اِستنهاض التُّراث من جديد -III- عن غياب المنهج في إشكاليَّة “العصيان المعرفيّ”

 تكوين

[I]

في أيَّة معانٍ علينا أن نتساءل عن غياب المنهج، وغياب التسويغ المنهجي (الميثودولوجي) في إشكاليَّة العصيان المعرفيّ؟ أو كيف يمكننا أن نبحث عن عدم الطاعة للنموذج العالَمي، ونفكك الدعوة إلى ذلك؟

علينا أن نتوقف عند تفكيك مفهوم Epistemological Disobedience؛ قَبلَ تعريبه ضمن عنوان “العصيان المعرفيّ” أو “العصيان الإبستيمولوجي”. أن نفكك المفهوم هو ضرب من فهم جديد للتساؤل عن المفهوم. متى صار التَّساؤل عن المفهوم، أوَّلَ محطة من محطات بناء المفهوم، نكون أمام إعادة فهم التَّساؤل عنه، وبالتالي إعادة بنائه. نتساءل عن مفهوم “العصيان المعرفيّ” بدءًا من مضمونه الأصليّ. إنَّه “عدم الطاعة” للنموذج العالمي- الغربي للمعرفة العِلميَّة والفلسفية الحديثة، ومحاولة البحث عن نموذج معرفي بديل، وبراديغم آخر لإنتاج المعرفة، وقواعد أخرى لضبط الممارسة العِلميَّة والآكاديمية، والبحث عن ركائز أخرى لتأسيس الممارسة العِلميَّة والآكاديمية، في حقول الفلسفة وعلوم المجتمع والإنسان. ولكن ما هي “الطاعة” لنموذج بعينه، دون غيره، في حقل العلم بالمجتمع والإنسان، وفي حقول الفلسفة بعامَّةٍ، الحقول الستة الأساسيَّة: الميتافيزيقا، واللوجيكا، والإبستيمولوجيا، والإثيقا، والبولتيكا، والاِسثتيكا؟ ما دور الطاعة هنا؟ وما وظيفتها؟ وعلى أي أساس تقوم الطاعة لنموذج بعينه بالأساس؟ يرتبط هذا التَّساؤل وما يتفرع عنه من تساؤلات أخرى إلى المُكَوِّن الآيديولوجي[1] للمعرفة في الفكر العربيّ الحديث والمعاصر. إنَّه المحطة الإبستيمولوجيَّة والميثودولوجية الثَّالثة، من تفكيك إشكاليَّة “العصيان المعرفيّ” التي نتساءل فيها عن المُكَوِّن الآيديولوجي للمعرفة، اِنطلاقًا من فهم العالَم من منظار الفعل السياسي. والتوقف عند ضروب تسييس المعرفة، وأدلجتها على نحو محلِّي.

[II]

لا يختلف تغييب المنهج، عن حجبه، من جهة أولى، ولا يتميَّز عن التصريح به بوصفه جاهزًا قَبلَ النَّظر في الموضوع، من جهة ثانية، ولا هو يميِّز نفسه قبل بناء الفكرة عن الموضوع، من جهة ثالثة، ولا يمكن تصوُّرُه قبل بناء الإشكال والإشكاليَّة والفرضية وحقل الفهم، من جهة رابعة. إنَّ [السابق- إلى- المنهج]، أي السابقات إلى المنهج، التي من شأن الموضوع، ولا تُستخرج إلاّ من الموضوع، إنَّما هي قَبْلِيَّةٌ إزاء الموضوع موضع البناء والمساءلة والاِستشكال، وبَعْدِيَّةٌ إزاء الموضوع القَبْليِّ Priori الذي بُنِيَ وصُنِعَ وقد خُلِقَ بعدُ. وهكذا، لا يختلف فبركة المنهج، واِصطناعه واِختلاقه عن ترجمة وتعريب كتب المنهج، والتعرف إليها، ووضع قائمة جاهزة بعناوين المناهج وبنَّائيها، كالمنهج المقارن والمنهج التحليلي، والمنهج الوصفي والمنهج الديالكتيكي، والمنهج الفينومينولوجي والمنهج الوصفي… وإلى آخِره. لا تمايز صريحًا بين أن نتعلم جملة الأدوات الميثودية والأساليب التفكير وطرق الفهم ووسائل التَّساؤل، وممارستها، وأن نستخدمها بوصفها أدوات، أو عِدة جاهزة من شأن البناء والصنع والخلق. إنَّ منهجًا، يختلف عن المناهج الأخرى، بواسطة معيار إبستيمولوجي يقوم على الإجابة، أو الضروب المختلفة للإجابة، عن التَّساؤل الأصليّ الآتي: كيف يتمُّ التعرُّف إلى الموضوع؟ وكيف يتمُّ بناؤه؟ وكيف يمكن أن يُبنى ويُستخرج ويُخلق المنهج من داخل الموضوع، وخصوصيَّته وفرادته وتميُّزه عن الموضوعات الأخرى.

[III]

إلى المنهج في الفكر العربيّ الحديث والمعاصر؟ ومتى يختار الفكرُ منهجًا بعينه، مثلاً المنهج التحليلي أو المقارن أو الوصفي أو الفينومينولوجي أو… إلى آخِره، في دراسة موضوعه والنَّظر فيه، والتفكير به، ماذا يُمارِس، وماذا يقصد بالضبط؟ إنَّه التَّساؤل الأصليّ في التَّعرُّف إلى الجهل بالمنهج والجهل بالموضوع والجهل بالمعرفة، التي، أي هذه الضروب من الجهل، تؤدي إلى إنتاج معرفة واحدة وحيدة سيِّدة سائدة هي المعرفة التي تقوم على معادلة [اِتخاذ- موقف- من- …]. ولكن كيف يحدث ذلك؟ ولماذا سادت، وتسود عمليات التجهيل بالموضوع والمنهج في الفكر العربيّ الحديث والمعاصر؟ وكيف تحوَّل الجهل بالمنهج إلى اِختيار المنهج على نحو قَبْلِيٍّ: قَبلَ التَّعرُّف إلى الموضوع، ومحطات بنائه؟

يستخدم عدد كبير من [مفكِّري- المواقف] ضربًا من تزوير المعرفة العِلميَّة والفلسفية الحديثة وما بعد الحديثة عَبرَ الاِلتفاف على المفاهيم الأصليَّة فيها؛ ركائزها، وأسس قيامها، وحدود المعرفة فيها، ومصادرها، وشروط إمكانها. ومن خلال ذلك، يأخذ هذا العدد الكبير جدَّاً، من الشروط الموضوعيَّة في الديستوبيا العربيَّة، أرضيَّةً لتسويغ قوله، وكلامه، وعمله الفكري المستمر. أعمال من قبيل: الرد على المعرفة العالَميَّة، وضرورة المقارنة بين مفكر شرقي تراثي ومفكر غربي حديث، واِقحام أسماء علماء وفلاسفة قدماء من التُّراث في حقول الفهم في الفلسفة وعلوم المجتمع والإنسان الحديثة وما بعد الحديثة، هي ضروب عادية من الممارسات الفكريَّة الكثيرة التي تزوِّر المعرفة، وتزيِّفُ مضمونها، وتُحرف منظورها.

[IV]

ولكن، هل يمكن تَصوُّر غياب المنهج من دون النظر إلى العقبات التي في وجه بناء المنهج في الفكر العربيّ الحديث والمعاصر؟ علينا في هذا الضرب من تخصيص التَّساؤل، أن ننتقل إلى مفهوم العقبة التي تظهر في وجه بناء المعرفة. إنَّها عقبات معرفية (إبستيمولوجيَّة)، وسياسية، ومؤسسية. ما هي العقبة إذن، بعامَّةٍ؟ وكيف يمكن تخصيصها على نحو ثلاثي؟

هذا التَّساؤل يقوم على وعي آخر، من منظار آخر، لمفهوم الأزمة في بِنيَة النظام المعرفيّ؛ أعني البراديغم السائد في مجتمعاتنا العربيَّة. نحن نفهم الواقع على نحو مأزوم. أقول إنَّ الفهمَ مأزومٌ وليس الواقع فحسبُ. أنظر مثلاً: هل تستطيع أن تتساءل، أمام عقل مُؤدْلَج بآيديولوجيا مغلقة، عن إمكانيَّة فهم الواقع من منظار قابلية التكذيب، والتفنيد، والتخطئة Falsifiability؟ إنَّنا، نحن معشر المتورطين بالمعرفة- المتسائلين والمفكرين والعلماء والباحثين والفلاسفة- نفهم الفرضيات العِلميَّة، بدءًا من “كارل بوبر Karl Popper”، بوصفها قضايا منطقيَّة قابلة للدحض، أو لا تكون من جذرها. ماذا يعني ذلك؟ يعني أننا في كُلِّ مَرَّةٍ، ومن جديد دائماً قَبْلِيَّاً، علينا أن نفهم نتاج فكرنا على أنَّه قابلٌ للخطأ والتفنيد والدحض. إنَّ ذلك إنَّما هو فاتحٌ لحقل [النقد- النقد المضاد]. ولكن هل بلغنا بالفعل مستوى النقد العلميّ والفلسفي الحديث، بعدُ؟ وهل نتوفر على ذاك المعنى الراقي للبناء وإعادة البناء، في ضوء التَّساؤل عن التجديد والتحديث والعالمية؟ لا؛ ببساطة هذه الـ [ـلا] تقوم على بداهة توفر إجابات جاهزة قَبلَ التوفُّر على تساؤلات جديدة. إنَّ المسألة إنَّما هي مسألة غياب التَّساؤل؛ على الرَّغْمِ مِنْ أنَّ الاِدعاءات والشعارات واللافتات التي يرفعها عدد كبير من الباحثين في المجتمعات العربيَّة، تلك الدافعة نحو التَّساؤل الجديد، وعلى نحو جديد، إنَّما هي تناقض ذاتها بذاتها. مثلاً: يفهم الإسلامي الواقع على أنَّه واقعٌ إسلامي، أو لا يكون، وله تساؤلاته الخاصة. ويفهم الليبرالي الواقع على أنَّه يتوفَّر على إمكان اللبرنة (نسبة إلى الليبرالية)، أو لا يكون، وله تساؤلاته الخاصَّة؛ وكذلك القومي، والشيوعي- الماركسي، يفعلان الأمر ذاته. ولكن، في غفلة صريحة، من قِبَلِهم جميعًا، يمكننا أن نشير إلى أنَّ الواقع إنَّما هو مفهوم حديث وما بعد حديث، في طور من التغير والتحول والتبدل المستمر، وفق إشكاليات الحقيقة، والذَّات، والتعدديَّة. هل نعي بعدُ، على نحو القبليات العِلميَّة- الأفكار العِلميَّة والتصورات والاِفتراضات والنظريات والمناهج التي خضعت للتجربة والحكم- أن الواقع قد صار إشكالاً علميَّاً وإشكاليَّة فلسفيَّة، وقد لا يجد ذاته حتَّى في مفهوم الواقع الكلاسيكي في فلسفة الحداثة والتحديث: من عصر الأنوار إلى بعد الحرب العالَميَّة الثَّانية)؟ يفتح هذا التَّساؤل، وما على شاكلته، أفقًا نحو جِدة التَّساؤل، وعملية تجديد التَّساؤلات الفكريَّة، في العلم بالمجتمع والإنسان.

[V]

على هذا الأساس يمكن بناء التَّساؤل من جديد: أية عقبات معرفية، وأية عقبات سياسية، وأية عقبات مؤسَّسيَّة تحول دون بلوغ مستوى التَّساؤل عن الواقع على نحو علمي وفلسفي حديث وما بعد حديث؛ أعني على نحو عالميّ؟

  • I – العقبة المعرفيَّة تتمثَّل في أيَّةِ معرفة تريد، أو تسعى لأنْ تكون في موقع ضبط المعارف الأخرى، والتحكم بها. إنَّ المعرفة الضابطة للمعارف الأخرى، والواضعة لحدود المعارف الأخرى، والمحدِّدةِ لشروط إمكانها، تفرغ المعرفة العِلميَّة والفلسفية من ماهيتها الحديثة؛ القائمة بالأساس على مفاهيم الحُرِّيَّة، والتعدُّد، والاِختلاف، والنَّظر من منظورات نظرية متباينة.
  • II – العقبة السياسية: قَبلَ الحديث عن العقبة في المعنى السياسي الذي يعيِّنُها، علينا أن نقول أننا لسنا، في المجتمعات العربيَّة، قادرين على [ممارسة- سياسة] في المعنى الحديث لها؛ وفي عبارة مباشرة نحن العرب والمسلمين، ليس لدينا سياسة، متى فُهِمت هذه الأخيرة من جهة مفهوم الدولة الحديثة. في أفضل الأحوال، نحن نمارس أشكال من العلاقات الدولية التي، من خلال وعي الممارسة فيها، تُفهم، على أنها محاكاة للفعل السياسي العالَمي؛ وليس الفعل السياسي الحديث كما ينبغي أن يكون؛ أقصد كما ينبغي أن يقوم على الحفاظ على المصلحة المجتمعيَّة العليا، وتحقيق إمكانات الحصول على حقوق المواطن، وتوفير بيئة مناسبة للتنمية المستدامة، عَبرَ سياسات اِقتصادية متكاملة مع مؤسسات الاِقتصاد العالَميَّة. ومن جهة إنَّنا لسنا أمام رجال سياسة، بقدر ما نحن نواجه، في حقل السياسة في مجتمعاتنا العربيَّة، جملة من أشكال الممارسة السياسية التي تبدأ بـ “الحقل الإلهي في الحكم”، وتمر عَبرَ “توريث السلطة”، وتقف طويلاً عند “رجال سلطة تنتجهم الصدفة (الصدفة هنا مأخوذة كضرب من توفر شروط موضوعيَّة غير عادية”، وصولاً إلى “حكم الأجانب”؛ فإنَّ العقبة والحال هذي، لا تُصبِح سياسية؛ بل عقبة تعيِّنها ضروب ممارسة السُّلطويَّة والتسلُّط على رقاب الناس؛ التي تُمارَس، في أغلب الأحايين، من قِبَلِ رجال يزعمون أنهم رجال سلطة، ورجال دولة، ولكنهم لم يتعرَّفوا بعد على معاني الحُرِّيَّة، والمساواة، والعدالة، وتوفير البيئة المناسبة للمطالبة بحقوق المواطنية. إنَّ العقبة الأساسيَّة، ضمن العقبة السياسية، إنَّما هي غياب مفهومي المواطنية والديموقراطية، على مستوى الممارسة الفعلية، في مجتمعاتنا العربيَّة. لأنَّ أوَّل بدء المعرفة الحديثة وما بعد الحديثة، إنَّما هي أسس المواطنية، وقواعد الديموقراطية. إنَّ الفاعلين السياسيِّين، في أفضل الأحوال، إنَّما هم رجال يطلبون القوة والسلطة. هؤلاء يمكنهم أن يضعوا كل ما هو يتناسب مع ما تقوله الآيديولوجيا المغلقة على ذاتها، الخاصَّة بهم، في توجيه أي عمل بحثي أو علمي أو فلسفي أو آكاديمي. ولا علمَ، ولا فلسفة، ولا آكاديميا، ولا بحثَ، من دون الحُرِّيَّة بوصفها ماهيَّة العقل الحديث، وما بعد الحديث. أشير، بالطبع، إلى الحُرِّيَّة التي تحددها المصلحة المجتمعيَّة العليا، وضرورة التجديد والتحديث والتغيير في مجتمعاتنا العربيَّة. إذن ما هي العقبة في المعنى السياسي لها، والحال هذي؟

علينا أن ننظر، من دون مواربة أو مجاملة أو مراوغة منفعية، إلى من يحكم الجامعات والآكاديميات ووزارات التربية والتعليم في مجتمعاتنا العربيَّة. من المدير في قسم من أقسام الجامعات والكليات والآكاديميات والمعاهد، مرورًا بالعمداء، وصولاً إلى الوزير. وبنظرة خاطفة، يمكنك أن تتساءل مباشرةً: ما هي معايير اِختيار المسؤول عن التربية والتعليم في هذه المجتمعات؟ وكيف تُحدَّد له وظائفه وصلاحياته؟ أنظر مرة أخرى إلى آليات اِختيار الوزراء، في حقل من الصراع على الثروة العامَّة بين الأحزاب السياسية، أو التي تزعم أنها سياسية، في مجتمعاتنا. ماذا تجد؟ لا تُسند، في أغلب الأحايين، وزارة التربية ووزارة التعليم لمن هو أكثر علمًا وتجربة وكفاءةً وحضورًا في الوسط الآكاديمي والعلمي؛ ولا يُنظر إلى من هو أكثر نتاجًا، بقدر ما هي تُسند لمن هو أكثر ولاءً للحزب، أو للزعيم، أو للقائد، أو للجماعة السياسية. أنقول مرة أخرى أنها عقبة سياسية؟ هذه ليست عقبة سياسية؛ بل عقبة سلطوية ناتجة عن حكم رجال التسلُّط على المجتمعات العربيَّة. لربما كنَّا نتمنى أن تكون سياسية كي نجد سياسة في مواجهتها أو مقاومتها حتَّى؛ لأنَّ في حقل السياسة والفعل السياسي، من منظار المفهوم الحديث لهما، ثَمَّةَ إمكانات للتغيير والتجديد والتحديث على نحو خدمة الإنسان والمجتمع. والمجتمع السياسي الحديث وما بعد الحديث يفتح إمكان ذلك؛ لأنه يوفر أرضيَّة المشاركة السياسية بعيدًا عن ممارسة العنف، أو التهديد بممارسته، خارج إطار مؤسسات الدولة الحديثة. ولكن ذا، بعد نظرة خاطفة للسيستام السلطوي في مجتمعاتنا العربيَّة، آخر ما يمكن تصوُّره.

  • III – العقبة المؤسسيَّة: المؤسسة هي بذاتها، من جهة كونها ضابطة للعمل الآكاديمي، والفعل العلميّ، يمكن أن تُصبِح عقبة أمام المعرفة إنْ هي اِنغلقت على ذاتها، وحجبت إمكانات تغيُّّرها وتحديثها وتجديدها. إذا تساءلنا عن ركائز المؤسسة المجتمعيَّة، ومتى اِعتبرنا الآكاديميا مؤسسة مجمعية، في معنى التَّساؤل الحديث عنها، نفتح مباشرةً إمكان فهم ركائز مفهوم المؤسسة المجتمعيَّة. وهي على خمسة ضروب فهم، على أقل تقدير، هي الآتية:
  1. وظيفة المؤسسة مجتمعيَّاً،
  2. ودورها المجتمعيّ،
  3. ونظامها وقانونها الداخلي،
  4. وعلاقتها مع المؤسسات المجتمعيَّة الأخرى،
  5. والتغيُّر الذي من شأنها. إنَّ العقبة المؤسَّسيَّة لا ترتبط فقط بتلك المحددات التي تسبق العمل العلميّ والآكاديمي بعامَّةٍ، بل هي تُفهم من جهة كون المؤسسة، من حيثُ إنَّها مؤسسة، تتوفَّر على كل الإمكانات لأن تكون على الضدِّ من التأسيس لبناء جيل كامل من الباحثين والمفكرين والفلاسفة. بخاصَّةٍ، حينما تُصبِح ضروب تسييس المعرفة سابقة للمعرفة عينها.

[VI]

بَيْدَ أنَّهُ لا يمكن لتساؤل المعرفة، وشروط إمكانها، ومصادرها، وحدودها، من جهة، والنموذج العالمي الذي من شأنها، من جهةٍ أخرى، أن يجد تخصيصًا دقيقًا له من دون النظر، في أفق تفكيك مفهوم “عدم الطاعة” للنموذج الغربي، في فكرة آيديولوجية أخرى، سادت منذ قرنين من الزمان الكرونولوجي، في الفكر العربيّ، وضروب التفكير التي من شأنه. إنَّها فكرة هيمنة النموذج الغربي على تصوّراتنا للبحث العلمي في علوم المجتمع والإنسان، ومدى تأثير ذلك على بناء أبحاثنا فيها.

في هذا السياق، لربما كان علينا أن نبتعد عن أي حكم معياري، متى كانت المسألة مرتبطة بالتعامل مع المعرفة العالَميَّة التي سادت مما بعد القرن السادس عشر. ماذا نعني بالضبط حينما نقول “هيمنة النموذج الغربي”؟ وهل العالَم منقسم إلى غرب وشرق، ونحن وهُم، وثقافتنا وثقافتهم، و… إلخ؛ حتَّى نسأل عن هيمنة نموذج دون آخر؟

في كتابي “إشكاليَّة التُّراث والحداثة في الفكر العربيّ المعاصر”، قلت أن ما يمكن أن نفهمه من هذه الأحكام، التي تقوم على تقسيم العالَم إلى عوالِم، إنَّما هو ضرب من الحكم الآيديولوجي الذي يقوم على [نموذج- مثال] مُفترض قبليَّاً. ما هو؟ هل ثَمَّةَ نماذج معرفية أخرى، كي نقول مثلاً أن ثَمَّةَ نموذج غربي، وثَمَّ، في المقابل، نموذجٌ شرقيّ؟ ثَمَّ نموذجٌ عربيٌّ، أو نموذج إسلاميٌّ، ومن بَعدُ، ثم نموذج أجنبي، أو نموذج مسيحيّ؟ ثم نموذج تراثي ومِنْ ثَمَّ نموذج حداثي؟ هذه ثُنائيَّات هي، في أفضل الأحوال، تعاني من هشاشة إبستيمولوجيَّة في قيامها، تتمثَّل في أنها لا تستند إلى واقع مجتمعي واحد، في الـ [ههنا- و- الآن]. إنَّها من اِصطناع جيل كامل من الباحثين في عصر النهضة في الفكر العربيّ الحديث؛ أو الذي اِدَّعى ذلك. لماذا؟

منذ مطلع القرن السادس عشر، بعد مخاض عسير بين المدينيَّة والمؤسسة الدينية، وبين الإقطاعية والرأسمالية، وبين المَلَكِيَّة والجمهوريَّة، قام التَّساؤل الأكثر أصليَّة في التاريخ البشري. تساؤل بسيط بمضمون معقد: كيف يمكن إنتاج معرفة عالَميَّة لا تخضع لسلطة دين بعينه، أو سلطة ملك أو سلطان بعينه؟ وكيف نفهم العوالِم المختلفة على أنها عالمٌ واحد، يستحيل تفكيكه وتجزئته وتقسيمه؟ بل إنَّه في وَحدته يكون يونيفرساليَّاً؛ أو لا يكون من جذره؟

هذا التَّساؤل يقف قائمًا برأسه، في أعمال كل الفلاسفة والعلماء في عصر النهضة، وعصر الحداثة. إنَّه تساؤل مطروح في أعمال رينيه ديكارت، وفرانسيس بيكون، وإيمانوئيل كانْت، وغاليله، ونيوتن، وكوبرنيكوس، ولايبنتز، وهيغل، … وإلخ. إنَّه تساؤل ناتج عن أعمال هؤلاء، أو منها، أو بـتوسُّطها، أو لها، أو للآخر العالَمي الذي تتوجه إليه. بعبارة مباشرة هو لا يعبر عن تساؤل جماعة بعينها على نحو عالَمي؛ بل هو تساؤل العالَم الذي أخذ يصطدم بعقبات تراثه البشري المشترك في كُليَّتِهِ.

[VII]

في هذا المعنى، ما الذي نقصده إذا قلنا نريد أن يكون لدينا علوم إنسانية ومجتمعية شرقية، أو إسلامية، أو عربيَّة، أو محليَّة، مقابل علوم إنسانية، ومجتمعية غربية، وأجنبية، وعالمية؟ أي ما الذي يتضمنه هذا الهدف الأكثر تميُّزًا لـ “العصيان المعرفيّ”، والغاية من الدعوة إليه؟ لا يمكن أن نقصد إلاَّ هذا: نريد أن نحافظ على هويتنا الأصليَّة، وذاتنا المجتمعيَّة المحليَّة الأصيلة. هل هذا عمل البحث العلميّ؟ أو عمل رجال السياسة؟ إنَّ خلطًا بين البحث العلميّ، والعمل السياسي، في بلداننا، بلغ مستوى الجهل، والتجهيل حتَّى، بأبجدية البحث العلميّ في إشكاليات الواقع المجتمعيّ. أو لربما كان في ذلك ضرب من ضروب المصلحة المجتمعيَّة لرجال السلطة. بحيث أصبحنا أمام اِستعمال مفاهيم سياسية داخل العمل الفكري والعملي والفلسفي. أنظر مثلاً مفاهيم من قبيل: العصيان المعرفيِّ، والعصيان الإبستيمولوجي، والتمرُّد المعرفيّ، والثورة على الغرب، ومواجهة الغرب، والمقارنة بين رجل دين عندنا وفيلسوف من فلاسفة الغرب الحديثين، و”التغريب”، و”الإصابة بالغرب” وهكذا دَواليك. لماذا أقول الجهل بأبجدية البحث العلميّ؟ لأنَّ ذلك يرتبط بالجهل بالعالمية؛ والمعرفة التي أخذت على عاتقها أن تفهم العالَم اِنطلاقًا من ضروب تعدده واِختلافه وتنوعه. في الحقيقة من يقول أنَّه يريد مكافحة النموذج الغربي، أو مواجهته، أو تحطيمه، يريد أن يقول شيئًا آخر. إنَّه يقول بأنَّه يقف خارج العالَم، ويريد أن يواجه العالَميَّة، وبالتالي هو يعلن موقفًا سياسيَّاً، وليس ممارسة علميَّة البتة. إنَّ اِختيارًا للعزلة العالَميَّة من هذا النوع ليس من شأن المجتمعات التي تبحث عن إمكانات تحديثها؛ إنَّها تلك التي ليس لديها، في النهضة والاِستنهاض، سوى البحث عن إمكانات اِستعادة التُّراث، واِستدعائه في كل ضرب من ضروب التعامل مع المعرفة العالَميَّة، من جهة، وتناول الواقع المجتمعيّ، في المجتمعات العربية، من جهةٍ أخرى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

[1] – أنظر عن مفهوم “المُكَوِّن الآيديولوجي للمعرفة”: : محمَّدحسين الرفاعي، بِنيَة البحث العلميّ في الفلسفة، وعلوم المجتمع والإنسان- دراسة في ميثودولوجيا تحديث الحداثة، مركز دراسات فلسفة الدين- بغداد ودار التنوير، ط1، بيروت- تونس، 2022.

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete