عن إمكانية المؤاخذة السياسية للصحابة .. موقعة الجمل نموذجًا 

 تكوين

ظلت أحداث الفتنة الكبرى (٢٩-٤٠هـ) لسنوات طويلة، فصلًا مسكوتًا عنه في التاريخ الإسلامي، وخاصة من المؤسسات الدينية السُنية التي رأت أن جهلَ عوامِ المسلمين بتلك الأحداث خيرٌ لهم من العلم بها، لكن القراءةَ التاريخية لهذه السنوات التي تركت أثرها حتى الآن، تُتيح لنا أخذ الدروس والعبر من هذه الأحداث، كما أنها توضحُ بجلاء أن الصراع الذي جرى كان صراعًا سياسيًا دنيويًا لا علاقة له بالدين من قريب أو من بعيد، ومن ثمَّ فإن الأخطاء التي ارتكبها قادة الفتنة وبعض كبار الصحابة في هذه الأحداث، هي أخطاءٌ سياسية يجوز التوقف عندها واتخاذ العبرة منها، ولعل أولَ درسٍ يجب تعلمه من أحداث الفتنة، هو جنايةُ السياسة) على الدين، وضرورةُ الفصل بينهما.

فقد مات آلاف المسلمين وقت الفتنة في حروب عبثية لأنهم خلطوا بين المكانة الدينية لكبار الصحابة، وهي مكانةٌ لاشكَّ فيها، وبين اجتهاداتهم السياسية التي تأثرت دون شك بأهواء النفس، ومشاعر المنافسة، والرغبة في الحكم، وبعض الخلافات الأسرية السابقة والتي تدور بين أبناء البيت الواحد والتي تنتهي دائمًا بمصرع آلاف المسلمين وتشويههم، نتيجة لها، ولعل فكرةَ وقوعِ كبار الصحابة في هُوة الأخطاء السياسية الفادحة، لا تتجلى في حدثٍ من أحداث الفتنة بقدر ما تتجلى في موقعة الجمل عام ٣٦ هجرية، والأحداث التي تلتها، والآثار التي أحدثتها في معسكر المهزومين ومعسكر المنتصرين أيضًا (معسكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه) وهي آثارٌ سلبية امتدت آثارها في العالم الإسلامي حتي يومنا هذا…

لذا وجب التوقف عندها ودراستها وتحليلها وطرح التساؤل عن حق المسلمين في المؤاخذة السياسية لكبار الصحابة الذين أخطأوا واعترفوا بأخطائهم وندموا عليها، ومع ذلك يُمنع المسلمُ العاديُّ من معرفة أخطاء من أخطأ وإصابة من أصاب ومن قراءة أحداث مفصلية تتحكم في حياة كل مسلمي العالم حتى اليوم .

عداء شخصي 

وُلِدَتْ بُذور فتنة الجمل من سنوات قديمة سادَ فيها جوٌّ من التنافر الشخصي بين علي بن أبي طالب ابن عم الرسول الذي يدعوه أخاهُ وزوج ابنته فاطمة ووالد حفيديه الحسن والحسين، وبين السيدة عائشة زوج الرسول المفضلة وابنة وزيره وصديقه أبي بكر رضي الله عنه، وقد تطور ذلك التنافر في إثر حادثة عرفت بحادثة الإفك (٨ هجرية) ادَّعى فيها بعضُ العوامِ على السيدة عائشةَ رضي الله عنها، وهو ما أحزن الرسول (ص) ودفعه إلى استشارة صِهره وابنه الرُوحي علي في مسألة هي بطبيعتها شخصية وعائلية أكثر منها قضية عامة، وكان رأيُ علي بن أبي طالب بوصفه أخًا أصغرَ للرسول من الناحية المعنوية، أن يُطلِّقَ الرسولُ زوجته سَدًّا للذرائع، لكن الأمورَ سارت في مسارات أخرى، وأنصف الوحي السيدة عائشة، وأسفر التحقيق عن تحديد المتهمين الأربعة الذين نطقوا بالإفك وتم جلدهم عقابًا لهم، وقد أدت هذه الواقعة الشخصية والعائلية تمامًا إلى خلاف (سياسي) مُعلن بين السيدة عائشة وعلي رضي الله عنه، هذا الخلاف ظلَّ ينتظرُ سنوات طوال حتى تمكن من التجسد على الأرض بعد مقتل عثمان رضي الله عنه أي بعد سبعة وعشرين عامًا كاملة من (واقعة الإفك)، وما عزَّزَ هذا الخلافُ امتناع علي بن أبي طالب عن مُبايعة الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو والدُ السيدةِ عائشةَ، لمدة ستة أشهر كاملة تأثرًا بما رآه تجاوزًا لحَقِهِ في الخلافة، ثم أقدم على مبايعته بعد ذلك حرصًا على وَحْدة المسلمين، ثم رفض الخليفة الأول أن تأخذ فاطمة زوج علي ميراثها من أرض الرسول (ص) في خيبر، استنادًا لحديث قال فيه الرسول (ص) إن الأنبياء لا يورثون… عزَّزَ الخلاف.

وقد كان هذان الحدثان السياسيان بين علي وأبو بكر رضي الله عنهما مَددًا إضافيًّا يُمكن تَخيله لأسباب العداء بين صهر الرسول وابن عمه وابنه الرُوحي وبين زوجته المفضلة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وقد كانت السيدة عائشة بمكانتها الرُوحية والدينية، هي قاعدةُ مثلث العداء لعلي بن أبي طالب بصفته الخليفة الرابع للمسلمين، وكانت هي المحرضُ الأكبر على الأحداث التي حدثت بعدها ومات جرّائها آلاف المسلمين، وقُطعت أطراف آلاف أخرى، قبل أن تدرك السيدة عائشة خطأ موقفها وتُعلن أنه (لم يكن بيني وبين علي إلا ما يكون بين المرأة وبين حمييها… غفر الله لي وله) وهي حقيقة منطقية كانت لتوفر دماء المسلمين لو أدركها أطرافها قبل الصدام العسكري لا بعده.

وإلى جانب السيدة عائشة، كان هناك صحابيان جليلان أولهما، هو طلحة بن عبيد الله وهو ابن عم السيدة عائشة على وجه التقريب وزعيم عشيرتها من (تيِّم) وأكثرهم مالًا و نفوذًا بعد رحيل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأما الضلع الثالث في مثلث الجمل، فهو الزبير بن العوام رضي الله عنه وهو ذو وضع قلق… فهو من جهة ابن صفية بنت عبد المطلب، وهو بهذا ابن عمة الرسول الكريم وابن عمه علي ابن أبي طالب أيضًا، ولكنه من ناحية أخرى، زوج أسماء بنت أبي بكر شقيقة أم المؤمنين عائشة، وهو أيضًا صديقُ طلحة بن عبيد الله صِنوه في المكانة والثروة الكبيرة والوحيد الباقي معه من الراغبين في الخلافة من العشرة المبشرين بالجنة، وهو أيضًا -الزبير- والد عبد الله بن الزبير أبرز المتطلعين من جيل أبناء الصحابة للسلطة وأكثرهم اعتقادًا باستحقاق أخيه للخلافة بدلًا من علي ابن أبي طالب الذي قبل بيعة المسلمين له بالخلافة بعد مقتل عثمان حِرصًا على وَحْدة الأمة وعدم فراغ مقعد الخلافة بما يحمله من إرث رُوحي وسياسي…

من رحم مقتل عثمان، ظهرت دعوى السيدةُ عائشة للأخذ برأي عثمان رغم أنها ومعها طلحة والزبير من أبرز معارضيه، لكن أم المؤمنين وجدت مخرجًا لهذا التناقض حين خاطبت المسلمين قائلة إنها كانت أوَّلَ من غضب للمسلمين من أفعال عثمان، ولكنها ترى أن عثمانَ تاب وأناب وأنه رجع عن سياسته التي أغضبت المسلمين، ولكن الوفودَ التي احتلت المدينة، لم تمنحه الفرصة للتوبة وأهدروا دمه دون سند شرعي، لذلك وجب القصاص له والثأر من قاتليه…

والحق أن السيدةَ عائشةَ لم تجد حرجًا في أن تُعلن كراهيتها الشخصية لعلي بن أبي طالب وتمنيها الموت قبل سماع خبر اختياره خليفة للمسلمين، وقد كان إعلانُ الكراهيةُ والرفضُ سابقًا لإعلان الرغبةِ في الثأر لعثمان والقصاص من قاتليه، وقد سبق هذا وذاك إعلان الفرحة لخبر غيرِ صحيحٍ وردَ إلى مكة، باختيار طلحة بن عبيد الله خليفة للمسلمين، وهو الخبرُ الذي ثبت عدم صحته وأدى لإحباط السيدة عائشة واتخاذها قرارًا بعدم العودة من الحج، واتخاذ مكة قاعدة للانشقاق على علي وعدم الاعتراف بشرعية خلافته… إلى جانب العامل الشخصي كان هناك عواملُ موضوعيةٌ تطرحها السيدةُ عائشةُ بمنطقٍ واضحٍ وفصاحةٍ لافتة، تدعمها مكانتها الدينية بوصفها أمَّا للمؤمنين… كان ما طرحته عائشة على نخبة قريش  القديمة في مكة، هو أن مدينة رسول الله أصبحت نهبًا للغوغاء و البدو الأجلاف والعبيد الهاربين، وأنهم احتلوا ثلاث حُرمات هي: الدمُ الحرامِ (دم عثمان المظلوم) والبلدُ الحرامِ (مدينة الرسول) والشهرُ الحرامِ (شهر الحج ).

وكان المعنى، أن مركزيَةَ قريشٍ التي تحكم المسلمين من خلال كبار الصحابة، باتت مُهددةً بالقوات الآتية من المعسكرات في البلاد المفتوحة الذين قتلوا الخليفة القرشي واحتلوا المدينة وصمموا أن يبقوا حتى اختيار خليفة آخرَ من قُريش أيضًا، ومن ثمَّ فلا بُدَّ أن ينتفض أبناء قريشٍ حفاظًا على مكانتهم السياسية، بعد أن اختار الثوار الذين احتلوا المدينة مرشحًا من قريش ترفضه قريش رفضًا مُعلنًا، وهو ما يُفسره د . طه حسين في كتابه (الفتنة الكبرى) من أنَّ قريشًا استكثرت على بني هاشم أن يجتمع لها المُلْك والنبوة، وقد أخذت قرارها في أن يكون الخلفاء من غير بني هاشم، ونفذت هذا القرار في ثلاث مرات متتالية حرصت فيها كل الحرصِ على ألا يُصيب الاختيار عليًّا بن أبي طالب، مرشح بني هاشم المستوفي لشروط السبق والجهاد وصحبة الرسول والمعرفة العميقة بالدين… فضلًا عن رفضٍ شخصيٍّ لعليٍّ بن أبي طالب نفسه، المُحارب الأول في بدر وأُحد والخندق الذي حصد سيفُه كثيرًا من رموز قريش من الكفار، فضلًا عن استقامة طبعه، وشدته في الحق، الأمرُ الذي دفع عمرَ بن الخطاب لأن يقولَ قبل موته بساعات عن مصير المسلمين لو خلفه علي (لو ولوها الأجلح  لحملهم على الجادة)… وهي مقولةٌ تحمل التقريظ والهجاء في آن واحد…

أيًا كان الأمرُ فقد ذهب الذين احتلوا المدينة إلى عليٍّ، يطالبونه بأن يكون خليفةَ المسلمين، لكنه احتاط لنفسه، وقال: إنه لا يُوافق إلا إذا طلب منه ذلك أهل المدينة وكبار الصحابة، والحقيقة أن أهلَ المدينة بايعوا عليًّا ولكن ليس بالإجماع، وهو ما فعله كبار الصحابة أيضًا، فقد رفض سعد بن أبي وقاص الصحابي الرابع الذي بقي على قيد الحياة من لجنة الستة التي عقدها عمر بن الخطاب، أن يُبايع عليَّا وطمأنه من ناحية نفسه قائلًا (ما عليك مني بشيء) واطمأن له علي ولم يكرهه على البيعة، ورفض عبد الله بن عمر أن يبايع فقال له علي… (ما علمتك إلا سيئُ الخلق كبيرًا وصغيرًا) ثم قال لمن حوله: اتركوه وأنا كفيله، وكانت الفكرة أن البيعة بمكانة عقد يضمن الطاعة وعدم الخروج على الحاكم الشرعي، لذلك عدم الالتزام بها يحمل خطر الانشقاق والخروج على الجماعة في المستقبل، ولعل هذا السببَ نفسه هو الذي دفع عليًّا لإكراه طلحة والزبير على البيعة التي هي بمنزلة تعهد بعدم الانشقاق في المستقبل، وهو ما خالفه طلحة والزبير بعد ثلاث شهور فقط من بيعة علي، فقد أرسلت السيدةُ عائشةُ تطلب وهي في مكة، استئذان عليٍّ في الخروج لأداء العمرة، فأذن لهما…

وبحسب المصادر، فقد تحولت مكة أولًا إلى قاعدة للتمرد ضد علي، فقد رفض أهلها قبول الوالي الجديد الذي أرسله الخليفة إلى مكة في حين انضم الوالي القديم الذي عينه عثمان وهو عبد الله بن عامر الحضرمي، لتمرد طلحة والزبير وأمدهم بالأموال الموجودة في بيت المال، وهو ما فعله الوالي نفسه الذي كان عثمان قد عينه على اليمن يعلى بن منية، وكذلك عبد الله بن عامر والي عثمان السابق على الكوفة وقد أمدَّ الثلاثة جيش التمرد بالأموال التي أخذوها من بيت المال في الولايات التي كانوا فيها، وقد كان الثلاثة من بني أمية عشيرة عثمان المطالبة بثأره…

يكشف الخروج السهل لطلحة والزبير من المدينة، رغم وجود مؤشرات على الخلاف، عن غلبة الطابع الفقهي والمثالي على عليٍّ رضي الله عنه الذي كان حاكمًا بلا جهاز مخابرات يُخبره ماذا يدور في مكة القريبة جدًا من المدينة والمتداخلة معها سياسيًا واجتماعيًا لأقصى حد… تقول بعضُ المصادرِ إن الثلاثة شهور التي سبقت موقعة الجمل، شهدت مفاوضات أبْدَا فيها طلحة والزبير رغبتهما في وجود صيغة ثلاثية للحكم، يتولى  فيها طلحةَ حكمَ البصرة التي كان معروفًا بكثرةِ أنصاره فيها، ويتولى الزبيرُ حكمَ الكوفةِ التي كان أيضًا معروفًا بكثرة أنصاره فيها، ويتبقى لعليٍّ مِصْرَ إلى جانب المدينة، وربما اليمن، لكن عليًّا رفضَ أن يُعطي طلحة والزبير ولاية البصرة والكوفة اللتين كانتا مركزًا لحكم الإمبراطورية الساسانية المهزومة بكل امتداداتها في آسيا… وهكذا تجمعت نُواة التمرد الثلاثي في مكة، وتكفل بني أمية بالتمويل مع عدم وجود اتصالات واضحة بين معاوية وطلحة والزبير إلا في الكتابات الشيعية… اكتفى معاويةُ بالانتظار، وجني ثمار صراع كبار الصحابة الذي كان سببًا مؤكدًا في فوزه النهائي في الصراع مع علي رضي الله عنه.

