فتغنشتاين.. ما يُمكن قوله على الإطلاق يُمكن قوله بوضوح، وأما ما لا يُمكننا التحدث عنه، فيجب أن نجاوزه بصمت

 تكوين

 

أثارت، وما تزال تُثير، كتابات لودفيغ فتغنشتاين (Ludwig Wittgenstein) (1889 – 1951) كثيرًا من الجدل، إلى حد يُمكن القول إنها واحدة من أكثر “الكتابات الفلسفية إثارة للتحدي في القرن الـ 20”[1].

قد يكون سبب إثارتها للجدل، طبعًا من ضمن أسباب أخرى، تُميزها بأسلوب سلس وسهل القراءة. فأتت معظم أفكاره الفلسفية بصيغة “ملاحظات موجزة ومرقمة“[2]. والميزة الأخرى لكتاباته هي صرامة منطقها وتسلسل أفكارها، ويعود هذا إلى أن “فتغنشتاين” مهندسًا، ومتخصصًا بالرياضيات. لذا جاءت كتاباته الفلسفية لتمزجَ بتوازن مدروس بين اللغة والمنطق الرياضي. فصاغَ أفكاره في صورة مُعادلات رياضية مكتوبة بأحرف أبجدية. كل معادلة ترتبط بالأخرى، أي كل جملة أو ملاحظة هي عبارة عن معادلة رياضية تقود إلى معادلة أخرى تساعد في حل الأولى وفهمها، ولكن غالبًا ما تكون التالية أكثر تعقيدًا من سابقتها!

اِتسمت بداياته الفلسفية بعلاقة جيدة مع “برتراند راسل” و”غوتلوب فريجه” (Gottlob Frege) وغيرهم، إلا أنه انتقدهم لاحقًا. وأكثر من أَثَّر فيه في بدايات مسيرته للخوض في عالم الرياضيات هو كتاب “مبادئ الرياضيات” (Principles of Mathematics) لـ “راسل”. وهو الكتاب الذي أدخل “لودفيغ” إلى عالم الفلسفة[3]. ومن شدة تأثره بكتاب “رسل” “كتب فتغنشتاين مبحثًا في أسس الرياضيات وأرسله إلى فيرجيه”[4].

مثله مثل كثيرٍ من الفلاسفة، تطورت أفكار “فتغنشتاين” مع تقدمه في العمر، فانتقل من “معجب” بأفكار “راسل” وفلسفته إلى ناقدٍ لها. وهذا التطور الفكري يُمكن تقسيمه إلى قسمين كبيرين، هما:

  • فترة الكتابة في خنادق الحرب العالمية الأولى
  • والفترة الثانية، وهي فترة الكتابة خارج الخنادق، أي بعد الحرب.

تُعْرَفُ الفترة الأولى من فلسفة “فتغنشتاين” باسم “فترة “التراكتاتوس” (Tractatus)، وقد كتبها في خنادق الحرب العالمية الأولى. أما الفترة الثانية، من فلسفته فتُعرف باسم فترة “التحقيقات الفلسفية” (Philosophical Investigations)”[5].

لا يعني تقسيم فلسفة “فتغنشتاين” إلى مرحلتين أنه انتقل من فلسفة إلى أخرى، بل “على الرغم من التغير الواضح في تفكيره، فقد بقي “فتغنشتاين” واضحًا في مساره الفكري: التشكيك في الفلسفة التقليدية، ومُصِرًّا على تحدي الأسئلة الفلسفية لكن بتوجه جديد”[6].

الكتابة من الخندق

لم تمنعه خنادق الحرب العالمية الأولى الكتابة والتفكير بوصفه جنديًّا متمترسًا في خندق. وقد وجه رسالة إلى عالم الاقتصاد “كينز” يقول فيها:

“أنت مخطئ تمامًا إذا ظننت أن كوني جنديًا سيمنعني من الكتابة في القضايا المنطقية”[7].

من أبرز سمات هذه المرحلة الانعطافة في الفضاء الفلسفي باتجاه فلسفة اللغة، وتَمظهرت في كتابه Tractatus Logico-Philosophicus (1921)، وكان لها تأثيرها في الوضعية المنطقية (Logical Positivism) و”حلقة فيينا” والتحليلية في كامبريدج (Cambridge analysis). وبإيجاز، فإن من الأدلة على مدى تأثير فلسفة “فتغنشتاين” في الوضعية المنطقية، وتأثُّره بها، هو أن “راسل” كتب مقدمة “التراكتاتوس”.

يقول “راسل” في مقدمة كتاب “فتغنشتاين” “التراكتاتوس فلسفةٌ منطقية”: “سواء أثبتت أنها تعطي الحقيقة المطلقة بشأن المسائل التي تتناولها أم لا، فهي تستحق بالتأكيد -من خلال اتساعها ونطاقها وعمقها- أن تُعدَّ حدثًا مُهمًا في العالم الفلسفي”[8].

ومن ضمن الرسائل المتبادلة بين “فتغنشتاين” و”راسل”، وتُظهر العلاقة الودية التي كانت قائمة بينهما، يقول “فتغنشتاين” في إحداها: “ما تزال هناك بعض الحوادث اللطيفة التي تحدث في حياة المرء، مثل تَلقي رسالة منك…”[9].

عمل “فتغنشتاين” في كتابه “التراكتاتوس —فلسفة منطقية”— الكتاب الوحيد الذي نُشِرَ في حياته — على تبيُّن أن “الفلسفة التقليدية تتكئ بكليتها على فهم خاطئ لمنطق اللغة، متبعًا في هذا راسل وفريجه“[10]. مؤكدًا فكرته هذه في كتابه، واصفًا إياه بأنه “يتناول… مشاكل الفلسفة، ويُظهر —في اعتقادي— أن سبب طرح هذه المشاكل هو سوء فهم منطق لغتنا”[11].

لم يكن كتابه هذا مُوجهًا للجميع، بل لمن لديه “بالفعل الأفكار التي عُبِّرَ عنها فيه أو على الأقل أفكار مُمَاثلة. لذا فهو ليس بكتاب، وهدفه يُمكن أن يتحقق إن استمتع شخص ما بقراءته أو فهمه[12]“. ومن الواضح أن هدف الكتاب، المتضمن فلسفته المرتكزة على سوء فهم اللُّغة، هو أن يتوافق القارئ مع ما هو وارد فيه! والتوافق ليس بالضرورة بمعنى التماثل، بل بحد أدنى “تشابهًا” في الأفكار، محاجًّا فيه على أن “كل جملة ذات معنى يجب أن تملك بِنية منطقية دقيقة (precise)”[13].

كما لَخَّصَ “فتغنشتاين” فلسفته، وخاصة المتعلقة باللُّغة، في كتابه في المقدمة، فهو يقول: “يُمكن تلخيص المعنى الكُلي للكتاب بكلمات ما يلي: ما يُمكن قوله على الإطلاق، يُمكن قوله بوضوح؛ وأما ما لا يُمكننا التحدث عنه، فيجب أن نجاوزه بصمت”[14].

ما يُشير إلى أن جوهر فلسفة “فتغنشتاين” في المرحلة الأولى –مرحلة الخندق– كان قائمًا على محاولته لفهمٍ صحيح لمنطق اللُّغة. وبكونه عالمًا، وتحديدًا رياضياتيًا، عمل على وضع “معادلات” منطقية تعمل على توضيح رياضي لمنطق اللُّغة، ليكون فهمها صحيحًا، محاولًا من خلال عمله أن يرسم “حد التفكير”، أو كما يقول:

“… رسمَ حدٍّ للتفكير أو بلورةً أكثر للفكرة، ليس للتفكير، بل لتعيُّن التعبير عن الفكر”[15].

ما يستلزم بالضرورة العمل على إيجاد “طرفي حد لما يُمكن التفكير فيه thinkable، أي أنه يجب أن نكون قادرين على التفكير فيما لا يمكن التفكير فيه أيضًا”[16].

يدفعنا “فتغنشتاين” بهذا القول إلى أمر لا يقتصر على معرفة حد ما يُمكن التفكير فيه، بل يمتد إلى تحديد حد ما لا يُمكن التفكير فيه؛ وهي معادلة “الحد” (limit). وبعبارة أخرى، عند تخطي “الحد” ندخل في منطقة الخطأ الرياضي أو المنطقي للغة، كما يريد “فتغنشتاين”، وهي “اللانهاية” (infinity). ومن المتعارف عليه في عالم الرياضيات أن هذه النتيجة تعني أن المعادلة خاطئة!

لكن كيف يُمكن معرفة بِنية هذا “الحد” (limit)؟ يُرشدنا “فتغنشتاين” إلى معرفته بالقول:

“قد يكون مُتخفيًا تحت عباءة المظهر القواعدي (grammatical appearance) للجملة، ولذلك قد يستلزم تحليلًا دقيقًا، كي يُصبح واضحًا”[17].

يُمكن الوصول إلى هذه الصيغة التحليلية وإظهار ما هو مُتخفٍ تحت العباءة القواعدية على النحو التالي: “كل جُملة ذات معنى إما أن تكون تركيبًا دالًّا صحيحًا لجملة أخرى أبسط، أو جملة ذرية تتألف من سلسلة من أسماء أبسط… وبهذا، استخدم “فتغنشتاين” “نظرية الصورة للمعنى” (Picture Theory of Meaning) ليستنبط خلاصات عن طبيعة العالم من ملاحظاته للجمل الذرية، مُفترضًا أن للعالم بِنية منطقية دقيقة، حتى لو لم نستطع تحديدها تحديدًا كاملًا. كما اعتقد “فتغنشتاين” أن العالم يتألف من وقائع أولية تتلاءم مع جمل ذرية صحيحة، وليس من أشياء، وأن هذه الوقائع -بدورها- هي سلاسل من أجسام أبسط تتلاءم مع أسماء أبسط تُكوِّنُ الجُمل الذرية”[18].

عن طريق هذه المقاربة، أتى كتابه ليكون “تمثيلًا لصورة المنطق الذري للواقع واللُّغة”[19]. فعند “فتغنشتاين”، في هذا الكتاب،

“يَتكوَّنُ العالم من عدد هائل من الوقائع المستقلة، وكل منها -بدورها- تتكون من بعض التراكيب لأشياء (objects) بسيطة. ولكل شيء شكل منطقي مميز يلائمه ليتحدَ مع أشياء أخرى محددة. وتُسمى هذه الأشياء عن طريق أسماء أساسية في اللُّغة. ولكل اسم الشكل المنطقي نفسه، ومن ثمَّ الاحتمالات نفسها للاتحاد مثل الشيء الذي يُسمِّيه”[20].

والأمر الآخر في كتابه أن “هذه الحقائق العميقة عن طبيعة الواقع وتمثيلاتها لا يُمكن أنْ تُقال كلاميًّا، بل يُمكن إظهارها فحسب”[21].

إلا أن هناك تباينًا واضحًا بين مقدمة “راسل” للكتاب وما قصده “فتغنشتاين”. فالكتاب لم يُنشر إلا بعد إطلاق سراح “فتغنشتاين”، ولم يجد له ناشرًا، وكان شرط الناشر أن يكتب “راسل” مقدمته. فكتبها “راسل”، وعندما قرأها “فتغنشتاين” لم تعجبه، معتبرًا أن “راسل لم يفهم ما قصده، وأخطأ في تقديم وجهة نظره، رغم أنهما التقيا في هولندا بعد إطلاق سراح “فتغنشتاين” من المعتقل وتصفحا الكتاب سطرًا بسطر”[22].

متأثرًا بالرياضيات والاكتشافات العلمية، وخاصةً ما له علاقة بعالم ما دون الذرة أو الفيزياء الكوانتية، حاول “فتغنشتاين” تطبيق كل هذا على اللُّغة، ليستخلص منها فلسفة لُغوية علمية قائمة على معادلات رياضية متوافقة مع العلوم، لاكتشاف العالم بلغة فلسفية علمية. إلا أن البعد الميتافيزيقي كان ظاهرًا في طيات ما قارَبَه “فتغنشتاين”، لأنه “اِشتَقَّ هذه الاستنتاجات الميتافيزيقية من نظرته إلى طبيعة اللُّغة، من دون أن يأخذ بعين الاعتبار وصف ما تكون عليه هذه الأجسام البسيطة، أو ما طبيعة الحقائق التي تُكَوِّنُهَا“[23].

الكتابة خارج الخندق

حافظت الفترة الثانية من فلسفته على فضاء التحليل، ولكنها ذهبت باتجاه “تحليل ترابطي” (connective analysis)، التي كانت قد بدأتها مدرسة أكسفورد التحليلية، وهيمنت على أواخر القرن العشرين.

اعتقد “فتغنشتاين” بإمكان التمييز بين لُغتين عن طريق “تفسير الفارق بين التجربة الخاصة والعالم المادي باستخدام عبارات تُعَبِّرُ عن وجود لُغتين: لغة أساسية (primary language) للتجربة، ولغة ثانوية للفيزياء”[24]. فاللُّغة -عنده- إحدى سمات “اللعبة اللُّغوية“، إذ “إن إمكان تقديم المرء لما قد يقنعه هو جزء من هذه اللعبة. وهي إحدى سماتها الأساسية”[25]. هنا أصبحت “اللُّغة” لعبة للوصول إلى “الإقناع”، وتكمن مهارتها في فن الإقناع!

انتقل “فتغنشتاين” في هذه المرحلة إلى الاهتمام بـ “اللُّغة الاعتيادية” (ordinary language)، ما جعل منه “أحد أعلام فلسفة اللُّغة الاعتيادية التي ازدهرت في أكسفورد في خمسينيات القرن الماضي“[26]. وقد عَبَّرَ عن هذا الانتقال في كتابه “تحقيقات فلسفية” (Philosophical Investigations).

يُمكن اعتبار هذه النقلة واحدة من أبرز التغيرات في فكره بين المرحلة الأولى والمرحلة الأخيرة (أو الثانية)، ألا وهي الانتقال من “تمثيل (presenting)، أو تقديم، اللُّغة لتكونَ إطارًا ثابتًا لا زمنيًّا، إلى تمثيلها على أنها هَشَّةٌ ومتغيرةٌ… أما الجانب الآخر في تغير فكره، فيتمثل في تخليه عن مركزية الذات (solipsism)، وإقراره بوجود عدة عُقول تدرك وتتعاون مع بعضها البعض في عالمها المشترك“[27].

لفهم “فتغنشتاين” ومحاولة فك تعقيداته الفلسفية، لا بُدَّ من مقارنة أفكاره في “المرحلة الأولى” مع “المرحلة الثانية”، وتطورها لا انفصالها، إذ يؤكد “فتغنشتاين”: “بدا لي فجأةً أنه يتعين عليَّ أن أجمع تلك الأفكار القديمة مع الأفكار الجديدة، وأنَّ هذه الأفكار الجديدة لن تُفهم كما ينبغي ما لم تُقَابَل بطريقة تفكيري القديمة”[28]. فقد هَدِفَ عن طريق كتابه إلى تحفيز التفكير، فـ “لستُ أهدف من وراء هذا العمل إلى توفير عناء التفكير لغيري، بل إلى حَثِّهِم على التفكير بأنفسهم كلما كان ذلك ممكنًا”[29].

ففي هذه المرحلة، ذهب “فتغنشتاين” إلى البحث عن جوهر اللُّغة ومسألة اللُّغة الاعتيادية. فاللُّغة عنده تملك جوهرًا، وجوهر اللُّغة البشرية هو -على وجه التحديد- أن “مفرداتها تُسمِّي الأشياء –وأن القضايا، هي عبارة عن ترابطات بين هذه التسميات– وهذا التصور للُّغة يحمل في طياته جذور الفكرة التي ترى أن لكل كلمة معنى. وهذا المعنى مرتبط بالكلمة، فهو ما تُشير إليه الكلمة”[30]. فاللُّغة -إذًا- هي علاقة الدال بالمدلول، أي العلاقة القائمة بين “الكلمة” و”المعنى” الذي تُشير إليه هذه الكلمة، وكل ذلك يتكوَّنُ من خلال تصوراتنا للكلمات. ويذهب “فتغنشتاين” إلى البحث في مسألة “المعنى” لمعرفة “موقعه الملائم في التمثيل البدائي لطريقة عمل اللُّغة وصيغتها”[31]. فإن استطعنا الوصول إلى هذه النقطة، نكون قد امتلكنا معرفة “لعبة اللُّغة” لتتحرر من “قيد القواعد”، وهذا ما كان يبحث عنه في بداية كتاباته، أي في المرحلة الأولى.

تَنْقَشِعُ “الضبابية” عن اللُّغة عندما “ندرس الظواهر اللُّغوية في صيغ استعمالاتها البدائية، إذ ستتكون لنا رؤية واضحة وشاملة لمرامي الألفاظ وآلية اشتغالها”[32]. أي أنه لكشف جوهر اللُّغة، لا بُدَّ من دراسة حالاتها الأولية أو البدائية التي تكوَّنت منها اللُّغة الحالية. وبُغية الوصول إلى أعماق اللُّغة، أي إلى أصولها الأولى، لا بُدَّ من الذهاب إلى “لُغة الأطفال”، لأن هذه الأشكال الأولية هي اللُّغة التي يستخدمها الأطفال عند تعلمهم الكلام؛ “فَتَعليم اللُّغة في هذه الحالات ليس تفسيرًا، بل هو ترويضٌ”[33].

كما تَعَمَّقَ “فتغنشتاين” في البُعد النفسي، وتحديدًا في “التجارب الباطنية” ومسألة إمكان وجود لُغة تُعبر عنها. وطرح السؤال التالي:

“هل يُمكن التفكير في لُغة يستطيع الإنسان أن يُعَبِّرَ بها كتابةً أو نطقًا عن تجاربه الباطنية –عن مشاعره وعن حالات مِزاجه– لاستعماله الشخصي؟”[34].

خلاصة أولية

من الأمور المؤكدة، استحالة الإحاطة بفكر أي فيلسوف بِبضْعِ وريقات تَجُولُ في بعضٍ من كتبه أو ما كُتِبَ عنه. ولكن يُمكن رسم الخطوط العريضة لبعضٍ من ملامح فكره، والتي يُمكن الاختلاف أو الاتفاق معها في شكلها الأولي.

قد يكون تأثر “فتغنشتاين” بالرياضيات أَثَّرَ كثيرًا في مقاربته الفلسفية للُّغة، فقد حاول أن يجد منطقًا “رياضيًّا” للُّغة ليجعل منها “عِلْميةً صِرْفةً”. بَيْدَ أنَّ اللُّغة، وإن كانت في جزءٍ كبير منها تخضع للقوانين، إلا أنها تتَنَصل منها في بعض الأوقات. والمسألة الأخرى هي أن تأثر “فتغنشتاين” بالفيزياء الحديثة كان كبيرًا، وخاصةً فيما يتعلق بالأجسام دون الذرية، ومحاولته إيجاد “الجُمَل الذرية” المكونة للُّغة. فهذا العالم “دون الذري” ما يزال لم يكتمل في العلم، فكيف يُمكن تطبيقه على عالم اللُّغة قبل اكتماله؟

حتى بعد أن حاول “فتغنشتاين” أن ينتقل بقفزة كوانتية إلى التمييز بين لغتين –لغة التجربة الخاصة ولغة العالم المادي– لم يُستطع الوصول إلى القواسم المشتركة والاختلافات الدقيقة بين هاتين اللُّغتين. فذهب إلى “اللُّغة الأولية” (primary language) في محاولة منه لوضعها مكان “الجملة الذرية” لمعرفة “جوهر اللُّغة”. ليكون البحث في “التجربة الباطنية” واستحالة إيجاد “لُغة” تُعَبِّرُ عنها –ما يجعل منها “حالة فريدة” لا يعرفها إلا صاحبها– أمرًا يُظْهِرُ أن “بواطن” الأمور جواهر مخفية عاجزة عن التعبير للآخرين. وبهذا، يستحيل نقل التجربة من فرد إلى آخر.

ومن جهة أخرى -في البداية- اعتقد “فتغنشتاين” أنه حَلَّ مُعضلة “فهم اللُّغة”، ليكتشف لاحقًا أنه لم ينجح في ذلك، فحاول في كتابه “تحقيقات فلسفية” الانتقال إلى “طريقة” أخرى للتعبير عن اكتشافه لحلٍّ، ولكن بلغةٍ أقل حسمًا. فتمثل الحلُّ عنده في “التجربة الباطنية” وعجز إيجاد لغة تُعَبِّرُ عنها، فأخذنا إلى أبعاد ميتافيزيقية هو يرفضها، فوقع في التناقض وأوقعنا معه، فَصَعُبَ علينا فهمه أو استحال! وبخصوص “راسل”، فيبدو أنه لم “يفهم” “فتغنشتاين” لهذه الأسباب أو لأسباب نَجهَلُها! أليس تجاوزَ ما لم نفهمه بصمتٍ قمعٌ للسؤال؟ وهنا يُطرح السؤال التالي على “فتغنشتاين”: أليس التساؤل هو مصدر فلسفتك ومعارفك العقلية كافة؟

___________________________________

المراجع:

[1] Audi, R. The Cambridge Dictionary of Philosophy, Cambridge, Cambridge University Press, 1999, p. 926.

[2] Audi, R. The Cambridge Dictionary of Philosophy, Cambridge, Cambridge University Press, 1999, p. 926.

[3]   Grayling, A. C. The History of Philosophy, Great Britain: Penguin, 2020, p. 371.

[4] Grayling, A. C. The History of Philosophy, Great Britain: Penguin, 2020, p. 371.

[5] Audi, R. The Cambridge Dictionary of Philosophy, Cambridge, Cambridge University Press, 1999, p. 977.

[6] Audi, R. The Cambridge Dictionary of Philosophy, Cambridge, Cambridge University Press, 1999, p. 977.

[7]   فتغنشتاين لودفيغ، رسائل فتغنشتاين مختارات تحكي وعيه، ترجمة عقيل يوسف عيدان، دار الرافدين، بيروت، لا. ط لا. سنة، ص. 69.

[8]   Ludwig Wittgenstein, Tractatus Logic-Philosophicus, translated by Mc Guiness, Routledge, London & N. Y., 1961, p. ix.

[9]   فتغنشتاين لودفيغ، رسائل فتغنشتاين مختارات تحكي وعيه، ترجمة عقيل يوسف عيدان، دار الرافدين، بيروت، لا. ط لا. سنة، ص. 49.

[10] Audi, R. The Cambridge Dictionary of Philosophy, Cambridge, Cambridge University Press, 1999, p. 977.

[11]     Ludwig Wittgenstein, Tractatus Logic-Philosophicus, translated by Mc Guiness, Routledge, London & N. Y., 1961, p. 3.

[12]   Ludwig Wittgenstein, Tractatus Logic-Philosophicus, translated by Mc Guiness, Routledge, London & N. Y., 1961, p. 3.

[13]   Audi, R. The Cambridge Dictionary of Philosophy, Cambridge, Cambridge University Press, 1999, p. 977.

[14]   Ludwig Wittgenstein, Tractatus Logic-Philosophicus, translated by Mc Guiness, Routledge, London & N. Y., 1961, p. 3.

[15]   “To draw a limit to thought, or rather—not to thought “p 3 from his book Tractatus Logico-philosophicus.

[16]     Ludwig Wittgenstein, Tractatus Logic-Philosophicus, translated by Mc Guiness, Routledge, London & N. Y., 1961, p. 3.

[17]    Audi, R. The Cambridge Dictionary of Philosophy, Cambridge, Cambridge University Press, 1999, p. 977.

[18]   Audi, R. The Cambridge Dictionary of Philosophy, Cambridge, Cambridge University Press, 1999, p. 977.

[19]   Edward Craig, Routledge Encyclopedia of Philosophy, Routledge, London and New York, 1998, p. 757.

[20]   Edward Craig, Routledge Encyclopedia of Philosophy, Routledge, London and New York, 1998, p. 757.

[21]   Edward Craig, Routledge Encyclopedia of Philosophy, Routledge, London and New York, 1998, p. 757.

[22]   Grayling, A. C. The History of Philosophy, Penguin, G.B, 2020, p. 372.

[23]    Audi, R. The Cambridge Dictionary of Philosophy, Cambridge, Cambridge University Press, 1999, p. 977.

[24]    Audi, R. The Cambridge Dictionary of Philosophy, Cambridge, Cambridge University Press, 1999, p. 978.

[25]    Audi, R. The Cambridge Dictionary of Philosophy, Cambridge, Cambridge University Press, 1999, p. 978.

[26]   Audi, R. The Cambridge Dictionary of Philosophy, Cambridge, Cambridge University Press, 1999, p. 979.

[27]     Edward Craig, Routledge Encyclopedia of Philosophy, Routledge, London and New York, 1998, p. 757.

[28] لودفيك فتغنشتاين، تحقيقات لغوية، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2007، ص. 115.

[29] لودفيك فتغنشتاين، تحقيقات لغوية، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2007، ص. 115.

[30] لودفيك فتغنشتاين، تحقيقات لغوية، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2007، ص. 118.

[31] لودفيك فتغنشتاين، تحقيقات لغوية، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2007، ص. 118.

[32] لودفيك فتغنشتاين، تحقيقات لغوية، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2007، ص. 121.

[33] لودفيك فتغنشتاين، تحقيقات لغوية، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2007، ص. 121.

[34]  لودفيك فتغنشتاين، تحقيقات لغوية، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2007، ص. 260.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete