تكوين
في عالمٍ يشهد تدفّقًا متواصلًا لضجيجٍ مُقلقٍ ومؤرق، وحيث لا تكفّ المتناقضات الفكرية والنفسية عن التصادم الذي يخلّف وراءه ندباتٍ شديدة الخطورة…
في عالمٍ تبدّلت معايير القيم والتقييم فيه، لتصبح الفوضى هدفًا، وإشعال الحروب “وسيلةّ مقدّسة”، والموت مطلبًا “للارتقاء” الغاشم والأعمى نحو جنّةٍ مُتخيَّلة، بدلًا من تلمّس رقيّ الحياة وتلبّس ثقافتها…
في عالمٍ يتفوّق فيه “جنون العظمة” على “عظمة التفكّر القويم”…
يدخل الإنسان في قلب معركة الاختبارات الوجودية، محاولًا أن يثور، أن يصرخ، أن يبحث له عن مكانةٍ ما وسط صخب التكنولوجيا التي باتت تسيطر عليه وتسلب منه القدرة على التحكّم الفاعل بنتائجها المدوّية سلبًا أو إيجابًا.
يندمج كثيرون في هذه الحالة المتهالكة ويخضعون لتداعياتها بصمت العاجزين، فيما يتّجه آخرون إلى محاولة التعمّق في مفاهيم الحياة بصمت الأقوياء الذين يدركون أنّ الصمت فلسفة حياة، لا يتقنه سوى من يدرك كنهه الحقيقي وفاعليّته المثلى.
إنه الصراع الفلسفي بين الذات الناطقة المُرْغمة على الكلام من موقعها الاجتماعي، والذات التي آثرت أن تصمت بحثًا عن سلامٍ داخليٍّ محتجبٍ داخل أعماقها.
من هذا المنطلق، سنتناول في بحثنا بدايةً، موقع الصمت في الفلسفة الإغريقية، لننتقل بعد ذلك إلى تحديد أنواعه وعلاقة كلّ نوعٍ بعالمٍ محدّدٍ من العوالم الفلسفية.
أولًا: الصمت في الفلسفة الإغريقية
تناول عديد من الفلاسفة الإغريق مسألة الصمت بنظرياتٍ وتحليلاتٍ وصلت عند البعض منهم إلى تطبيقاتٍ عملانيةٍ حازمة على أرض الواقع.
ومن هنا نبدأ مع “صديق الحكمة” و “أوّل أستاذٍ عالمي”1 كما وصفه الفيلسوف الألماني هيجل Georg Wilhelm Hegel (1770- 1831)، والمعلّم الذي لا يشبهه أحد في التاريخ، ونقصد به فيثاغوراس Pythagore (نحو 580 ق.م.- نحو 495 ق.م.)، فقد كان تقسيم الطلاّب في مدرسته حسب أربع درجاتٍ هَرَميَّة:
- المريدون،
- المبتدئون،
- المتأمّلون،
- والرياضيون.
وكان على الفئة الثالثة أن تخضع لخمس سنواتٍ من الصمت، خلف الستار الذي يقف خلفه معلّمهم، وهم يستمعون إلى القواعد التي يمليها عليهم دون إتاحة أيّ نقاشٍ أو طرح أسئلة، بهدف مضاعفة تركيزهم، وتطهير عقولهم، وكسر محاولات تسلّل الكبرياء إلى نفوسهم، واختبار سمة التواضع… فيستحيل الصمت مساحةً مقدّسة لترتيب الأفكار الكامنة قبل الانتقال إلى التعبير عنها لفظيًا، تلك المساحة الرُوحية الضرورية للتناغم مع الطبيعة واكتساب الحكمة عبر إدراك الانسجام الكوني الحقيقي.
ونجد هذين التناغم والانسجام مع العقل الكوني في فلسفة هيراقليطس Héraclite (نحو 540-480 ق.م.) التي يُمَثِّلُ الصمت فيها أسمى حالات الإصغاء للابتعاد عن أيّة ثرثرةٍ واهيةٍ عند الجموع الواقعة في الجهل. فكان الصمت وَفْق رؤيته موقفًا فلسفيًا يستلزم بلوغ الحقيقة إسكات ضجيج العالم الخارجي، لأنّ البشر في هذا العالم مثلهم مثل الصُمِّ أو السائرين في أثناء نومهم، الدائرين في دوّامة الوهم الضاغط، يحتاجون إلى صمتٍ يفصلهم عن الاضطراب غير المُجدي، ويكون مقابلًا مُستترًا للصوت، وسكونًا كامنًا في قلب الحركة، وبِنية خفيّة تهب تدفّق الحياة معناه. فكأنّ الصمت كان جزءًا من نظريته حول انسجام الأضداد، التي نرى فيها “الليل والنهار، والشتاء والصيف، والحياة والموت”2 في حالاتِ محدوديةٍ واتحاد، وتناغم وتنافر في آن.
وأمّا أفلاطون Platon (نحو 427 ق.م.- نحو 348 ق.م.)، وعلى الرغم من أنه عُرف بحواراته المبنيّة على النظريات والنقاشات والردود، والردود المضادة، فقد كان للصمت في فلسفته، وبخاصة ذلك الصمت الداخلي الذي يساعد النفس في تأمّلها المُثُل الأزلية الثابتة، مكانةٌ مركزية، كونه أداةً ومنهجًا متميّزَيْن في ملاقاة الحقيقة ومواجهتها.
وأتى الرواقيون ليضيفوا معنًى خاصًا للصمت المجدول على التأمّل. فعدَّ سينيك Sénèque (4 ق.م.- 65 ب.م.) أنّ الصخب الأكثر خطورةً يكمن في رغبات الإنسان وأهوائه الجامحة، لذا فإنّ عليه أن يُنمّي الصمت في داخله للدرء بنفسه عن سطحية الأشياء وعن الانزلاق إلى الغضب الذي قد تؤدّي شدّته إلى ما لا تُحمد عقباه. فضبط النفس، إنما يبدأ بالقدرة على الصمت، والصمت وثيق الصلة بفنّ الكلام، ومن لا يعرف كيف يصمت، لا يعرف كيف يتكلّم.
وفي نصٍّ له، دعا إبيكتاتوس Epictète (50-130 ب.م.) إلى التزام الصمت في غالبية الأحيان، وعدم التحدّث إلا في الأمور الضرورية وبعددٍ قليلٍ من الكلمات. وعند الاضطرار إلى التكلّم، وجّه نحو عدم الخوض في مسائل تافهةٍ أو مبتذلة. “إيّاك أن تتحدّث، كما قال، عن مصارعة المصارعين، أو سباقات الخيل، أو الرياضيين، أو الشراب أو الطعام… فهذه كلّها مواضيع أحاديث عادية. والأهمّ من ذلك كلّه، إيّاك أن تتناول بكلامك الناس، لا لتلومهم، ولا لتمدحهم، ولا لتقارن فيما بينهم.”3
وأكمل ماركوس أوريليوس Marc-Aurèle (121-180 م.) داعيًا الإنسان في كتابه “التأمّلات” (Les Pensées) إلى تحرير ذاته من الحالات الإرباكية عبر الصمت، كونه المَوْئل الأكثر أمانًا للإنصات إلى العقل وبلوغ الشعور بالسلام. فببناء هذه المملكة الذاتية الصامتة، يتعلّم المرء الإنصات بحكمة والاعتدال بضمير، ويبلغ “كمال شخصيّته”4 باستعادة تواصله مع النظام الكوني وبتقبّله الهادئ لما يُخبّئه له القدر.
أما في المذهب الشكوكي Le scepticisme antique، فيتظهَّرُ الدور المركزي للصمت في إطار “تعليق الأحكام” (L’Epoché) إذ تتلاشى الرغبة اللا عقلانية في السيطرة على كلّ ما هو كائن وعلى كلّ ما يحدث، وفي محاولة إطلاق التفسيرات في خصوص الأشياء. وقد عاش الممثّل الأول للشكوكية بيرون الأيلي Pyrrhon d’Elis (نحو 365 ق.م. – 275 ق.م.) ذُرْوَة الحالة الفلسفية المُنعقدة على الصمت، من خلال اللا مبالاة القصوى التي يُحكى أنه لم يكتفِ بالاعتقاد بها، لا بل مارسها فعليًا طوال حياته، لأنه وجد أنّ استحالة صياغة تعابير صحيحة عن ماهية الأشياء، إنّما تجعل من الصمت الموقف التفكّري الأكثر صدقيةً.
ومن نقاوة هذه الصدقية، نَعْبُرُ إلى الأفلاطونية المحدثة وتحديدًا مع المؤسّس أفلوطين Plotin (205-270 م.) لنستكشف معه تماهيًا خلاّقًا بين مفاهيم الصمت والجمال والتأمّل والاصغاء، توصّلًا إلى إدراك عمق الذات الإنسانية في تاسوعياته (Les Ennéades)، ولا سيّما في نظريته حول الأقانيم الثلاثة: الواحد، والعقل، والنفس (L’Un, l’être, et l’âme). وبما أنّ الواحد، أي المبدأ الأسمى والمطلق، يمتاز بالكمال، فهو يتجاوز كلّ تعريفٍ، ليكون النهجَ الفلسفي الأمثل لفهمه ولتحقيق الإنسان الاتّحاد الصوفي به، وذلك باتّباع مسارٍ تأمّليّ يصل به إلى مرتبةٍ عُليا من التحرّر ومن الغرق الإرادي التلقائي في العودة نحو “الواحد”.
نستنتج إذًا أنّ الصمت في الفلسفة الإغريقية مفهوم على درجةٍ فائقةٍ من الأهمية لاتّصاله باللوغوس المؤدّي إلى فَهْم كنه العمق الإنساني.
ثانيًا: الصمت الداخلي والتحاور مع الذات
هو انضباطٌ ذهنيٌّ موصولٌ بيقظةٍ رُوحية تُمكّن الفرد من التركيز على جوهر الذات والأشياء. وهو صمتٌ يتكامل مع الحوار الذاتي الذي يُفضي إلى نوعٍ من السكينة، وإلى قدرةٍ على إدارة المشاعر على نحوٍ متوازن، وكذلك إلى تعميق ثقة الإنسان بنفسه على مستوييّ الخيارات والأداء، عبر التحليلات التي يحتفظ بها ذهنه.
وقد لعب الصمت، وَفْق هذا الاتّجاه، دورًا مركزيًا في التقليد الهندوسي، وبخاصة في تعاليم اليوغا التي تفرض ممارستها الامتناع عن الكلام بالتزامن مع وقف تناسل الأفكار المشوّشة للذهن، ومع تلاشي الأنا، بهدف إدراك الذات، فيكون صمتٌ جسديٌّ وذهنيٌّ ورُوحيّ.5
وكذلك في البوذية التي تعتمد الصمت النبيل والمقدّس الهادف إلى تحقيق اتّزان الفرد أمام سَيْل انفعالاته المتواصلة. بوذا نفسه اعتمد هذا الصمت لتجنّب الوقوع الخطِر في فخّ الجدليات التي تستثيرها التساؤلات الميتافيزيقية، والتركيز على بِنية منهجٍ للواقع المعاش.6
وبرز الصمت بهذا المعنى في كتاب “الفتوحات المكّية” للفيلسوف والشاعر والعالِم الرُوحاني الأندلسي، وأحد أبرز المتصوّفين في العالم الاسلامي، ابن عربي (محيي الدين) (1165-1240م.)، الذي وصَّفَ الصمت بالسبيل الميتافيزيقي الأمثل، لبلوغ الفيض المعرفي. ويُخْتَبَرُ العارفُ في صمته، لتبيان ما إذا كان قلبه ممتلئًا بالله كُليانيًا، فهو الصامت في طريق الله، وهو “الذي يقيم نشأةً مُصمتة الأجزاء لا يتخلّلها حين فارغ مقدر، حينئذٍ يكون صامتًا. وإذا أراد الإنسان أن يختبر نفسه، هل هو ممّن صمت كما ينبغي، فلينظر هل له فعلٌ بالهمّة المجرّدة فيما من شأنه ألا يفعل إلا بالكلام أم لا، فإن أثر وحصل المقصود، فهو صامتٌ حقيقةً مثل ما يريد…”7 ففي فلسفة ابن عربي، يُبعد الصمت الإنسان عن اللغو ويسهّل دخوله حالة الذِكر والتأمّل، وهذا ما يسمّيه بـ “مقام البدلية”.8 وعندما يصمت القلب، ينتفي اتّصاله بالمادة، ليصبح مرآةً ينعكس فيها النور الإلهي. ومن يجمع صمت اللسان إلى صمت القلب، فهو يدخل تجرِبة رُوحية فريدة تمتلئ بالمعاني التي تعجز اللُّغة عن احتوائها.
هذه اللُّغة هي التي ألمح الغزالي (أبو حامد) (1058-1111م.)، أحد أشهر علماء المسلمين في القرن الخامس الهجري، إلى مساوئها بحديثه عن خطر اللسان الذي لا نجاة منه إلا بالصمت، “فلذلك مدح الشرع الصمت وحثَّ عليه”9 ،كما ورد في كتابه “إحياء علوم الدين”. ولأنّ اللسان غالبًا ما يتعثّر، وجب ضبطه ودرء آفاته العشرين التي أفرد لها مساحةً واسعةً في كتابه، وهي: الكلام فيما لا يعني، فضول الكلام، الخوض في الباطل، المِراءُ والجدال، الخصومة، التقعُّر في الكلام، الفُحش وبذاءة اللسان، اللعن، المزاح، الاستهزاء، إفشاء السرّ، الوعد الكاذب، الكذب في القول واليمين، الغيبة، النميمة، كلام ذي اللسانَيْن، المدح، الغفلة، السؤال عن صفات الله، الغناء والشعر.10
ومن منطلق تجنّب هذه المهالك المقرونة بالسوء والغضب كما رأى، يرتسم الصمت خُطوة أساسيةً، لتنقية القلب وإدراكه نقطة التسامي الرُوحاني. حتى أنّ هذا الصمت ينبغي أن يسود حينما يتعلّق الأمر بالقضايا الماورائية، تاركًا القيادة للوحي وللنصوص الدينية.
وعلى النحو ذاته، أشار الشاعر والمتصوّف الكبير جلال الدين الرومي (1207-1273م.) إلى وجوب الإنصات إلى أسرار الرُوح بعيدًا عن ضجيج اللسان والعقل والرغبات. وكان للصمت في مؤلَّفيه: “المثنوي” و “الديوان الكبير” بعدٌ فلسفيٌّ شديد العمق، ففي حضرة الصمت تتجلّى البلاغة، ويبلغ الإنسان مستوى من الوعي يفقد فيه كلّ هُوياته الدنيوية. فمتى يكون للقلب مئة لسان؟ حين تصمت الشفاه! هذا هو فنّ الصمت الداخلي الذي يعكس الاتصال المباشر بالخالق.
وهذا ما حدا بالفيلسوف الفرنسي باسكال Blaise Pascal (1623-1662) إلى إطلاق عبارته المؤثّرة: “يُرعبني الصمت الأبدي لهذه الفضاءات اللا متناهية.”11 والمهمّ فيما قاله، ليس ذاك الخوف الفطري الذي يستثيره صمت الكون فحسب، بل في أنّ هذا الخوف عينه يُمَثِّلُ خُطوة أساسيةً في اتّجاه صقل الإيمان واختيار طريق القلب، حين يكون الدور الأبرز للصمت الداخلي الذي يمكّن الذات، عبر التأمّل، من سماع صوت الله.
صوت الله؟ نعم! هذا ما تكامل حقيقةً مع مفهوم “الصلاة الطبيعية” الذي أطلقه الفيلسوف الفرنسي مالبرانش Nicolas Malebranche )1638-1715)، فتصمت الحواس وتكنّ المشاعر في سبيل وعي المبدأ الأوحد، الفاعل والعاقل، الكامل الوجود، العقل الكلّي الذي فيه نحيا ونتحرّك، وذلك ضمن إطارٍ يجمع “الايمان والعقل، الدين والميتافيزيقا.”12
أما في حياة الفيلسوف والكاتب الفرنسي روسو Jean-Jacques Rousseau (1712-1778) وفي فكره وأعماله، فكان الصمت بمنزلة استراتيجيةٍ للبقاء في مواجهة ضجيج العالم وظلم البشر. فبعد تَيَتُّمِهِ في سنٍّ مبكرة13 ، مرّ بلحظاتٍ حياتيةٍ فارقة كان لها كبيرُ الأثر على علاقته باللغة وبالمجتمع، فأتقن وسيلتيّ الصمت وإخفاء المشاعر، ونمّى في عالمه الانطوائي الذي صنعه بنفسه رهافةً استثنائيةً كوَّنَت هُويّته المستقبلية، ليكون كاتبًا وفيلسوفًا.14 وقد أدان اللُّغة الموشومة بالترف والوهم في كتابه “مقال في العلوم والفنون” (Discours sur les sciences et les arts ) الصادر العام 1750، عندما توجّه إلى الفضيلة، التي وصفها بالعلم المتسامي للنفوس البسيطة، بالأسئلة الآتية: “هل يتطلّب التعرّف إليكِ كلّ هذا الجُهد؟ أليست مبادئكِ محفورةً في كلّ قلب؟ ألا يكفي تعلّم قوانينكِ للدخول إلى الذات والاستماع إلى صوت الضمير في ظلّ صمت الأهواء؟“15
وترافقت انتفاضته التساؤلية هذه مع هروبه من الضغوط المجتمعية نحو الطبيعة بسلامها وهدوئها، فكان له مؤلَّفه: “أحلام اليقظة للمتجوّل وحيدًا” (Les Rêveries du promeneur solitaire )، الذي رأى فيه أنّ الوجود في تغيّرٍ مستمر، وأن لا شيء يبقى على حاله، ومن ثمَّ فمشاعرنا المتشبّثة بالأشياء والمظاهر “إنما تتبدّل وتتلاشى معها.”16 ويكون الدور الأساسي هنا للتحرّر الحقيقي للذات من خلال الصمت الكامن الذي يُسكت الهمس المَرَضي للأهواء المدمِّرة… وكأنه الصمت الفيثاغوري عينه الذي يرمز إلى المصالحة التامة مع الذات ومع الكون.
“ها أنا، كما قال، وحيدًا على هذه الأرض، لا أخ لي ولا جار، لا صديق، ولا رفقة إلا نفسي… وأنا ماذا أكون؟ هذا ما تبقّى لي لأبحث عنه.”17
نستنتج مما تقدّم أنّ الصمت الداخلي يتكامل مع الصمت الصوفي في تجرِبة عديد من الفلاسفة والمفكّرين. والصمت الصوفي هو بمنزلة تجرِبة رُوحية عميقة تتلاشى فيها اللُّغة ويخفت الفكر العقلاني، ليُفتح الباب واسعًا أمام التواصل المباشر مع الله. ويستوجب هذا الاختبار الباطني المرور بعدّة مفاهيم رئيسة:
- الأبوفاتيكية (L’apophatisme) أو النهج السلبي: فلأنّ الله يتجاوز كلّ وصفٍ بشري، يصبح الصمت الوسيلة الوحيدة للتعبير عمّا لا يوصف. فالله يحتلّ مرتبةً فوق الخير والحكمة والمحبة، وإن كانت هذه أسمى الصفات الالهية.18
- الهيسيخازم (L’Hésychasme): والكلمة مشتقّة من اليونانية Hesychia وتحمل معنى الهدوء والسكون، وهي تعني ممارسة صلاة صامتة تستهدف بلوغ السكينة. ويقول الراهب السوري كليماكوس (Jean Climaque) (نحو 579- نحو 649) في هذا المجال: “اِجلس في مكانٍ مرتفع وراقب نفسك، إن كنتَ تعرف كيف، سترى حينئذٍ كيف يدخل اللصوص ليسرقوا عناقيد عنبك، ومتى يفعلون ذلك، ومن أين يأتون، وكم يبلغ عددهم، وما هي طينتهم. وعندما يتعب الحارس، يقوم ليصلّي، ثم يجلس مرّةً أخرى ويستأنف بشجاعةٍ مُهمّته الأولى.”19 وتبرز في هذا النص أهمية الزهد الرُوحي واليقظة الدائمة فيما يتعلّق بالأفكار السيّئة التي تفتكُ بعقولنا، والتي سمّاها الكاتب “اللصوص”، وهو الذي كان يصف الرحلة الرُوحية بأنها صعودٌ نحو الله عبر ثلاثين درجة.
- تجاوز الأنا (Le dépassement de l’égo): ويرمي إلى صدّ الاضطراب الداخلي والتحرّر من أوهام الظاهر. فالذات الأنانية، حسب الصوفيين، هي حجابٌ يفصل بين الفرد والحقيقة المطلقة، ومن ثمَّ يكون تجاوزَ الأنا “قتلًا رمزيًا” لهذه الذات التي يكتنفها الوهم، وذلك في سبيل الولادة مجدّدًا تحت ظلال بُعْدٍ رُوحيٍّ أكثر تساميًا. وكان للفيلسوف واللاهوتي الإسباني الكتالوني لول Raymond Lulle (نحو 1232-1315) محاولاته الفلسفية المثمرة في هذا المجال، وهو الذي استخدم تعابير رُوحانية عربية مثل “الوجود المطلق”20 في بعض أعماله، إذ إنه “لم يكنْ يُجيد التحدّث والكتابة باللغة العربية فحسب، بل كان يمتلك كذلك معرفةً واسعةً بالدين الاسلامي والفلسفة الإسلامية… وكان يُراعي في منهجه الجدلي ودفاعه عن المسيحية، ذهنية المسلمين ودور العقل عند علماء الدين الإسلامي.”21 ولقّبه بعض المستشرقين المعاصرين “بالصوفيّ المتنصّر”22 .
- العمق الباطني (L’intériorité): وهو بعدٌ من أبعاد الوعي الإنساني إذ يغوص الفرد في حالةٍ خاصة من التأمّل. ويتّضح لنا هذا المفهوم بخاصة في المنهج القائم على التأمّل في فكر الفيلسوف والكاتب القديس أغوسطينوس Saint Augustin (354-430) الذي عدَّ العالم الخارجي قائمًا على ركائز واهية من الأوهام ومن التعلّق بالمادة، فدعا الإنسان إلى ولوج العمق الباطني بوصفه ضرورةً أنطولوجية ورُوحية. وأطلق في كتابه “الاعترافات” (Les Confessions) عبارته الفلسفية العابقة بالارتداد نحو الايمان، متوجّهًا فيها إلى الله بالقول: “كُنْتَ داخلي، وكنتُ أنا خارج ذاتي.”23 وحذّر من الوقوع في براثن الفراغ، وحثَّ على الانعطاف بقوة الصمت وبكلمة القلب نحو التواصل مع الله.
ولا بُدَّ لنا من أن نذكر، في إطار الصمت الداخلي والرُوحاني، الكاهن واللاهوتي الكاثوليكي السويسري زونديل Maurice Zundel (1897-1975) الملقّب بـ “العبقري الصوفي”، الذي قال فيه المفكّر اللبناني رينه حبشي (1915-2003) بأنه “يقع على مفترق طرق اللاهوت البروتستانتي والكاثوليكي، والفلسفة الوجودية والشخصانية.”24
يجب، في رأي زونديل، أن نتجاوز الكلمات. فليس المهمّ ما نقوله، بل ما لا نقوله… ومن لا يُصغي إلى الله، لن يدرك مشيئته ولن يتمكّن من التواصل معه. وفي كتابه “الاصغاء إلى الصمت” (A l’écoute du silence)، أكّد أنّ “السؤال الحقيقي ليس: هل سنعيش بعد الموت، وإنّما: هل سنكون أحياء بعد الموت؟”25 وما الذي يهبنا هذه الحياة التي ينبغي أن نستحقّها؟ هو “الله المحبة”26 . وكي نكون جديرين بمحبّته، علينا “أن نُسائل ذواتنا”27 وأن نلوذَ بالصمت الذي “يُكوّن إنسانيّتنا، ويخلق حريتنا.”28 وقد رأى في الصمت الداخلي، والتجرّد من الذات، والتواضع، والفقر، والشفافية الخالصة تجاه الآخر… مفاهيم مترادفة “يجسّدها يسوع المسيح.”29
ونستحضر في السياق عينه، كتاب الباحث والطبيب النفسي الفرنسي فيني30 Jacques Vigne (1954- ) “غموض الصمت” (La Mystique du silence )، وفيه استلهم من خلواته ومن اطّلاعه عن كثب على التقاليد المتجذّرة من البوذية إلى الكابالا والأورفية… مصدرًا قيّمًا للتبصّر في معنى الصمت. فهو يعتقد أنه فيما “يتمتّع الإنسان العادي أحيانًا بوقتِ فراغ، فإنّ الإنسان الصامت يصبح شيئًا فشيئًا أكثر تحرّرًا من مفهوم الزمن. وهذا ما حداه إلى أن يُهدي كتابه “إلى الصمت الذي يستحقّ أن يُسمع والذي، مَن يدري، قد يكون كذلك يستمع إلينا.”31 واستشهد في الكتاب ذاته بقولٍ للمعلّم الرُوحاني الهندي ماهارشي Ramana Maharshi (1879- 1950) إذ شبَّهَ الأديان “بالأنهار التي تلتقي في محيط الصمت.”32
ويصف فيني قيمة العزلة، ففيها نمتلك الوقت لنكون على طبيعتنا، كما تُتاح لنا الفرصة لنفطن جوهر الطبيعة، وجوهر الصمت الذي يستظلّ بها. “فكلّ الأصوات الصغيرة المعتادة، مثل: تغريد الطيور، وحفيف الرياح في الشجر… إنّما تُضفي همسًا خافتًا لصمتٍ أكثر عمقًا.”33 وينغمس الإنسان الذي يحيا الوَحْدة “داخل هذا الصمت، فيهتزّ صمته الداخلي بتناغمٍ مع الصمت الخارجي.”34
ثالثًا: الصمت الفينومينولوجي والأنطولوجي
الصمت في الفينومينولوجيا، هو المساحة التي تشهد على تجلّي الوعي عند الفرد الذي ينفض عنه كلّ أثرٍ للأحكام المسبقة، ليلج عالم الاصغاء والتجرِبة النقيّة المباشرة، تمامًا كما عند الفيلسوف الألماني هوسرل Edmond Husserl (1859- 1938) الذي حلّل ما سمّاه بـ “الصمت الإدراكي” المرتبط بالقصدية (L’intentionnalité) وهي ركنٌ أساس في فلسفته الفينومينولوجية. فعندما ندرك شجرةً على سبيل المثال، لا يظهر من تلك الشجرة سوى وجهٍ واحدٍ في كلّ مرّة، أمّا الأوجه الأخرى فهي “وعيٌ مشترك” وتكمن في توقّعٍ صامت، وكلّ تَظْهيرٍ للأشياء يحدث ضمن أفقِ الضمني والكامن.
إذًا يظهر الصمت عنده مع مفهوم “الإيبوخية” أو “تعليق الحُكْم” المتمثّل في التحرّر التام “من قيد العطاء المسبق للعالم.”35 فيكون الصمت داخليًا منضبطًا يُهيّئ الفرد للحدس الخالص والوصف الدقيق لما يدركه، ولا يكون بتاتًا فراغًا من المعنى، بل نمطٌ إيجابي للمُضيّ في تكوّن هذا المعنى نفسه.
وإذ أظهر هوسرل ميلًا واضحًا لاستكشاف مناطق التجرِبة الصامتة، حيث “تكون الأنا فاعلةً وشاهدةً على نشأة العالم وتكوينه”36 ، فقد انبرى الفيلسوف الألماني هايدغر Martin Heidegger (1889-1976) إلى عدِّ الصمت حالةً من الاصغاء إلى الوجود، نسمح فيها للأشياء أن تكشف عن نفسها كما هي، ما يحوّله إلى اختبارٍ مُنقذٍ للفرد. وكي يتمكّن الوجود من صنع الصمت، لا بُدَّ من أن يكون عنده ما يقوله، وأن يتسلّح بإرادةٍ صلبةٍ وحقيقية. “عند ذاك فقط يتجلّى الصمت ويكسر “الثرثرة””37 ، ذاك الضرب من الحديث الذي لا يوصل إلى شيء ولا يكشف عن شيء، لا سيّما لو كان زائفًا. وإذا كان الكلام هو “موطن الكائن ونغمة الامتلاك”38 في حياته، فالإصغاء يبقى “مُقيّدًا بشعورٍ بالانتماء يربطه بصدى الصمت”39 ، ويدفع بالإنسان للاقتراب من “جوهر الوجود”، وهو الباحث أبدًا عن لغز الكينونة وعن ذاته التائهة في عالم الكثرة اللا متناهي.
من جهةٍ أخرى، وانطلاقًا من العلاقة التكاملية الوثيقة بين علم الظاهر وعلم الوجود، ندخل حيّز الصمت الأنطولوجي. فضمن مجموعة محاضراتٍ وملاحظاتٍ، صدر كتابٌ غير مكتمل للفيلسوف الفرنسي مرلو بونتي Maurice Merleau-Ponty (1908-1961) تحت عُنوان: “الطبيعة أو عالم الصمت” (La nature ou le monde du silence )، استكشف فيه أنطولوجيا الطبيعة مُتصوّرًا إيّاها جسدًا حيًّا ينتمي إليه جسد الإنسان، وواصفًا كيف يتحدّث إلينا العالم دون كلمات، فيكون الصمتُ الأصلَ الذي ينبثق منه كلّ تعبير.
من هذا المنطلق، نجد أنّ مفهوم الصمت كان محوريًا في فلسفته، كما كان عنصرًا أساسًا، ليس في توصيفاته للإدراك والتعبير فحسب، بل كذلك بوصفه وسيلةً للتفكّر الفلسفي في الوجود. فكانت “الفلسفة الصامتة” عنده تستقصي معالم هذا الوجود ومكامنه. وعلى اللُّغة ألّا تنفصل عن العالم الصامت، إذ “هو الصمت الذي يُعطي اللُّغة وجودًا”40 وهي الفلسفة التي “تجمع كلا الصمت والكلام”41 ، وهو هذا المزيج الذي يُدهش الفيلسوف ويحفّزه على الاستبصار والتساؤل وإتقان فنّ التعبير عن الصمت.
لكنْ، مع تحديده مُهمة الفلسفة بأنها غوصٌ “في صمت الوعي الأصلي”42 ، نتساءل: هل التزم مرلو بونتي بهذا المسار، أم أنه انزلق نحو أرضيةٍ تأمّليةٍ على شيءٍ من الخطورة؟ في الواقع، لا بُدَّ من التأكيد بأنّ الفينومينولوجيا زوّدته بمنهجٍ للتساؤل عن “الحالة الناشئة للمعنى”، وذلك بإقرارها بأنّ المعنى والصمت ليسا مصطلَحَيْن متناقضَيْن، وأنّ التجرِبة الصامتة تنطوي على معنى… وإن لم يكنْ هذا المعنى موضوعيًا بعد، فيمكن الوصول إليه من خلال عمليةٍ تعبيريةٍ للوعي بذاته، فيتمّ الانتقال المثمر من الصمت إلى الكلام.
وفي مقالةٍ له نُشرت العام 1952 تحت عنوان “اللُّغة غير المباشرة وأصوات الصمت” (Le langage indirect et les voix du silence )، عَدَّ مرلو بونتي أنّ الرسم يتحدّث بطريقته الخاصة، وحدّد له ثلاث خصائص رئيسة: الصمت ما قبل التأمّلي للإدراك، واللُّغة غير المباشرة للتعبير الإبداعي، والصمت العميق للوجود.43
وفي الإطار عينه، كان للفيلسوف والطبيب السويسري بيكار Max Picard (1888- 1965) أفكاره الخاصة بالمسألة. وقد حاول توضيحها في كتابه “عالم الصمت” (Le monde du silence) الذي وضع الفيلسوف الفرنسي مارسيل Gabriel Marcel (1889- 1973) مقدّمته والتي وصف فيها المؤلّف بالمتعطّش للصدقية وللأصالة. وفي الكتاب، عَدَّ بيكار أنّ “اللُّغةَ يتيمةٌ بانقطاعها عن الصمت”44 ، وأنّ تشتّت هذه اللُّغة وتفريغها من محتواها هما نتيجة هذا الانقطاع، وكأنها تُعاند يائسةً ارتباطها بالصمت، وهو الارتباط الذي يهبها قوة تجديد ذاتها والحفاظ على جوهرها ودورها. ففي كلّ كلمةٍ منطوقةٍ، ثمّة شيء يبقى صامتًا، والعلاقة بين الكلام والصمت جوهرية، وفي تكامل المفهومَيْن تتبلور حقيقة الوجود وحقيقة “الآخر”. هذا هو عالم الصمت: حالةٌ تحملُ بُعْدًا أنطولوجيًا تتضمّنه الكلمات، “في ظلّ ضجيج عالم اليوم”45 ، وهو يفتح الذات على الرغبة في التسامي لُغة وتعبيرًا ليدرك الإنسان الحقيقة ويلاقي جمالية الأشياء.
واستكمالًا “لعالم الصمت”، أطلق الفيلسوف وعالِم الاجتماع الألماني روزا (Hartmut Rosa) (1965- ) نظرية الصدى (La théorie de la resonance) إذ اقترح بديلًا عن منطق التملّك والغلبة المسيطر في المجتمع، صدى مُتجسّدًا في القدرة على بِناء علاقةٍ نابضةٍ، حوارية وتحويلية وديناميكية، بين الإنسان والعالم. فمن التواصل الادراكي الصامت مع الآخر، تنشأ استجابةٌ فاعلة، فيها كلّ ما يلمسنا ويحرّكنا ويدفعنا للانتقال من سكون الصمت إلى الكلام، إنّما ينقل قوةَ حقيقةٍ تهزّ أعماق كِياننا، وتكون وراء استطاعتنا “إحداث شيءٍ ما في العالم”46 ، هذا العالم الذي لم يَعُدْ يُصغي إلينا، ولم نَعُدْ قادرين على التحدّث إليه، تحت سيف الحداثة المسكونة بقلق الاغتراب.
وقد سلّط روزا الضوء هنا على كون “التسارع الاجتماعي في شكله الحالي الشمولي يؤدّي إلى أشكالٍ حادّة… من الاغتراب المجتمعي، التي يُمكن عدَّها العقبة الرئيسة أمام بلوغ “حياةٍ سليمة” في المجتمع الحديث.”47 وللتحرّر من هذا الاغتراب، علينا أن ننفتح على العالم وأن نستقبل مكوّناته بعيدًا من المواقف السلبية المكتفية بالتلقّي، ومن ثمَّ تكون علاقتنا بشخصٍ أو بفكرةٍ أو بشيءٍ مادّي مؤثّرة وتفاعلية… فنبتعد بذلك عن مسبّبات هذه الحالة الاغترابية التي قد تكون مُتأتّية من علاقةٍ انغلاقية، أو من أخرى انفتاحية فوضوية، أو من غيابٍ للشعور بالكفاية الشخصية.
وتقترن نعمة الإصغاء بالصمت لتجعل منه مجالًا لحوارٍ حقيقيٍّ مع المحيط. لكنّ روزا حذّر، في الوقت عينه، من مخاطر “الصمت المفروض” الذي يتحوّل إلى صمتٍ دفاعيٍّ يؤدّي إلى الانكفاء وإلى الانهاك النفسي نتيجة العزلة، وهو ما يتناقض تمامًا مع الانفتاح الذي يتيحه الصمت المتّصل بالصدى.
ثالثًا: الصمت الإتيقي والميتافيزيقي.. حتى البُعد النفسي
تهدف الإتيقا إلى توجيه السلوك البشري نحو الصواب والخير، وهي تتقاطع مع الميتافيزيقا الساعية إلى الكشف جوهريًا عمّا هو كائن. وفي هذين الركنَيْن الأساسيّيْن للفلسفة وجودٌ فاعلٌ للصمت الفلسفي والنفسي.
ففي أعمال الفيلسوف النمساوي البريطاني فيتغنشتاين Ludwig Wittgenstein (1889-1951)، وتحديدًا في كتابه “رسالة منطقية – فلسفية” (Tractacus logico-philosophicus)، أتى الصمت نتيجةً مباشرة لنظريته في اللُّغة القادرة، في رأيه، على وصف الأشياء والأحداث والعاجزة عن مقاربة كلّ ما يتعلّق بالقيم الإتيقية والجمالية. ويتلخّص المعنى الكامل لكتابه في عبارته الآتية: “كلّ ما يمكن قوله، يمكن أن نقوله بوضوح. أما في شأن ما لا يمكن قوله، فينبغي التزام الصمت”48 ، وهي عبارةٌ حملت نوعًا من التحذير الفلسفي، ذلك أنّ للغة الوصفية حدودًا منطقيةً واضحة، وكلّ محاولة لوضع نظرياتٍ حول “المطلق” هي واهية. ويكون القبول بالصمت حينئذٍ إدراكًا لوجود بُعدٍ متعالٍ قد تشوّهه الكلمات أو تُفقده معناه، إذا ما حاولت حصره ضمن مفاهيم عقلانية. “إنّ اللُّغة تُخفي الفكر.. والأعراف الضمنية اللازمة لِفَهْم اللُّغة العامة في غاية التعقيد.”49 إضافةً إلى أنّ المجال الميتافيزيقي يتخطّى قدرتها، وفي هذا قال فيتغنشتاين: “أين يُمكن، في هذا العالم، إدراك موضوعٍ ميتافيزيقي؟ أنتَ تُجيب بأنه يُشبه العَيْن والمجال البصري. لكنّ العَيْن في الواقع لا تراه، ولا شيء في المجال البصري يسمح لنا بالاستنتاج أنه يُرى بالعَيْن.”50
إنّ الصمت إذًا، في فلسفته، ليس فراغًا أو استسلامًا للفكر، وإنّما هو شرطٌ أساسيٌّ للتجربة الأخلاقية والرُوحية التي يختبرها كلّ إنسان، وهو المستوى الذي يشهد على اصطدام الفلسفة بحدودها الخاصة.
من جهةٍ أخرى، وفي ندوةٍ له تحت عنوان: “مشكلات جوهرية في التحليل النفسي” (Problèmes cruciaux pour la psychanalyse)، خصّص الطبيب والمحلّل النفسي الفرنسي لاكان Jacques Lacan (1901-1981)، والمتأثّر في فلسفته بكلّ من: أفلاطون وهيجل وهايدغر، جِلسةً لبحث قيمة الصمت في اللُّغة. وكان متيقّنًا من أنّ صمت المحلّل عنصرٌ أساسيٌّ من عناصر أخلاقيات التحليل النفسي، يضمن حياده وتجنّب إسقاط مُثُله الخاصة على مريضه. المحلّل يصمت ويُصغي لما لم يُقل، ما يساعد المريض على ولوج حيّز اللا وعي، حيث تكمن حقيقته. إنها اللحظة الذاتية التي سمّاها لاكان حالة “اللا-كِيان” (Le désêtre).
وكما كان لاكان يعتقد بأنّ “الفرد يَتَكَوَّنُ في بحثه عن الحقيقة،”51 فقد كرّر تلميذه والوصيّ على تراثه ومحرّر ندواته المحلّل النفسي الفرنسي ميلر Jacques-Alain Miller (1944- ) فكرة أستاذه معتبرًا أنّ صمت المحلّل يُتيح للمريض الاقتراب قدْر المستطاع من ذلك الجانب الكامن في أعماق ذاته والمستعصي على النطق، وهو ما سمّاه “استئصالًا، ليس للكلام فحسب، بل كذلك للنَفَس وللصوت المنطلق.”52
أمّا المريض، فلصمته مسبّبات أخرى تتعلّق بحالته النفسية الغارقة، في غالبية الأحيان، في دوّامةٍ من القلق الشديد الناتج عن اعتلالٍ في العلاقات الاجتماعية أو تخوّفٍ ضاغطٍ من أحكام الآخرين، أو اكتئابٍ، أو فُصامٍ… وصولًا إلى الارتياب (La paranoïa). إنه صمت الخجل المترافق مع اضطراباتٍ نفسيةٍ وانسحابٍ توحّدي من بيئته المجتمعية. فهو يخشى ارتكابَ هَفْوَةٍ قد تُثير السخرية، ويتدنّى تقديره لذاته، فيلجأ دماغه إلى الصمت، ليكون آليةٍ دفاعيةٍ لا إرادية في وجه توقّعاته السلبية، لا بل العدائية، من الآخرين.
وإذ يميل إلى محاولة إخفاء تفكيره المضطرب وكذلك هلوساته الذهانية وما يرافقها من أعراضٍ بسيكوماتية، فقد يدخل في حالة الأليكسيثميا (L’alexithymie )، أي العجز عن التعبير عن المشاعر، ما يؤدّي إلى صمتٍ انطوائيٍّ اختياري. وفي بعض الأحيان، يستخدم المريض الصمت وسيلةً لإبلاغ رسالةٍ للطبيب النفسي حول مشاعره، وهو يفتقد القدرة على التعبير السليم عنها… فتتباطأ وتيرة تواصله إلى أن تنتفي أحيانًا، وكأنه يريد بِصَمته أن يُعيد بِناء الغلاف النفسي لذاته التي تآكلت هُويّتها. ويغدو قرارُ الصمت عندئذٍ، في سياق العملية العلاجية، أداةً للتنظيم الانفعالي الذي يتمنّاه المريض أن يكون متبادَلًا، ليُتيح له مساحةً آمنةً للانكفاء، مع الحفاظ، في الوقت عينه، على رابطةِ تواصلٍ مع المعالج. ويكون الصمت، في هذه الحالة العلائقية التبادلية العميقة بين الطبيب والمريض، فعلًا إبداعيًا يُهيّئ لخلقِ إطارٍ ذهنيّ تَتَكَوَّنُ فيه الفرصة لإظهار مكنونات اللا وعي.
صحيحٌ أنّ الصمت في التحليل النفسي ظاهرةٌ متعدّدة الأبعاد، وعلى قدْرٍ معيّنٍ من التعقيد، إلا أنها جوهرية لمتطلّبات العملية العلاجية.
ولا بُدَّ من الإشارة أخيرًا إلى المؤرّخ الفرنسي كوربان Alain Corbin (1936- ) الذي أخذنا عبر كتابه “تاريخ الصمت: من عصر النهضة إلى أيامنا هذه” (Histoire du silence: de la Renaissance à nos jours) في رحلةٍ موسوعيةٍ استكشافية، وجّهتها قراءاته لأعمال الأدباء والشعراء والفلاسفة، فعرض لأشكال الصمت المتنوّعة التي يتردّد صداها في ثنايا هذا التاريخ. فللصمت لُغة: هو يَهْمِسُ أو يُهدّد، يحمل العدائية في صخبه، أو السكينة في طابعه اللا متناهي. هو الشرط المسبق للتأمّل في الميتافيزيقا والإنصات إلى “الأنا”. “قد يكون خانقًا ومدمّرًا، غير أنّ من أعماقه ينبثق عناق الحبّ الصامت.”53
كلّ ما ورد ذكره يؤكّد اتّصال الصمت بإتيقا الحياة، وبميتافيزيقا ما بعد الحياة، وبالمنهج المتّبع غالبًا لدراسة المشكلات النفسية للمريض الرازح تحت ثقل هذه الحياة!
رابعًا: الصمت السياسي أو الاستراتيجي
يُعَدُّ الصمت السياسي أو الاستراتيجي، في إطار التوصيفات الفلسفية، حالةً فكريةً جديرةً بالبحث في مكامنها ودوافعها وانعكاساتها. فهو، في غالبية الأحيان، أداة قوة ووسيلة للدفاع والمواجهة والسيطرة بإتقان السكوت التعبيري.
وقد رسّخ الفيلسوف والمفكّر السياسي الإيطالي مكيافيلي Nicolas Machiavel (1469- 1527) في كتابه “الأمير” (Le Prince) هذا النوع من الصمت، ليكون قاعدةً أساسيةً للحكم الناجح. فعلى القائد أن يعرف الطريقة المُثلى لإخفاء نواياه بهدف الوصول إلى مآربه، فيلتزم الصمت، ويبرع في التحسّب والمراقبة ويتظاهر باللا مبالاة ضمن استراتيجيةٍ براغماتية تمنع خصومه من توقُّع وجهة أفكاره وتحرّكاته، ويحافظ تاليًا على هالةٍ من الغموض الضروري لاستمرار سلطته.
إلى ذلك، كان مكيافيلي على قناعةٍ “بشرعية جميع الوسائل الهادفة إلى تحقيق غاية المصلحة العامة وضمان إنقاذ الدولة،”54 وكيفية التعامل مع “المؤامرات التي تُمَثِّلُ الخطورة الأكبر على الأمراء.”55 وكان الصمت السياسي، وإن كان مفروضًا بالقوة، من أبرز تلك الوسائل الواجب اعتمادها.
وتناول الفيلسوف الإنكليزي هوبز Thomas Hobbes (1588- 1679) مسألة إسكات المواطن، طوعًا أو قسرًا، فتعمد السلطة إلى فرض الصمت على رعاياها، ويطغى صوتها على أصواتهم. وبعد أن تكون أكثرية الشعب قد أعلنت اختيارها الحاكم، “على كلّ من يعترض أن يمتثل، وإلاّ عُدَّ مُخطئًا.”56 وهنا تكون كلمة الحاكم وَحْدها كفيلةً بفرض الصمت على الجميع، ذاك الصمت الذي وصفه هوبز بالمثمر والمؤدّي إلى الأمن والسلام كونه يستمدّ قوّته من العقد الاجتماعي. إشارة إلى أنّ سكوت الفرد يُمَثِّلُ حدثًا حاسمًا للسلطة السياسية، وهو لا يُمَثِّلُ تراجعًا، بل تقدّمًا بإضفائه الشرعية على النظام. ومع ذلك، تبقى العلاقة برأس هذا النظام متأرجحةً داخل ثنائية الخوف والتراضي، وغير مجديةٍ محاولات تجاوزها.
متأثّرًا بهوبز، نظر الفيلسوف والكاتب الألماني شوبنهاور Arhtur Schopenhauer (1788- 1860) إلى الدولة على أنها شرٌّ لا بُدَّ منه، فهي ترمي إلى إرساء النظام والقانون وحتى السلام حسب تصوّرها هذه المفاهيم، وكأنها آلية تنظيمية مصمّمة، لكبح الأنانية المتأصّلة في الذات الإنسانية، تلك الذات التي تغدو أكثر قدرةً على الرؤية النقدية للأمور عندما تعتكف بالصمت عن استهلاك الكلام في السياسة.
وفي كتابه “العالم إرادةً وتمثّلًا” (Le monde comme volonté et comme représentation)، دعا الفرد إلى اختيار سُبُل الفنّ والتأمّل والموسيقى، ليكون حكيمًا في مواجهة العبثية التي تفرضها الصراعات السياسية العالمية. وهنا تلاقى بفكره مع الرواقيين عندما نصح باللجوء إلى فلسفتهم الأخلاقية قائلًا في ذلك: “تُعَدُّ الأخلاق الرواقية محاولةً قيّمة وجديرة بالاحترام لجعل العقل، تلك النعمة الإنسانية بامتياز، يُستخدم بطريقةٍ مفيدةٍ ونبيلة، بمعنى أن يُسهم في الارتقاء بالإنسان فوق الشرور والأحزان.”57
وها هو الفيلسوف وعالِم الاجتماع الألماني زيميل Georg Simmel (1858- 1918) يطرح في كتابه “متروبوليس الحياة النفسية” (La Métropole et la vie mentale)، الصادر العام 1903، مسألة تكيّف الفرد مع حالة الصخب الحداثوي التي تضجّ بها المدينة الكبرى. فينكفئ الفرد على ذاته، ويغدو مُتلبّد المشاعر ومتحفّظًا، ويتّخذ موقف اللا مبالاة المكتَسَبة، لتكون درعًا نفسيًّا في مواجهة ما يحدث في المدينة اجتماعيًا وسياسيًا. ويتحوّل مفهوم الفرد من “الفرد الكوني أو النمطي العام” إلى شخصيةٍ فريدةٍ تعرف كيف تقاوم “استغلال الآلية التِقْنية – الاجتماعية لها.” 58
وأمّا الفيلسوف الفرنسي سيريس Michel Serres (1930- 2019)، فجمع بين مثالية احترام الحياة الإنسانية ووجوب صمت الأسلحة التي تفتك بالبشر. هكذا نتمكّن في رأيه، من بِناء سرديةٍ جديدةٍ قَيِّمَةٍ خاصة بكلّ الأفراد، وتُعطي الأمل في إنسانيةٍ حقيقيةٍ تنبثق منها معرفةٌ منفصلة من ضوضاء الصراعات على السلطة، ومن التبعات النفسية الخطيرة التي خلّفتها كوارث الحروب في حقّ الإنسان. “وإذا كانت هناك أزمةٌ اليوم، فذلك لأنّ البشر قد تناسوا العالم، هذا المحاور الصامت الذي ينبغي لنا أن نأخذه في الحسبان وأن نتحاور معه”59 بهدف التوصّل إلى الإمساك بزمام الأمور وإلى تحديد مستقبلنا بأنفسنا.
تجدر الاشارة كذلك إلى أنّ ترافق الصمت السياسي مع صمتٍ إستراتيجي، إنّما يخلق دورًا أكثر فاعليةً للمضمون الذي يقدّمه السياسيون، بما يحتويه من قدرةٍ على تجنّب الردود السريعة، وعدم الكشف عن الأوراق بسهولة، والتركيز على استدامة الأفكار التي ينبغي أن تتخمّر في الذهن قبل إطلاقها إلى العَلَن. ولا يأتي الصمت الاستراتيجي مطلقًا بدافع التردّد أو غياب الرؤية الواضحة، بل هو خيارٌ واعٍ يستوجب ممارسةً وتدريبًا لإنجاحه. ويُعدُّ هذا الصمت في السياسة تكتيكًا تواصليًا متعمّدًا للتحكّم في إيقاع الأمور، ما يفترض أن يعطي انطباعًا من النضج والجدّية والصدقية (مع العلم أنّ هذه الصفات الثلاث تغيب للأسف عن غالبية حكّام العالم)… ويستحيل الصمت السياسي/الاستراتيجي إذ ذاك سلطةّ مجدولةً على الرهبة والشجاعة، ورافضةً زجّها في توصيفات الخوف أو اللا مبالاة.
خاتمة
بين الصوت والصمت مساحةٌ للتأمّل! من تلك المساحة شبه القدسية تنبثق تمتمةٌ خافتة لتقول للإنسان:
اِبقَ حيث أنت، زِنْ كلامك قبل التلفُّظَ به، وقدِّر هِبَةَ الصمت التي مُنحت لتكون لك ملاذًا اختياريًا واختباريًا للقوة والثقة…
اِستمع إلى صمت الطبيعة فتدرك الجمال، واصغِ إلى صمت العقل فتلمس الحكمة، وتماهَ مع صمت القلب فتعيش ترنيمة المشاعر الفائضة حزنًا وفرحًا…
اَغمِض عينَيْك ليقودك صمتك في رحلةٍ ثلاثية الأبعاد الزمانية، فيلتقي الماضي والحاضر والآتي في وَحْدة نابضةٍ “بالحياة” ومنفتحةٍ دون خوفٍ على “ما يختبئ خلف هذه الحياة” بكلّ ما يظلّله هذا “الاختباء” من غموضٍ ما ورائيٍّ جاذبٍ وساحر…
وإذا أردتَ في صمتك أن تبحث عن معاني الكينونة، حتى ولو لم تفقَه سرّها المكنون على حدّ ما عدَّ هايدغر، فاكتشف ذاتك أولًا واستدركها، فتنقشع أمامك الرؤية، وتتبدّل نظرتك لكلّ ما يختلج في ذهنك من شكوكٍ تبحث عن يقينياتٍ ما تزال في طور التكوّن النفسي والعقلي والمعرفي والمفاهيمي…
صحيحٌ أنّ العلاقة بين الصمت ومعرفة الذات علاقةٌ إشكالية، لكن اِمضِ في طريق استكشاف هذه العلاقة وعِشها بسكون، لا خوفًا من الكلام ولا تعثّرًا في التعبير، بل قناعةً منك بأنّ الحقيقة تحتاج مَنْ يستحضرها ليملأ وجوده من نُبلِ جوهرها…
على كلّ إنسانٍ أن يُدرك أنّ في مقابل المحرّك الظاهر الذي يُترجَم على الشفاه وعلى الورق، هناك محرّكٌ كامنٌ خفيٌّ هو الصمت الراقي المنعقد على اللوغوس، والمنفتح على مساحاتٍ لا متناهيةٍ من التفكّر بـ “الأنا” وبـ “الآخر”، وبجدلية المتناقضات المحكومة بالترابط: من الحياة والموت، إلى الحزن والسعادة، إلى الدخول في امتحان المرض بصلابةٍ أو الاستسلام أمام قساوته…
إنه الصمت الفلسفي الذي يرافق الإنسان كظلّه، لكنّ قلّةً مَنْ يعرفون أنه يسكنهم، وأنه سبيلهم للعبور من المحدود إلى المطلق، ومن نَفَقِ التحكّم الدراماتيكي للفراغ في ذواتهم إلى رِحابِ الامتلاء بشجاعة الفكر والموقف، وبفَيْض القيم الإتيقية والانطولوجية خلال رحلتهم الحياتية الموسومة، من بدايتها وحتى “النهاية” بِطَيْف العبثية وغياب اليقين!
______________________________________________
المراجع:
[ 1] – Georg Wilhelm Friedrich Hegel, Leçons sur l’histoire de la philosophie, Tome I, Trad. Gamiron, Vrin, 1971, p.72-73.
[ 2] – Emile Bréhier, Histoire de la philosophie, Tome I, Quadrige/PUF, Paris, 1981, p.50.
[3] –Epictète, Manuel, Trad. Par Jean-Marie Guyau, Librairie Ch.Delagrave, 1875, Cap. XXXIII.
[4]- Marc-Aurèle, Les Pensées, Trad. Par A.-P.Lemercier, Ed.Félix Alcan, Paris, 1910, p.98.
[5] – يمكن العودة هنا إلى كتاب: “الكلام والصمت – تراث الهندوسية” ل شيوير وبوجي. Jacques Scheuer et Colette Poggi, Parole et silence – Patrimoine de l’Inde hindoue, Coll. Les deux océans, Ed. Almora, 2022. ، وفي الكتاب وصفٌ للهند الهندوسية “كمملكةٍ للصمت”، وعرضٌ للعلاقة القائمة بين الكلام والصمت اللذين يغذّيان بعضهما البعض في التواصل بين البشر، ودعوةٌ إلى رحلةٍ من الفيدا إلى الأوبانيشاد، ومن اليوغا إلى التانترا، مرورًا بالبهاغافاد غيتا والبهاكتي، وصولًا إلى شعراء معاصرين مثل طاغور (1861-1941) حيث يتجلّى بعدٌ عميقٌ في صميم اللُّغة، وحيث عنصر الصمت هو ما يهب اللُّغة حياةً وفاعليةً.
[6] – يمكن الاطّلاع، في هذا الاطار، على كتاب “صمت بوذا” (Le silence du Bouddha ) للكاتب الكتالوني الهندوسي أليماني Raimon Panikkar Alemany (1918-2010) الحاصل على شهادات دكتوراه في الفلسفة والكيمياء واللاهوت، والمتخصّص في البوذية. Raimon Alemany, Le silence du Bouddha: une introduction à l’athéisme religieux, Traduit de l’espagnol par Jacqueline Rastoin, Actes Sud, 2006. . ولا يُعَدُّ الكتاب دفاعًا عن البوذية أو المسيحية أو الالحاد، بل سعى المؤلّف من خلاله وبموضوعيةٍ تامّة، إلى إيجاد خيطٍ مشترك يرشدنا عبر هذه التقاليد الحكيمة الثلاثة العظيمة الممتدّة عبر قرون. ويُتيح لنا المدخل إلى البوذية، والذي يُعيد نشر بعض نصوصها الأساسية، التأمّل في الحالة الرُوحية للانسانية المعاصرة.
[7] – ابن عربي، الفتوحات المكّية، طبعة بولاق الثالثة، الجزء الثاني، الباب السادس والتسعون، القاهرة، ص.1 .
[8] – المرجع نفسه.
[9] – أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، المجلّد الثالث، دار صادر، بيروت، ص. 134.
[10] – المرجع نفسه، من ص. 138 وحتى ص. 202.
[11] – Blaise Pascal, Pensées, in L’œuvre, Ed. présentée par Pierre Lyraud et Laurence Plazenet, Paris, 2023, p.1160.
[12] – Nicolas Malebranche, Entretiens sur la métaphysique et sur la religion, Présentation, édition et notes par Marion Le Roux-Michaud et Denis Moreau, Librairie philosophique, J.Vrin, 2017, p.91.
[13] – توفيت والدة روسو، سوزان برنارد، بعد أيامٍ قليلةٍ من ولادته، إثر مضاعفاتٍ صحيةٍ ألمّت بها. وقد ترك هذا الحدث أثرًا عميقًا في حياة الفيلسوف وأعماله، فصرّح في “اعترافاته” (Les confessions) أنّ فقدان والدته كان أولى مصائبه، وأنه كلّفه حياته، واتّجه في كتابه “إميل” (L’Emile) إلى إبراز الأهمية البالغة لدور الأم في النمو العاطفي والأخلاقي للطفل. وقد أثّر هذا الفقدان على كلّ القواعد التربوية التي فصّلها في كتابه، وهو القائل: “نولد ضعفاء، فنحتاج إلى القوة؛ نولد مجرّدين من كلّ شيء، فنحتاج إلى المساعدة؛ نولد حمقى، فنحتاج إلى الحكمة. كلّ ما نفقده عند الولادة ونحتاجه كبالغين، يُمنح لنا من خلال التعليم.” (Jean-Jacques Rousseau, Emile ou De L’Education, Livre I, Edité par Bourlapapey, bibliothèque numérique romande, www. Ebbooks-bnr.com, p.14.)
[14] – كتب روسو في “الاعترافات”: “بعد عامَيْن من الصمت والصبر، أعود لأمسك قلمي من جديد.” (Jean-Jacques Rousseau, Les Confessions, Launette, Tome II, Livre VII, p.2.)
[15] – Jean-Jacques Rousseau, Discours sur les sciences et les arts, (1750), Ed. électronique, Les Echos du Maquis, 2011, p. 27.
[16] – Jean-Jacques Rousseau, Les Rêveries du promeneur solitaire, Ed. du groupe « Ebooks libres et gratuits », p.59.
[17] – Ibid, p.4.
[18] – يمكن الاطّلاع هنا على الكتاب الآتي: Denys l’Aréopagite, Œuvres complètes, Bucuresti, Paideia, 1996.
[19] – Jean Climaque, L’Echelle sainte, degré 27, De l’Hésychia, Trad. Placide Deseille, Abbaye de Bellefontaine, p. 305.
[20] – Raymond Lulle, Opera, Mayence, Ed. Frankfort- sur-le-Main, Minerva, 1962, p.441.
[21] – Ramon Sugranyes De Franch, Raymond Lulle Docteur des missions, Avec un choix de textes traduits et annotés, Nouvelle Revue de Science Missionnaire, Suisse, 1954, p.8.
[22] – Ibidem.
[23] – Saint Augustin, Les Confessions, Livre X, Chapitre XXVII, GF Flammarion, Paris, 1964, p. 230.
[24] – René Habachi, Quatre aspects de Maurice Zundel, Cariscript, 1952.
[25] – Maurice Zundel, A l’écoute du silence, Téqui, Paris, 1979, p. 52.
[26] – Maurice Zundel, Le problème que nous sommes, Fayard, Paris, 2000, p. 209.
[27] – Maurice Zundel, A l’écoute du silence, op-cit, p. 59.
[28] – Ibid, p. 93.
[29] – Maurice Zundel, Je est un autre, D.D.B.B., Paris, 1971, p. 85.
[30] – يُقيم جاك فيني في الهند في شكلٍ أساسي، مع فتراتٍ يقضيها في الأديرة والمعابد في جبال الهملايا بهدف دراسة العلاقات الدقيقة بين الجسد والعقل والرُوح، وهو يسعى إلى أن يوازن، بصفته من أتباع مدرسة فيدانتا الهندوسية، بين تِقْنيات التأمّل التقليدية والطبّ الغربي. وهو مؤلِّف عديد من الكتب في مجال الرُوحانية والطبّ العلاجي، نذكر منها: “التأمّل وعلم النفس”، “الهند الداخلية: جوانب من اليوغا والهندوسية والبوذية”، “الزواج الداخلي بين الشرق والغرب”، “المعلّم والمعالج”، “المشي والتأمّل”، “تصوّف الصمت”، “الرحلة والتأمّل”، شمس الذات”..
[31] – Jacques Vigne, La Mystique du silence, Ed. Albin Michel, spiritualités, ouvrage publié sous la direction de Marc de Smedt, Paris, 2003, p. 9.
[32] – Ibid, p. 13.
[33] – Ibid, p. 14.
[34] – Ibidem.
[35] – إدموند هوسرل، أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجية الترنسندنتالية، ترجمة إسماعيل المصدق، المنظّمة العربية للترجمة، بيروت، 2008، ص. 614.
[36] – Jean-Yves Lacoste, La connaissance silencieuse : Des évidences antéprédicatives à une critique de l’apophase, Laval théologique et philosophique, Volume 58, Numéro 1, Février 2002, p. 141.
[37] – Martin Heidegger, Etre et Temps, Trad. E. Martineau, Authentica, 1985, p. 165.
[38] – Martin Heidegger, Acheminement vers la parole, Taduit de l’allemand par Jean Beaufret, Wolfgang Brokmier, et François Fédier, Coll. Tel, Ed. Gallimard, Paris, 1959, p. 255.
[39] – Ibid, p. 36.
[40] – Maurice Merleau-Ponty, Le visible et l’invisible, Ed. Gallimard, Paris, 2013, p. 165.
[41] – Ibid, p. 167.
[42] – Maurice Merleau-Ponty, Phénoménologie de la perception, Ed. Gallimard, Paris, 2013, p. 22.
[43] – Maurice Merleau-Ponty, Le langage indirect et les voix du silence, dans : Signes, Ed. Gallimard, Paris, 2014, p. 75.
[44] – Max Picard, Le monde du silence, Paris, Baconnière, 2019, p. 47.
[45] – Ibid, p. 28.
[46] – Hartmut Rosa, Rendre le monde indisponible, La découverte, Paris, 2023, p. 51.
[47] – Hartmut Rosa, Aliénation et accélération:Vers une théorie critique de la modernité tardive, Trad. De l’anglais par Thomas Chaumont, Paris, La Découverte, 2014, p. 9.
[48] – Ludwig Wittgenstein, Tractatus logico-philosophicus, Trad. Gilles Gaston Granger, Ed. Gallimard, 1993, p. 112.
[49] – Ibid, p. 50-51.
[50] – Ibid, p. 94.
[51] – Maurice Corvez, Le structuralisme de Jacques Lacan, Revue philosophique de Louvain, 1968, p. 308.
[52] – Jacques-Alain Miller, « La logique et l’oracle »,La cause du désir, Nº 90, 2015, p. 133.
[53] – Marie Pesenti-Irrmann, Alain Corbin, Histoire du silence de la Renaissance à nos jours, Revue : Figures de la psychanalyse, Nº 35, 2018.
[54] – L. Couzinet, “Le Prince” de Machiavel et la théorie de l’absolutisme, Ed. Arthur Rousseau, Paris, 1910, Avant-Propos, XXVII.
[55] – Nicolas Machiavel, Le Prince, Nouvelle traduction, Librairie chez Chasseriau, Paris, 1849, p. 275.
[56] – Thomas Hobbes, Léviathan, Trad. Tricaud, Paris, Sirey, 1971, p. 183.
[57] – Arthur Schopenhauer, Le monde comme volonté et représentation, Traduit en français par J. A. Oantacuzène, Premier volume, Librairie académique Didier, Paris, p. 148.
[58] – Jacky Argaud, Georg Simmel, Philosophie de la modernité, ( Critique de la politique ), Etudes théologiques et religieuses, Paris, Année 1990, p. 292.
[59 ] – Frédéric Lacoste, Compte rendu de « La fin du jeu à deux/ Temps des crises de Michel Serres » , Ed. Le Pommier, p. 52.