تكوين
مات كفيفًا كئيبًا خائبًا لكنَّ عبورَهُ القصيرُ كان ساطعًا.
فقد طرح الأفكار التأسيسية للتنوير في الفكر العربي الحديث
“فرنسيس المرّاش” شخصيةٌ طليعيةٌ رائدةٌ ومتميزةٌ في الفكر العربي الحديث، لكنها وعلى رغم ريادتها وتميُّزها، لم تحظَ بما تستحقه من الاهتمام والدراسة، وتكاد تكون مجهولةً حتى عند الباحثين والمثقفين. فبينما نُشرت الأعمال الكاملة لرفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعلي مبارك وعبد الرحمن الكواكبي، وبعض كتابات فرح أنطون وأديب اسحق، في طبعات حديثة منذ أواسط القرن الماضي، ورافق ذلك دراسات واسعة ومتعددة في فكر هؤلاء، اقتصر الاهتمام بـ “فرنسيس المرّاش” على إعادة طباعة كتابه “غابة الحق”، نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحالي، ولم تتعد الدراسات النادرة التي تطرقت إلى فكره، هذا الكتاب من دون سواه من مؤلفاته.
مؤلفات “المرّاش” أكثرها مطبوع في القرن التاسع عشر، لا تضمُّ مكتبات بيروت ودمشق وحلب إلا البعض اليسير منها، وهي ذات طباعةٍ رديئةٍ، ترد فيها بعض الأخطاء والألفاظ والتعابير الغريبة، تعترض الباحث في مضامينها صعوبة منهجية كبيرة، نظرًا لتذَرُّرِ أفكار المؤلف وتناثرها وعدم ورودها في سياق منهجي، إضافة إلى تناقضها والتباسها، واعتماد الرمزية والتورية في التعبير عنها أحيانا، ما يجعل الوقوف على حقيقة تفكير هذا الرائد وأغراضه ومراميه والتوجُّه العام الذي يحكمه، أمرًا في غاية التعقيد، لا يتيسَّرُ التوصل إليه إلا بالمقارنة والتأويل والاستنتاج.
من هو “فرنسيس المرّاش”؟
وُلد هذا المفكر في العام 1836 في حلب المدينة التي اضطلعت بدور بارز في النهضة العربية الحديثة، حيث اتفقت أكثر المصادر التاريخية على أن النهضة التي عمَّت بلاد الشام في القرن التاسع عشر، وفي نصفه الثاني خصوصًا، كان بِدْؤها في حلبٍ في القرن الثامن عشر تحديدًا. ففي هذا القرن كما يقول ألبرت حوراني في كتابه “الفكر العربي في عصر النهضة”:
“نهض عدد من المسيحيين في حلب للتعمق في علوم اللغة العربية على يد الفئة الوحيدة التي كانت تملك ناصيتها آنذاك، أي مشايخ الدين الاسلامي. وقد كتب بعضهم الشعر والنثر الصحيحين بشغف، ومنهم امتدت شعلة الأدب العربي إلى لبنان”.
ويمكن أن نذكر من هؤلاء المطران جرمانوس فرحات 1670-1732 الذي ألَّف قاموسَ “أحكام باب الاعراب عن لغة الأعراب”، وكان له الفضلُ الكبير في ترسيخ العربية وتغلُّبها على السريانية في عصر غلبت فيه العجمة على العربية، ونيقولاوس الصائغ 1692-1756 الذي أسهم في تجديد الحركة الشعرية في لبنان، في فترة استخدمت العامية فيها عوضًا عن الفصحى، وعبد الله الزاخر الذي قدَّم إلى لبنان ليؤسس مطبعة في الشوير سنة1733، وقد لقَّبه مارون عبود بـ “أبي الحرف العربي”.
