التي رأت في استقلال المرأة الرُوحي والسياسي تهديدًا لتماسك النظام الأبوي. لقد طُوعت الذاكرة الدينية لخدمة موازين قوى سوسيولوجية تجعل من سيادة الرجل قدرًا إلهيًا لا يقبل النقاش.”

أما فيما يخص التمايز الأنثروبولوجي في الهندوسية، فتقول الباحثة كاران شاكرافارتي “في الهندوسية، تُرفع الأنوثة إلى مرتبة الألوهية  (Shakti)، ولكن هذا الرفع الرمزي يستخدم ليكون أداةً لضبط المرأة الحقيقية، فبقدر ما تقدس الآلهة، تطالب المرأة الأرضية بالخضوع لنظام “دارما” الذي يجعل من خدمتها لزوجها مسارها الوحيد للخلاص، مما يحرمها من استحقاق المرجعية الكهنوتية المستقلة.”

ختامًا، إن الاختلاف بين هذه الديانات هو اختلاف في التِقْنيات الإقصائية لا في الجوهر البطريركي، فكلها تشترك في رؤية “المرأة المرجعية” كِيانًا قلقًا يُهدد نقاء التقاليد، مما يجعل من نضالات النساء اليوم داخل هذه المؤسسات الدينية فعلا سوسيو-أنثروبولوجي يسعى في استعادة “المقدس المنهوب” وإعادة بناء علاقة الإنسان بالخالق بعيدًا عن تراتبيات الجنس والجندر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

1-Weber, Max, Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology. Edited by Guenther Roth and Claus Wittich. Berkeley: University of California Press, 1978. P241.

2-Bourdieu, Pierre, Masculine Domination.Translated by Richard Nice.Stanford: Stanford University Press, 2001,p,9.

3-Wadud, Amina, Qur’an and Woman: Rereading the Sacred Text from a Woman’s Perspective. New York: Oxford University Press, 1999. P. 520.

4-Ruether, Rosemary Radford, Sexism and God-Talk: Toward a Feminist Theology. Boston: Beacon Press, 1983. P. 67.

5-Plaskow, Judith, Standing Again at Sinai: Judaism from a Feminist Perspective. San Francisco: Harper San Francisco, 1991, p.31.

6-Maffly-Kipp, Laurie F., and Jill Peterfeso (eds.).Women and Religious Authority, Religions, Special Issue, MDPI, 2011.

7-Ruether, Rosemary Radford. Sexism and God-Talk: Toward a Feminist Theology. Boston: Beacon Press, 1983. P. 67.

8-Author(s), Investigating the Intellectual Bifurcation Between Feminist Theory and Sociology of Religious Leadership, In Theory and Sociology of Religious Leadership, Lectito Publishing. 2025. pp. 80–90.

-9 جورج طرابيشي، أنثى ضد الأنوثة: دراسة في أدب نوال السعداوي على ضوء التحليل النفسي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 1995، ص 47.

10-Weber, Max. Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology. Edited by Guenther Roth & Claus Wittich. Berkeley: University of California Press, 1978. Pp. 226-227.

11-Mir-Hosseini, Ziba. Islam and Gender: The Religious Debate in Contemporary Iran. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1999. P.83.

12-Mary Douglas, Purity and Danger : An Analysis of Concepts of Pollution and Taboo. London :Routledge & Kegan Paul, 1966. P 115.

13- Bourdieu, Pierre. La domination masculine. Paris: Éditions du Seuil, 1998. P 45.

14-Arti Dhand, Woman as Fire, Woman as Sage: Sexual Ideology in the Mahabharata, State University of New York Press, 2008. Pp.4-6.

15-Kathleen M. Erndl, Victory to the mother: The Hindu Goddess of Northwest India in Myth, Ritual, and Symbol, Oxford University Press, 1993. Pp. 9-12.

16-Doniger, W., & Smith, B. K. (Trans.), The Laws of Manu. London : Penguin Classics, 1992. p. 115.

17-Uma Chakravarti, Gendering Caste: Through a Feminist Lens, SAGE Publications Pvt. Ltd, 2002. Pp. 34-36.

18-Lindsey Harlan, Religion and Rajput Women: The Ethic of Protection in Contemporary Narratives, University of California Press, 1992. P.79.

19-Lucinda Ramberg, Given to the Goddess: Sexuality and Religion Among South Indian Devadasis, Duke University Press,2014. P. 17.

20- Ruether, Rosemary Radford. Sexism and God-Talk: Toward a Feminist Theology. Boston: Beacon Press, 1983. P. 112.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete