مئة وستون عاما على خطاب دانيال بلس في حفل تأسيس الكلية السورية الانجيلية في بيروت
لعل الاشكال الكبير الذي أربك حركة الحداثة والتقدم في عالمنا المعاصر، الى جانب التدهور البيئي والانفجار السكاني وتعاظم الهوة الطبقية بين الأغنياء والفقراء، هو ذلك المتمثل في انهيار القيم الليبرالية والانقلاب على فكر التنوير. فقد جاءت فلسفة الأنوار لتفترض أن العقل مشترك بين كل الناس، وأنه لا بدّ أن يفضي الى مزيد من التفاهم والتسامح بين هؤلاء، والى الحد بالتالي من التعصّب العدواني والخوف والأحكام المسبقة التي تجعل المرء يرى الشرّ، كل الشرّفي”الآخر” والخير كل الخير في” الأنا”.
تعرّف الفكر العربي الحديث الى هذه المبادىء الأنوارية مع بداية النهضة العربية في القرن التاسع عشر، فكتب رفاعة الطهطاوي في”تخليص الابريز في تلخيص باريز”1824 في سياق ملاحظاته على هامش الحضارة الغربية” الغالب على أهل باريس البشاشة في وجوه الغرباء ومراعاة خاطرهم، ولو اختلف الدين. فالتعبّد بسائر الأديان مباح عندهم، لا يعارض مسلم في بنائه مسجدا، ولا يهودي في بناء بيعة”.
لم يبلغ الغرب هذا الحد من الانفتاح على الآخر والتواصل معه، الا بعد حروب دينية وأهلية قاسية أهلكت مئات الآلاف من الضحايا، وطاولت العلماء والفلاسفة.وما كان التاريخ العربي كذلك في منأى عن رفض الاختلاف ونبذ الآخر الديني أو الايديولوجي، الا أنه مع ذلك لم يذكر ارهابا جماعيا ضد أقلية طائفية أو دينية على نحو يشبه اضطهادات محاكم التفتيش الاسبانية للمسلمين واليهود، أو اضطهادات الكاثوليك والبروتستانت لبعضهم البعض في القرون الوسطى، وان كان من الصحيح أن الأقليات الدينية لم تتمتع بالمساواة الشرعية والعلمية في المجتمعات العربية.
لكن ما يجري منذ نهايات القرن الماضي ومطلع هذا القرن، ان في الغرب أو في العالم العربي، يشكل انتكاسة كبرى على صعيد الاعتراف بالآخر تترجم في ضيق الصدر بالمختلف الديني والعقائدي، وفي الارتداد عن مبادىء التنوير. من ذلك تصويت أكثرية سويسرية في استفتاء شعبي ضد تشييد مآذن في البلاد، وتفاقم الظاهرة الشعبوية في الغرب ضد الآخروالمختلف واستعدائه والتعالي ازاءه. ومن ذلك تهجير عشرات آلاف العائلات المسيحية من العراق بعد تفجيرات طاولت الكنائس في بغداد، واقدام جماعات مسلحة على مطالبة المسيحيين في الموصل باشهار اسلامهم ودفع الجزية، أو اطلاق النار على مسيحيين لدى خروجهم من كنيسة في مصر يوم عيد ميلاد السيد المسيح ومقتل ستة منهم.
في ظل هذا الاتجاه التراجعي عن مبادىء التنوير يجدر التوقف أمام رؤية جديدة للآخر والمختلف طرحها القس دانيال بلس في خطابه في حفل تأسيس الجامعة الأميركية في بيروت وكان اسمها، عند التأسيس، “الكلية السورية الانجيلية في بيروت “عام 1866، رؤية تمثّل استثناء في التاريخ العربي، وبخاصة في هذا الزمن العربي البائس، زمن الانغلاق على اليقينيات الدوغمائية الطائفية والمذهبية، والتوجه المحموم الى رفض الآخر وتكفيره وصولا الى الغائه واستئصاله بشتى الأشكال.قال بلس:”ان هذه الكلية هي لكل الأحوال ولكل أنواع البشر من دون أي اعتبار للون أو القومية أو الجنس أو الدين. فيمكن أي رجل، أبيض كان أو أسود أو أصفر، مسيحيا كان أو يهوديا أو مسلما أو وثنيا أن يدخل الكلية ويتمتع بكل ما يمكن أن تسديه من نفع، ثم يخرج منها مؤمنا باله واحد أو بألهة كثيرة أو غير مؤمن بأي اله. غير أنه يستحيل على أحد أن يبقى عندنا طويلا من دون أن يعلم ما نؤمن بأنه حق والأسباب التي تدعونا الى ذلك الايمان”.
جاء هذا الرأي صادما لعقل عربي وقف على الدوام موقف التشكيك أو الرفض والتكفير ازاء الرأي الآخر، باعتبار أن كل نقد انما يندرج في اطار البدعة المهددة للأمة أو العقيدة أو الطائفة أو المذهب.فالعقل العربي لم يتقبل الآخر أو يعترف به كجانب أساسي من البنية الفكرية أو الثقافية العربية، ومحرّك لديناميتها وابداعها،وقد أدرج كل”رأي آخر”في خانة الكفر أو المؤامرة على المجتمع والأمة.
كانت هذه مسيرة التاريخ العربي منذ نكبة المعتزلة ومحنة ابن رشد الى اغتيال أسعد الشدياق وتشريد أخيه فارس الى اغتيال جبرائيل دلاّل وعبد الرحمن الكواكبي وتكفير طه حسين، الى اغتيال فرج الله الحلو وكامل مروة وفرج فودة، الى تكفير حامد أبو زيد ونفيه. لقد كانت هناك دائما مواجهة مأسوية محكوم أبطالها سلفا،اما بالانتحار، واما بالموت الروحي نفيا وعزلا وتهميشا، أو اعتذارا وتراجعا وانكفاء، فثمة مرجعية متسلّطة ضاغطة، تراثية أو مذهبية أو طائفية أو ايديولوجية تنتصر في النهاية وان بدا أن في الامكان زحزحتها أو اختراقها وتكييفها. هكذا لم يكن من السهل تاريخيا ولوج الفلسفة الى الفكر العربي لما طرحته من أفكاروآراء مختلفة، فاقتضى دخولها الى التراث العربي متلبسة بالطب أو الرياضيات أو الهندسة كي يتم قبولها وادماجها، لا كمختلف متعارض، بل كمؤتلف متسق مع العقل السائد. وعليه، بدأت الفلسفة العربية من خلال توفيق وتلفيق بين التراث والعقلانية اليونانية، بما يبدو في النهاية انتصارا للمرجعية التراثيةوتبريرا لهاعلى رغم كل ما يتراءى عكس ذلك. واذا تجاوز العقل”حدوده” كان ثمة ما يتربص به من المحن والتنكيل، ما يكفل اعادته الى المرجعية السائدة والمهيمنة ويضيع تمرّده هباء، ولنا في محن الفلاسفة العرب ومآسيهم صورة قاتمة لمعاناة شاقة مع الاستبداد المرجعي ما فتئت أصداؤها تتردد جيلا بعد جيل.
في هذا السياق حاول بعض المفكرين النهضويين والمعاصرين العرب الخروج على الايديولوجيا السائدة، فبلغ طه حسين حدا كبيرا في تحدّي المرجعية التراثية، اذ دعا الى اقتباس الحضارة الأوروبية كاملة، لنشعر كما يشعر الأوروبي ونعمل كما يعمل ونعرف الحياة كما يعرفها، وذهب زكي نجيب محمود بعيدا في تبني الوضعية المنطقية التجريبية. الا أن حسين ومحمود لم يلبثا أن انكفأ معتذرين الى كنف التراث ورحابه يلازمهما شعور بالذنب بعد خروجهما المرحلي والعابر على المرجعية التراثية التي شدّتهما في النهاية وبدّدت ثورتهما، شأن أكثر المفكرين العرب. لقد تعالت في العالم العربي منذ نهاية القرن الماضي والى الآن، على رغم التوجه العالي نحو الخيار الديمقراطي، الأصوات الداعية الى الخطاب السياسي الواحد والايديولوجيا الواحدة والتفسير الآحادي للمعتقد الديني، في محاولة لتكريس أحادية الرأي والتكفير واسقاط مشروعية الرأي الآخر اسقاطا كاملا، ولم يكن هذا دأب الأصولية الدينية وحدها، بل ميزة عامة للحراك الأيديولوجي السياسي.
هذه الحالة ما هي في الحقيقة وفي خلفياتها البعيدة الا تعبير عن استبداد الروح السلطوية المتحكمة بالعقل العربي والانسان العربي عبر وسائط متعددة، هي التراث أحيانا وهي الايديولوجيا الطائفية أو القبلية أو الحزبية أو القومية أحيانا أخرى. فالمرجعية السلطوية هي هي سواء داخل القبيلة أو المذهب أو الحزب أو الجماعة، وهي هي أساس تقديس الذات ورفض الآخر وتكفيره. ومن هنا بالذات، يجب أن نقرأ أبعاد خطاب بلسّ ودلالاته باعتباره خروجا على منطق التاريخ العربي وتأسيسا لفكر جديد وتوجّه جديد ورؤية جديدة لم يكتب لها الانتصار ولا تزال في اطار اللامفكّر فيه في تاريخنا. صحيح أن الكلية السورية الانجيلية لم تتجه دائما في الاتجاه الذي تصوّره بلس، بل انها في ثمانينات القرن التاسع عشر عملت على قمع الاتجاه الدارويني الذي تبناه بعض أساتذتها وطلاّبها، الا أن الفكر الذي عبّر عنه في خطاب بلسّ، يبقى نقطة مضيئة في تاريخنا يجب أن تستحضر وتستلهم كلما أقفلت نوافذ الحرية وادلهمّ ظلام الأصولية والاستبداد.