عولمة المعتزلة وأسلمة الأشاعرة

أيديولوجيا حكم الإمبراطورية الإسلامية

في قصة “الرجل الثاني” في مجموعة “الشيطان يعظ” لنجيب محفوظ يقع (شطا الحجري) –معادل آدم أو الإنسان عمومًا- في معضلة خُلقية؛ إذ يأمره (الديناري) فتوة الحارة، ولكي يثبت جدارته بأن يصير خليفته، أن يقيم علاقة محرمة مع خطّيبة الديناري نفسه. وهو الأمر، الذي تأباه من جهة حاسّة الحجري الخلقية، والذي تتوق له نفسه من جهة أخرى إعجابًا بالفتاة. وبالتالي يظهر السؤال الخُلقي الأساسي في القصة الرمزية: ماذا لو أن أوامر الإله تتعارض مع مبادئ الأخلاق الراسخة، أو تتوافق بالصدفة مع طموح أو شهوة عابرة، هل تظل سارية كما هي في هذه الحالة، أم يجب تأويلها وإعادة فهمها بما يتفق وتلك المبادئ؟ ينتصر محفوظ للاختيار الثاني على نحو معين، هو اجتهاد الإنسان بشجاعة ليعيد اكتشاف دوره في الحياة، وفي الأخلاق نفسها، وفي فهمه لمعنى الألوهة من خلال تجربته المعيشة الخاصة.[1] هذه الحكاية ليست مجرد افتتاحية عامة لموضوع المقالة، بل هي تحديدًا المعضلة النظرية، التي افترق على أساسها المعتزلة والأشاعرة، أهم فرق الإسلام تاريخيًا، أولاهما أسست علم الكلام، وعددًا من أهم النظريات الأصولية، والثانية هي المدرسة الأكثر استمرارًا وانتشارًا على مستوى المسلمين السنة حتى اليوم. وتعرَف المسألة بين الفريقين بقضية التحسين والتقبيح العقليين؛ حيث اعتقد المعتزلة أن العقل الإنساني يملك بالفطرة القدرة على التمييز بين الخير والشر، في حين اعتقد الأشاعرة في المقابل أن الشرع الإلهي هو المعيار الوحيد لهذا التمييز.

ويحتل السؤال الخلقي الموضع الثاني من أصول المعتزلة الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إن أصل العدل لا يمكن أن يقصد به العدالة الإلهية وحدها؛ فالبداهة تقتضي أن يحاسب الله عباده على أساس قصدهم إقامة العدل في العالَم بدءًا من مواقفهم اليومية الجزئية، وحتى تصوراتهم عن شكل الدولة. وبالتالي لا معنى لوصف الله بالعدل من دون مبادئ خلقية مشتركة بين البشر، يُعتد بها في الحساب الإلهي، وبحيث تكون بدهية، وعامة، تهدي البشر في حياتهم من دون انتظار أمر إلهي مخصص لكل موقف جزئي. ولهذا تأسس العدل عند المعتزلة على العقل بما هو مشترَك بين البشر، أي على أساس أن العقل الإنساني قادر بطبيعته على التمييز بين الخير والشر، وأن الحاسّة الخُلقية جانب من هذه الطبيعة. وعلى العدل بهذا المعنى تأسس مبدأ التوحيد نفسه، الذي، وبرغم أولويته في النسق العقدي التوحيدي، لا يمكن أن يقوم إلا مع كمال الذات الإلهية، وهو ما يقتضي بالضرورة كونها عادلة. ولا يمكن أن تكون عادلة من دون مبدأ خُلقي مشترَك بينها وبين البشر من جهة، ومشترك بين البشر جميعًا من جهة أخرى. والمجال الوحيد للاشتراك في مبادئ عامة بين الناس هو العقل، الذي سيقول عنه ديكارت بعد قرون إنه أعدل الأشياء قسمةً بين البشر. ولكل ذلك جاء العدل في المرتبة الثانية بعد التوحيد؛ لأننا –في رأي المعتزلة- استنبطنا عن طريق الهندسة العكسية أساس العدل العميق من حقيقة التوحيد: قدرتنا على استخدام عقولنا للتوصل إلى مبادئ الأخلاق، وذلك بناء اعتقادنا في وحدانية الإله، التي تعني ضرورةً صَمَدِيّته، وكماله.

ويمكن حصر ثلاثة مفاهيم للعقل في الإسلام: العقل بمعنى المنطق، والمنهج بالمعنى الدقيق لكل من المنطق، والمنهج. وهذا المعنى المعرفي، والنظري، هو المتداوَل، حين نصف مثلاً فلسفة المغاربة المسلمين بالعقلانية rationalism في مقابل فلسفة المشارقة الإشراقية، المعتمدة على مصادر معرفية غير قابلة للتعقل من حيث تعريفها نفسه، أي الإشراق أو الإلهام الإلهي. المعنى الثاني هو التعقّل أو الرشادة rationality، وهو معنى سلوكي عملي، غير معرفي، وغير نظري، يصف حالة التروّي في الحكم، وفي التصرف، والحرص على بُعد النظرة، وشمولها. أما المعنى الثالث فهو الانتباه، وهو معنى فيسيولوجي، يقابل حالة السكْر، أو النوم، أو الجنون، أو الغيبوبة، وهو المعنى الذي استعمله مثلاً أبو حامد الغزالي في “مستصفاه”، وأبو إسحق الشاطبي في “موافقاته”، لوصف المقصِد من تحريم الخمر، وكونه يذهب “العقل”، وذلك تحت عنوان “أصل العقل” من الأصول الخمسة، التي تقوم عليها المقاصد.

ومِن تلك المعاني الثلاثة يرتبط المعنى الثاني تحديدًا، التعقل، بالإشكال الخلقي، بيد أنه لا يفقد الصلة بالمعنى الأول المشتق من الجذر نفسه. إن تعقل المرء في السلوك يتطلب العلم بأسباب أفعاله، وأحكامه من جهة، وبنتائجها من جهة ثانية، كما يتضمن الاعتقاد في مبادئ خلقية معينة، يمكن للعقل الإنساني فهمها، وفهم كيفية تطبيقها المثلَى في موقف معين من جهة ثالثة. من ثم يرتبط المفهوم الثالث الفيسيولوجي للعقل بالمفهومين النظري، والعملي. إن العلاقة بين المفهومين الأولين الموصوفة أعلاه لا يختلف فيها المعتزلي عن الأشعري، ولكننا في علاقتهما بالمفهوم الفيسيولوجي نتبين الفرق بين الفرقتين في فلسفة الأخلاق بوضوح. بينما يَفهم المعتزلة مقصد العقل من المقاصد الضرورية الخمسة بما هو أقرب إلى المعنى النظري، إلى درجة صياغتهم لرتب من الفروض، والمحرمات العقلية البحتة في نظرية أبي زيد الدَّبُوسي الماتريدي الحنفي (ت 430 هـ) في “تقويم الأدلة”، والتي تكشف عن أهمية النظر العقلي في مبادئ الأخلاق، ومدى قدرته على الحسم في مسائلها مهتديًا بقدراته الذاتية وحدها في حدودها البشرية، فإن هذا المقصد، وبعد أن أخذ الأشاعرة نظرية المقاصد في صورتها الأولى عن المعتزلة، قد تحول عند الجويني، والغزالي، ثم أبي إسحق الشاطبي، الذي هو أشعري يقر بالكسب، ويبطل التحسين والتقبيح العقليين، إلى معناه الضيق: الانتباه، كما أسلفنا بشأن استعمال الغزالي والشاطبي مثلاً للفظ “العقل”.

لما كان الأشاعرة يبطلون القول بقدرة العقل البشري على التحسين والتقبيح باستقلال عن الوحي، فقد صار النص الإلهي المعيارَ الوحيد للتمييز بين الخير والشر في نظرهم. وبالتالي فلا حكمَ للأشياء قبل ورود الشرع لديهم، ولا مجال أصلاً للحديث عن واجبات العقل، ومحرماته. وطالما أن النص الإلهي هو مصدر التحسين والتقبيح، وأن دور العقل محصور في فهمه، وفي فهم المواقف التي ينطبق عليها، وتمييزها، فإن العقل كأصل من الأصول الخمسة للشريعة لا يمكن أن يعني مفهوم العقل النظري، بل مجرد الانتباه كحد أدنى لدور العقل المحصور أعلاه. إذا وصلنا الوحي بإقرار مبادئ خلقية معينة، أو على الأقل بأحكام، يمكن أن نستنبط منها بعض تلك المبادئ، مع إقرارنا بعجزنا التام في حالة غياب الوحي عن التمييز بين الخير والشر، فإن كل دور العقل الإنساني عندئذٍ مقصور على تمييز الواقع من الوهم. إذن ما معنى العقل كمقصد حينئذٍ؟ كيف يكون مجرد الانتباه، الذي تتمتع به أبسط الكائنات، غاية عليا من غايات الشريعة، بل أن يصير أحد الأصول الخمسة؟

هنا سنجد اختلافًا أعمق غورًا، وأبعد أثرًا بين فلسفة كل من المعتزلة والأشاعرة في الأخلاق. حين اعتقد المعتزلة في قدرة العقل على التمييز بين الخير والشر، كان من المنطقي بما يتسق وهذا الاعتقاد أن يجعلوا المشتركات الضرورية بين عقول البشر بما هم بشر، أي باختلاف مللهم، ونحلهم، وأجناسهم، مصدرًا من مصادر التشريع، بل مصدرًا مقابلاً للشرع الإلهي، تنتظم فيه الأفعال، والتروك طبقًا لأحكام التكليف الخمسة نفسها (أبو زيد الدبوسي: تقويم الأدلة). ولهذا ظهرت نظرية المقاصد على يد الدبوسي بهذا الطموح، طموح يصل إلى درجة تأصيل الشريعة ككل فيها، بينما تتأصل هي –أي نظرية المقاصد- على الخبرة البشرية المشتركة بالواقع الاجتماعي، والحقوق الفطرية، التي لا نزاع فيها بين الناس، كحق الحياة مثلاً. وبهذه الصورة العامة النهائية صار الحق أساسًا للمقصد، من ثم صار المقصد المستقلّ في أساسه عن النص الإلهي صالحًا ليكون مصدرًا للتشريع، مستقلًا عن مصدر التشريع الإلهي من جهة، ومتوافقًا معه في المضامين، والأهداف العليا من جهة أخرى. وفي رأي المعتزلة والدبوسي لم يأتِ الشرع ليبدع جديدًا في مبادئ الأخلاق الأساسية، بل ليلزم الناس بالتزامها، وليتلطف بالعباد بإقرار ما قرَّ فعلاً في فطرتهم، وعقولهم من معايير التمييز بين الخير والشر.

أما الأشاعرة فقد أبطلوا التحسين والتقبيح العقليين في نوع من اللا أدرية الخُلُقية، وصار الإنسان عالة على الشارع الإلهي؛ ليحدد له ما هو خير، وما هو شر بدءًا. ومن هنا انتفَى لديهم الحق كمفهوم قبلي –أي قبل التشريع- وحضر فقط كمفهوم بَعْدي، يحدده الشرع نفسه؛ لأن العقل لا يمكنه تعيينه بلا سابق معرفة بمضمون التشريع الإلهي. لهذا صار المقصد عند الأشاعرة بلا أساس قَبْلي، وصار معتمدًا على النص الإلهي. ولهذا تُستَنبَط المقاصد الشرعية، التي لا تختلف جوهريًا عن مقاصد الدبوسي، من الأحكام الشرعية، لا من الواقع الاجتماعي أو الفهم المشترَك، كما كانت في مرحلة المعتزلة. وطالما أنها تُستَنبَط من الأحكام، فلا يمكن لها بالبداهة أن تكون مصدرًا أصيلاً من مصادر التشريع. إذن فما أهميتها عند الأشاعرة؟ أهميتها مقصورة فقط على مجال التمييز بين المصالح المرسلة. بعبارة أخرى: سقطت نظرية المقاصد عن عرشها في دولة المعتزلة سقطة هائلة، قد تُعادِل سقوط دولتهم، مع انحياز الخليفة المتوكل إلى خصومهم الأشاعرة.

ولكنْ لماذا أبدلت الخلافة العباسية انحيازها الأيديولوجي من المعتزلة إلى الأشاعرة؟ ولماذا انحازت قبلهم للمعتزلة؟ يمكن فهم هذا التحول بما هو تفضيل بين استراتيجيتين، وأيديولوجيتين لحكم إمبراطورية مترامية الأطراف، تعج بالأجناس، واللغات، والديانات، والمذاهب المتباينة، وأحيانًا المتصارعة. الأولى هي استراتيجية العولمة -كما يمكن أن نطلق عليها بمعنى خاص بسياقها- أي إقرار ما يمكن أن يكون مشتركًا بين الناس على اختلاف انتماءاتهم العرقية، والثقافية، وجعله أساسًا لتحقيق تجانس يرتكز على عوامل فطرية إنسانية عامة. سنجد أن عقائد المعتزلة الأساسية، وخاصة ما سبق ذكره بصدد علاقة العدل الإلهي والعقل الإنساني، تُناسب هذه الاستراتيجية التوفيقية؛ إذ يمكن في سياق هذه العلاقة الأخيرة استنباط مبادئ الأخلاق الأوّلية من طبيعة العقل البشري، دون قصرها على المصدر الديني من جهة، أو تفضيل عنصر على عنصر من زاوية الأخلاق من جهة أخرى.

أما الاستراتيجية الأخرى فهي استراتيجية الأسلمة. وهي استبعادية في مقابل الأولى التوفيقية؛ فإذا كان الاعتزال -باصطلاح علم الأنسجة- نسيجًا ضامًّا يربط أجزاءً لتصير جسدًا واحدًا، فإن الأشعرية غشاء عازِل، يفصل بين ما تم وصله، مع منح صفة السيادة لجزء معين؛ ذلك أن إبطال مبدأ التحسين والتقبيح العقليين يؤدي كما قلنا إلى وضع الدين، بل الدين الإسلامي تحديدًا، مصدرًا وحيدًا للمعايير الخُلقية المعترَف بها من قبَل الله، ورسوله، والمؤمنين. وبالتالي يمتاز -في هذه الاستراتيجية- المسلم على غير المسلم خُلقيًا من حيث المبدأ، بمعنى أن غير المسلم، حتى لو كان أشد التزامًا بمعاييره الخلقية، فإنه ملتزم بمعايير منحرفة في أصلها، لا معنى للالتزام بها. وبينما كانت المعايير الخلقية الأساسية مشتركة بين البشر عند المعتزلة بناء على اشتراكهم في ملكة التعقل  الفطرية، وبالتالي لا تتباين من حيث الجوهر بين أتباع الديانات المختلفة، فإنها في إطار النظرية الأشعرية الخلقية تفقد معناها أصلاً كمعايير للأخلاق لصالح معيار واحد هو المعيار الإسلامي. وهو ما يعني بالتبعية أن الخلاص الأخروي لأصحاب الديانات الأخرى مستبعَد، وإن آمنوا بالله، واليوم الآخر، وعملوا صالحًا (إحالة إلى الآية 62 من سورة البقرة).

وسنجد أيضًا امتدادًا واضحًا لهذه النظرية الأشعرية إلى عصرنا الحاضر. أثيرت هذه المسألة مثلاً عقب الوفاة الإشكالية للأميرة ديانا بباريس عام 1997. فمع نعي بعض المثقفين، والإعلاميين المصريين والعرب للأميرة تقديرًا لأعمالها الخيرية، وتَرَحُّم البعض عليها، صعد بعض خطباء المساجد إلى المنابر لشجب هذا الموقف؛ إذ لا يمكن طلب الرحمة لغير المسلم، الذي يُثاب على أعماله الخيرة -في نظرهم- في الدنيا، بينما تنتظره جحيمُ الأخرَى الأبدية على كل حال.

إذن ما شأن الآية 62 من سورة البقرة، وما جرى مجراها في القرآن: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}؟ هنا نجد مثالاً ثانيًا أقل شهرة، وأعمق أثرًا لنظرية الأشاعرة الخلقية. فإن الأزهر بما هو أشعري صراحةً يؤول تلك الآية بما هي دعوة لأهل تلك الطوائف إلى الإسلام.[2]  الثغرة الواضحة في هذا التأويل هي أن الصيغة ليست صيغة دعوة، وإلا بدأت غالبًا بالنداء، وتضمنت طلبًا، ولا يوجد ما يدل في مضمونها على دعوة معينة، كما لا يوجد مبرر معقول لكي تصاغ على هذا النحو الخبري. وما دفع لجنة العلماء واضعة “التفسير الوسيط” إلى هذا الموقف الدقيق، الذي لا يستوفي الحد الأدنى المقبول من الموضوعية، ولا يَلزم الحد الأقصى الممكن للتأويل، هو نظرية الأخلاق الأشعرية، التي لا تعترف لغير المسلمين بالجدارة الخلقية في الآخرة. هناك مَن يطرح “حلاً” مختلفًا، أكثر جذرية، لهذه الآية، هو كونها منسوخة، ولكن يتعارض ذلك مع تكرار معناها في مواضع أخرى بالقرآن، وأن القرآن يتسق على نحو عام مع تفسيرها الأقرب إلى الموضوعية، كبشارة خلاص من جهة، ومنطق للتعايش السلمي من جهة أخرى. يبين لنا ذلك الحل الأخير الدور الخطير لمبدأ النسخ، وكيف مثّل إحدى أهم تقنيات الالتفاف حول مضمون النص القرآني في قضية على هذا المستوى من الأهمية، وكيف أنه تطبيقيًا قد تجاوزَ حدوده المقصورة على الشرعيات، ليتطرق إلى مسألة عقَدية صريحة تتعلق بالحساب الأخروي! أما الطريقة الثالثة للتعامل مع هذه الآية، وما في معناها، فهي التلاعب بعامل الزمن. وهي افتراض أن المقصود بذكر أهل تلك الديانات سوى الإسلام هم المؤمنون بها قبل الإسلام، أو في ترتيبها التاريخي، بحيث لا نجاةَ لليهود بعد المسيحية، ولا نجاةَ للمسيحيين بعد الإسلام. وهو تأويل جسيم التبعات، بحيث لو أراده الله لصرّح به، وبحيث لا يجد أناسٌ مثلنا فرصةً للخطأ العفوي أو العمدي في الفهم.

وربما كان آخِر إنتاج الأشاعرة إسهابًا، وتنظيرًا في هذه المسألة في علاقتها بالفقه، وأصوله، نظرية المقاصد لأبي إسحق الشاطبي في “الموافقات”. كانت لأشعرية الشاطبي نتائج خطيرة في مسار تطور علم أصول الفقه، وتطور المجتمعات الإسلامية على المدى البعيد. السبب أنها فرضت عليه إبطالَ التحسين والتقبيح العقليين، مما أدّى إلى إجهاض فكرة حقوق الإنسان الطبيعية في المجتمعات الإسلامية؛ إذْ لا يمكن تصور هذه الفكرة بطبيعة الحال في نسق تشريعي، لا يعترف بقدرة الإنسان الذاتية أصلاً على التمييز بين الخير والشر: “الأفعال والتروك من حيث هي أفعال أو تروك متماثلة عقلاً بالنسبة إلى ما يقصد بها، إذ لا تحسين للعقل ولا تقبيح، فإذا جاء الشارع بتعيين أحد المتماثلين للمصلحة، وتعيين الآخر للمفسدة، فقد بين الوجه الذي منه تحصل المصلحة، فأمر به، أو أذن فيه، وبين الوجه الذي به تحصل المفسدة، فنهي عنه، رحمةً بالعباد“.[3]

وترتب عليه اعتقاد الشاطبي أن غاية غايات الشريعة، وأصل أصولها هو العبادة اعتمادًا على الآية: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، الذاريات-56، رغم أنه هو نفسه برهنَ على أن المصلحة الدنيوية من الأصول الجوهرية للشريعة: والمعتمَد هو أنا استقرينا من الشريعة أنها إنما وُضعت لمصالح العباد استقراءً لا ينازع فيه الرازي ولا غيره”، في معرض نقده للفخر الرازي.[4] ولم يكن حتمًا مقضيًا عليه أن يَفهم هذه الآية بذلك المعنى: أنَّ هدف الشارع من الخَلْق هو العبادة بمعناها الاصطلاحي الضيق في الفقه. كان يمكنه أن يتساءل عن مفهوم العبادة، أَلأَوْلَى فيها تطبيق الأحكام تطبيقًا آليًا (عودًا على بدء بالإشارة إلى قصة نجيب محفوظ)، أم رعاية مصالح من جاءت لصالحهم هذه الأحكام، أم أنّ هناك صيغة توفيقية؟ هل العبادة بمعنى العبودية، كما نفهمها في السياق الاجتماعي-الاقتصادي، أي ما يجري مجرى الرقّ، والسخرة، أم هي تحرير الإنسان مما يمكن أن يدمّره، إذا صارت حياته بلا غاية تسمو على الحياة نفسها؟ كما أن تعليل المقاصد، أي تعليل الشريعة ككل، بالعبادة، لا يمنحنا حتى فهمًا كافيًا للهدف من إقامة الشريعة؛ ولا يدرأ عن الشرع صفة العبث، كما حاول الشاطبي أن يدرأها؛ لأننا سنتساءل من جديد: وما فائدة العبادة بمعناها الفقهي، وهو الغني الحميد؟ على كلٍّ يكتشف القارئ “للموافقات” أن الشاطبي قد فهِمَ العبادةَ بمعنى الامتثال، أي طاعة أمر الشارع بمخالفة هوَى النفس، بالإضافة إلى كونه يعتبرها بهذا المغزى غاية التشريع الإسلامي الجوهرية.

لذلك يمكن القول إن المعتزلة، رغم قصر عمرهم في السلطة مقارنة بالأشاعرة، كانوا أقدر على تقديم تصور أكثر اتساقًا لعقائد القرآن الأساسية من جهة، ولرؤيته لطبيعة العلاقة بين الذين جعل لكل منهم شرعةً ومنهاجًا من جهة أخرى، كما أن نظريتهم في القيمة، والمرتكزة على مبدأ التحسين والتقبيح العقليين، كان بإمكانها أن تبدل التاريخَ كما نعرفه، ذلك التاريخ، الذي شكلته الحروب الدينية، والخلافات الطائفية، والصراعات المذهبية إلى حد كبير في العصر الوسيط. ومع ذلك كان المذهب الأشعري أقدر على حكم الدولة، والاستمرار إلى اليوم؛ لأنه -في اعتقادنا- يقوم على تركيز السلطة المادية، والقيمة المعنوية معًا في أيدٍ قليلة، فيما يشبه الأرستقراطية في ملامحها العامة، أي استحقاق طبقة معينة للحكم بناء على أفضليةٍ أصيلة موروثة، شرّعها الله نفسه، وتتعلق بالسموّ الخُلقي على نحو أو آخَر، هو في الحكم الأرستقراطي قيَم النبالة، وشرف الأصل، والتقاليد الراسخة الراقية، وفن اللياقة في المأكل والملبس، .. إلخ، وهو في حالة المذهب الأشعري أحكام النص، التي هي مصدر القيَم، والتي يخضع لها العقل نفسه، وهي معيار التفاضل الحقيقي بين الناس في الأولَى والآخرة.

[1] قدمتها السينما المصرية في فيلم بعنوان “الشيطان يعظ”، وذلك بعد إجراء تعديلات جوهرية على القصة الأصلية أفقدتها قيمتها الرمزية.

[2] لجنة من العلماء: التفسير الوسيط للقرآن الكريم، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، مطبعة المصحف الشريف، القاهرة، ط3، 1992: 1/120.

[3] – الشاطبي، أبو إسحاق: الموافقات في أصول الشريعة، (مجلدان)، (دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1991م)، مج 1، كتاب المقاصد، ص 253، كذلك: ص 283، 286.

[4] -السابق ص 4، انظر كذلك ص 129.

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete