فردانية التدين: تحولات الإيمان في زمن العولمة…نحو فهم أمثل لأطروحة أوليفييه روا

 تكوين
  • لماذا أوليفييه روا Olivier Roy؟

لا يمكن أن نفهم السياق الذي تمر به ثقافتنا العربية والإسلامية، وحجم الإشكالات التي تعترضنا باعتبارنا ذواتا قابلة للتحليل والنقد والتجاوز، إلا إذا استحضرنا الأبعاد المختلفة في تشكيل الظواهر الثقافية. ولعل البعد الأنثروبولوجي أحد الركائز الأساسية التي تستحضر مقاربة الظواهر وفق رؤية شاملة ومتكاملة، تراعي كل الأبعاد التي تبدو في الكثير من الأحيان أنها منفصلة عن بعضها البعض، بينما يصل بينها التكامل والترابط. هذه وظيفة الأنثروبولوجيا، وهذه أيضا وظيفة الباحث الذي يتعامل مع الأفكار، والأشياء، والمجالات بمنظور يتجاوز النظرات الاختزالية التي سادت التفكير التجزيئي الذي عانت منه الإنسانية لعهود طويلة. وبما أننا في سياق يستحضر الأهمية القصوى للمشاريع الفكرية ذات البعد التكاملي والشمولي، يكون لزاما علينا أن نؤكد أن الحقل الديني كغيره من مجالات المعرفة المتعددة والمتنوعة، عرف أيضا تطورا كبيرا من حيث المقاربات والمنظورات التي تجاوزت من خلاله فكرة القداسة، والأبعاد الماورائية، ليصير مجالا حيويا يتفاعل مع ما هو بشري وإنساني، ويخضع للصيرورة الاجتماعية من حيث النشأة والتطور، ومراحل الانحدار والسقوط.

وإذا أردنا أن نقيم حجم المحاولات المعاصرة في قراءة المجال الديني أو الظاهرة الدينية، فسنكون أمام جهد بشري ضخم يستحق منا كل التنويه، منه ما قام به مفكرون وكتاب ومثقفون ينتمون للبيئة الإسلامية من حيث النشأة والتعليم والتأطير، ومنه كذلك ما قام به علماء ومفكرون وباحثون غربيون كرسوا أعمالهم وأبحاثهم لقراءة الظاهرة الإسلامية في أبعادها الإيجابية والسلبية. وإذا كان الاستشراق أو دراسة الشرق كما تحدث عنه إدوارد سعيد[1] قد حاول تكريس صورة نمطية عن الشرق في المخيلة الغربية، فهذا لا يعني من جهة أخرى أن إنكار الاستشراق والمستشرقين فتحوا أبوابا كبيرة للمعرفة والبحث العلمي، والتعرف على الذات، والنقد التراثي والثقافي.

إقرأ أيضًا: ماهو الاستشراق؟

ولأن الظاهرة الدينية مرتبطة بالإنسان، وبالمجتمع، وبالتفاعل الإنساني مع الذات والمحيط فقد وجدنا باحثين يولونها الأولوية القصوى، خاصة لما تثيره من إشكالات معاصرة، وعقبات في وجه القضايا الكبرى التي يعاني منها العالم المعاصر كالتسامح والتعايش والسلم الأهلي. ومن بين هؤلاء نجد الباحث الفرنسي أوليفييه روا Olivier Roy الذي وضع العديد من الأبحاث، وشارك في مختلف الندوات محاضرا ومؤطرا، موضحا الأزمة التي يعاني منها الإسلام، معالجا قضاياه الشائكة من قبيل إشكالية الاندماج والهوية والعنف، والتطرف الأصولي، وغيرها من العناوين المشتعلة في الصراع العالمي. لذا سنحاول في هذا البحث أن نرصد هذا التتبع الدقيق لمآلات فكر أوليفييه روا، وراهنية أبحاثه، وامتدادات حركته النقدية داخل مجتمعاتنا الإسلامية.

لكن قبل أن نرصد هذا المسار الفكري، والتطور الأكاديمي يجدر بنا أن نتعرف على هذه الشخصية الفكرية والثقافية في حقل الأنثروبولوجيا الدينية.

من هو أوليفييه روا؟

للجواب عن هذا السؤال سنعتمد على هذه السيرة المختصرة لمساره الفكري:[2]

أوليفييه روا هو مدير أبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS). حاصل على شهادة التبريز في الفلسفة، وخريج المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية (INALCO) في اللغة الفارسية، ويعتبر أن الفلسفة هي أيضًا مسألة ميدانية. بين عامي 1973 و1981، عمل أستاذًا للفلسفة، واغتنم هذه الفترة للقيام بعدة رحلات إلى الشرق الأوسط. لكن شغفه بهذه المنطقة تجسّد فعليًا ابتداءً من سنة 1981، حيث بدأ سلسلة من رحلات الدراسة إلى أفغانستان، قضى خلالها 18 شهرًا في معايشة مباشرة مع المجاهدين. ومن هذه التجربة خرج عام 1985 بكتابه:” أفغانستان، الإسلام والحداثة السياسية “.

في السنة نفسها، انضم إلى قسم العلوم السياسية في المركز الوطني للبحث العلمي (CNRS)، ليتفرغ بالكامل لدراسة الحركات الإسلامية السياسية. وفي هذا الإطار، قام برحلات ميدانية متعددة إلى أفغانستان مجددًا، وإلى إيران، ثم آسيا الوسطى. وفي التسعينيات، شغل منصب ممثل خاص ثم رئيس بعثة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE) في طاجيكستان.

انطلاقًا من هذه التجارب الميدانية، أصدر كتابين بارزين:

  • “آسيا الوسطى الجديدة، أو صناعة الأمم” (1997)
  • “إيران: كيف نخرج من ثورة دينية؟” (1999)

من الجانب النظري، ركّز روا على ظواهر الراديكالية الإسلامية. كما طوّر مؤخرًا – بفضل الجمع بين تجربته الميدانية ومعرفته العميقة بالإسلام في السياق الغربي- مقاربة شاملة للإسلام المعاصر، مسلّطًا الضوء على التداخلات والتأثيرات المتبادلة بين الإسلام والغرب في عالم معولم. وانطلاقًا من هذا المنظور الفريد، الذي يجمع بين الخبرة العملية والتحليل النظري، نشر أوليفييه روا عبر منشورات “De Vive Voix” تسجيلات صوتية حول تاريخ الشرق الأوسط وإيران، وتقاطعات الإسلام مع الغرب. كما درّس روا في معهد العلوم السياسية في باريس (Sciences Po)، وأشرف على ندوة بحثية في مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية (EHESS)، وشغل منصب أستاذ زائر في جامعتي برينستون وبيركلي.

  • الجهل المقدس: المفهوم والمفارقة

عودة الدين أم وهم العودة؟

ربما عبارة المقدس تعد من أكثر المفاهيم تداولا، وأكثرها التباسا على حد سواء وهنا المفارقة. وقد نتج عن ذلك تضارب الآراء والأفكار والمعتقدات، وأصبح الحديث عن المقدس مثل الحديث عن الإنسان. كلاهما مرآة للآخر، المقدس يجلي خاصية الإنسان الكبرى، والإنسان يجلي القيم المقدسة عبر تبنيها، والصراع حولها. لكن هذا لا ينكر أن فضاء المقدس، نشأ وترعرع في أحضان الديني، بل يمكن أن نقول بأن الدين في غياب المقدس يغدو كأي فكرة أو أدلوجة، أو عقيدة لا تستحق الالتفات. وبالتالي فإن المقدس يلتصق بالدين والإنسان، والإنسان يلتصق كذلك بالمقدس لأن من خلاله يمنح الوجود معناه، ويخلق توازنه النفسي واستقراره العقلي.

في هذا السياق نستحضر ما قاله روجيه كايواه وهو يكشف عن الجدلية الحاصلة بين الإنسان والمقدس، وبين الدين والإنسان، فهو يقول وفي قوله الكثير من الصواب التاريخي والواقعي، أن المقدس خاصية ثابتة أو عابرة لبعض الأشياء: أدوات العبادة، أو الكائنات، الملك والكاهن، أو الأمكنة المعبد والكنيسة والمزار، أو الأزمنة يوم الأحد، عيد الفصح عيد الميلاد … إلخ. ليس هناك ما لا يصلح لأن يكون مقرأ للمقدس، الذي يخلع عليه سحراً لا يضاهى في نظر الفرد والجماعة، ولا هناك ما يتعذر نزعه منه. ليس المقدس صفة تملكها الأشياء في حد ذاتها. بل هو عطية سرية، متى فاضت على الأشياء أو الكائنات أسبغت عليها تلك الصفة. وقد مثل رجل هندي من داكوتا هذه الحقيقة للسيدة فلتشر Fletcher قوله:

كما إن الطائر المحلق في الأجواء يتوقف ليبني عشه، والإنسان السائر يتوقف حيث يطيب له التوقف، كذلك الألوهة جعلت من الشمس مكاناً تتوقف فيه، ومن الأشجار والحيوانات أماكن أخرى. ونحن إنما نتضرع إلى هذه كلها لأن بلوغنا مكان توقف المقدس يخولنا أن نستمد منه العون والبركة.[3]

إذا عرفنا بأن القداسة والمقدس هو شيء عابر للأشياء في العقل المتدين، فكيف يكون الجهل مقدسا؟ قد يبدو الأمر مربكا خاصة في سياق معاصر يقدس العلم والمعرفة المبنية على اليقينيات أكثر مما يقدس الخرافة والجهل. هنا يبرز لنا مفهوم الجهل المقدس، الذي اختاره المفكر الفرنسي أوليفييه روا لكتابه الصادر بالعنوان نفسه، فما المقصود بهذا المفهوم؟ وما خلفياته الفكرية؟ ولماذا يعتبره روا تهديدًا لبنية التدين المعاصر؟

إقرأ أيضًا: المقدس والمدنس

إننا نعيش في عالم أو زمن الجهل المقدس. غير أن الجهل هنا ليس كما هو متداول في سياقاتنا المعرفية واللغوية، أي ما يوازي غياب المعرفة، أو العلم. بل على العكس من ذلك الجهل هنا يتحرك في إطار المقدس كما حدثنا أيضا روجيه كايواه في نصه السابق، أي ذلك المجال الذي لا يستطيع فيه الإنسان نفسه، أو لنقل الباحث تحديدا أن يميز بين الدنيوي والديني، وبين الثقافي والديني، حيث تلتبس كل الأشياء، وتلبس أقنعة من القداسة يصعب فكها أو حلها.

كأن أوليفييه روا هنا يحاول أن يكشف هذا المزيج الحاصل بين الدين والثقافة، أو بين النصوص الدينية والفهم البشري، ويفهم الدين دون نزعه عن السياق، واللغة، والثقافة. وهنا مأزق الأصولية التي تتعالى بالدين على واقعه، وتختزله في طقوس سطحية أو شعارات سياسية. هذا الجهل ليس عارضًا، بل هو نتاج لتحولات عميقة في العلاقة بين الدين والثقافة. فالدين، عبر التاريخ، لم يكن أبدًا مجرد نصوص، بل كان حاملاً لثقافة شاملة: في اللغة، والفن، والموسيقى، والعمارة، واللباس، وحتى في العادات اليومية. لهذا تساءل:[4]

كيف يدرك الدين في النظام الاجتماعي؟ هل يمكن إدراجه في إطار النظم الرمزية الأخرى؟ هل بمقدوره أن ينمو في ميدانه الخاص؟

نحن نعيش عالما مرتبكا، أو ملتبسا في مكوناته، وتعريفاته، ومفهوماته. لقد ارتبط الدين لعهود طويلة بمنطق الحضارات، فالإسلام وليد الحضارة العربية الإسلامية، والمسيحية وليدة الحضارة الأوروبية الوسيطة، أما البوذية فهي ابنة الثقافة الآسيوية. لكن حينما ننظر اليوم إلى الواقع الديني نجد أن الدين قد تقلص إلى الحدود التي أصبح فيها مجرد “هوية” فردية أو جماعية، يُنتزع من سياقه الثقافي، ويُختزل في طقوس أو أحكام أو مواقف. أي أن الدين لم يعد ذلك المنتوج الحضاري العابر للهويات، بل أصبح حاليًا علامة فارقة ضد الآخر، ووسيلة للتمايز والاختلاف، وليس مجالا للتعمق أو التأمل أو الارتباط بجذور حضارية. وهنا يتولد “الجهل المقدس”، ويصبح المؤمن طهرانيا، وربما ملائكيا يستعدي الجميع، لأنهم لا يمثلون بالنسبة إليه صفة الديني.

في خضمّ التحوّلات العميقة التي يعرفها العالم المعاصر، تكرَّس حديث واسع عن “عودة الديني”، خصوصًا مع الصحوة الإسلامية أو المد الإسلاموي السياسي، وبروز، وحضور الدين في المجال والفضاء العام، والاستقطاب الحاد عمن يمثل الدين الصحيح بين مختلف مكونات الجماعات الإسلامية. غير أنّ أوليفييه روا يقرأ هذا الحضور، وهذه العودة بمنظور مختلف. ففي نظره، ما نعيشه ليس عودةً للدين بالمعنى التقليدي، بل تحوُّلا في تمثلاته ووظائفه، أي إنّ “عودة الديني” هي في الحقيقة تعبير عن تفكك البنية التقليدية للدين، لا عن صحوة حقيقية.

إن عودة الديني وحضوره القوي في المشهد السياسي والاجتماعي ناتج عن ظاهرتين أساسيتين[5]:

  • الأولى: زوال الصفة الإقليمية.
  • والثانية: فقدان الهوية الثقافية.

ولنفهم ظاهرة زوال الصفة الإقليمية نقول إنها لا تعني فقط انتقال الأشخاص، بل أيضا انتقال الأفكار، والقيم والتمثلات. هذه الظاهرة تعني أن الدين تجاوز بشكل كبير الحيز الجغرافي أو الارتباط الوثيق بالهوية الوطنية المحددة، وهذا نابع من هذا العالم المعولم الذي نعيشه، وانكسار الحدود أمام الأشخاص والأفكار. فإذا كان الدين قديما متجذرًا في مجتمعات معينة، وكان جزءًا من ثقافتها المحلية. فإن العولمة والهجرة والثورة الرقمية، جعلت العالم قرية صغيرة، وأصبح الكل متجاوزا للحدود. وهنا تحول الدين إلى هوية بديلة وعالمية، يستخدمها الأفراد كمرجعية فوق وطنية، ما يُسهّل توظيفه في السياسة، والمقاومة، والتمرد.

أما الحديث عن فقدان الهوية الثقافية حسب أوليفييه روا، فإنه يُشير هنا إلى حالة الاغتراب أو التهميش الثقافي التي يعاني منها المتدينون داخل مجتمعات الغربة، أو أوطان المهجر، حيث يعيش الإنسان تحولات عميقة في علاقته بالظاهرة الدينية. فمع تراجع الأطر التقليدية للانتماء (الأسرة، القومية، اللغة، التاريخ)، يشعر الناس بالفراغ أو الضياع، ويبحثون عن بدائل لهوية واضحة ومتماسكة. في هذا السياق، نشهد عودة الديني باعتباره حلا جاهزا، يقدم هوية قوية، واضحة، وشاملة، وقد يتحول إلى وسيلة للتعبير عن التمرد أو الاحتجاج على النظام القائم. وبالتالي فعودة الدين هنا في الواقع الاجتماعي ليست عودة إلى التدين التقليدي كما يرى روا، بل إلى تديين الهوية، حيث يصبح الدين وسيلة لتعويض الهوية الثقافية المفقودة، وتجاوز الانتماء الجغرافي. وهذه العودة لا تعبّر عن صحوة إيمانية، بقدر ما تعبر عن تحوّل اجتماعي وسياسي عميق.

إقرأ أيضًا: هل يمكن أن يوجد الدين من دون أسطورة؟

إن منظور أوليفيه روا لعودة الدين يدعو للتأمل أكثر فيما تعيشه مجتمعاتنا بشكل كبير، خاصة في المجتمعات الغربية. فالحديث عن الديني في هذا السياق لا يمكن النظر إليه على أنه عودة للدين بوصفه كتلة متماسكة تعود إلى الساحة الثقافية، وتخترق الفضاء العام من أجل الصلاح أو البقاء، بل هو انفصال عن سياقه الثقافي والاجتماعي. معنى ذلك أن الدين صار وتحول بفعل إكراهات الواقع، والتحولات التي شهدتها المجتمعات المعاصرة إلى ظاهرة فردية، هُوياتية، مُعولَمة.  إذ الدين الذي عاد صار دينا مفكّكا عن التقاليد المحلية، يحيا خارج بيئته الأصلية، ومجاله الجغرافي، وأطره الثقافية. وبالتالي فقد الكثير من مزاياه وخصائصه الثقافية التي كانت جزءًا من ممارسة اجتماعية شاملة، كما تحوّل إلى خيار شخصي، يُعبّر به الأفراد عن ذواتهم، ويتمسّكون به بوصفه درعا هويّاتيا في مقاومة المد الحداثي، أو عوامل التهميش والإقصاء الثقافي التي يعيشها المتدين في المجتمعات الغربية.

إننا بإزاء ظاهرة في علاقة الإنسان بالدين يطلق عليها روا بـ “تفريد التديّن“، حيث يصير التدين مسألة فردية، يصيغ من خلالها الإنسان علاقته بالدين بطريقة انتقائية ومُتخيَّلة، غالبًا ما تكون منفصلة عن المؤسسة الدينية التقليدية. هذا الغياب للمؤسسات الاجتماعية التقليدية في اكتساب أنماط التدين، جعل العديد من الشباب يتلقون تدينهم من قنوات بديلة للمؤسسات التقليدية كالإنترنت ومواقع التواصل، دون الحاجة حتى إلى معرفة النصوص الأصلية، أو اللغة الأصلية للدين. بالتالي فقد الإسلام طابعه المميز، وصار إسلاما مُفرَغا من البعد الثقافي، ومشحونا بخطابات رمزية، ومرتبطا بسرديات سياسية أكثر من كونه امتدادًا حيًّا لتراث فقهي أو حضاري متماسك.

يفيدنا هذا الطرح الفكري في قراءة ظاهرة عودة الدين إلى المجال العام، في أن نشكل صورة عن التدين المعاصر الذي لم يعُد حاضنة للقيم الحياتية سواء كانت اجتماعية أو سياسة أو أخلاقية. وإنما صار شعارًا للهوية، أو أداة مقاومة وتمرد، أو درعا لمقاومة التهميش والإقصاء السياسي والاجتماعي والثقافي. ولهذا فالمفهوم الذي كان يتداول بشكل كبير في كتابات دعاة الصحوة من الإخوان المسلمين كالقرضاوي وعبد الكريم بكار[6]، حول الصحوة الإسلامية، أو عودة الدين للمجال العام، قد يغدو في نظر أولفييه روا مجرد تعبير عن إحساس عميق بالفراغ الوجودي، وتآكل الهويات الكبرى، والبحث عن انتماء جديد في عالم مفكك.

لسنا هنا بصدد الحديث عن فكرة تجدد روحي أو رجوع إلى المقدس كما قد يتوهم البعض بعودة الدين، إننا أمام تحوّل بنيوي في مكانة الدين وقيمته الاعتبارية داخل منظومة اجتماعية مفككة، لم تعد تهتم بجوانبه الروحية والإيمانية. لكنها في الوقت ذاته تتعامل معه على أساس أنه حركة احتجاج، أو حالة وجودية مرتبكة. وهذا واضح بالأساس في كونه انجرف مع السياق المعولم، وصار قابلاً للتدويل، للاستهلاك، وللتسليع والتبضيع إن صح التعبير. لكن المثير هنا هو هذا التحول الدراماتيكي للتجربة الدينية من جماعية إلى تمثيل فردي، وشأن خاص جدا، ومن تراث حيّ إلى سردية رمزية. كأن أوليفييه روا من خلال هذه القراءة الفاحصة، لا يبشّرنا بعودة الدين، بل يُحذّر من وهْم هذه العودة. لأن ما سيعود في الحقيقة ليس هو الدين. بل صورته المفككة، المتشظية، التي لم تعد تنتمي إلى زمنها الأول، ولا تحمل قوّته التكوينية. إنّها “عودة بلا أصول”، ودينٌ بلا مجتمع، وطقوسٌ بلا سياق.

التدين في زمن العولمة: من الثقافة إلى السوق

يبدو بأن العالم اليوم ينحو منحى التغير والتبدل في كل المسلمات المعرفية التي اكتسبها الإنسان، أو شارك في تأثيثها ومشاركتها. ومن هذا القبيل نجد مفهوم السوق، فهو وإن كان يستحضر البعد الاقتصادي، إلا أن بفعل هذا التداخل المعرفي والمفاهيمي في العالم المعاصر، فقد انتقل إلى الحقل الديني، وأصبح يقيس الدين من منظار استهلاكي، أي عرض وطلب، بائع ومشتري، منتج ومستهلك. ولقد انتبه أوليفييه روا لهذا المصادرة والمفارقة أيضا حينما قال إن العولمة خلقت سوقا عالميا للديني. فيدور الكلام إذن على مستهلكين، أي أناس لديهم طلب، تتعين تلبيته بصدد الحاجات الروحية[7].

وإذا أردنا أن نفهم بشكل أوضح هذا التغلغل الاقتصادي إلى القيم الروحية والإيمانية، يلزمنا استحضار ما قلناه سابقا حول عودة الدين كما تجلت في أطروحة أوليفييه روا. إذ أن عودة الديني إلى الواجهة الاجتماعية والسياسية لا تعبّر عن تجدد في الإيمان أو عن صحوة روحية، بل هي انعكاس لتحولات عميقة مست الجوانب الثقافية والاجتماعية في العالم المعاصر. فالدين، في هذا التصور، لم يعد مرتبطًا بسياقه التاريخي أو الجغرافي، بل فقد “صفته الإقليمية” وأصبح عابرًا للحدود والثقافات، ما جعله عرضة للتجريد من مكوناته الثقافية الأصلية. نحن هنا أمام ما يسميه روا بـ”دين بلا ثقافة”، حيث ينفصل الدين عن تقاليده المحلية ويتحول إلى هوية جاهزة يتبناها الأفراد الذين يعانون من فقدان الانتماء والهوية. وفي ظل العولمة وتفكك الأطر التقليدية للانتماء، مثل الأسرة، واللغة، والوطن، لم يعد الدين استمرارًا لثقافة جماعية، لقد صار بديلًا يُمنح للفرد الذي يبحث عن معنى أو إحساس بالتماسك في عالم مضطرب.

لقد خلقت العولمة واقعا جديدا، غير أنه واقع يخلط الأشياء إلى حدود عدم التمييز بين المجالات، والحدود، والسياقات. وفي ظل هذا الواقع المتغير انمحت الصورة النمطية للدين الذي كان مجالا للقيم والأخلاق والتنشئة، وحضرت في المقابل صورة المنتج، والسلعة القابلة للتدويل، وصار التنافس بين المنتجين الجدد للظاهرة الدينية يتنافسون لكن بأدوات السوق الجديد، أي بالإمكانيات التي تمنحها السوق العالمية للمنتجين. وداخل هذا السوق تكسرت الأنماط التقليدية للترويج للظاهرة الدينية من مؤسسات تقليدية، وصار الدين منتجا عالميا يصاغ بأساليب إعلامية وتسويقية، عبر دعاة نجوم، وبرامج دينية ترفيهية، ومحتوى رقمي يتوجه مباشرة إلى الحاجات الفردية. الفرد لم يعد يتدين وفق نموذج جماعي أو تراثي، لكنه يتدين وفق ما يناسب شخصيته ورغباته وهويته الفردية.

لقد تحول الدين بشكل جذري من الخيار الجماعي، إلى الخيار الشخصي بالنسبة للإنسان المعاصر، كما أن السوق الديني، بهذا المعنى، لم يعد يشير إلى الإقبال على الدين كما تجسد في أدبيات الصحوة الإسلامية، أو الدلالة على صلاحيته، أو تنافسيته داخل الفضاء العام. لكن المقصود هو تحول عميق في الرؤية الدينية، حيث تحوّل الدين إلى منتَج ثقافي، وسلعة قابلة للاستهلاك، وهوية جاهزة للانتماء، تعكس فراغًا حضاريًا أكثر مما تعكس عمقًا روحيًا.

  • Haut du formulaire
  • Bas du formulaire
  • المسلمون في الغرب: التحديات والآفاق

لم يبق الإسلام وليد جغرافية معينة، فقد انتشر في كل بقاع الأرض بفعل عوامل كثيرة، لعل أهمها الهجرة إلى الغرب الأوروبي. فهناك استوطن المسلمون، وهناك نشأ أبناؤهم، وهناك تولدت تحديات وصعوبات الاندماج بشكل كبير. كما أن هذا الواقع خلق نوعا من التثاقف بين أبناء المسلمين وغيرهم من المواطنين الآخرين، وهذا الاحتكاك الثقافي ولد نوعا من التنافس والصراع، الذي ظهر في أشكال وأنماط متعددة تأخذ أبعادا وتجليات أبرزها مشكلة الاندماج، والتطرف، والتعصب الهوياتي. وقد أشار أوليفييه روا في كتابه عولمة الإسلام[8]، إلى هذا الواقع المأزوم، حيث يمكن أن نطلق على ما يحدث في الغرب “غربنة للإسلام” بدل أسلمة الغرب. وذلك لأن الإسلام تجاوز فكرة الجغرافيا، ولم يعد دينًا مرتبطًا بثقافات محددة (كالعربية أو التركية أو الباكستانية)، إنما أصبح دينًا فرديًا قد أعيد في سياقات وظروف اجتماعية غربية. أي أن الممارسة الدينية للمسلم في السياقات الغربية صارت شأنا فرديا مفصولا عن الواقع الثقافي الإسلامي، أو إسلاما مفصولا عن الثقافات الأصلية، حيث يُمارَس الدين في صيغته المجردة عن العادات والتقاليد القومية، مما يجعل كثيرًا من المسلمين الشباب في الغرب أكثر التصاقًا بالنصوص والرموز العالمية (كالقرآن والسنة)، وأقل ارتباطًا بالتقاليد المحلية التي لا يجدون فيها تمثيلًا لهويتهم الجديدة.

كما أن عولمة الشهادات الجامعية[9] كما أشار إليها أوليفييه روا قد مثلت تحديا آخر، أي أنها ولدت شكلا من المثقفين استطاعوا أن يخترقوا جدار الجامعات الكبرى. فانتشرت الجامعات والمعاهد الإسلامية، وأصبحت العلوم الإسلامية متاحة أمام الجميع بفعل المد الفكري المعولم، وهنا لم يعد الالتصاق بالوطن الأم ممكنا، وصارت الهويات القومية هشة إلى حد بعيد بفعل القوانين المتعلقة بالجنسية. والتي لم تبلغ قط المستوى الحالي من الصرامة في العالم الإسلامي. في حين أنها أكثر انفتاحا في المجتمعات الغربية. ناهيك عن أن الأحزاب الإسلامية أيضا تجاوزت مشكلة الهوية القومية، مثل الإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة، الذين أصبحوا خارج الحدود، وخارج الجغرافيا، وخارج الثقافة الأصلية، خاصة من حيث تقنيات التجنيد، والاستقطاب، والفئات النشيطة داخل هذه الجماعات والأحزاب. هذا يطرح أمامنا سؤالا مهما:

كيف نتصور إسلام الأقلية بلا دولة؟[10]

لم يعد الإسلام ذلك الدين المنحصر في جغرافية معينة، وقد شكل هذا الواقع الجديد نوعا من التحدي الذي يواجهه المسلم في بلاد المهجر، خاصة أن المسلمين عادوا أقليات، ولكن دون دولة، ولا سند شرعي، ولا أساس ثقافي. وبالتالي أصبحت هذه الظاهرة تحديا حقيقيا يواجهه المسلم المهاجر، وانفصالا هوياتيا خطيرا ينذر بالتشظي والاغتراب. وفي صلب هذا الواقع يأتي سؤال إسلام الأقلية الذي كان أيضا واحدا من الأسئلة الكبيرة التي طرحها روا، ليصف لنا هذا النموذج الجديد من التدين الإسلامي، ويشرح لنا ظروف تشكله كالشتات، والهجرة، والعلمنة، والعولمة. واصفا التغيرات الحاصلة في البنية الاجتماعية للمسلمين في الغرب، محللا الأبعاد التي تضعنا أمام مفترق الطرق بين الإسلام بوصفه هوية جماعية، وبين الإسلام بوصفه خيارا فرديا.

كان مسار الدولة في الإسلام مسارا غير منفصل عن الواقع التاريخي للمسلمين، سواء في تجربة الخلافة، أو نظم السلطنة، أو في محاولات التحديث الإسلامي في القرنين التاسع عشر والعشرين، أي أن الواقع التاريخي الإسلامي كان ينظر إلى مسألة الدولة كواقع أساسي لدى المسلمين، فأينما وجد المسلمون وجدت الدولة الإسلامية. وهو واقع أفرز لنا نوعا من الخيال الجامح إلى يوتوبيا إسلامية تتجاوز في الكثير من الأحيان الوقائع المعاصرة. وبالتالي ظلّ هناك افتراض ضمني بضرورة وجود كيان سياسي يسند الإسلام، يطبّق الشريعة، ويمثل الأمة. لكن مع بروز جماعات المسلمين في الغرب كأقليات دينية داخل مجتمعات تدين بأديان أخرى، أو في بعض الأحيان مجتمعات علمانية تقلص من مساحة الدين داخل الفضاء العام، فقد استحال هذا الواقع إلى مأزق وجودي وهوياتي خطير، أفرز لنا نوعا من الفصام بين الواقع والخيال، وبين إكراهات الدولة وأحلام الناس.

ماذا يتبقى من الإسلام حين يُجرَّد من الدولة؟ هل يمكن أن يستمر الإسلام بوصفه هوية جماعية؟ أم أنه سيتحول إلى دين فردي روحي؟. يقترح أوليفييه روا إجابة تميل إلى القول بأن الإسلام في الغرب لم يعد إسلام “الأمة” بالمعنى السياسي أو التاريخي، بل هو في طور التحول إلى إسلام فرداني، شعائري، ومُعَولم، يعيش في الفراغ الذي أنتجته الحداثة، ويجد معناه داخل المجال الخاص لا العام. فالمسلمون في الغرب عاجزون عن إقامة “دولة إسلامية” بالمخيال الجمعي الذي توارثوه عن مفهوم الدولة كما تتخيلها الحركات الأصولية. فشروط الدولة الإسلامية غير متوفرة لا قانونيًا ولا اجتماعيًا، كما أن الأجيال الجديدة من المسلمين في الغرب – وخاصة من وُلدوا في أوروبا وأمريكا – لا يجدون في خطاب الشريعة أو الخلافة جذورًا لحياتهم اليومية. إنهم مسلمون بلا دولة، لا لأنهم أقلية فقط، بل لأن منطق الدولة لم يعد مفيدًا ولا ضروريًا لتديّنهم. الإسلام هنا يتحول من مشروع سياسي إلى ممارسة ثقافية وفردية، يختارها الشخص مثلما يختار نمط حياته أو رؤيته للعالم.

إن غياب شروط العودة أو التأسيس إلى الدولة ليست مسألة مفصولة عن واقعها، فلحدود اللحظة المعاصرة كل شيء تغير في الإسلام الغربي، فقد تجاوزت نظرة المسلمين لدينهم ما توارثه آباؤهم عن الإسلام، كما أنه لم يعد إسلاما طقوسيا أو شعائريا يقدس العبادات بالشكل الذي كانت عليه في القديم. أي أن الشكل الجديد للإسلام قد أعيد تشكيله ضمن شروط العولمة، وقد فُصِلَ عن تقاليده الثقافية الأصلية. فالمسلم في الغرب، خاصة في الجيل الثاني والثالث من المهاجرين، لا يعيد إنتاج الإسلام وفق النمط التركي أو المغربي أو الباكستاني، بل يمارس إسلامًا هجينا، يتجاوز الثقافات المحلية، ويُصاغ غالبًا بلغة أوروبية، وفي إطار مفاهيم حداثية كـ”الحرية” و”الحقوق” و”الضمير”. وهكذا، فإن العلمنة لا تعني نهاية الدين، بل انتقاله من الفضاء العام إلى الفضاء الخاص، ومن السياسة إلى الأخلاق.

إن ما يطرحه روا هنا يمكن أن نفهمه في سياق جدلي مع ما يسمى بفقه الأقليات، وهو فقه دعا له العديد من الدعاة والشيوخ المعولمين، كالشيخ القرضاوي[11] الذي كتب كتابا يؤسس فيه إلى فقه بديل يراعي الخصوصيات التي يواجهها المسلمون في الديار الغربية. ويقول عنه في هذا الكتاب: ” لقد راجت هذه الكلمة في عصرنا نتيجة لكثرة الهجرات وتقارب العالم بعضه مع بعض، ويراد بها: كل مجموعة بشرية في قطر من الأقطار، تتميز عن أكثرية أهله في الدين، أو المذهب أو العرق، أو اللغة، أو نحو ذلك، من الأساسيات التي تتمايز بها المجموعات البشرية بعضها عن بعض، ومثل ذلك: الأقليات المسلمة في المجتمعات المسيحية في الغرب، أو الهندوسية في الهند، أو البوذية في الصين، فهي تخالف الأكثرية في العقيدة والدين، ومثلها الأقليات المسيحية في مصر وسورية والعراق وغيرها. والأقليات اليهودية في المغرب وإيران وتركيا وغيرها. ومثلها الأقليات الكاثوليكية في كثير من بلدان العالم “.

هذا الفقه الأقلي بالرغم من أهميته للواقع الإسلامي الغربي، غير أنه حسب روا – لا يخرج عن كونه آلية من آليات الدفاع الذاتية، حيث يرى المسلمين باعتبارهم جماعة محاصَرة، ويعيد إنتاج نظرة أقلية مغلقة، وهي نظرة ما زالت تستلهم من واقع خيالي وجب تجاوزه، نحو تصور جديد يتعامل مع الإسلام خارج حدود الأقلية، أي دينا فرديا غير مرتبط بجماعة سياسية. ولعل ما تقوم به الدول الغربية من محاولات إنشاء مجالس ومؤسسات رسمية تمثل الإسلام، مثل “المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية”. فرغم نواياها الإدماجية، غير أنها تعيد إنتاج الإسلام بوصفه هوية جماعية قابلة للتفاوض مع الدولة، وتخلق إسلامًا رسميًا لا يعبر عن واقع المسلمين الحقيقي، بل يُعيد قولبة الإسلام ضمن منطق الدولة القومية. أي أن هذا التمثيل المؤسسي يُخالف منطق التدين المعاصر، الذي لم يعد بحاجة إلى وسطاء سياسيين، بل أصبح يعبّر عن نفسه عبر ممارسات فردية، وحضور لا مركزي في الحياة اليومية.

إننا بإزاء واقع جديد تتشكل فيه ملامح إسلام جديد، أو لنقل بتعبير أدق تدين جديد، ورؤية بديلة للإسلام تختلف عن التمثيل السياسي الكلاسيكي للإسلام، وتبحث عن مواطنة دينية يعيش فيها المسلم إيمانه بشكل روحاني بعيد عن إكراهات السياسة. هذا النموذج البديل يجب أن يتجاوز الحدود الضيقة لفهم الإسلام، كما يجب ألا يتناقض مع قيم الجمهورية أو الديمقراطية أو العلمنة، ولا يطالب بامتيازات، ولا يُصنَّف بوصفه جماعة تفاوض الدولة، بل دينا شخصيا يمكنه أن يعيش، ويزدهر في ظل نظام علماني يضمن الحرية الدينية.

هذا التوصيف الواقعي للمسلمين في الواقع الغربي، هو دعوةٌ ضمنية إلى تحرير الإسلام من أوهام الهيمنة والسلطة، وإلى الدخول في زمن جديد يُمارس فيه الإسلام ضمن شروط المواطنة، لا ضمن شروط السيادة. وهذا لا يعني إسلامًا منزوع المعنى، بل إسلامًا يعيد تعريف نفسه في عالم لا يحتاج بالضرورة إلى دولة تستند على شرعية إسلامية كما تمثلتها المخيلة الدينية، إنما في إطار قانوني لحماية الحقوق والحريات. وهنا تكمن أطروحة روا التي تحاول تقديم إجابة جذرية عن سؤال طالما شغل الفكر الإسلامي الحديث: هل يمكن للإسلام أن يعيش بلا دولة؟ وهو سؤال يستحضر الأبعاد والتحولات الجديدة للإسلام، التي تؤكد على أن غياب الدولة هو شرط أساسي لنشوء إسلام أكثر تحررًا، وأكثر توافقًا مع التحولات الكونية التي يشهدها العالم المعاصر.

فردانية التدين: تحولات الإيمان في زمن العولمة

لقد قلنا سابقا بأن هناك تحولات عميقا في بنية التدين المعاصر خاصة ما يسمى بالإسلام الغربي، أو علاقة المسلمين بالدين في الغرب. هذه التحولات هي نتاج طبيعي للتغيرات التي أحدثتها حركات الهجرة المتواصلة على الغرب، والعيش في دول علمانية تحكمها قوانين مدنية، إضافة إلى نشوء الجيل الثاني والثالث في مجتمعات مفصولة عن جذورها الثقافية الإسلامية. هنا برزت ما سماه أوليفييه روا بظاهرة “فردانية التدين”، أو ما يمكن أن نطلق عليه أيضا بشخصنة الإسلام إن صح التعبير، أي تحول الدين من المجال العام إلى المجال الخاص. وحينما نتحدث عن فردانية التدين فنحن لا نشير هنا إلى نمط خاص من التدين فقط، بل إلى بنية جديدة للعلاقة بين الفرد والدين تتجاوز الحدود التقليدية للمجتمع والثقافة.

ظل الدين لعهود طويلة في المجتمعات الإسلامية التقليدية، جزءًا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي، حيث تتم ممارسة الشعائر والطقوس العبادية وفق ما تسمح به منظومة العادات الاجتماعية، والخضوع المباشر للأعراف والسلطة الدينية الجماعية. لكن التحول الذي طرأ على المجتمعات الإسلامية خاصة في المهجر وبالتحديد داخل الدول الغربية، جعل هذه الروابط تتفكك وتنفصل بعضها عن بعض، ولم تعد الممارسة الدينية تدار داخل منظومة ثقافية متماسكة مع بعضها، وإنما صار التدين شكلا من أشكال الاختيارات الشخصية والفردية للإنسان المسلم. كما أن المتدين الغربي أو المسلم في المنظومة الغربية قد فقد الارتباط بشكل وثيق مع الطرق الصوفية، والجماعات الدينية، والتقاليد والموروثات الأسرية. لهذا أصبح المسلم الغربي يستمد فهمه للدين من مصادر متنوعة، ويعيد تشكيل هويته الدينية حسب قناعاته الذاتية.

إن ما يشير إليه مفهوم الفردانية هنا هو أن هناك فاصلًا بين الدين والثقافة جعل الإسلام في الغرب يتجرد من شكله العرفي ليُعاد بناؤه في شكل تجريدي، يعتمد على النصوص والأساسيات العقائدية، لا على الموروثات المجتمعية. وذلك لأن المسلم تجاوز فكرة الوراثة الدينية أو وراثة التدين. وصار التدين اختيارا شخصيا وفرديا، يمارسه الفرد وفق فهم شخصي غالبًا ما يتجاوز المرجعيات الموروثة. لهذا نجد العديد من النماذج تعبر عن أشكال مختلفة من التدينات، دون أن تنتمي بالضرورة إلى مؤسسات دينية أو جماعات، بل يمارسون تدينهم بشكل فردي، وبصيغ روحية أو عقلانية أو احتجاجية. بالرغم من أن هذا التحول الفرداني قد تعترضه مجموعة من الإشكالات. فحين يتحول الدين إلى شأن فردي بحت، يصبح معرضًا للتشظي والتأويلات المتضاربة، كما يفقد أحيانًا القدرة على تنظيم الحياة الجماعية. مع أنه قد يتيح في الجهة الأخرى مساحة أكبر للحرية والمسؤولية الفردية، ويمنح المسلم القدرة على المواءمة بين إيمانه الديني ومحيطه الثقافي الغربي.

إقرأ أيضًا: الربيع العربي وإعادة تكوين أنماط التدين

وبما أن الإسلام في الغرب ينحو نحو الفردنة، فهذا يعني حرية أكثر، وتحررا أكبر من قيود المرجعيات التقليدية، والمؤسسات الرسمية الكلاسيكية. لكن هذا البعد لا يجب أن يخفي لنا أزمة الهوية والانتماء التي يعيشها المسلم في الغرب في زمن لم تعد فيه الجماعة تقدم أجوبة جاهزة. حيث لا يجد المرء نفسه مندمجا بشكل كلي في الثقافة الغربية، ولا منتميًا كذلك إلى ثقافته الأصلية، وبلده الأم. وفي هذا الفراغ الوجودي، يصبح الدين نقطة ارتكاز، لكنه يُمارَس بوصفه حالة وجودية وشخصية، وتعبيرا عميقا عن أزمة ومأزق الذات المسلمة تحديدا في زمن العولمة. لقد فتحت بالفعل هذه الفردانية المجال أمام نمط جديد من الإسلام، أكثر عالمية، وأقل تقليدية، وأكثر ارتباطًا بالتجربة الفردية. ومع كل ما يحمله هذا التحول من إمكانيات وأخطار، فإنه يعكس واقعًا جديدًا يُعاد فيه تشكيل العلاقة بين الإيمان والهوية، لا سيما في الغرب، حيث الدين لم يعد مجرد موروث، بل تجربة شخصية معاصرة.

لقد رصد أوليفييه روا الإشكاليات التي يعاني منها هذا المتدين وسماها ب” خسارة البديهة الدينية “[12]، أي أن انتقال الإنسان المسلم من مجتمعه الأم إلى مجتمعات غربية قد عدل من علاقته بالتدين. وذلك لمجموعة من الاعتبارات: الأولى: انصهار الهوية والمجتمع العرفي الأصلي، الثانية: غياب السلطات الروحية الإسلامية الشرعية في البلد المضيف التي تحدد القواعد. ثالثا: استحالة تطبيق الإلزام القضائي والاجتماعي. هذه الأسباب والدوافع هي ما أدت إلى خسارة البديهة الدينية التي تنبع من اختفاء الوجهة الاجتماعية، ومعنى ذلك أن الانتقال إلى الغرب قد أزال الإسلام عن بيئته الأصلية، والأمور التي كانت سهلة بفضل انخراطها في العادات والموروثات الثقافية الاجتماعية، أصبحت مضطرة للتعبير عن نفسها صراحة، فيتحول الإسلام حينها إلى موضوع للتأمل.

إمكانية الإسلام الإنساني: نحو دين يتفاعل مع القيم الكونية

في خضم هذه التحولات التي رافقت مسيرة الإسلام في المجتمعات الغربية يحق لنا التساؤل حول ما إذا كان الإسلام قادرًا على أن يتحول إلى دين إنساني، متجاوزا بذلك الخصوصيات الثقافية والحدود الجغرافية، ليخاطب الإنسان بوصفه إنسانًا، لا بوصفه عضوًا في جماعة أو قومية أو تقليد مغلق. وحينما نتحدث عن الأنسنة هنا فلا نقصد بها تحديدا الانقطاع عن الجذور التاريخية، والهوياتية للكائن المسلم، أو الرغبة في الانصهار الحتمي في مسلسل الحداثة. لكن الأنسنة في هذا السياق هي محاولة لفهم الكيفية التي يمكن بها للإسلام أن يقدم نفسه بوصفه قوة روحية وأخلاقية شاملة، وعالمية في واقع تزداد فيه الحاجة إلى القيم الكونية.

لقد صار المسلمون في الغرب يعانون من تفكك كبير سماه أولييفيه روا ب “تفكك المرجعيات الجماعية”، حيث يظهر الإسلام في كثير من السياقات الغربية بعيدا عن المرجعية الجماعية، قريبا من الحالة الأخلاقية والفردية. وقد شكل هذا الواقع أرضية خصبة لبروز إسلام إنساني عالمي، يتجاوز الأطر السياسية والهوياتية التي كثيرًا ما رُبط بها، ويتوجه إلى الإنسان الفرد، حاملًا خطابًا عالميًا يؤمن بالكرامة، والعدالة، والرحمة، والتكافل. لكن هذا التحول لا يمكن أن يتم دون إعادة تأويل بعض المفاهيم التقليدية. فالإسلام الإنساني ليس مجرد تلطيف للخطاب، بل هو مشروع فكري وروحي يعيد ترتيب الأولويات: من التشريع إلى القيم، ومن الانتماء الطائفي إلى الالتزام الأخلاقي، ومن الصراع الهوياتي إلى التعاون الإنساني. وهذا يقتضي تجديد الفقه، على مستوى التصور الكلي للدين، بحيث يصبح الإسلام قوة لبناء الإنسان، لا مجرد أنماط سلوكية صارمة.

نحن هنا نواجه واقعا جديدا ساهم في تشكيله العديد من العوامل الذاتية والموضوعية، إذ أصبح المسلم الغربي يعيش تعددية حقيقية، بعيدة عن التنميط الذي عاشه في وطنه الأم. وبالتالي وجد نفسه مضطرا أن يعيد تعريف دينه خارج منطق الدولة والجماعة، ويسعى إلى صياغة خطاب ديني يتفاعل مع قيم حقوق الإنسان، والحريات الفردية، والعدالة الاجتماعية، دون أن يتخلى عن روح الإسلام ومبادئه الكبرى. فالإسلام الإنساني، في هذا التصور، ليس علمانيًا ولا ليبراليًا بالضرورة، لكنه منفتح، متواضع، ويعترف بالآخر، ويضع الإنسان في مركز الاهتمام الديني. غير أن هذا المسار يواجه عقبات، أبرزها الخطابات الأصولية والحركات الراديكالية التي جعلت من الانفتاح نوعا من تهميش الإسلام وإقصائه في المجال العام، وفي الإنسانية تهديدًا للهوية، وتفريطا في الجذور التاريخية. كما أن الإسلام السياسي، باعتماده على إيديولوجيات مركبة وبراغماتية وعنيفة في صراعه الأبدي على السلطة، شوّه كثيرًا من معاني الإسلام الروحية والإنسانية، وحوّلها في أنظار البعض إلى مشروع سلطوي بدل أن يكون مشروع رحمة للعالمين. ورغم كل الظروف المحيطة بهذا الواقع المأزوم للمسلم في المجتمعات الغربية، إلا أن الكثير من المسلمين اليوم، في الغرب والشرق، يبحثون عن أنماط تدين أكثر إنسانية، أقرب إلى القيم الروحية، وأبعد عن الهويات الضيقة. هذه النماذج، وإن كانت لا تزال مشتتة، إلا أنها تشكل نواة لإسلام جديد، لا ينبني على الصراع، بل على التلاقي؛ لا على الانغلاق، بل على الرحمة. فالإسلام الإنساني إذًا ليس يوتوبيا، بل إمكانية واقعية، بدأت ملامحها تظهر في التجارب اليومية للمسلمين في العالم المعاصر. وهو الطريق الذي قد يسمح للإسلام بأن يستعيد رسالته الأولى: أن يكون رحمة للعالمين.

الأصولية الجديدة ومتخيّل الأمة: من الدين إلى الهوية القومية الرمزية

يقصد أوليفييه روا بالأصولية الجديدة[13] الحركة السلفية أو الوهابية. ولا ندري لماذا سماها الأصولية الجديدة، مع أن الحركة السلفية قديمة نسبيا، وحتى الوهابية هي حركة أقدم بكثير مما نتصوره، خاصة إذا اعتبرنا بأن الوهابية هي امتداد طبيعي لفكر ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية. وكما هو معروف عن الحركة الوهابية فهي حركة دينية نشأت في قلب شبه الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر، على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب (1703–1792)، وقد ارتبط اسمها باسمه، وإن كان هو نفسه لا يرضى بتسميتها “وهابية”، بل يعدها دعوة للعودة إلى الإسلام الصافي كما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ظهرت هذه الحركة في منطقة نجد، في وقت كان فيه المشهد الديني والروحي في الجزيرة العربية غارقًا، بحسب وصف مؤسسها، في ممارسات شركية وبدعية، مثل التوسل بالأولياء، وتعظيم القبور، والاحتفال بالمولد النبوي، وهي أمور اعتبرها محمد بن عبد الوهاب مخالفة للعقيدة الإسلامية الحقة، خاصة لمفهوم التوحيد الذي جعله محور دعوته.

في هذا السياق، دعا الشيخ إلى تطهير العقيدة من كل ما علق بها من شوائب، والرجوع إلى الكتاب والسنة، على فهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين. وقد وجد محمد بن عبد الوهاب سندًا سياسيًا قويًا في محمد بن سعود، زعيم الدرعية، فعقدا تحالفًا بين الدعوة والسيف، أدى إلى تأسيس الدولة السعودية الأولى، التي رفعت لواء الإصلاح الديني، وجعلت من الوهابية مرجعيتها الأساسية في التشريع والحكم. وقد مكّن هذا التحالف الدعوة الوهابية من الانتشار في مناطق واسعة من الجزيرة العربية، وفرض رؤيتها للعقيدة على مجتمعات بأكملها، بالقوة أحيانًا، مما أثار مقاومة شرسة من بعض القبائل والتيارات الدينية الأخرى، كما جلب عليها عداوات إقليمية ودولية، كان أبرزها حملة إبراهيم باشا، ابن محمد علي باشا، التي أنهت الدولة السعودية الأولى سنة 1818.

اعتمد صاحب الدعوة الوهابية كما يؤكد لويس دو كورانسي[14] على القرآن الكريم وحده، في نقائه وصفائه، وأقصى الأحاديث والروايات التي أُضيفت لاحقًا بهدف إضفاء طابع عجائبي على حياة النبي. وقد أراد أن يُقدَّم النبي بوصفه رجلًا حكيمًا وعادلاً، لا باعتباره كائنًا خارقًا. علَّم أتباعه أن العبادة لا تجوز إلا لله وحده، وأن تعظيم الأنبياء والأولياء ومنحهم صفات إلهية يُعد مساسًا بجلال الله. وأوضح لهم أن السبيل الوحيد لنيل رضا الخالق هو التصدي لمن يدنسون الدين. وقد رسّخ في نفوسهم أنه المبعوث لتنفيذ غضب الله، وأن مهمته القضاء على من وصفهم بـ”المسلمين الكاذبين”. ومع ذلك، نبّههم إلى ضرورة الالتزام بالعبادة الصحيحة، وأن يكونوا مثالًا في الخُلق والاستقامة، ويتحلَّوا بالتقشف المثالي.

إقرأ أيضًا: تأثير التيارات الفكرية في العقل العربي

شعر الشيخ محمد عبد الوهاب مبكرًا بما ستواجهه دعوته من صعوبات في ظلّ واقع تسوده حالة من الجمود والركود، وأدرك أن رسالته لن يكتب لها النجاح إن لم تساندها القوة. كما تبين له أن تعطش الناس للغزو يمكن توجيهه نحو قتال من يصفهم بأعداء الله. ومن هذا المنطلق، غادر اليمن باحثًا عن حليف قوي يتبنى دعوته ويقاتل معه، غير أن محاولاته الأولى باءت بالفشل. وإثر هذا الإخفاق، قرر الابتعاد عن المراكز الحضرية الكبرى، ووجّه أنظاره نحو المناطق التي يُحتمل أن تحقق له انتصارات أسهل وخضوعًا أسرع. فتوجه إلى الدرعية، حيث التقى بالأمير سعود، حاكم الدرعية والأحساء، الذي وجد في دعوة عبد الوهاب ما يوافق تطلعاته. وقد كان سعود زعيمًا لقبائل نجديّة عريقة، من بينها قبائل العنزة والعتوب، التي اختارته أميرًا بعد اتحادها. وتميّز بشجاعته وحبه للغزوات، فوجد في المذهب الجديد مبررًا دينيًا يعزّز رغباته القتالية. ولأنه كان يبحث عن سبب مشروع للقتال، فقد رحّب بأفكار عبد الوهاب، واعتنق دعوته، مما كان له أثر بالغ في استقطاب أتباعه واتباعهم نفس المسار.

وبالعودة إلى أطروحة أوليفييه روا فإن ما يسميها بالأصولية الجديدة تحكمها عناصر معينة يمكن اختزالها في محددين أساسيين: الأول: الكتابات الدينية، والثاني: معاداة التغريب الثقافي. وهذا هو لب الوهابية التي تحدثنا عنها سابقا، فهي تعتبر أن ما تم إنتاجه في العصور الأولى، وفي الزمن النبوي وما تلاه من أزمنة الصحابة والتابعين هو المحدد الأساسي، والفيصل الرئيسي بين الحق والباطل، وبين المنهج والضلال، وبين الولاء والبراء. وهي رؤية أصولية ضيقة تتجاوز الأفق الإنساني، وتنحاز إلى ما هو ثقافي على ما حققته الإنسانية بما في ذلك المجتمعات الإسلامية، والعقل الإسلامي منذ بدايات تشكله الفعلية.Haut du formulaire

إن ما تطرحه هذه الأصولية الجديدة بتعبير روا يتجاوز التشدد والتطرف في الدين.

Bas du formulaire

بل أصبحت في هذا السياق الثقافي مشروعًا بديلًا لهوية ممزقة في عالم متغير. كما أنها انقطاع وانفصال دراماتيكي عن الإسلام التقليدي، إسلام القيم والتاريخ والحضارة. حيث يتم خلق جديد لنموذج متخيّل لأمة دينية صافية، خالية من التلوث الثقافي، متجاوزة للتاريخ، ومفصولة عن الجغرافيا، وكأننا أمام يوتوبيا جديدة بأفق إسلامي على شاكلة اليوتوبيا الماركسية. لقد نشأت هذه الأصولية الجديدة في سياق معولم، تلاشت فيه المرجعيات التقليدية، وتفككت فيه الروابط الاجتماعية والدينية القديمة، مما دفع فئات واسعة من الشباب المسلمين، خاصة في الغرب، إلى البحث عن يقين بديل. هذا اليقين لا يجدونه في تجربة روحية داخلية، بل في “متخيل أمّة” موحّدة ومثالية، لا تعترف بالحدود، ولا بالاختلاف، ولا حتى بالواقع المعيش.

يقوم متخيل الأمة الذي تؤسس عليه الأصولية الجديدة شعاراتها المعاصرة على استعادة زمن الخلافة، وإعادة إنتاج خيالي ومجتزأ لأمة إسلامية نقية، طاهرة، صافية تُستحضر فيها رموز إنسانية في قوالب فوق بشرية. كما يعتمد الخطاب الأصولي كثيرًا على الرموز، الشعارات، والمصطلحات الكبرى (الأمة، الخلافة، الجهاد، الولاء والبراء)، بالرغم من افتقاره في الوقت نفسه إلى برنامج اجتماعي واقعي، أو مشروع مدني قابل للتطبيق. وقد تغذى هذا المخيال الديني الأصولي على عدة عوامل: الإقصاء الاجتماعي الذي يعاني منه المسلمون في الغرب، الاغتراب الثقافي، فشل سياسات الاندماج، وغياب نماذج إسلامية منفتحة قادرة على مخاطبة هموم الشباب بلغة العصر. من هنا، تصبح الأصولية الجديدة أشبه بمحاولة لاستعادة جماعة وهمية تمنح الفرد المعزول هوية صلبة، حتى وإن كانت هذه الهوية متخيلة، مغلقة، وعنيفة في بعض الأحيان.

يكمن الخطر الأصولي الجديد في أنه يُفرغ الدين من أبعاده الروحية والأخلاقية، ويحوّله إلى أداة هوياتية، أو حتى قومية رمزية. فيصبح الانتماء إلى “الأمة الإسلامية” الأصولية ليس انتماءً إلى منظومة قيم، بقدر ما هو انتماء إلى جماعة مفترضة متعالية على الواقع. هكذا، يُعاد تشكيل الإسلام بوصفه مشروعا سياسيا رمزيا يتغذى من الصراع ويعيش على التناقض. فالأصولية الجديدة حسب هذا المنظور الفكري هي علامة على أزمة كبرى في الهوية والانتماء والمعنى. ومواجهتها تبدأ من إعادة بناء الإسلام بوصفه قوة إنسانية وواقعية، لا خرافة متخيلة عن أمة لا وجود لها إلا في شعارات المتشددين.

  • العلمانية والإسلام: اتصال أم انفصال؟

تستمر أطروحة أولفييه روا في الحفر في المخيلة الجمعية للعقل المسلم المعاصر، كما تسائل كل المسلمات المعرفية والثقافية والدينية التي يواجهها المتدين المسلم الغربي في الواقع المعيش. ومن بين هذه الأسئلة، أو المعضلات المؤرقة نجد سؤال العلاقة بين الإسلام والدنيوة[15] الذي شكل ولا زال موضوعا شائكا في الفكر السياسي والديني المعاصر، لما يطرحه من رهانات متعددة تتصل بالهوية، والسلطة، والحداثة، وتغير أنماط التدين.

لا يؤمن روا حسب رؤيته السوسيولوجية بحتمية الصراع بين الإسلام والدنيوة، كما لا يؤمن بأن العلمانية الأوروبية هي النموذج الوحيد والأوحد لفهم مسارات العلاقة التي تجمع بين المتدين والدولة أو السياسة. لكن المؤكد حسب رؤية روا هو أن المجتمعات الإسلامية، وإن لم تُعلن دنيوتها كما حدث في التجربة الأوروبية، إلا أن مسار الدنيوة صار واقعا فعليا يصعب الانفصال عنه، أو الصدام معه، أو الانفلات من قبضته. لأن الدنيوة ليست مجرد فصل مؤسساتي بين الدين والدولة، بل هي تحوّل في البنية القيمية والاجتماعية، وفي أشكال التدين نفسها.

ارتبط الإسلام بخلاف المسيحية الغربية، في تاريخه بالسلطة السياسية، ولم يعرف مؤسسة كنسية تفصل بين الروحي والزمني كما هو شأن المسار المسيحي. غير أن هذا التداخل لم يمنع، في السياق الحديث، من انزياح الدين عن مركزه المرجعي الجامع، وتحوله، شيئًا فشيئًا، إلى عنصر من عناصر الهوية الثقافية أو الرمزية، لا إلى نظام شمولي يهيمن على كل مجالات الحياة. وهنا تظهر المفارقة التي تشكل قلب أطروحة روا، أن الحركات الإسلامية، التي تهدف إلى إعادة الإسلام إلى مركز السلطة والمجتمع، تساهم دون أن تشعر في تعميق مسار الدنيوة ذاته. فعندما يُحوّل الإسلام إلى برنامج سياسي، تُعاد صياغته وفق منطق الدولة الحديثة، حيث البيروقراطية، والتقنيات، والأدوات، تسود. وبدل أن يكون الدين مصدرًا للتعالي الرمزي والروحي، يُختزل في صيغ إجرائية، ويتحوّل إلى إيديولوجيا سياسية تنافس غيرها داخل المجال والفضاء العام.

إقرأ أيضًا: مفهوم العلمانية في المقاربة الثقافوية العربية الاسلامية

بهذا المعنى، لا يجب أن نطرح السؤال على هذا المنوال “هل يمكن دنيوة الإسلام؟”، بل: “كيف تُنتج المجتمعات الإسلامية نماذجها الخاصة من الدنيوة، وفق شروطها وتناقضاتها؟”. لأن المسلم الغربي اليوم لا يتبنى علمانية غربية نمطية، إلا أن هناك تحولًا جذريًا قد مس بشكل كبير أنماط تدينه، الذي تحول من الشكل الاجتماعي الشامل إلى تدين فردي، اختياري، وطقوسي غالبًا. كما أن الدولة العلمانية نفسها في الغرب تعيش أزمة وجودية، إذ أن هناك توترًا واضحًا بين الدولة الغربية الحديثة والظاهرة الدينية، حيث باتت الدولة تتدخل لا لضبط المجال الديني فقط، بل لإعادة إنتاجه وفق تصورها لما هو مقبول. فهي تشرّع، وتنظّم، وتكوّن الأئمة، وتدعم خطابًا دينيًا معينًا على حساب غيره، ما يجعلها طرفًا فاعلًا في الدين، لا حَكمًا حياديًا.

يتجلى هذا التدخل بوضوح حين يُنظر إلى المسلمين بوصفهم جماعة غير مندمجة، تتم ممارسة ضغوط ثقافية وسياسية عليهم من أجل “تطبيعهم”، والتدخل أيضًا في أشكال تدينهم، وخطابهم الديني، وهوياتهم. وهكذا، تُنتج الدولة ما يسمى بـدين مدني مفرغ من رمزيته، ومنزوع الدسم السياسي، ومتناسب مع قيم الجمهورية، أو بالأحرى مع التصور السائد عنها. غير أن روا لا يُحمل الدولة وحدها مسؤولية الأزمة، بل يرى أن جزءًا من الإشكال ناتج عن مواقف بعض الحركات الإسلامية التي تخلط بين الحق في التعبير الديني، ومطلب الهيمنة الرمزية على المجال العام. وهذا ما يُعزز ارتياب الدولة، ويُشرعن تدخلها. لكنه في المقابل، يُصرّ على أن الحل ليس في الضبط الأمني أو في توجيه الدين، بل في احترام التعدد والاعتراف بتنوع أشكال التعبير الديني، ما دام لا يهدد العقد السياسي المشترك.

_________________________________

المراجع:

[1] – إدوارد، سعيد. الاستشراق المفاهيم الغربية للشرق. ترجمة محمد عناني. مؤسسة هنداوي،ط1،2024, ص: 34.

[2] Voir le lien suivant : https://www.cnrseditions.fr/auteur/olivier-roy/

[3] – روجيه، كايواه. الإنسان والمقدس. ترجمة سميرة ريشا. المنظمة العربية للترجمة.ط1،2010. ص: 37.

[4] – أوليفييه، روا. الجهل المقدس زمن دين بلا ثقافة. ترجمة صالح الأشمر. دار الساقي،ط1،2012. ص: 18.

[5] – الجهل المقدس. ص: 28 .

[6] – يرى عبد الكريم بكار بأن الصحوة في الإصطلاح تعني الإقبال على الإسلام والعمل به والاحتكام إليه. والذي بدأ ينتشر بقوة في أصقاع العالم الإسلامي منذ السبعينيات من القرن المنصرم.

عبد الكريم، بكار. الصحوة الإسلامية صحوة من أجل الصحوة. دار السلام،ط1،2011, ص: 14.

[7] – الجهل المقدس. ص: 248.

[8] – أوليففيه، روا. عولمة الإسلام, ترجمة لارا معلوف. دار الساقي،ط2،2016. ص: 58.

[9] – عولمة الإسلام. ص: 58.

[10] – عولمة الإسلام. ص: 62.

[11] – يوسف، القرضاوي. فقه الأقليات المسلمة. دار الشروق،ط1، 2001. ص: 15.

[12] – عولمة الإسلام. ص: 86.

[13] – عولمة الإسلام: ص: 141.

[14] – لويس، دو كورانسي. الوهابيون تاريخ ما أهمله التاريخ. ترجمة مجموعة من الباحثين. المكتبة التخصصية للرد على الوهابية،ط1،2003. ص: 17.

[15] – أولفييه، روا. الإسلام والعلمانية. ترجمة صالح الأشمر. دار الساقي،ط1،2016. ص: 116.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete