تكوين
مع عصر النهضة بدأ الإنسان العربي يتلمَّسُ طريقه إلى الخروج من غياهب القرون الوسطى إلى مشارف الحداثة. من هذه الحقبة التي بدأت معالمها الأولى مع بدايات القرن التاسع عشر، وتبلورت اتجاهاتها وتطلعاتها في أواسطه، وتركّزت حركتها واستقامت مع نهايته، من هذه الحقبة بالذات تتغذّى جذور اليقظة في تاريخنا الحديث وإليها تعود أفكار الوطن والمواطن والقومية والدولة الحديثة والحرية والديمقراطية والعلمانية والمساواة الاجتماعية والتفاعل الحضاري مع الغرب والانفتاح على الآخر.
هذه المرحلة المشرقة والغنية من تاريخنا، يجري الانقلاب عليها الآن بمحاولة طمسها ونسيانها والتنكّر لها، لمبادئها وفكرها ورُوحها، كأنما هي دمل غريب يجب اقتلاعه من تاريخنا وإخفاء أي أثر له يمكن أن يجدّده أو يبعثه من جديد.
أليس هذا ما يمكن تفسيره عن طريق صرخات التعصّب والانغلاق التي يتردد صداها في أنحاء كثيرة من العالم العربي وفي مدنه وساحاته وشوارعه الخلفية؟ أليس هذا ما يجب أن نفهمه من أحكام التكفير وتحريم التفكير وحصار المفكرين؟
في ستينيات القرن التاسع عشر، أطلق بطرس وسليم البستاني وفرنسيس المرّاش، مفهوم الوطنية المنزّهة عن التعصّب المذهبي والطائفية. وأسس بطرس البستاني المدرسة الوطنية عام 1863 في بيروت على أساس وطني يساوي بين الطوائف والمذاهب دون أي تمييز، باعتبار “الوطن” “مركزا” لـ “علّة الضم” بين طلابها. وفي احتفال وضع حجر الأساس للكلية السورية الإنجيلية في بيروت -الجامعة الأميركية- ألقى رئيسها دانيال بلس خطبة قال فيها:
“إن هذه الكلية هي لكل الأحوال ولكل أنواع البشر من دون أي اعتبار للون أو القومية أو الجنس أو الدين. فيمكن لأي رجل أبيض كان أو أسود أو أصفر، مسيحيًا كان أو مسلمًا أو يهوديًا أو وثنيًا أن يدخل الكلية ويتمتع بكل ما يمكن أن تسديه من نفع، ثم يخرج منها مؤمنًا بإله واحد أو غير مؤمن. غير أنه يستحيل على أحد من الناس أن يبقى عندنا طويلًا من دون أن يعلم ما نؤمن أنه حق والأسباب التي تدعونا إلى ذلك الإيمان”.
وبعد أكثر من مئة وستين عامًا على هذه المواقف نعود إلى مدارس “الملّة” و”الطائفة” و “المذهب” باعتبار الطائفة أو المذهب فوق الأمة والوطن. ويُكَفَّرُ نصر حامد أبي زيد، لأنه فكَّرَ وتأمل وآمن بالله خارج الخطوط التي رسمتها “الجماعة” للفكر والتأمل والإيمان بالله. وبعد أن كان فرنسيس المرّاش قد أعلن في “غابة الحق” الصادر عام 1865 أن
“أعظم المقوّمات لصحة السياسة وإقامة الحق هو مجرى شرائعها متساوية على كل أبنائها دون أدنى امتياز بين الأشخاص أو تفريق بين الأحوال”.
يحاصر المجتمع المدني بالكامل فيحاكم كثيرون في أكثر من قُطْرٍ عربي ويحكمون، ليس أمام محاكم تجري شرائعها متساوية على الجميع، بل أمام محاكم المِلل والجماعات التي أعطت إلى نفسها الحق في أن تنهي وتأمر وتتصرف بأرواح الناس على غير ما أمر به الله أو نهى عنه.
وبعد أكثر من قرن ونيف على نداء أديب إسحق كي “نكون جميعا أمة واحدة لا تتعصّب إلا لوطنها” نتشرذم شيعًا وطوائف وجماعات تدّعي كل واحدة منها احتكار الحق والصواب وتكفير الآخرين. وتغدو العصبية “القبلية” فوق العصبية “الوطنية” وينحدر الإنسان العربي مجددًا من “مواطن” في “مجتمع مدني” إلى “عضو” في القبيلة، كأنما “الأمة الواحدة” التي حلم بها إسحاق في أواخر القرن التاسع عشر هي “وهم وخرافة” في القرن الحادي والعشرين.
واستطاع فكر النهضة العربية أن يتعامل مع “الآخر”، الغرب، من مواقع ثابتة على عكس ما هو جارٍ الآن، فلا رفض وتعصب وانغلاق، ولا انجراف وذوبان وتبعية. فقد “كانت إدانة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وفرنسيس المرّاش وعبد الرحمن الكواكبي، لمطامع الغرب وتسلّطه وعدوانه واستئثاره أكثر حدّة مما نسمعه الآن من المتشددين والأصوليين. ولكنّ أحدًا من هؤلاء لم يدعُ إلى مقاطعة الغرب وطرد الغربيين، بل كانوا جميعًا من دعاة العلم والعقلانية، فهاجر أكثرهم إلى الغرب للتعرّف إلى مصادر قوته وتقدّمه واقتباسها، ولم يتأخروا أو يتلكؤوا في الدفاع عن القيم الحضارية العربية والإسلامية، إزاء افتراءات الغربيين وغطرستهم الاستعلائية.
ولنا في حوار الأفغاني مع رينان وفي مقالات المرّاش في “الجنان” وفي قصائده السياسية شواهدُ حيّة على إمكان الحوار والوفاق بين الحضارة العربية والحضارة الغربية. لكن ما يحدث الآن تنكّر لتلك القيم والمبادئ وإخلال بذلك التوافق بطريقة باتت بها العلاقة مع الغرب محكومة بالاختيار بين الرفض أو التبعية، حتى إن طعن السائح الغربي نجد من يبرره، واحتقار التراث العربي نجد من يتبناه ويدافع عنه.
وأثبت فكر النهضة العربية أن الوفاق بين العلم والإيمان ليس مسألة مُمكنة فحسب، وإنما واجبة وضرورية. فالفكر النهضوي لم يشكك في أي مقولة من المقولات الإيمانية، وكان في الوقت ذاته شغوفًا بفكرة التقدّم والتطور والحداثة. أما ما يحدث منذ نهايات القرن الماضي مختلف تماما، إذ إن ثمة اختلالًا عميقًا يُهدد العلاقة بين العلم والايمان، تهديدًا بات من الصعب التفريق فيه بين الإيمان والخرافة في أكثر الطرُوحات الشائعة في بعض الساحات العربية، حتى إن فكرة التغير والتطور أصبحت “خطرة ومرفوضة”.
وأرسى فكر النهضة أسس انطلاق المرأة العربية وانخراطها في العمل والإبداع والحياة الاجتماعية، فأعلن رفاعة الطهطاوي في ثلاثينات القرن التاسع عشر أن “العمل يصون المرأة عما لا يليق ويقرّبها من الفضيلة”. وفي “خطبة في تعليم النساء” قال بطرس البستاني عام 1849 أن “المرأة لم تُخلق، كي تكون في العالم بمنزلة صنم يُعبد أو أداة زينة تحفظ في البيت”، بل يجب أن تكون “عضوًا يليق بجماعة متمدنة”. ورأى قاسم أمين أن المرأة يجب أن تربّى على “أن تدخل المجتمع الإنساني وهي ذات كاملة”.
بعد انصرام قرن وأكثر على هذه المبادئ والطرُوحات تحاصر المرأة العربية ويفرض عليها ما لم تأمر به شريعة ولا سنّة، وتضطهد بقصد إعادتها إلى الوراء ولجم دورها في الحياة السياسية والاجتماعية.
وبشّر فكر النهضة العربية بالديمقراطية السياسية والاجتماعية، فرأى خير الدين التونسي أن العدل والحرية “ملاك القوة والاستقامة في جميع الممالك”. ورأى جمال الدين الأفغاني أن
“الأمة التي ليس لها في شؤونها حل ولا عقد، ولا مستشار في مصالحها، ولا أثر لإرادتها في منافعها العمومية (…) فتلك هي أمة لا تثبت على حال واحد، ولا ينضبط لها سير”.
أما الحكومة التي تخرج عن وصف الاستبداد في نظر الكواكبي، فهي تلك التي تكون “تحت المراقبة الشديدة والمحاسبة التي لا تسامح فيها”. أليست ممارسات السلطة في أكثر الأقطار العربية اليوم واستبعادها للجماهير وعدائها لتطلعاتهم وإفلاتها من مراقبتهم وتفردّها في القرار عنهم وباسمهم، أليس ذلك خروجًا على تلك القيم والمبادئ وتنكرًا لها؟
ونادى فكر النهضة بالقومية العربية على أساس الدم واللغة والتاريخ والتراث والحضارة. فتكلم بطرس البستاني باعتزاز عن “دمه العربي” ودعا إبراهيم اليازجي إلى إحياء ماضي العرب وأمجادهم بصدق وحماس، وخاطب الكواكبي بني قومه برُوح ثورية متأججة بالمشاعر القومية. ونجد اليوم من يعتقد أن القومية العربية ما هي إلا “فكرة” أو “أمنية”، ويطالعنا مفكر قومي مثل محمد عابد الجابري بضرورة بناء القومية العربية على “المنفعة والمصلحة”.
ماذا يمكن أن نُسمي كل هذا الانتكاس والارتداد عن فكر النهضة العربية؟ هل هو محنة مؤقتة؟ هل هو تراجع عابر؟
إنه أكثر من ذلك كله. إنه انقلاب شامل معناه:
- أ_ العودة إلى القرون الوسطى وإلى ما قبلها، واستمرار حالة التخلف العربية المزمنة إنْ على صعيد النظام السياسي، أو على صعيد العلاقات الاجتماعية، أو على صعيد حقوق الإنسان العربي.
- ب_ تجذير التردي الحضاري وتعميق التبعية العلمية والاقتصادية والسياسية وسيطرة الفكر المتخلّف وإسقاط العقل وإجهاض حركة التجدد والتغيير.
- ج_ انعدام فرص نهوض المجتمع المدني ونموه، واستحالة الانتقال من العصبيات القديمة، الطائفية والعشائرية، إلى العصبية الوطنية والقومية.
- د_ انهيار الرُوح القومية وتكريس واقع القطرية والتجزئة والتفكك وغياب أي أفق للوَحْدة العربية.
- ه_ انغلاق المجتمع العربي أمام تيارات الحداثة وتأييد حالة الانفصام بين العرب والعصر.
- و_ استمرار معاناة المرأة العربية وقهرها وعزلها عن عملية الانتاج والبناء الحضاري، مع ما يعنيه ذلك من انعكاسات سلبية على نهضة الأمة ومستقبلها.
وهذا كله يعني في النهاية، بقاء الإنسان العربي أسيرَ التخلّف والجمود والاتباع، وبقاء هذه الأمة أسيرة فكر القرون الوسطى وعقلها ورُوحها، كأنما ثمة خلل في تاريخنا أقفل أمامنا كل منافذ التجدد والتغيير، وكأنما لعنة الجاهلية تلاحقنا من جيل إلى جيل. هل هو قدر لا مناص منه؟ سؤال تصعب الإجابة عنه.