الطريق إلى البصرة

في عدد لا يتجاوز السبعمائة مقاتلٍ قرَّرَ طلحةَ والزبيرُ ومعهما عائشةَ، الانطلاق إلى العراق حيث مركز أنصارهما، وأيضًا مركز كثيرٍ من أبناء القبائل الذين اقتحموا المدينة قبل مقتل عثمان والذين هم الآن مطلوبين للقصاص وفق الهدف المُعلن للتمرد… لم يتحدث المتمردون عن الخلافة ولا عن أحقية أي منهم بها، ولكن فقط عن ضرورة عقاب الذين تورطوا في مقتل عثمان والقصاص منهم، وكانت الكارثة الحقيقة في توسعة طلحةَ والزبيرُ لمعنى المشاركة في قتل عثمان، ليشمل ما يُقارب ثلاثة آلاف مقاتلٍ شاركوا في احتلال المدينة قبل مقتل عثمان، ومن ثمَّ فإنه مطلوبٌ ضربَ عُنق ثلاثة آلاف مسلم مقابل دم الخليفة الذي قُتل ظلمًا…

وهو ما يفتح الباب لتفسير يقول: إن قصد عائشةَ من دعوتها للقصاص كان تأديبَ القبائل التي تجرأت على قريش واحتلت المدينة عاصمة الخليفة القرشي وأجبرت المهاجرين والأنصار على اختيار خليفة قرشي آخرَ، هو عليٌّ بن أبي طالب، بل وأكرهت طلحةَ والزبيرَ، وكلاهما من سادة قريش ووجهائها، على البيعةِ لعليٍّ حفاظًا على وَحْدة الجماعة المسلمة… علم عليٌّ ابن أبي طالب بنبأ خروج طلحة والزبير للعراق، فخرج ورائهم في عدد يُقارب عدد الجيش الذي خرجوا به… وفي حين توجَّه طلحةَ والزبيرُ إلى البصرة، أقام علي وجيشه في (الربذة) بين البصرة والكوفة، يُحدد طريقة تعامله مع التمرد في البصرة، لم تكن الحربُ واردةً في البداية، كما أن انتصار فريق من الفريقين لم يكن محسومًا، وقد امتنع والي البصرة عثمان بن حنيف، عن مقاومة طلحةَ والزبيرَ، واتفق الجميع على أن يستمر الوالي في ممارسة عمله وتأثر الجميع بخطاب عائشة عن ضرورة القصاص لدم عثمان، وسلمت القبائل ستمائة من أبنائها الذين شاركوا في احتلال المدينة، وبدلًا من اعتبار التسليم اعتذارًا كافيًا وفتح باب التوبة قتل الزبيرُ وطلحةَ الستمائة جميعًا، عدا شخصٍ واحدٍ هو (حرقوصُ بن زهير) الذي غَضِبَ له قومه من بني سعد وحرروه بالقوة قبيل قطع عنقه.

في تلك الأيام أيضًا بادر سبعون شخصًا من الذين احتلوا المدينة  بقيادة حكيم بن جبلة بالاشتباك مع قوات طلحةَ والزبيرِ، وماتوا جميعًا في معركة انتحارية بالطبع يُضاف إلى رصيد دمائهم كشف حساب طلحةَ والزبيرِ عند القبائل العربية التي لم تكن تحملُ لهما ضغينةً قبل ذلك، في الأيام التالية، قرَّرَ طلحةَ والزبيرُ الرجوعَ عن اتفاقهم مع والي البصرة، فدخلوا المدينة واستولوا على بيت المال وقتلوا أربعين حارسًا له من الموالي القادمين من السند، والذين كانوا يعرفون بالسجن، وأوشكوا على قتل الوالي عثمان بن حنيف، الذي ذكَّرَهُم بأن أخاه عبد الله بن حنيف هو والي المدينة حاليًا، وأنه كفيلٌ بالثأرِ له من أقاربهم في المدينة، فاكتفوا بنتف لحيته وشاربه علامةً على الإذلال والطرد… وقد دخل بن حنيف علي معسكر عليٍّ في الربذة، ليروي له كل ما حدث، ليتخذ عليٌّ قرارَ الحرب ثأرًا لكل من قُتلوا.. كان من آثار قتل الستمائة أيضًا انقلاب بني سعد على جيش طلحةَ والزبيرِ وانضمامهم لجيش عليٍّ بإجمالي سبعمائة مقاتل، كما قرَّرَ أبناءُ عمومتهم من عبد قيس، اعتزالَ الأمر بعد أن كانوا في معسكر التمرد ضد عليٍّ وكفوا عليًّا شرَّ أربعة أو ستة آلاف سيفٍ كانت في البداية متحمسةً لفكرة الثأر لعثمان…

وإزاء ما أساله المتمردون من دماء، لم يَعُدْ أمام عليٍّ من اختيار سوى الحرب، ولم تكن القوات التي صحبته من المدينة تكفي اطلاقًا، لذلك أرسل إلى الكوفة يستحثُّ أهلها لنُصْرَته والانضمام لجيشه، وكان واليُ الكوفة أبو موسى الأشعري واليًا عليها منذ عهد عثمان باختيار أهل الكوفة أنفسهم، وقد عزله عليٌّ وأرسلَ واليًا آخرَ، لكن أهل الكوفة تمسكوا بأبي موسى الأشعري وبعليٍّ معًا… فقد أرغموا أبا موسى على البيعة لعليٍّ وأبقوا عليه واليًا لهم، لكن أبا موسى كان يرى أن الموقفَ الصحيحَ هو اعتزالُ الفتنةِ بين كبار الصحابة، وقد انعكس ذلك على موقفِ أهلِ الكوفةِ الذين تباطؤا في الانضمام إلى معسكر عليٍّ، فأرسل لهم عددًا من قادته يستحثونهم على المشاركة كان منهم الحسن بن علي وعمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر ومالك بن الأشتر، الذي اصطحب مجموعةً من قومه واستولى علي دار الإمارة وعزلِ أبو موسي الأشعري الذي تمسَّك بفكرة الاعتزال الإيجابي للفتنة وَفْق تعبير د هشام جعيط، ولم يكن الأشعريُّ هو الوحيدُ من أهل الكوفةِ الذين طالبوا باعتزال الفتنة والدعوة إلى الوَحْدة، كان هناك