وحلب هي أيضًا رائدةُ الطباعة العربية، تأسَّست فيها أول مطبعة عربية سنة 1702 على يد المطران أثناسيوس الدباس. وقد تميزت منذ القرن السادس عشر بمركزها التجاري لأنها محطةٌ مُهمة في طريق المواصلات إلى أوروبا، ومُلتقىً للمبادلات العالمية بين القارتين: الأوروبية والآسيوية، توطَّنت فيها جالية كبيرة من التجار الأوروبيين الذين وطَّدوا علاقاتهم الاجتماعية والثقافية مع مسيحييها، ما أسهم في انفتاح هؤلاء على الغرب وتعمُّق بعضهم في فكره وثقافته. من هذا الرعيل بالذات، كان “فرنسيس المرّاش” الذي ينتمي إلى عائلة عريقة في الأدب والعلوم والوجاهة، برزت في طليعة حركة النهضة الفكرية في حلب في القرن التاسع عشر، وقال فيها فيليب طرزي “في تاريخ الصحافة العربية”: “كانت منزلة آل مرّاش بنهضتهم الأدبية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مثل منزلة آل البستاني في لبنان والديار الشامية، فإنهم أيقظوا رُوح المعارف في أبناء وطنهم وخدموا العلوم بالتأليف والصحافة”.
أما فتح الله والد فرنسيس فكان أحد أعيان طائفة الروم الملكيين في حلب، وقد عُرف بأسفاره إلى أوروبا وبنزعته الليبرالية، وصفه فارس نمر بـ
“الحر الحلبي الذي قضى ردحًا من الزمن يُرسل شعاعَ الحرية إلى أبناء سورية من قلب أعظم عاصمتين اشتهرتا في أوروبا بالنظامات الدستورية، أي لندن وباريس”.
ولـ “فرنسيس المرّاش” أخٌ وأختٌ هما أيضًا من روَّاد النهضة العربية الحديثة، فأخوه عبد الله ترك آثارًا منشورةً ومخطوطة، قضى شطرًا كبيرًا من حياته في مرسيليا، وكان مُتقنًا لعددٍ من اللغات الأوروبية. وصفه الشيخ إبراهيم اليازجي بـ “كوكب المشرق الطالع في سماء المغرب”، وشبَّهه جرجي زيدان، بإبراهيم اليازجي أسلوبًا وبلاغةً. أما أخته مريانا، فهي ” أول سيدة سورية أنشأت مقالة في مجلة أو جريدة، والكاتبة الأولى التي نُشرت أفكارها في الصحف العربية على ما نعلم“، كما وصفها فيليب أطرازي في “تاريخ الصحافة العربية”. من آثارها ديوان” بنت فكر”المطبوع العام 1893 في بيروت. ويذكر سامي الكيلاني أن بيتها كان “أول صالون أدبي في الشرق العربي” جمعت فيه أكثر مثقفي وأدباء عصرها.
في هذه الأسرة العريقة في الفكر والثقافة والتطلعات الليبرالية، وفي بيئة متقدمة فكريًّا وثقافيًّا، نشأ وترعرع “فرنسيس المرّاش”، لكنه أُصيب وهو في الرابعة من عمره بِداءِ الحصبة التي أوهنت قواه، وأعلَّت بصره، ونغَّصت حياته كلها، وأسقمَت نظراته إلى العالم، فغلب عليه التشاؤم في أكثر آثاره. تعلَّم “المرّاش” في إحدى مدارس الطوائف في حلب، ثم سافر مع والده إلى فرنسا في العام 1850 حيث مكث مدة تنيف على السنة، رجع بعدها إلى حلب لينكبَّ على الفرنسية والطليانية. ثم درس الطب على يد الطبيب يوحنا ورتبات الذي حلَّ في حلب مُبشرًا في العام 1861. وبعدما مارس الطبابة قُرابة السنة، سافر إلى باريس لاستكمال دراسته في جامعاتها. لكنه لم يتمكن من التقدم إلى الامتحان بسبب الشلل الذي أصاب أعصاب بصره، فقفل عائدًا إلى حلب لينصرف إلى التأليف والكتابة في مجلات عصره، وما لبث أن وافته المنية في العام 1874 ولمَّا يبلغ الثامنة والثلاثين من العمر.
خلَّف “المرّاش” عشرة كتابات نثرًا وشعرًا في العلوم والرواية والرحلة والشعر القصصي والشعر الغزلي والسياسي، إضافة إلى عددٍ من المقالات في مجلات عصره كـ “الزهرة” و”الجنان”. ويعود هذا التنوُّع في أساليب الكتابة عنده إلى تنوُّع مصادر ثقافته وغناها، وإلى تنوُّع اهتماماته وتعدُّدها، فهو مثقفٌ في التراث العربي والفقه والطب والعلوم وعلى تواصل مع ثقافة الغرب، وهو أديبٌ وشاعرٌ وطبيبٌ ومفكِّرٌ.
من مؤلفات “المرّاش” “المرآة الصفية في المبادئ الطبيعية”، و”دليل الحرية الإنسانية”، و”غابة الحق”، و”رحلة باريس” و”مشهد الأحوال”، و”مرآة الحسناء”، و”شهادة الطبيعة في وجود الله والشريعة”.
أهم هذه المؤلفات “غابة الحق”، المؤلَّفُ المركزي الذي عبَّر فيه “المرّاش” عن رؤيته السياسية والاجتماعية والفلسفية، فضلًا عن كونه أول رواية في الأدب العربي و”مشهد الأحوال” الذي طرح أفكارًا فلسفية وعلمية غير مألوفة في الثقافة العربية السائدة، و”شهادة الطبيعة في وجود الله والشريعة” إذ يتبنى “المرّاش” نظرة عقلانية في التفكير الديني. ولا تقل المقالات التي كتبها “المرّاش” في مجلات عصره أهمية عن مؤلفاته، فقد عبَّر فيها عن آرائه وأفكاره السياسية والاجتماعية وموقفه من التمدن والحضارة الغربية من موقع مختلف جزئيًا عن فكر عصره.
فكر “المرّاش” الليبرالي
تكمن أهمية “المرّاش” في الدرجة الأولى في تبنيه لقيم حضارية وسياسية، كانت ما تزال غريبة عن البيئة العربية والعقل السياسي العربي، وبكونه أول من حاول في الفكر العربي الحديث بناء نظامه الفكري على الحرية وإسناد مفهومها إلى أسس فلسفية، خلافًا لاعتقاد بعض الباحثين أن فكر النهضة العربية ظلَّ بعيدًا عن النظريات، وأنَّ الحرية في هذا الفكر ما هي إلا شعارٌ لا أكثر.
بحث “المرّاش” في الحرية الطبيعية وفي إمكان الحرية في العالم المادي الذي تقيُّده قوانين فيزيائية وطبيعية صارمة، ليخلص إلى أن الإنسان شأن سائر المخلوقات، خاضع إلى “ما لا ينتهي من العبوديات”، حيث الحيوان القوي يستعبد الضعيف، وكل الحيوانات تسترق لخدمتها الوجود النباتي، والموجودات المادية من دون استثناء، تخضع لعبودية الفواعل الكيماوية، وجرم الأرض العظيم ذاته منقاد بدوره لنظام الفلك الشمسي، وكل نوع من أنواع الكائنات “يشنُّ الغارة الشعواء على ضده حتى يهلك الجنس ويباد”. أما النتيجة الحتمية لهذا الصراع، فهي أن “لا حرية في الخليقة ولا خلاص من العبودية”. لكنَّ الإنسان المحروم من الحرية الطبيعية، قادرٌ بالتأمل الرُوحي والعقلي على التحرر من سلطان الوقائع وعبودية الزمن. إلا أن هذا لا يكون إلا لمن “وسمته العناية بسمة الانفراد”. وهذا شاذٌّ لا يُمكن القياس إليه.
في المقابل “يواجه “المرّاش” استحالةَ الحرية في الطبيعة بالقول بحرية أدبية، هي واجبةٌ وضروريةٌ، وتقوم على التعبُّد لأحكام دولة التمدن والصلاح، إذ إن التعبُّد لأحكام هذه الدولة، هو عين الحرية.
على أساس الحرية الأدبية، بنى “المرّاش” فكره الليبرالي، فهذه الحرية هي التي تكفل للإنسان حق اختيار السلطة السياسية، وحق مراقبتها للتأكد من صلاح قراراتها وأحكامها، وحق الحماية من الجور والاستبداد، وهي التي تكفل للجميع حقوقًا متساوية في العيش والأمن والتعبير.
في هذا الإطار الفلسفي، جاءت إدانة “المرّاش” للظلم والاستبداد وثورته على التخلُّف والفساد نقطة تحوُّل نوعية في الفكر العربي الحديث. فـ “المرّاش” لم يترك وجهًا من وجوه الحكم الاستبدادي إلا وخصَّهُ بالنقد اللاذع والجريء. ندَّد بالحكَّام وألقابهم المزوَّرة وخنوع الرعيَّة، وحذَّر الطغاةَ من عاقبة جورهم وتسلُّطهم، يقول في إحدى قصائده:
فقد عاش قبح الجهل والزور والغوى
ومات جمال الرشد والحق والفضل
ويقول في أخرى:
ما لي وللألقاب فهي بأهلها
جاءت كأجراس على أفراس
كلمات تعظيم على مستحقر
لم يسو فلسا في غلاء الناس
ويصف حال الرعية في ظل الاستبداد والحكم الفردي:
أما ترى ألوفَ هذا الملا
أسرى لأفراد بها يفتكون
قد ظلموا واستكبروا وبغوا
وقد أتوا من شرِّهم بفنون
وعظموا ألقاب أنفسهم
ليكبروا بها وهم صاغرون
قد غفلوا عن كل صالحة
لكن عن الفحشاء لا يغفلون.
ويتساءل “المرّاش” أما يوجد في الرؤوس نخوة وفي القلوب دم وفي الأرواح حماسة، وكيف لا يدرك العموم هذه الأهوال التي تفترسهم وتمزقهم؟” ليجد العلة في الجهل:
وهل أبطل الأنصاف واستعبد الورى
سوى الجهل، إن الجهل مجلبة البطل
وفي استسلام الناس للطغاة:
فالناس عن أطوارهم نوّم،
يا ويلهم إن نهض النائمون
وإذا كان موقف “المرّاش” من الاستبداد يرتدي أهمية خاصة في تلك المرحلة الحالكة في تاريخ السلطنة العثمانية، فإن الأساسي والأهم، يبقى في المحتوى الليبرالي لفكره. فقد تعدَّى الانتقاد السلبي إلى طرح مفهوم جديد للسلطة والدولة والحرية السياسية، بإدانته الأوتوقراطية القائمة على “التصورات الباطلة في عقول الناس”، التصوُّرات التي تجعل البعض يتوهَّمون “أن عُمدة العالم هم، فيهيمون في حب التسلط والسيادة على أشباههم”.
أما البديلُ الذي يطرحه “المرّاش”، فيتجاوز طروح غيره من النهضويين الذين نادوا، إما بالعودة إلى الأصول التراثية، أو بنظرية الحاكم المستبد العادل، إلى طرح المساواة السياسية بين الجميع من دون تمييز، وإلى إعطاء الفئة البائسة في المجتمع حق المشاركة في الرقابة على السلطة. يقول “المرّاش”: “لماذا يوجد حق لأصوات الأغنياء فترن في قاعات السياسة، ولا يوجد هذا الحق لأصوات بقية الشعب الذين هم الجانب الأكبر والأهم؟”.
وإذا لم يكن من الواضح إذا كان “المرّاش” يدعو إلى الحكم الديمقراطي البرلماني، فمن المؤكد أنه طرح مفهومًا ليبراليًّا للدولة بتأثير من روسو ونظريته في العقد الاجتماعي. فالدولة قامت في الأصل على “تغلُّب الناس بعضهم على بعض”. وكانت تؤدي دورًا اجتماعيًا وسياسيًا ضروريًا. أما الدولة الليبرالية الحديثة، فيجب أن تنبثق من الشعب، وأن تقوم على عقد بينها وبينه، وأن تسهر على خدمته، وتساوي بين جميع أفراده. يقول “المرّاش”: “إن أهم دواعي السياسة وأعظم بواعثها، هو النظرُ الدائم إلى الصالح العام، ومجرى شرائعها وقوانينها على كل أبنائها من دون أدنى امتياز بين الأشخاص أو تفريق بين الأحوال، كي لا يقع خلل في نظام الحق”.
ويجب أن تُقيَّد الدولة برقابة الشعب: “إن السياسة أو الرياسة إذا وقعت في غير محلها، تطلب من الشعب إنقاذها”. ويجب عليها احترام حرية التفكير والتعبير: فـ “المبادئ الراهنة لم تنطلق إلا من القيود والأغلال. كل ذلك جرى بقوة الفكر، وضرب من المحال قمع هذه القوة إلا بمثلها”.
و”المرّاش” هو أول ليبرالي عربي نظر إلى الفقراء، لا نظْرةَ أناسٍ يستحقون الشفقة، بل نظْرةَ أصحاب حقوق مُغتصبة جورًا وظلمًا. فبينما حصر ليبراليو النهضة اهتمامهم في نقد المطلقات السياسية والدعوة إلى الحكم الدستوري، ولم يخرج تفكيرهم عن إطار النزعة الإنسانية الإصلاحية، بوَّأ “المرّاش” الفقراء مكانة عظيمة في المجتمع الإنساني، وذهب إلى حد عدِّهم مصدرَ حياة البشر ورفاههم، وسبب بقاء الإنسانية واستمرارها، وأقرَّ بحقوقهم في عيش كريم يتلاءم مع دورهم العمراني، مُحذرًّا من فتنة تُقوِّضُ الهيئة الاجتماعية إذا لم تراع هذه الحقوق.
هذا الموقف، وإن يكن قد مثَّل بداية الانعطاف نحو الفئات الدنيا، وبداية الإقرار بحقوقها السياسية والاجتماعية في الفكر العربي، فإنه لا يذهب إلى حد الطرح الاشتراكي، كما خيَّل لبعض الباحثين، فما تطلَّع إليه “المرّاش”، لا يتعدى الإقرار بالمساواة في الحقوق السياسية، وتقليص الفوارق الاجتماعية، حتى لا يكون التفاوت الاجتماعي الفادح والجائر سببًا لتقويض الهيئة الاجتماعية.
و “المرّاش” هو أول مفكرٍ عربي يدين الرق ادانة مطلقة في الفكر العربي الحديث. طرح هذه المسألة في”غابة الحق” الصادر في العام 1865، بينما كانت الحرب الأهلية الأميركية لا تزال مُستعرةً، داعيًا إلى إبطال الرق على أساس” الحق الطبيعي” الذي يؤكد حرية الإنسان الأدبية، باعتبارها حقًا طبيعيًّا لا يُمكن اغتصابه أو التنازل عنه. وهو في هذا الموقف يختلف جذريًا عن أكثرية النهضويين العرب الذين تطرقوا إلى الرق من نواح اجتماعية أو أخلاقية أو اقتصادية أو دينية.
كان “المرّاش” مؤمنًا مُتدينًا، ولكنه مع ذلك كان حازمًا في رفض استخدام الدين لأغراض خصوصية. نادى بـ “المحبة الوطنية المنزَّهة عن أغراض الدين”، لأن التعصُّب الطائفي وانقسام الأمة إلى ملل متناحرة، هما سبب الانحطاط والتخلُّف، ودعا إلى إعطاء العقل الحق في تأويل وتعليل الحقائق الدينية، بما يتوافق مع تطور العلوم والاكتشافات الحديثة، ما أدَّى إلى تصادمه مع رجال الدين المتشددين واتهامهم إياه بالكفر والعصيان.
ويتلاقى موقف “المرّاش” مع بعض النهضويين مثل: البستاني والطهطاوي والشدياق. في الدعوة إلى تعليم المرأة، بما يتلاءم مع مهامها العائلية في خدمة الزوج وتربية الأطفال تربية صالحة، ولكنه متقدمٌ في ليبراليته على بعضهم الآخر –الكواكبي والشميل– ومتقدمٌ زمانيًا على قاسم أمين وجبران خليل جبران، الذي يبدو تأثره واضحًا في “الأجنحة المتكسرة” برواية “المرّاش”” در الصَّدف في غرائب الصُّدف” لجهة شجب الزواج القسري واحترام رأي المرأة في اختيار الزواج بمن تحب.
وللعقل دورٌ مميز ومركزي في فكر “المرّاش” الليبرالي، فقد جعله المرجعية التي يعود إليها خلاص الإنسانية من الظلم والاستعباد، به تتحدَّدُ ماهية الإنسانية، وبانتصاره، يتوطَّدُ العدل والسلام والحرية وبانكساره وانهزامه بؤس الإنسانية وشقاؤها، حيث يسود التعصب والتسلُّط ويتحكَّم الوهم والخرافة بالناس.
ولا يقف دورُ العقلِ عند حدود الطبيعة والمجتمع والسياسة وضرورة خضوع الجميع لأحكامه ومسلَّماته، بل إن العقلَ قادرٌ على إثبات وجود الله وخلود النفس والتوصُّل من خلال التأمل في الموجودات إلى الأحكام والمبادئ التي قالت بها الأديان، بمعزل عن الوحي، إذ لا تناقض بين الوحي والعقل.
يكاد يُجمع الباحثون في فكر النهضة العربية على أن دخول أفكار دارون إلى الفكر العربي، بدأ في ثمانينيات القرن التاسع عشر، سواء مع خطبة أدون لويس في الجامعة الأميركية في بيروت 1882، أو مع نشر شبلي الشميل ترجمة شرح بوخنر لآراء دارون، سنة 1884. لكنَّ الصحيحَ أن “المرّاش”، هو أول من تلقف آراء دارون، من دون أن يُشير إليه، وعبَّر عنها في كتابه “مشهد الأحوال” الصادر سنة 1870 في بيروت، فقد ظهر تأثره بأفكار دارون في نشوء الكون وتطوُّرِ الكائنات على الأرض وارتقائها من الجماد، إلى النبات، إلى الحيوان، فالإنسان أرقى الكائنات الحية، والخاضع هو أيضًا لمبدأ النشوء والارتقاء. وعلى هذا الأساس، يكون “المرّاش” رائدًا في استيعابه للنظريات الطبيعية الحديثة، وإعادة إنتاجه لها في الفكر العربي الحديث، بتبنيه النظرة الطبيعية التطورية، في تفسير أصل نشوء المادة، وأصل المخلوقات والأنواع وفي التشديد على مبدأ الصراع في الوجود ودوره في نشوء الكائنات وارتقائها، قبل أربع عشرة سنة من صدور تعريب شبلي الشميل لشرح بوخنر سنة 1884.
يتحدَّدُ موقفُ المراش من الغرب في ضوء مفهومه للتمدن، الذي رأى أنه يجب أن يقوم على دعائم أساسية، أولها الحكم العادل القائم على المساواة بين الجميع من دون تمييز، ومطابقة القوانين لواقع الهيئة الاجتماعية، والنظر الدائم إلى المصلحة العامة. وثانيها تقدم الرابطة الوطنية على الروابط الطائفية والقبلية، وثالثها رفض كل ما يتناقض مع حقوق الإنسان الطبيعية، ورابعها الالتزام بالمبادئ الدينية وبالمحبة الضابطة للهيئة الاجتماعية، وبالاحتكام إلى العقل وما يُمليه من أحكام ومسلَّماتٍ.
على أساس هذا المفهوم تبدَّل موقف “المرّاش” من الغرب تبعًا لقربه أو بعده عن دعائم التمدن. فقد أبدى إعجابه ودهشته إزاء الغرب، إذ بدا له على صورة الجنة التي تحققت فيها كل دعائم التمدن، إنْ من الناحية العمرانية، حيث المدن الغربية نظيفة، مُتقنة، بديعة البنيان والترتيب، منتظمة الهندسة. وإن من الناحية السياسية والثقافية والفكرية، حيث الإنسان الغربي مؤمن بالتقدم، صلب في تحدي الصعاب، دائب العمل والاجتهاد والاختراع، وحيث العقلانية هي السائدةُ في الفكر والسياسة والاجتماع، والنزاعات الأهلية غائبة، والرابطة الوطنية هي المعتبرةُ فوق كل الروابط والانتماءات.
لكنَّ إعجاب “المرّاش” بالغرب، وتبنيه للأنموذج الحضاري الغربي، تبدَّل في العمق بعد الحروب التي ضربت أوروبا، واندلاع كمونة باريس سنة 1871، وما أورثه ذلك من دماء وخراب، فارتدَّ إلى التمدن الغربي الذي كان رآه مُحققا لدولة العقل، ليجد أنه يتناقض مع هذه الدولة تناقضًا جوهريًّا، بل هو أبعد من ذلك، تمدُّن متوحش، أصبح يُهدد الهيئة الاجتماعية بافتقاده الشرعية العقلانية والأخلاقية. فكتب في “الجنان” البيروتية سنة 1871 مقالة “التمدن المتوحش” التي تُعَدُّ أولَ إدانة بهذه الحدة لليبرالية الغرب في الفكر العربي، يقول “المرّاش”: “هو ذا لسان هذا القرن الجاري جعل يُبشر العالم البشري بوصوله إلى قمة جبل التمدُّن، وهو ذا لسان هذا القرن عينه، أخذ يُنذر الآن هذا العالم العظيم بهبوطه في هاوية التوحش… فما هي حياةُ التمدن المصبوغ بدم البشر المسفوك في حروب الشراسة، وما هو عمرانُ التقدُّمِ المنقوص بمدافع الانقلاب والخراب، وما هي حريةُ التمدن المتقيِّد بسلاسل الكبرياء؟ فبئس التمدن الذي به قد اتصل الإنسان، وهو على قمة الكمال إلى استحداث أشرَّ الآلات الجهنمية لقتل نفسه والفتك بها، وبئس التمدن، الذي وهو يهتف ببوق الأفراح والبشائر والغناء تضجُّ حوله وولاولُ الأرامل وعويل اليتامى وزفرات الفقراء”.
لكنَّ “المرّاش” مع ذلك، ظل على حماسته لانجازات عصره العلمية والثقافية والفكرية، فما رفضه ليس التمدَّن المُحقِّقُ لدولة العقل، بل التمدنُ الزائف الذي أورث الشقاء والفقر والحرب والطغيان.
هذه الاطلالة على فكر “فرنسيس المرّاش” تؤكد طليعيته وريادته في استيعاب الحداثة وتلقُّفه المبكِّرُ لقيمها الحضارية والسياسية والاجتماعية وثورتها العلمية والفكرية، ما يضعه في مقدمة الحداثيين المجدَّدين، وفي طليعة المؤسسين لحقوق الإنسان في الفكر العربي الحديث، وقبل صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، العام 1948، بأكثر من ثلاثة أرباع القرن فقد نادى بابطال الرق على أساس الحق الطبيعي –المادة 4 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان- ودافع عن حقوق الفئة البائسة، السياسية والاجتماعية والإنسانية، المواد 23و24 و25، وهو من الروُّاد العرب الأوائل الذين رفضوا تسخيرَ الدين لأغراض السياسة، وأعلوا حقَّ الإنسان في التعليل والتأويل والاجتهاد -الأمر الذي شدَّد عليه تقرير التنمية الإنسانية العربية- وهو في مقدمة النهضويين في مناداته بالمساواة السياسية الكاملة -المادة7 من الإعلان العالي، وفي إقراره بحقوق المرأة في الكرامة والتعلُّمِ واختيار الزوج- المادة 16، وفي تأكيده حرية الرأي والاعتقاد والتفكير والتعبير -المادة 18.