تكوين
إمتلك بعض الفلاسفة عبر التاريخ رغبةً في التوصّل إلى تفسيراتٍ تشمل الكون بكلّ خباياه المعتّقة، والواقع بكلّ صوره الصادمة، والمصير الانساني بانفتاحه اللامتناهي على مجهولٍ يصعب تحديده.
منهم مَن قدّم نفسه معلّماً يحتاجه طلبةٌ مريدون للمعرفة، ومنهم مَن بحث في الحقيقة وسَبَر أعماقها لدرجة أنه توصّل إلى يقين من أنه يُدركها وأنه المشرّع الأبرز لدقائق تفاصيلها، ومنهم من ذهب إلى حدّ تصنيف التيار الفكري الذي ينتمي إليه في خانة التفوّق الذي يبلغ حدّ ازدراء ما أتت وتأتي به تياراتٌ أخرى.
وفي مواجهة التواضع السقراطي الذي انسحب على تلامذة الفيلسوف الاغريقي “المُحاضر الأبدي” في شوارع أثينا الأحبّ إلى قلبه.. نجد نوعاً من الميغالومانيا، المستترة حيناً والمتظهّرة علناً حيناً آخر، لدى مجموعةٍ من الفلاسفة الذين صحيحٌ أنهم أعطوا فكراً عظيماً، إلا انّ تلك العظمة طبعت طرق تفكيرهم وسُبُل توجّهاتهم وصولاً إلى مجرى الحياة التي كتبوها أو خُطّت لهم.
نبدأ مع ذلك الفيلسوف المتفوّق في الرياضيات طالباً وأستاذاً، المتمرّد في مدرسته والثائر في وجه الدين والميتافيزيقا و “الأوهام الطوباوية” كما سمّاها، الساعي أبداً إلى تحقيق استقرار المجتمعات عن طريق استخدام الحقائق المثبَتة، والمركّز على رصد قوانين الظواهر بالكيفية بعيداً من استنفاد القوى الفكرية في التطلّع نحو الأسباب الأولى والمطلقة للأشياء والموجودات.
هو أوغست كونت الذي انعقد إسمه على الفلسفة الوضعية، وعلى إتقان اتّباع المنهج العلمي العقلاني في دراسة الانسان والتاريخ، وكذلك على صورة التسلسل الهرمي التي قدّمها للعلوم، من الرياضيات حتى علم الاجتماع، العلم الذي انفتح به على دراسةٍ موضوعيةٍ للقوانين التي تحكم المجتمعات البشرية تحت مسمّى “الفيزياء الاجتماعية”.
إقرأ أيضًا: الفلسفة وتنمية الذكاء العمومي
هو لم يعرض لمراحل تطوّر العقل البشري فحسب، بل تسلّل إلى كلّ طورٍ وكأنه يعيشه: اللاهوتي لكي ينعتق من خرافاته، والتجريدي لكي يتحرّر من جموديته، والوضعي لكي يفيض به ومعه نضجاً تفكّرياً. ثمّ انتقل، بخطى ميغالومانية واضحة، من صورة العالِم في الاجتماع والرؤيوي في السياسة، المنادي بدكتاتوريةٍ تكنوقراطية، كما بدا في “دروس في الفلسفة الوضعية” .. إلى صورة “النبي العَلماني” الذي نصّب نفسه كاهناً أكبر للانسانية، مبشّراً بديانةٍ لهذه الانسانية هدفها خلاص الأرض، ومطالباً أتباعه في الفكر بالخضوع التام لبدعته المستحدثة، جاعلاً من حبيبته التي انتزعها الموت منه محوراً أساساً لطقوس تقديسٍ هوسيةٍ تلامس حافّة الهذيان، مقحماً مشاعره المتّقدة ألماً في صلب فلسفته.
صحيحٌ أنّ تلك الحالة الكونتية إنغلقت ضمن خصوصيةٍ لها سماتها وظروفها، غير أنها انسحبت فيما بعد، تحت أشكالٍ أخرى وفي إطار إشكالياتٍ مختلفة لدى فلاسفة آخرين، ومن بينهم جورج فريدريش هيجل الذي كان يرمي، عبر نظرياته وأعماله، إلى تحقيق إدراكٍ كلّيانيٍّ للواقع وللتاريخ الكوني بوصفهما تجلّياً ذاتياً للروح المطلق، وإلى محاولة استيعاب الحقيقة بأسرها في نسقٍ واحدٍ من التفكّر الفلسفي المجدول على المثالية.
ونستطيع تلمّس بعض الملامح الميغالومانية لديه على مستوييّ المنهج والمضمون. فهو مَن زعم أنه وضع خاتمةً لتاريخ الفلسفة، فيما لا يزال التاريخ اليوم مشرّع الأبواب على بداياتٍ ونهاياتٍ متناسلة.. وهو مَن احتضن مفهوم “المطلق” واصفاً إيّاه “بالروح” في صيرورتها وبمجموع ما هو موجود وبالوحدة التامة بين الفكر والواقع، وبأن لا وجود له إلا في نهاية مسارٍ طويلٍ تتعانق فيه الحياة مع التاريخ، فيما نحن اليوم لم نبلغ قط ذاك المسار المديد، ولم ينتهِ في قاموسنا الفلسفي عناق الحياة والتاريخ.
وبحسب حكايةٍ متداولة، إستدعى هيجل في الليلة التي سبقت وفاته أحد تلامذته الأوفياء ليطلعه على وصاياه الأخيرة. فقال: “أريدك أن تعمل على ترجمة مؤلّفاتي”.. “إلى أيّة لغةٍ؟” أجابه تلميذه، فردّ هيجل: إلى الألمانية”!1
مدهشٌ حقاً ما طلبه بقدر ما هي مدهشة كتاباته التي تحمل تجريداً وثقلاً يربكان بعض القرّاء. مدهشٌ رغم انطوائه على استعظامٍ للأنا، وإن كانت تلك الأنا حقاً لم تتكرّر حتى يومنا الراهن في التاريخ الفلسفي.
وما لبثت تلك الأنا الهيجيلية أن حطّت رحالها في صميم العاصفة الفكرية التي أحدثتها فلسفة كارل ماركس. لا شكّ في أنّ مسار الفيلسوفَيْن اختلف جذرياً، إلا انّ ما جمعهما كان تلك الثقة المطلقة بالذات المعرفية التي خَطَت لدى ماركس خطوةً أوسع لتكوّن طبعه الجامح وميله الآسر للجدلية المادية.
إقرأ أيضًا: مشكلات الفلسفة: مفهوم العقل
نجد هنا ميغالومانيةً من نوعٍ آخر، تنبعث من ذكاءٍ لامعٍ مضافاً إلى نزعةٍ قياديةٍ سلطوية، وإلى شخصيةٍ كاريزماتيةٍ دؤوبةٍ مندفعة ترفض دوماً أنصاف الحلول، كما ترفض أحياناً أفكار الآخرين (وإن كانوا في غالبيّتهم من المفكّرين الكبار) متهمةً إيّاهم بانعدام الفهم. وفي هذا السياق نشير إلى انّ ماركس أتقن استخدام النقد اللاذع والساخر في مواجهة خصومه في الفكر وفي التوجّهات السياسية، ولم يتوانَ عن قطع بعض صداقاته نتيجة تلك الخصومة.
هو ثار ضدّ حالات القمع والارتهان والاستغلال ومعاملة الفرد بالدونية2 ، تلك الحالات التي ترزح الطبقة العاملة تحت ضغوطها. ولم يكتفِ بتوصيف بؤس البروليتاريا، بل تعمّد إشعال غضبها المنطلق أساساً من غضبه هو، والمتأتّي من “لاعدالة” الأنظمة الرأسمالية.
هو كرّس ثلاثين عاماً من حياته ليُثبت حتمية الانهيار الذاتي للرأسمالية. وكان يشعر في قرارة نفسه بأنه في صدد هدم نظامٍ كامل لإحلال النظام الأمثل مكانه: الاشتراكية كمرحلةٍ إنتقاليةٍ تسيطر فيها الدولة على الانتاج وتعدل في توزيع الموارد، والشيوعية كمرحلةٍ نهائية حيث تنتفي الطبقات وتسود المساواة.
وفي الحقيقة، أكان الأمر مسيرة نضال قائمة على تنظيراتٍ فلسفيةٍ واجتماعيةٍ واقتصادية، أو كان حلماً وتمنّيات بالتغيير نحو الأفضل (وإن لم تنجح واقعاً).. ففي الحالتَيْن، كان ماركس مدركاً عظمة ما قدّمه من فكر، والموضوعية التي حاول بثّها طيّ مؤلّفاته إنّما كانت إنعكاساً لتلك العظمة المستترة في أعماق ذاته الثوروية.
تقودنا تلك الثورة الغضبى مباشرةً، إذا نحن قلّبنا صفحات التاريخ الفلسفي، إلى ذاك العبقري المتألّم الذي أسكن اكتئابَه داخل عزلةٍ مبدعة، ووجّه نرجسيّته نحو هدفية التميّز الوجودي.. فأبى اعتبار المعاناة عَرَضاً عبثياً، لأنها جوهر الحياة في عمقها والمحرّك الأساس للعظمة الانسانية.
إقرأ أيضًا: البحث عن الفلسفة بين ثنايا التاريخ
هو فريدريتش نيتشه الذي شعر أنه “مقدّرٌ لشيءٍ عظيم”، وأنّ “ما لا يقتله يزيده قوةً”، وأنه “منذورٌ” فلسفياً لإنقاذ الانسان من مشروع التدمير الذاتي الذي تفرضه سيرورة “الأخلقة”..
فأعلن “موت الله” وبزوغ فجر “الانسان الأعلى” مستخدماً، في مؤلَّفه “هكذا تكلّم زرادشت”، نبرةً نبويةً مهيبة لامست حدّ جنون العظمة، وكان يرمي من خلالها إلى كسر الصنمية الفكرية السائدة في عصره، وإلى تحرير الانسان من حالتَيْن اثنتَيْن: حالة الاستسلام غير المبرَّر في قاموسه، وحالة الرهبة في حضرة “الأشباح التي تحمل إسميّ “المحسوس” و “المعقول””3 ، لتكون الكلمة الأولى والأخيرة لإرادة القوة، تلك الإرادة المرافقة نبض الحياة.
واهمون، في رأيه، هم المؤمنون بعالمٍ آخر، يحدوهم إلى ذلك ضعفهم.. والأكثر ضعفاً منهم هم مَن اختلقوا هذا العالم..
واهمون هم الحاقدون على الصيرورة، والذين لا يدركون أنّ “الهيراقليطية” لن تشيخ مطلقاً..
واهمون هم المتشبّثون “بالقناعات، العدوّ الأول للحقيقة والأكثر خطورةً من الأكاذيب”4 .. فالحقائق أوهامٌ نسي المرء أنها كذلك.
لكن هل نجحت ثورة نيتشه على الوهم المعتقدي الزائف الذي استفزّه طوال مسيرته الفلسفية؟ هل أثمرت دعوته البشر “للاندفاع نحو النور، لا ليتمكّنوا من الرؤية على نحوٍ أفضل، بل ليتألّقوا ببريقٍ مبهر؟”5 أم أنّ َ بريق ذلك الحالم والحامل في أعماق ذاته نُطفاً من الميغالومانيا قد خَفَت، حينما خطّ رسائله الأخيرة المشوبة بالتوهان سائراً نحو نهايته التراجيدية؟!
خاتمة
أراد هؤلاء الفلاسفة الكبار أن نقرأهم بمعنى أن نرافقهم في رحلتهم الملحمية، الدرامية غالباً، نحو استكشاف الحقائق..
والواقع أننا حاولنا استحضار العبقرية الصارخة لدى كلٍّ منهم: في خطوط حياتهم، في مسار معتقداتهم، في أَلَقهم الفكري المتميّز.. وفي تلك الزوايا المظلمة التي كانوا يلوذون إليها ليطلقوا منها أنوار فلسفاتهم..
فشعرنا أننا تلبّسنا الحالات الكونتية الثلاث، ووقفنا مع هيجل أمام التاريخ لكن دون إعلان نهايته، وتشاركنا مع ماركس في بعض إحباطه، ومع نيتشه في فرادة تمرّده.. ولاقيناهم جميعهم تحت طيف تلك النزعة الميغالومانية المشروعة التي سكنت ذواتهم وألهمت أقلامهم، وجعلتنا ندرك صوابية ما ذهب إليه نيتشه من أنّ هناك أناساً “يولدون بعد رحيلهم”!!
_________________________________________
المراجع:
[1] – Jean- François Dortier, Georg Hegel En quête de l’esprit absolu, Sciences Humaines, Faisons connaissance, article publié le 28 février 2014.
[2 ] – Karl Marx, Le Capital, Livre I, P.U.F., 1993, p. 856.
[3]- Friedrich Nietzsche, Le crépuscule des idoles, Traduction d’Henri Albert, GF. Flammarion, Paris, 1985, p. 22.
[4] – Friedrich Nietzsche, Humain trop humain, Traduit par A.-M. Desrousseaux et H. Albert, Hachette, 1988, p. 299.
[5] – Ibid, p. 640.