أيضًا (القعقاعُ بن عمرو) وهو من أبطال فتح العراق، وقد أرسله عليٌّ بن أبي طالب، ليسعي  في السلام بين المعسكرين، ويُجمع كلُّ المؤرخين أن طلحةَ والزبيرَ أظهرا له نيتهم للصلح  دون نية حقيقة لتنفيذ ذلك، وأخبراهُ أن خروجهما لا هدف له سوى القصاصِ من قتلة عثمان، ولعل الملاحظَ هنا، أن (الرعية) من عموم المسلمين وأواسط الصحابة، أكثر حرصًا على وَحْدة الجماعةِ وعلى الدم المسلم من (الرعاة) الذين يُمثلهم في هذا الموقف طلحةُ والزبيرُ وأمُّ المؤمنين عائشةَ وربما عليٌّ رضي الله عنه بدرجةٍ أقلَّ، والثلاثةُ من المبشرين بالجنة، وأعضاءُ لجنة الخلافة التي عيَّنها عمر قبل وفاته، بينما مكانةُ عائشة  رضي الله عنها لا تحتاج إلى شرح أو إيضاح، يتأكد  هذا المعنى أيضًا في مُعسكر البصرة، حين نرى موقفَ مُسلم ورعٍ هو (حكيم بن ثور) قاضيَ البصرة الذي كان مسيحيًا من قبيلة الأزد، إذ طرح حكيم على قبيلته السعي في الصلح بين الطرفين واعتزال الفتنة، لكن قومه رفضوا، مشككين في ارتداده إلى النصرانية مرة اخرى، فلم يجد إلا أن يُقاتل، ولم يستطع أن يرفض دعوة السيدة عائشة، لأن يلازمها في المعركة، حتى قُتِلَ أمام الجمل الذي يحملها، هو والمئات من أبناء قبيلته الذين رأوا أنه ليس من الشهامة التخلي عن حماية أم المؤمنين التي استجارت بهم ووفدت اليهم، على عكس ما يتخيل البعضُ، فإن ربع مقاتلي الكوفة فقط شاركوا تحت راية عليٍّ في موقعة الجمل، وبقي ما يقرب من ثلاثين ألف مقاتلٍ في الكوفة اعتزالًا للفتنة، ولكن عشرةَ آلاف مقاتلٍ كان عددًا كافيًا للانتصار في الحرب، ووفق المصادر، فقد بدأت المعركةُ بإشارةٍ من عليٍّ رضي الله عنه، وحُسمت قبل الظهر، بانسحاب الزبيرِ بن العوام وإصابة طلحةَ بن عبيد الله، فقد قيل إنَّ عليًّا واجهَ الزبيرَ في المعركة وذكَّرَهُ بحديث للرسول صلي الله عليه وسلم يُخبر فيه الزبيرَ أنه سيقاتل عليًّا وهو له ظالمٌ، وأن الزبيرَ تذكَّرَ الحديثَ فجأة وهو في ساحة المعركة، وأقر به وانسحب وَحْدهُ بعد حوار بينه وبين ابنه عبد الله بن الزبير (القائد الفعلي لجيش التمرد) طالبه فيه بألا ينسحب وأن يُقاتل حتى يموت، لكنه فضَّلَ الانسحاب الفردي، ليطارده أحد مقاتلي الكوفة، ويقتله ويسلبه سلاحه ثأرًا للستمائة الذين قتلهم جيشُ الزبيرِ، تقول الروايات، إن عليًّا رضي الله عنه، حزن لمقتله وأمسك سيفه قائلًا (هذا سيفٌ طالما جلى الكرب عن رسول لله .بشروا قاتل بن صفية بالنار)…

من الناحية السياسية، هل يجوز لنا أن نؤاخذ كبار الصحابة على دماء المسلمين التي سالت؟ ألم يكن من الممكن أن يتذكَّرَ الزبيرُ الحديثَ الذي انسحب بسببه قبل أن يدعو إلى الحرب؟ أو قبل أن يبدأ المعركة؟ ألم يكن لعليٍّ رضي الله عنه أن يُذكره بالحديث بعدة طرقٍ قبل بدء المعركة؟ ثم ألم يُفتي عليًّا رضي الله عنه للمسلمين، بأن طلحةَ والزبيرَ نكثا ببيعتهما وأن دمائهم حلال دون أموالهم، يتكررُ الأمر ذاته مع عائشةَ رضي الله عنها التي أصرَّت على استكمال القتال، بعد أن كانت المعركةُ قد حُسمت، حيث جهَّزَ عبد الله بن الزبير الجملَ الشهير الذي حملت المعركة اسمه، وغطاه بالدروع والجلود، وجاء بأمِّ المؤمنين من مسجد كانت  تتخذه مقرًا، ودفع بها وسط المعركة، فأخذت تخطب بلسانها البليغ و تلعن قتلة عثمان في تحمسِ جيش البصرة لندائها يتحلقون حول الجمل في صورة موجات بشرية، كلما أُبيدت موجة تلتها موجة أخرى من المقاتلين الذين يدافعون عن زوج النبي التي استغاثت بهم أكثر مما يدافعون عن حقيقة مُعينة، واستمرت المعركة ساعاتٍ ولجأ الجيشان إلى التطريف، وهو قطعُ الأطراف بدلًا من القتل المباشر، ولم يؤدِّ هذا إلى حسم الأمر، وبعد ساعات طويلة أصدر عليٌّ أمرًا للمقاتلين (اعقروا الجملَ فإن في بقائه فناءُ العربِ) يُنفذ المقاتلون الأمر فعلًا في وقف القتال برغبة الطرفين، ويُصدر عليٌّ أمرًا بعدم قتل الجرحى، ولا مطاردة الفارِّين ولا أخذ غنائمَ شخصيةٍ، لأن المهزومين هم أيضًا مسلمون، كما أمر عليٌّ محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر، بالاطمئنان على السيدةِ عائشةَ، ويدور حوارٌ تشوبه لمسة ساحرة لا تتوافق مع آلاف القتلى والجرحى، كما يقول المؤرخون، يُدخل محمدٌ رأسه ليطمئن على أخته الكبرى التي لم يرها من قبل، تسأله من أنت؟ فيقول ساخرًا أنا أبغض أهلك إليك… فتسأله (ابن الخثعمية)؟ فيقول نعم، ثم يُساعدها في نزع قطعةِ حديدٍ أصابت كتفها، ويسألها عمار بن ياسر ساخرًا (كيف رأيت ضربنا يا أماه)؟ فتقول له (لست أمًّا لك، فيقول أنت أمي ولو أبَيْتِ، في إشارة باعترافه بمكانتها الدينية رغم هزيمة جيشها، يدور حوار أقصر مع عليٍّ الذي جاء للاطمئنان عليها ويُنهيه بقوله (غفر الله لك) ثم يوقدها مكرمة، لتقيم في بيت أحد أنصارها في البصرة، تحول إلى مركز لعلاج المصابين من الجيش المهزوم، وفيما بعد تُعلن السيدةُ عائشةُ ندمها مرات متعددة، حتى أنها تتمنى لو كانت ماتت قبل عشرين عامًا كاملة من يوم الجمل، وأن هذا كان أحبَّ إليها من المشاركة في يوم الجمل، تركت موقعةُ الجملِ آثارها في التاريخ الإسلامي حتى اليوم، في هذه الموقعةِ جرَّب المسلمون مرارة قتال أبناء الدين نفسه والقبيلة أحيانا وزرع هذا بذور الخذلان في صفوف جيش عليٍّ رضي الله عنه، مات الآلاف وفقد الآلاف أطرافهم في معركة أعلن كلُّ قادتها ندمهم على المشاركة فيها، كان هناك معنىً كامنٌ ومسكوتٌ عنه، وهو أن رأيَ الرعيةِ كان أكثرَ حكمةً من رأي الرعاة، وأن الهدفَ من كل هذا الموت، لم يكن واضحًا…

تطرحُ هذه الحقائقُ سؤالًا عن جناية السياسة على الدين في الإسلام وإساءتها، ليس فقط لعموم المسلمين، ولكن لكبار الصحابة أنفسهم؟ مُجرد سؤالٍ يحتاج إلى كثيرٍ من النقاش وكثيرٍ من إعادة قراءة التاريخ الإسلامي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

كتاب (الفتنة) د هشام جعيط -طبعة دار الطليعة بيروت

. كتاب الفتنة الكبرى -علي وبنوه -د طه حسين -طبعة دار المعارف

كتاب الفتنة الكبرى -عثمان -د طه حسين -طبعة دار المعارف

كتاب (الردة والفتوح وكتاب الجمل ومسير علي وعائشة )لسيف بن عمر التميمي -تحقيق د قاسم السامرائي-طبعة دار امية للنشر والتوزيع عام ١٩٩٧

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete