تكوين
مفكّر عاشق للشعر والفلسفة، متفوّق في العلوم، جذبته مسائل الزهد والتصوّف والتقمّص وكلّ ما يتعلّق بأسرار الحياة وما بعد الحياة. دخل السياسة مرغماً، بعد وفاة ابن عمّه، وراح ضحيّتها باغتياله.
ذو شخصيةٍ تحمل تناقضاً بين ما هو وما يريد أن يكون.. تشعر بالغموض في نظرته الثاقبة إلى الأشخاص وإلى الأمور. وكان لثقافته ولدخوله السياسة العملانية أثرهما في توجيه فكره وطروحاته في السياسة والاجتماع على المستوييْن النظري والتطبيقي.
بعد نبذةٍ موجزة عن سيرته الذاتية، سنتناول في دراستنا رأيه في الدين والمسائل الروحانية، وطرحه العَلماني، والسياسة التي وضع مرتكزاتها بهدف تحقيق هذا الطرح.. عبر “الحزب التقدّمي الاشتراكي” الذي أسّسه والذي أراده تجسيداً لنظريّاته في الفلسفة السياسية.
أولاً: حياة كمال جنبلاط (1917-1977)
فيلسوف وكاتب لبناني، كان أحد أبرز الزعماء السياسيين اللبنانيين ومؤسّساً للحزب التقدّمي الاشتراكي. ولد في بلدة “المختارة” في قضاء الشوف. والده فؤاد بك جنبلاط (1885-1921) وكان سياسياً وقائم مقام منطقة الشوف خلال الحكم العثماني وبداية الانتداب الفرنسي على لبنان، وتوفّي اغتيالاً. والدته السيّدة نظيرة جنبلاط (1890-1951) وكانت كذلك زعيمةً سياسية، تميّزت بحكمتها وتمكنّت من الحفاظ على الاستقرار في الشوف خلال فترة الانتداب. تلقّت دراستها في المنزل وأتقنت اللغتيْن الفرنسية والانكليزية.
شقيقته الأولى ليلى توفّيت بمرض الحمّى وهي في الرابعة من عمرها، وأما شقيقته الثانية ليندا فتوفّيت اغتيالاً في منزلها في بيروت العام 1976، قبل أقلّ من عام على مقتله هو.
يُقال إنّ أسرته تعود إلى أصولٍ كردية، ومعنى “جنبلاط” باللغة الكردية “جان بولاد” أي صاحب الروح الفولاذية.
تلقّى جنبلاط علومه الأولى في بلدته حيث درّسته مربيّة خاصة تُدعى ماري غريّب، ثمّ دخل معهد عينطورة في كسروان من العام 1926 وحتى العام 1937 حيث تأثّر بمدرّس الفلسفة في المعهد الأب هنري دالمه وقد كان متعمّقاً في الفلسفة الإغريقية. لم يدرس الطبّ أو الهندسة كما أراد، وإنّما بتوجيه من والدته تخصّص في علم الاجتماع وعلم النفس والتربية المدنية في جامعة السوربون العام 1937، وأصدر مجلّة La Revue الفرنسية، ثمّ نال إجازةً في الحقوق من جامعة القديس يوسف في بيروت العام 1940.
أتقن العربية والفرنسية والانكليزية، وكان ملمّاً باللغات الهندية واللاتينية والاسبانية والايطالية. لعب دوراً سياسياً بارزاً في لبنان، كما يفعل اليوم إبنه الوحيد وليد جنبلاط الذي سلك الدرب ذاته. تأثّر بالفيلسوف وعالِم الفيزياء والرياضيات الفرنسي باسكال Blaise Pascal (1623-1662)، وبالفيلسوف الفرنسي برغسون Henri Bergson (1859-1941)، وبالفيلسوف والكاهن اليسوعي الفرنسي تيلار دي شاردان Pierre Teilhard de Chardin (1881-1955)، وبالفيلسوف وعالِم النفس الأميركي وليم جيمس William James (1842-1910)، وبالفيلسوف والمفكّر السياسي والاقتصادي الألماني كارل ماركس Karl Marx (1818-1883).
له مؤلّفات كثيرة وقيّمة جداً، نذكر منها: ربع قرن من النضال، نحو إشتراكيةٍ أكثر إنسانية، هذه وصيّتي أو من أجل لبنان (ترجمة لكتاب Pour le Liban)، في الممارسة السياسية، الديمقراطية الجديدة، ثورة في عالم الانسان، الحياة والنور، من أجل المستقبل، حقيقة الثورة اللبنانية، فيما يتعدّى الحرف، أحاديث عن الحرية، في مجرى السياسة اللبنانية، أضواء على حقيقة القضية القومية الاجتماعية السورية، أدب الحياة، ..
ثانياً: الدين في فكر كمال جنبلاط
“كلّ دينٍ يتوضّح على ضوء التأمّل بالعقيدة الاشتراكية… وبالمنطق الوجودي السليم.”1
هكذا رأى جنبلاط الدين مرتبطاً بالاشتراكية ومرتكزاً على منطقٍ وجوديّ: فكرة عميقة المحتوى والهدف وتشكّل منطلقاً لكلّ ما سيكتبه في خصوص الدين ضمن مؤلّفاته. (علماً أنّنا سنتناول مسألة الاشتراكية بتفاصيلها في القسم المخصّص للسياسة الجنبلاطية).
- حقيقة الدين
ربط جنبلاط بين المعرفة الحقيقية للدين وبين الادراك الصحيح للعقيدة الاشتراكية، رامياً بذلك إلى تأكيد التواصل بين الدين الذي يسعى الناس إلى فهم أصوله وخفاياه، وبين الاشتراكية التي كان يريد حزبه تحقيقها. من هنا نلحظ في إطار المبادئ العامة التي تضمّنها “ميثاق الحزب” ما يلي:”- صهر الشعب في وحدةٍ إجتماعيةٍ تامّة، واعتبار الدين أسّاً جوهرياً في قيام المجتمع الأسمى…”2 لكنه شدّد على أهمية التمييز بين ما سمّاه “الدين الحقيقي” وما اعتبره “طائفيةً مبتذلة” لأنّ مثل هذه الطائفية هي التي تدمّر حكماً روحية الدين بوجهيه الانساني والالهي، وتُبعد الانسان عن خلاصه. فعندما ينزلق الدين “إلى مستوى التجمّع الطائفي الطقسي.. إلى مستوى التعصّب السياسي”3، فإنه يستحيل حزباً ويفقد صفاءه.
إلى ذلك، فقد رأى في عبارة “التعايش الديني” كذبة ووهماً لأنها تحمل في طيّاتها الحقد الدفين المكبوت في النفوس، بينما ما يظهر على أرض الواقع هو إكراه ذاتيّ على تحمّل الآخر المختلف دينياً تجنّباً للتخاصم والتنازع. فالتعايش مجرّد قناع تتخفّى وراءه المصالح الفئوية، وبدلاً من أن ينظر الناس إلى الدين من عين الله وبعينه، فإنهم يتطلّعون إلى الله من منظار الدين، وهذا خطأ يوقعهم في فخّ الصنمية.
إقرأ إيضًا: جذور تديين الرأي السياسي.. الدين والدولة
كذلك فقد ميّز بين مفهوميّ “العقيدة” و “الدين”. فالعقيدة من صنع الانسان، وأمّا الدين فمن عمل الله. العقائد تتطوّر أو تتبدّل أو تمرّ في ثوراتٍ وانقسامات، أمّا الدين فله جوهره المتعالي. وأشار، من جهةٍ أخرى، إلى العلاقة بين الدين والقيم الانسانية، فاعتبر العدالة والمساواة والمحبة والإخاء قيَماً إذا خلا الدين منها أضحى “أفيوناً للشعوب“، وبهذا المعنى، يكون ماركس على حقّ”4 وأكّد أنّ قادة العالم الحديث في حاجةٍ ماسّة إلى
“نفحٍ من الدين الحقيقي، لا من هذه الصورة الكاريكاتورية للدين التي تجسّد المصالح الخاصة والطبقية والرجعية…”5
وإذا نظرنا إلى الدين هذه النظرة المجرّدة من كلّ شائبة، تخطّينا بذلك الصعوبات والانقسامات، فالكيان اللبناني مبنيّ على وحدةٍ حياتية: إجتماعية، إقتصادية، بيئية، واللبنانيون هم أبناء هذه الوحدة قبل انتماءاتهم الطائفية والمذهبية، “ويأتي الدين في ما بعد، وفوق هذا الاشتراك وهذا التشابك في وحدة الحياة.”6
ومن منطلق حاجة الفرد إلى الاطّلاع على ماهيّة الدين والتعمّق في حقيقته ومكنوناته، إعتبر جنبلاط التعليم الديني الالزامي واجباً على جميع المدارس الخاصة والعامة تبنّيه. واجب علينا أن نعرض حقيقة الدين على الطالب، وله هو حرية القبول أو الرفض.
الدين، في فكر جنبلاط، مرتبط بالايمان، والايمان باليقين، واليقين بالحقيقة. وهذه الارتباطات جميعها موصولة بعامل الاختبار،
“إختبار الذين تطلّعوا، ولو برهةً، إلى وجه الحقيقة الجذرية للوجود، فعادوا إلى الناس وأخبروهم عمّا تطلّعوا إليه وعمّا أدركوه.”7
وننهي “حقيقة الدين” لديه بهذه الفكرة التي تحملنا مباشرةً إلى عمق الفلسفة الاغريقية، وتُبرز أمامنا صورة الفيلسوف المتحرّر من قيود عالم المحسوسات، والمنعتق من ظلال الكهف، للانطلاق نحو الحقيقة في عالم المُثُل، بحسب أسطورة الكهف الأفلاطونية في الجزء السابع من كتاب “الجمهورية”، وكيف بعد العمليتيْن التصاعدية والتأملية، يعود إلى رفاقه لينتشلهم من جهلهم الحقيقة المطلقة. فهل نجد هذه الحقيقة في الديانة الدرزية؟ هذا ما سنحاول اكتشافه معاً تحت عنوان “الديانة الدرزية”.
-
الديانة الدرزية
“… أنا لست رئيساً دينياً بالمعنى المتعارف عليه لهذه الكلمة، لكنّ دراستي للمذهب الدرزي كانت من الكفاية بحيث تُتيح لي الشروع في عملٍ تحليليّ.”8
والواقع أنّ نتائج هذا العمل التحليليّ أتت على شكل توصيفٍ دقيقٍ لمميّزات الديانة الدرزية.
أولى هذه المميّزات هي معرفة الحقيقة عن طريق “الحكمة” التي اعتمدها الدروز أساساً لمعتقداتهم. فالتجلّي الأول أي تجلّي حكمة العليّ حدث في مدينة جيم ماتشين (مدينة خيالية كما ذكر جنبلاط) في الهند منذ بضعة ملايين من السنين. فإذا كان الغربيون يحسبون بآلاف السنين، فالدروز يحسبون بالملايين وعشرات الملايين من الأعوام. وأكّد أنّ الديانة الدرزية تأثّرت بالفلسفتيْن الهندية والاغريقية، وأنّ في الاثنتيْن حكمة واحدة، فالدروز يشبهون الهنود من أصحاب كتاب الفيدا (الكتاب المقدّس للديانة الهندوسية)، كما ورثوا في كتبهم المقدّسة أفكاراً من فلسفة فيثاغوراس Pythagore (نحو 585- نحو495 ق.م.)، وسقراط Socrate (470-399 ق.م.)، وأفلاطون Platon (428-347 ق.م.)، والأفلاطونية المحدثة المتمثّلة بالعديد من الفلاسفة ولا سيّما أفلوطين Plotin (205-270).
أما الميزة الثانية فهي وحدة الوجود، إذ أنّ الدرزي هو كلّ توحيديّ، أي كلّ من يعتقد بوحدة أديان العالم، والدرزية هي “ملّة الوحدة الأساسية بين الأشياء والكائنات، إنها وحدة الكون الجوهرية في صيغته الروحية والطبيعية والفيزيقية في آنٍ معاً…”9 واعتبر جنبلاط أنه هو من جعل الدروز يعاودون اكتشاف هذه الوحدة في كتب الحكمة والتي تغيّبت عن أبصارهم بعض الشيء عبر العصور. وهذا الايمان بوحدة الوجود جعله مقتنعاً بفكرة الانسان-الاله، فالله هو أرقى تصوّرات الذهن، والانسان الحكيم هو حقيقة الله، وهو يعبّر عن هذه الحقيقة عبر ما هو حكماً حقيقيّ. ونفى أن تكون الديانة الدرزية شبيهةً بالمسيحية أو بالاسلام، فما يهمّ الدروز “هو الاقتناع الداخلي، هو أن “ترى” وتحقّق الحقيقة الداخلية ومعرفة الذات والتعرية الذهنية لكلّ شيء، من أجل معرفة المطلق.”10
هذا النهم إلى المعرفة دفع الدروز إلى اتّباع طريق الزهد الدينيّ، فكانت الدرزية ديانة زهّاد وعرفانيين. لكنّ جنبلاط غالى كثيراً في وصفه هذه الميزة الثالثة، فقال إنّ جدّه الأعلى علي جنبلاط إكتسب، بنقاء سيرته، شهرةً في التزهّد الدينيّ، وقد نُسب إليه عدد من المعجزات، كمثل إعطاء الحوامل خرقةً من قميصه لمساعدتهنّ في الوضع. وهذا أمر مبالغ فيه حتماً.
إلى ذلك، إرتبط الزهد بميزةٍ رابعة تمثّلت في التصوّف الذي كان في العقيدة الدرزية إمتداداً للمدارس الاغريقية والمصرية ومدارس السنّة الباطنية، فكانت الديانة الدرزية ديانة تأمّليين أعطت، شأن الفلسفة الاغريقية القديمة، معنى عميقاً للحياة ولمصائر البشر.
وليس لدى الدروز كنيسة أو مسجد، بل ما يسمّى “بالمجلس” حيث يجتمع الأجاويد كلّ مساء خميس للصلاة معاً. إلا أنّ هذا المجلس ليس موضعاً مخصّصاً للعبادة على وجه الحصر، وليس الذهاب إليه إلزامياً، بل تُترك للدرزي حرية الذهاب أو التخلّف عن ذلك. وإذا ما قصد المتعبّد الدرزي “الخلوة” يمكنه أن يعتزل فيها العالم للقراءة والتأمّل.
أمّا العقيدة الأساسية في الديانة الدرزية فهي عقيدة “التقمّص”. فالروح الدرزية “تنتقل بعد الموت وتتقمّص في جسد درزيّ، ثمّ في جسد درزيّ آخر، وهكذا دواليك إلى آخر الزمان.”11 إنطلاقاً من هذا الاعتقاد، لا يعترف الدرزيّ بالموت في معناه التقليديّ المعروف، وقد فسّر جنبلاط عملية التقمّص بقوله إنّ “الروح تستقرّ بعد الموت مباشرةً في طفلٍ قيد الولادة، وأنها تلج إلى الجسد عبر النفس، والجنين لا يعيش في أحشاء أمّه إلا حيواناً، ولا تستقرّ الروح فيه إلا متى بدأ التنفّس…”12 وفي الكتاب ذاته “هذه وصيّتي”، تحدّث عن معرفته شاباً مسيحياً في جنوب لبنان، وشرح حالته النفسيّة السيئة جراء تذكّره حياته السابقة إلى حدّ أنه كان يتمنّى الموت لأنّ هذه الحياة كانت تلاحقه باستمرار كما كان يُفضي إلى جنبلاط ، وقد أنهكه اختلاط صور الماضي بالحاضر، حيث كان يتذكّر حياته في ميونيخ منذ ما ينوف عن القرن بقليل، ويقول إنه عثر على قبره هناك وعلى كافة ما كان مألوفاً لديه. ولا شكّ طبعاً بأنّ التأثيريْن الاغريقي والهندي كانا واضحيْن في اعتقاد جنبلاط بالتقمّص، فاطّلاعه على فلاسفة الاغريق المؤمنين بالعقيدة، إضافةً إلى ارتحاله إلى بلاد الهند لاستكمال معارفه فيها، هما عاملان أضافا إلى إيمانه رسوخاً أكبر وأعمق.
وللديانة الدرزية بمميّزاتها وعقائدها كافّة أتباع كثر، وهم يُعرفون بحسب جنبلاط في ديانات العالم تحت تسمياتٍ أخرى.
- تصنيف رجال الدين
رجال الدين، في رأي كمال جنبلاط، أصناف ثلاثة:
“صنف يفصل بين دينه ودنياه… وصنف آخر يخلط ويوحّد خطأً بين الدين وبين الآخرة… وهنالك فئة ثالثة والحمد لله، على أنها قلّة، هي ملح الأرض الحقيقيّ…”13
تفصل الفئة الأولى بين علاقتها بالخالق وعلاقتها بالبشر. فللروحانيّات لديها سنّة وقاعدة، وللسياسة والشؤون الزمنية سنّة وقاعدة أخرى، ورجل الدين المنتمي إلى هذه الفئة يكيل بمكياليْن ويقيس بمقياسيْن، فلا يعيش وجودية الدين والحياة على حقيقتها. أما الفئة الثانية فتسخّر الدين لأجل الدنيا بحيث يصبح هدف رجل الدين كامناً في نيل النفوذ وفي جني الأموال. والفئة الثالثة هي الوحيدة الصالحة لأنّ رجالاتها هم ممثّلو الدين الحقيقيون، “هم المرآة التي تعكس شيئاً من نور الشمس عندما تعجز بصائرنا عن أن تتطلّع إلى الشمس مباشرةً وعيناً لعين.”14
لكن للأسف رجالات الدين في لبنان ينتمون في غالبيّتهم إلى الفئتيْن الأولى والثانية، وقد اتّهمهم باستغلال أوضاع البلاد وأحوالها خدمةً لمصالحهم، لا بل بالتحريض كذلك على نشوء حركاتٍ طائفية كانت السبب في تفتيت وحدة الشعب. والتاريخ اللبناني، كما رأى، يشهد “محاولة رجال الدين إنتزاع السلطة الزمنية من الاقطاعيين المدنيين المسيحيين ثمّ الدروز”15 الأمر الذي أدّى إلى قيام حركاتٍ شعبيةٍ تسبّبت بخضّاتٍ كبيرة في منتصف الجيل الماضي. إلا أنّ الملاحظ، وبحكم موقعه السياسيّ وفي إطار ثورته على رجال الدين، أنّ جنبلاط إستهدف الاكليروس الماروني خصوصاً كجزءٍ من حمْلته على “المارونية السياسية”.
- النصرانية والاسلام
في رأي جنبلاط أنه لو أجمع مسيحيّو لبنان ومسلموه على المبادئ الوطنية الحقّة، لتوحّدت الديانتان في سبيل إنقاذ الوطن.
- الدعوة إلى وحدة الديانتيْن
وقع المسيحيون والمسلمون في لبنان ضحيّة الترسّبات التاريخيّة الانقباضيّة التي لعبت دورها للأسف في استثارة العصبية الطائفية لدى الجهتيْن.
ففي الديانة المسيحية، إقتصر مفهوم لبنان على فكرة الوطن القومي الطائفي الخاص بطائفةٍ معيّنة. ولم يكن الأمر أفضل حالاً في الديانة الاسلامية حيث كان المسلمون ينادون، في مصر وسوريا وبعض البلدان العربية الأخرى بفكرة دين رئيس الدولة الاسلام، وبدولةٍ قائمةٍ على الفقه الاسلاميّ. أما جنبلاط فعارض كلا المفهوميْن لمناقضتهما “حقيقة نزعة العقل في تصوّره للكون وللانسان”16 واعتبر أنه من الأجدر للنصرانية في المشرق “أن تعتبر نفسها وديعة الاسلام، والاسلام ذاته وديعة النصرانية”17 داعياً المسيحيين والمسلمين إلى الانفتاح الروحيّ والعقليّ والذي من شأنه محاربة الكفر المتربّص بالنفوس، فتتلاقى عندئذٍ أصالة الانجيل مع سماحة القرآن، لتزول عميقاً وكما ينبغي كلّ مصادر التفرقة بين المواطنين.
- الانجيل والقرآن
في تصفّحنا كتابات جنبلاط، السياسية والروحية، النثرية والشعرية، نجد فيها تأثّراً يقارب التماهي بآياتٍ إنجيليةٍ وقرآنيةٍ على حدّ سواء. وهو استشهد، في العديد من مؤلّفاته، بأمثلةٍ من الكتاب المقدّس؛ فلدى تناوله مسألة تنمية الأخوّة بالتضحية وتجريد ذوات البشر من الأنانية، شبّه البعد عن الحقيقة بالمكيال الذي يوضع فوق نور القنديل، كما جاء في الانجيل. وحين قال إنّ المسيحية الحقيقية تتّسم بروح الرسولية الرافضة أيّ حدود، فقد أضاف: “وفي هذا المعنى، يصحّ أيضاً قول السيّد المسيح:”للطيور أوكارها، وللثعالب أوجرتها، وليس لابن الانسان موضع ليضع عليه رأسه.””18 وأبدى تقديره ثورة المسيح في وجه الفرّيسيين، وكذلك قساوة العبارات التي وجّهها إليهم.
الانجيل إذاً رسالة سلام، والقرآن أيضاً عامر بروح القوّة وغنيّ “بالآيات البيّنات التي تجعل الرجولة والتضحية فضيلةً وصلاحاً فوق كلّ صلاح.”19 وكما صرخ المسيح: ويلٌ للأغنياء، وطوبى للفقراء الذين يدخلون ملكوت السموات، كذلك لم يحتوِ القرآن، في أيّ صفحةٍ من صفحاته، على أيّ تبريرٍ”للربح اللامحدود وغير المشروع، وللاحتكار والاستثمار البشع.”20 وكما عُرفت أقوال الانجيل بحنوّها وانفتاحها غير المحدود، كذلك إعتلت آيات القرآن أسمى مراتب الصفاء والنزاهة والاستقامة.
تبعاً لكلّ ما تقدّم، يكون الادراك العميق لمفهوم الرسالتيْن الالهيتيْن قاعدةً لحدوث تقارب فكريّ حقيقيّ بين المسيحيين والمسلمين الذين يتشاركون الحياة ضمن وطنٍ واحد.
ثالثاً: الطرح العًلماني لكمال جنبلاط
بعد استفاضته في تناول الدين، مفهوماً وقضيةّ ورؤيةً فلسفية، قرّر جنبلاط أن يتوجّه ناحية التزامٍ فكريّ أكثر تحديداً وموضوعيةً وشمولية، من خلال طرحٍ عَلمانيّ مرتكز على فصل الدين عن الدولة بعد إلغاءٍ للطائفية السياسية. وفي هذا المجال، قال راغباً في مفاجأة من اعتبره زعيماً درزياً مكبّلاً ضمن طائفته فقط: “ماذا يهمّنا من يحكمنا، أكان مارونياً يصلّب على وجهه بالخمسة، أم كاثوليكياً أم أرثوذكسياً، أم سنّياً، أو شيعياً، أو درزياً؟ إذا استطاع كلّ منّا أن يصل إلى حقّه في العلم، في العمران، في العيش، في المواطنية، في الحرية”21 فلبنان المتحرّر من آفة الطائفية هو اللبنان الوحيد القادر على البقاء.
- إلغاء الطائفية السياسية
توجّه جنبلاط بانتقاده بدايةً للتوحيد الخاطئ بين الوطن والدين، وهو السبب الرئيس لقيام نظام الطائفية السياسية الذي دافعت عنه الفاعليات المسيحية عموماً على حدّ اعتباره. وللخروج من هذا النفق، دعا إلى تحقيق عددٍ من الاصلاحات الجذرية في النظام اللبناني داخلاً في تفاصيل التوظيفات والقوانين المتعلّقة بها. فرأى وجوب صرف الموظفين الذين أمضوا في الخدمة خمساً وعشرين سنة والتعويض عليهم، إضافةً إلى إقرار مبدأ التوازن الطائفي في الوظائف الشاغرة في جميع إدارات الدولة. كما ينبغي أن يمرّ مبدأ إلغاء الطائفية السياسية بمرحلةٍ إنتقالية على مدى خمس سنوات على الأكثر، وحيث يرتبط التعيين وكذلك الترقية بإجراء مسابقاتٍ تُمنح فيها قانوناً علامات إضافية بنسبةٍ مئويةٍ معيّنة من مجموع علامات الطلاّب لبعض الطوائف المتأخّرة عن غيرها علمياً، وذلك لتمكينهم من التخصّص بمنحٍ والتمكّن من اللحاق بالتطوّر العام. “وبعد مرور هذه المرحلة الانتقالية، تصبح التعيينات في صلب إدارات الدولة”22 على أساس الكفاية. ووصف هذا الاصلاح بالضروري، تفادياً للأزمات الطائفية على الصعد كافة. فنحن، في رأيه، لم ننل من النظام الطائفي سوى الألم على مدى حقباتٍ تاريخيةٍ متتالية، والحرب اللبنانية إمتداد للأحداث التي وقعت بين العاميْن 1842 و1860.
- فصل الدين عن الدولة
دولة حديثة وعصر متطوّر مع صبغةٍ طائفية، إنما هو مزيج غير قابل للحياة المستقرّة. من هذا المنطلق، تكمن الخطوة الأساسية في العمل الحثيث والجدّي على إخراج الدولة من أسْر الأطر الدينية. وقد تضمّن دستور الحزب التقدّمي الاشتراكي إعلاناً بوجوب فصل الدين عن الدولة. وكان متضامناً بذلك مع حزب “براجا” الاشتراكيّ الهنديّ الذي كان يسعى وراء بناء المجتمع الأمثل، فتواصلت أهداف الحزبيْن الرامية إلى إلغاء كلّ سياسةٍ دينيةٍ في آسيا ورفضها بكافّة أشكالها، إلى جانب إدانة كلّ سياسةٍ تهدف إلى إقامة تكتّلاتٍ دينية، أو دول قائمة على الدين، أو كيانات دينية لحساب هذا الشعب أو ذاك، مهما اختلفت أنواعها، وذلك عملاً بالمبدأ الجوهريّ القاضي بفصل الدين عن السياسة.”23 فقد ألقى الحزبان الضوء على المساوئ التي سبّبتها السياسة الدينية في العديد من الدول حيث تنامت العصبيّات والأحقاد وكثُر اللاجئون والمهجّرون. ورأى جنبلاط أنّ رفض السياسة الدينية ينبغي أن يترافق مع حملاتٍ مدروسةٍ ضدّ العنف، لأنّ هذا الرفض لا يعني مطلقاً التخلّي عن القيم الانسانية الروحانية التي تدعو إلى السلام، خصوصاً أنّ العنف “مناهض لجوهر الطبيعة الانسانية الأساسي، كما أنه يعكس عقدة نقصٍ لدى الأفراد والشعوب.”24 وعندما تقوى ثقة الانسان بذاته وبالآخرين، يتّسع إدراكه العقلانيّ لشؤون حياته الخاصة والاجتماعية، ويصبح قادراً على تقدير دور الدين منفصلاً عن السياسة، وكذلك دور الدولة بمعزلٍ عن الأمور الدينية.
- العَلمانية
ينقسم اللبنانيون، في رأي جنبلاط، إلى فريقيْن: فريق يضمر الولاء للبنان وللغرب، وفريق آخر يتوجّه بولائه للبنان وللعروبة.. من هنا تظهر إزدواجية خطيرة تهدّد بالقضاء على التماسك الهشّ للبنان الدولة. ويكمن الحلّ الجوهريّ لهذا الانشطار النفسي الداخلي في إقرار “َعَلمانية الدولة وتكريسها بالأنظمة، بالنهج السياسي، بالقوانين، ثمّ في ما بعد بالدستور ذاته.”25 على أن تحترم الدولة حرية المعتقدات، ويتكرّس نموّ الوعي الوطني، فتكون العَلمانية قائمةً على أسسٍ أخلاقية.
وقد رفض جنبلاط مظاهر العَلمنة الغربية التي اصطبغت “إلى حدّ بعيد بضجيج صخب الآلة وماديتها الجاذبة”26 فتنكّرت للدين وللمناقبية التقليدية. وعزا هذا الابتعاد الغربيّ عن الدين إلى الثورة التي قامت بها القومية في أوروبا في وجه رجالات الدين والاقطاع السياسي والفكري، وكأنّ الدين حمل عيوب تصرّف رجاله، فكان هذا الانفصال الجذريّ بين الروحية الحقيقية للدين وبين الدولة. وحذّر من مخاطر اقتباس هذا النوع من العَلمانية المجحفة لأنها لا تنسجم مع التقاليد الشرقية، وعلى رغم جهل الشرقيين بعض المظاهر التراثية الروحية، ما يُعدّ نقصاً في تكوين شخصيّتهم الوطنية، فهذا لا يمنع التأكيد على وجوب
“العودة إلى التراث، كما عادت أوروبا في القرون الوسطى إلى مصادر حضارة اليونان، قبل عصر النهضة.”27
وقد يرى البعض في الأمر ضرباً من الخيال في ظلّ سيطرة المادة والآلة والعادات الغربية في الشرق، إلا أنّ الحقيقة يجب أن تُعلن كمقدّمة للعودة إلى السبيل القويم. من هذا المنطلق، رحّب جنبلاط بعَلمانيةٍ ترتكز على حرية العقل المطلقة في البحث عن الحقيقة، وكذلك على المبادئ الروحية والأخلاقية والاجتماعية الأساسية. فلا حياة للانسان ولا تقدّم للمجتمع بعيداً عن هذه الحرية وتلك المبادئ. لكنّ رفضه عَلمانية الغرب لم يمنعه من توجيه اتهامه لرجال الدين بإعاقة تحقيق عَلمنة الدولة، بسبب تزايد طموحاتهم في السلطة الزمنية. لذا فقد طالب بجمهوريةٍ ذات سلطة قوية وذات توجّه عربيّ تحرّري عَلماني شديد الوضوح. وإذ نبذ العَلمانية الملحدة، فقد نادى بعَلمنة للأنظمة العربية منعقدة على الواقع والمبادئ، وعلى عدالة الحاكم وعدم تمييزه بين الأحزاب والطوائف والجماعات، فتقود تصرّفاته روح الايمان لا روح الكفر
“لأنّ كلّ من يميّز بين بشريّ وبشريّ آخر على أساس الجنس أو اللون أو المعتقد يُعدّ كافراً في نظر الله والملائكة والبشر، ولو صلّى ألف ترتيلة وآية في كلّ يوم.”28
إقرأ أيضًا: العلمانية في السياقين العربي والغربي: بين نزهة بو عزة وكارل لوفيت
بيد أنّ هذه العَلمانية غير المتنكّرة للايمان ولحرية المعتقد، والمجدولة على مبادئ الوطنية والعروبة، لا أمل لها في التحقّق واقعاً إلا باعتماد النظام الاشتراكي، ذلك أنّ بناء وطنٍ عَلمانيّ منصهر قومياً مع محيطه العربيّ ضمن إطارٍ إشتراكيّ هو ما يؤدّي حكماً إلى إحقاق الديمقراطية السياسية والاجتماعية. (وهذا ما سنشرحه بالتفصيل في القسم التالي من دراستنا). وتكون بذلك مؤسّسات التعاون الاجتماعيّ والاقتصاديّ، وتحقيق الضمانات الاجتماعية، وتعزيز الروح النضالية النقابية، إضافةً إلى تنفيذ برامج العمل الاجتماعيّ.. خطوات متقدّمة في سبيل تطبيق العَلمانية الاشتراكية. وأبدى جنبلاط تقديره الثورة الاشتراكية الكبرى التي قام بها الرئيس المصري جمال عبد الناصر (1918-1970) والتي “دفعت بالشعوب العربية إلى الوحدة الاجتماعية، وفي اتجاهٍ يقود إلى عَلمنة الدولة.”29 أما في لبنان، وبدل أن نعتمر جميعنا قبّعاتٍ مدنيّة، نجدنا متعلّقين بلفّة الشيخ وبطابيّة الراهب، وهذا خطأ وجهل في آن معاً تغذّيهما للأسف السياسات الأجنبية التي كانت ولا تزال تريد أن يبقى لبنان بلداً طائفياً لا دولة عَلمانية.
رابعاً: سياسة كمال جنبلاط في سبيل تحقيق العَلمانية
بعدما عرض جنبلاط لطرحه العَلماني تأكيداً على مواقفه المعارضة للطائفية، فقد سعى إلى إقران طرحه هذا بجوانب أخرى سياسية على جانبٍ كبيرٍ من الأهمية، شكّلت ركائز في الفكر السياسي الجنبلاطي وكان اعتمادها يمهّد، في رأيه، الطريق إلى النظام العَلماني. فالعَلمانية ليست خطّاً سياسياً معزولاً عن قضايا المجتمع ومشكلاته، بل هي نظام يعتمد المقوّمات الاجتماعية الأساسية كقواعد ثابتة تؤمّن الاستمرارية.
السياسة “الصالحة”، التقدّمية، الاشتراكية، الديمقراطية، الحرية، القومية العربية، القيادة والثورة، والوحدة الوطنية.. تلك كانت المبادئ السياسية التي تلمّس فيها الأمل في الخروج من حال الفوضى الطائفية إلى رحاب الاستقرار العَلماني.
- السياسة
“أنا لم أصبح رجلاً سياسياً إلا عرَضاً…”30
لم يكتب جنبلاط هذه الجملة ليتنصّل من مسؤولياته التي فرضها عليه إنتماؤه إلى عائلةٍ سياسية، بل ليقول، وبصراحةٍ مطلقة، إنّ باب السياسة كان هو المقدّر له، وكأنّ خطّ حياته خُطّ ورُسم وكان عليه التماشي معه. فهو إبن العائلة الجنبلاطية ذات التاريخ السياسيّ العريق وجد نفسه منتسباً إلى خطّ سياسيّ معروف، ومحاطاً بأجواء سياسية محدّدة. وإذا هو لم يصبح رجلاً سياسياً إلا عرضاً كما قال، فلأنه كان متعلّقاً بمبادئ أخلاقية صوفية روحانية تتعارض، في غالبية الأحيان، مع الأساليب غير السليمة التي تُمارس عادةً في حقل السياسة، إلا أنّ واقع العائلة فرض عليه هذا النمط من الحياة. فالسياسة المعتمدة لم تكن يوماً مثاليةً، بل إنها تزداد سوءاً يوماً بعد يوم كما نتلمّس ذلك في عصرنا الحاضر. فسياسيّو لبنان كانوا يعتقدون، كما رأى جنبلاط، أنّ السياسة لباقة وشطارة لا بل إنتهازية. لذلك، لو خُيّر هو لما اختارها، وفي هذا قال أن لا سياسة في جمهوريّته.. ولو كان حرّاً مختاراً، لترك السياسة جانباً ولنبذها حتى من تفكيره، ولاختار موضوعاً علمياً شيّقاً يتّصل، في بعض نواحيه، بمشكلات العالم وبلبنان.
إلى ذلك، أبدى جنبلاط تقديره الزعيم السياسيّ والروحيّ الهنديّ المهاتما غاندي Mohandas Karamchand Gandhi (1869-1948) الذي نادى باللاعنف وبالمقاومة السلبية، والذي أعاد الأخلاق إلى السياسة، كما اعتبر جنبلاط، في الوقت الذي سعى فيه السياسيون، في الغرب وفي الشرق، إلى إبعادها عنها. واعتبر السياسة ذات ركيزتيْن نظرية وعملية، ويجب أن يكون دوماً لدى السياسيّ الحقيقيّ، أي رجل الدولة، تركيزعلى المبادئ الكبرى ليستلهم منها مواقفه وتصرّفاته، ويجسّدها في الواقع الاجتماعيّ-السياسيّ، تماماً كما فعل غاندي. وفي كلتا الحالتيْن، ينبغي أن تكون السياسة أشرف الآداب على الاطلاق، لأنّ كلّ تدبيرٍ أكان معنوياً أو مادياً هو سياسة في المعنى الصحيح للكلمة. على السياسة إذاً أن تكون مسلكاً شريفاً، وأن تكون قيادة الشعب قيادةً حكيمة، وهي التي تأخذ على عاتقها توجيه الأفراد نحو الأكمل والأمثل عبر التربية الصحيحة.
على السياسيّ أن يتعمّق بمعرفة مجتمعه، لا سيّما لناحية تكوينه ونظامه، فيتمكّن عندئذٍ من استشراف المستقبل ورسم خطّة فاعلة للتطوّر المستقبليّ. كذلك عليه أن “يسترشد دائماً بأحكام تطبيق جدلية التضاد والانفعال المشترك والتكامل، الماثلة في كلّ شيء.”31 ، ما يساعده على تفادي الفوضى والسعي وراء تحقيق النظام، والتوفيق بالتالي بين “المصلحة العامة للمجتمع وللمتّحد القومي، وبين المصالح الخاصة للنشاطات الاجتماعية والفردية المختلفة.”32 وأشار جنبلاط إلى أنّ من يجب أن يتولّى الحكم في السياسة والادارة والقضاء، هي النخبة الحقيقية في المجتمع، بعيداً عن تلك المجموعات السائرة نحو مصالحها ومطامعها. فالعالم العربيّ كلّه في حاجةٍ إلى سياسة مبادئ لا سياسة دجل وشعارات. هذه هي السياسة الصالحة التي ينبغي أن تُطبّق وتُحترم، هي السياسة المنغمسة في مشكلات الشعب لأجل الشعب، المتطلّعة إلى مواكبة أموره وحاجاته بصدقيّة عالية، هي التي تتبنّى العقائد والمبادئ فقط لخدمة الانسان. سياسة صالحة!.. خطوة نحو تحقيق العَلمانية!!
- التقدّمية
“…الايمان بالحياة هو الايمان بالتطوّر: فلولا التطوّر لما كانت الحياة.”33
إعتبر جنبلاط التطوّر الانسانيّ طبيعياً وضرورياً، على أن يكون ارتكازه على إيمان الانسان وتعلّقه بقيم الحياة، وعلى أن يكون شاملاً جميع العناصر الروحية والمادية للحياة. ورأى أنّ العالم بأسره يتطلّع إلى التطوّر والتقدّم بحيث غدت كلمة الساعة في لبنان والبلدان العربية وفي العالم كلّه: على الفرد أن يكون في مقدّمة التطوّر ومواكبته بدون تردّد. وما يجعل الأمم تحقّق مرادها هو أن تنطلق من فكرةٍ سامية، وأن تندفع بمؤثّرات معنوية متواصلة. وإذا ما احتجبت هذه الفكرة جزئياً أو خفت وهجها في بعض الأحيان، إلا أنها “لا تلبث أن تستيقظ من بين الرماد وتعود، فتفعل في تطوير المجتمع ودفعه وتحريك كوامنه، ما لا تفعله أية فكرةٍ أخرى خارجة عن نطاقه.”34 والقائد السياسي الناجح هو الذي يسعى وراء تحقيق هذه الفكرة التطوّرية خدمةّ لمصلحة مجتمعه، وهو الذي يدرك أنّ “كوامن المجتمع هي التي تكوّن نضالنا وتصنع التاريخ بواسطتنا.”35 من هذا المنطلق، رأى أنّ علينا تبنّي نظرية التطوّر الكامل للانسان، مشيراً إلى أنّ بعض المستنيرين والبعيدي النظر من رجالات المال والأعمال كانوا دوماً يردّدون رفضهم النظام القديم.
وألمح جنبلاط إلى تأثّر العديد من المثقّفين اللبنانيين، ومن بينهم الأساقفة والرهبان، بأفكار تيلار دي شاردان، فكانوا يؤيّدون التغيير، كما كان بعض أبناء الملاّكين ينادون بنظام جديد على الأرض. لكنّ المشكلة تكمن في أنّ التمدّن والتطوّر اللذيْن عرفهما لبنان كانا سطحييْن لأنّ الشبيبة اللبنانية كانت تسعى وراء التجدّد حتى وإن كان سيّئاً. وكانت نتيجة ذلك في رأيه أن أُدخلت الفاشية إلى المدارس، ومُنعت الأفكار التقدّمية من اكتساب التأثير والنفوذ، بل وصل الأمر إلى حدّ زجّ التقدّميين الحقيقيين في السجون نتيجة التعبير عن آرائهم في وجه الفساد الاداريّ. من هنا كانت ثورته في وجه من سمّاهم “الرجعيين”، وكان بالتالي التزامه العقيدة التقدّمية التي أرادها إشتراكية كما جاء في قوله:”… لنا عقيدتنا وبرامجنا، ونهجنا الذي لا نحيد عنه، وهو الرامي إلى بناء جمهورية تقدّمية إشتراكية تقوم على سواعد الجيل الجديد والفئات العاملة في البلاد.”36
- الاشتراكية
“الاشتراكية هي في زحفٍ في كلّ مكانٍ من العالم العربيّ، ولن يفوت لبنان هذا الزحف لأنه طريق التطور والتنمية والخلاص.”37
- أسباب الدعوة إلى الاشتراكية
أشار جنبلاط إلى أنّ الضمير الأخلاقي الذي نما في العادات اللبنانية، وتُرجم استقامةً في التفكير ونزاهةً في العمل، قد تبدّد وحلّت محلّه أساليب ملتوية لتحقيق الاثراء غير المشروع بكافة الوسائل المتوفّرة للأسف. وهذا ما أدّى إلى إفسادٍ عام تُرجم تواطؤاً للأثرياء مع الأمراء والمشايخ وأقطاب المال، فكثرت الفروقات الاجتماعية ووقعت الغالبية العظمى من الشعب اللبناني في ظلمٍ إجتماعيّ واقتصاديّ. وكان الأغنياء يتجنّبون دفع الضرائب ويتحكّمون بالشؤون السياسية ويُخضعون الدولة لرغباتهم، وكان الرئيس فؤاد شهاب (1902-1973) يسمّي ذلك “جدار المال”. وفي المقابل، كان الفقراء يرزحون تحت ثقل الأزمات المعيشية، ما أدّى إلى قيام “حزام بؤس” حول بيروت. كانت الايجارات باهظة، وكذلك أسعار الأراضي، وكان الملاّكون يمارسون التنكيل والتنكيد في حقّ العمّال والمزارعين، كما كانت الشركات العقارية تسعى إلى انتزاع قطع الأرض الصغيرة من مالكيها. واتّهم جنبلاط السلطة الاكليريكية الاقطاعية بأنها تفضّل امتلاك الأراضي بدلاً من مساعدة المعوزين. أما الرئيس شهاب فلم يتمكّن من تغيير هذا الوضع الاجتماعي-الاقتصادي المأساوي، على رغم محاولاته الجدّية والمتواصلة، ومن المأثور عنه قوله في نهاية عهده (وقد حكم بين العاميْن 1958 و1964):” إذا استمرّ الأغنياء على امتيازاتهم ضدّ كلّ شيء وضدّ كافّة الناس، فإنّ ثورةً إجتماعيةً ستنشب في لبنان.”38 وجنبلاط الذي شاطره رأيه أكّد أنّ على هذه الثورة الاجتماعية أن تكون إشتراكية.
-
مبادئ الاشتراكية
“لماذا أنا إشتراكي؟ … لأنني أحبّ العدل والإخاء والحرية.. لأنني أشعر إن عدلت مع غيري، فكأنني عدلت مع نفسي، وإن ظلمت غيري ظلمت نفسي.”39
فالاشتراكية هي الانسجام الروحي الشامل، تماماً كاللحن الذي لا تكتمل روعته إلا بالتوازن بين أنغامه، وينبغي أن تتحقّق في نفوس الأفراد قبل تحقّقها داخل المؤسّسات والأنظمة. وقد حدّد جنبلاط الأسس التي تشكّل ركيزةً للاشتراكية. فبدايةً، ترفض الاشتراكية الحرية المطلقة في حقليّ السياسة والاجتماع وفي إدارات الدولة، وتعتمد التوجيه والتخطيط والتصميم المنهجيّ لبلوغ الأهداف المرجوّة. كما أنها تربط الانتاج بحاجة المواطنين وليس بتحقيق الأرباح، وتعمل بالتالي على “جعل وسائل الانتاج والتمويل والتسليف – الصناعة والزراعة والحرف والخدمات والمصارف – وسائل إجتماعية للانتاج، لا وسائل فردية فقط للعيش.”40 ولتحقيق هذا الهدف، ينبغي إقامة التعاونيات الانتاجية. إلى ذلك، يعطي النظام الاشتراكي العمل أهميةً كبرى كأساسٍ للانتاج وكمرتكز للدخل، فلا دخل بدون عمل، وبذلك ترمي الاشتراكية إلى الحدّ من آفتيّ الكسل واستغلال الناس، وإلى مراعاة الكفاية واعتبارها قاعدةً لتوزيع الانتاج على المستهلكين. وتقترن هذه الأسس كلّها بتنفيذ الضمانات الاجتماعية كافة، والتي تشمل التعليم والسكن والطبابة والعجز والبطالة وسواها من الخدمات الاجتماعية التي يجب أن تتفلّت من أُطر الاستغلال والاستثمار، فيستعيد الانسان وحدته مع ذاته ومع الكون.
إقرأ أيضًا: سيكولوجية الثورة: من الحراك الجماهيري إلى الإحباط السياسي
من جهةٍ أخرى، إعتبر جنبلاط أنّ التيّار الاشتراكي، على رغم تناميه على هامش السلطات الدينية أو في مواجهتها، إلا أنه لا يتعارض إطلاقاً مع الدين، وإنّما مع الطائفية، وهو الحلّ الأجدى لتكوين رأي عام يقف سدّاً منيعاً في وجه الحواجز الطائفية والحزبية. هذه هي الاشتراكية الانسانية، المرتكزة على عقليةٍ معتدلة، بعيداً عن التحجّر العقيديّ، هي “إشتراكية إختبارية تعمل على انصهار الانسان في كلّيته، وتعيد صلة جذورها بالتاريخ وبالروح.”41 فتتخطّى مفهوم المادية الجدلية.
الاشتراكية إذاً تحرّر الانسان من ارتهانه للأنظمة الرأسمالية والعقائد الدينية والمجتمعية الجامدة. وهي تشكّل بمبادئها سبيلاً لبلوغ مرحلة تطبيق العَلمانية، فقد كان فجر الاشتراكية العامل الأساسي “الذي ساهم في تطوير الفكرة العربية ودفعها نهائياً نحو توضّح مفاهيمها، ونحو تجريدها من كلّ ما ليست هي في واقعها، ونحو العَلمنة الكاملة.”42
ج- رأيه في الاشتراكية الأوروبية
مع بدء الثورة الفرنسية، بدأ تهديم البُنى التي خلّفتها القرون الوسطى، وانتشرت الآلة وسيطرت في شكلٍ واضح، وبرزت الاشتراكية العلمية التي عملت على بناء نظامٍ محدّد إجتماعياً واقتصادياً. في ظلّ هذا التبدّل، فقد الدين وكذلك الأخلاق دورهما، وسادت سياسة عدم الاكتراث المتّصلة بالمنافسة والاثراء اللامحدود. ومع سيطرة الاضطرابات والفوضى، بات اكتساب الأملاك الدنيوية بعيداً كلّ البعد عن روحية الدين والأخلاق، ذلك أنّ الاشتراكية الأوروبية “نمت وتطوّرت كردّ فعلٍ، على هامش كلّ ديانة وكلّ روحانية وضدّهما.”43 لكن وفي المقابل، كانت الاشتراكية الأوروبية المسيحية التي لاقت أصداء كثيرة خصوصاً لدى الكنيسة، وعبر الرسائل البابوية المتتالية. إلا أنّ الحركات الاشتراكية التي حاولت أن تستلهم المبادئ المسيحية كانت قليلة، وقد أبدى جنبلاط استغرابه هذا الأمر، لا سيّما أنّ الانجيل لم يدافع قط عن الرأسمالية الخاصة.
وفي النتيجة وكما رآها جنبلاط، فشلت الاشتراكية في أوروبا في أن تكتسب وجهاً متميّزاً عن الشيوعية الروسية وعن الديمقراطية الرأسمالية، لأنها اعتمدت السياسة التنظيمية ذاتها. وإذ رفض مادّيتها، فقد دعا إلى اشتراكيةٍ جديدة وقوية، تغرس جذورها عميقاً في المستوى الروحي للأفراد والجماعات.
د- الاشتراكية في حياة كمال جنبلاط
“… أنا لست من الغنى بقدر ما يُقال، وإن كنت أحبّ أن أكون كذلك، لأمضي في الاقتسام قُدُماً معطياً أغنياء هذا العالم أمثولة.”44 بهذا القول، عبّر جنبلاط عن إيمانه العميق بالعقيدة الاشتراكية التي لم يرد أن يقتصر تطبيقها على حياته السياسية العامة فحسب، بل على حياته الشخصية كذلك. كان قليل الاهتمام بالمال، بتلك الأوراق التي تتشبّث بالأصابع، وكان يعمد إلى صرفها سريعاً. فإذا أردنا ألا يكون المال مفسداً، علينا أن نسهم في مساعدة الآخرين. من هذا المنطلق، كان يُنفق الضروريّ لحاجاته الشخصية ويهب ما يفيض للآخرين. وكان على يقينٍ من أنّ أسلوب حياته ومسار تفكيره يجعلان منه رجلاً شريفاً، فكان يبخل على نفسه ويجود على الغير لأنّ المحتاج، في اعتقاده، “هو وجه الله ذاته، إنه الأخ، وهكذا يعيش الدروز.”45 وكان يعيش من تعويضه كنائب في المجلس النيابي، ولم يكن لديه خدم كثر في المنزل، بل طاهٍ وخادم فقط.
وفي إطار وقوفه إلى جانب المحتاجين، أعلن أنه وزّع على الفلاّحين في منطقته بعضاً من أراضيه، داعياً إلى مساعدة كلّ لبناني على امتلاك قطعة صغيرة من الأرض، لأنّ الملكية الكبيرة تُفسد معنى التملّك وهي نقيض للطبيعة. والملكية الصغيرة وكذلك المتوسطة تبدّلان حياة الناس تبدّلاً إيجابياً، فتصبح مواقفهم أكثر استقلاليةً وصلابةً وأبلغ مسؤولية.هكذا جسّد جنبلاط معتقده الاشتراكي على المستوييْن النظري والعملي.
- الديمقراطية
“الديمقراطية لفظ مؤلّف من لفظيْن يونانيين، أحدهما (ديموس) ومعناه الشعب، والآخر (كراتوس) ومعناه السيادة. فمعنى الديمقراطية إذاً سيادة الشعب.”46
لكنّ الاختلاف يقع بين المبدأ الديمقراطي الذي يحترم هذه السيادة، وبين تنفيذ الديمقراطية الذي يكون في غالبية الأحوال تنفيذاً خاطئاً، طاعناً بسيادة الشعوب. وبين المبدأ والواقع، دافع جنبلاط عن تصوّره الخاص للديمقراطية.
-
مبادئ الديمقراطية
” الديمقراطية نظام عقلانيّ وإنسانيّ، يرتكز إلى احترام حقوق الانسان وتقدير واجباته، وهو انتصار بحدّ ذاته لمبادئ المساواة والعدل والأخوّة البشرية والكرامة الشخصية، وتحقيق عمليّ لهذه المبادئ.”47
هكذا عرّف جنبلاط الديمقراطية بتركيزه على عامليّ العقلانية والانسانية: العقلانية لنظامٍ أكثر موضوعية، والانسانية لقوانين يحتلّ فيها الانسان المرتبة الأولى. ولتحقيق هذه الديمقراطية، فقد عرض لعددٍ من النقاط التي تشكّل، في رأيه، ركائز أساسية للنظام الديمقراطي الفاعل: ينبغي بدايةً أن تترسّخ فكرة احترام حقوق المواطن وواجباته في الذهنية العامة لدى المسؤولين ولدى الشعب، كما يجب أن يتخلّص القضاء من شوائبه ليتمكّن من تحقيق العدل، فيكون ملاذاً حقيقياً للحقوق والحريات الشخصية. وفي هذا الاطار، إهتم جنبلاط بقضية الاحتكام إلى القضاء كمرجع أخير في جميع الأمور، فدعا إلى توسيع مجال هذا الاحتكام ليكون شاملاً كلّ أعمال الدولة، كما كلّ علاقات المواطن بدولته، لأنّ ذلك يقضي على كافة الضغوط والرشوات وأنواع التزوير التي غالباً ما تتمّ في الانتخابات ولا سيّما النيابية، على أن يكون القاضي مسؤولاً عن أيّ خطأ قانونيّ قد يقع فيه، وعلى أن تتأمّن دستورية القوانين بواسطة القضاء. كذلك طالب بمنح كلّ مواطنٍ الحقّ في ملاحقة أيّ موظّف مدنياً كان أو عسكرياً أمام القضاء، إضافةً إلى “إطلاق حرية التكتّل النقابيّ والسياسيّ، وتبديل القوانين الرجعية القائمة، وجعل الانتساب إلى النقابات في مختلف المهن الصناعية والحرفية والزراعية أمراً إيجابياً.”48
ومن مبادئ الديمقراطية أيضاً تعميم التعليم، والحدّ من الاقطاعية المستبدّة والرجعية المضلّلة والاحتكار الرأسمالي، وانتخاب أصحاب الكفاية والأخلاق والشخصية المميّزة في جميع المهن والمراكز الأساسية كالسياسة والصحافة.
- تحقيق الديمقراطية
إعتبر جنبلاط أنّ الديمقراطية فشلت لأنها “استُعملت كشعارٍ لجميع الثورات التحرّرية أو التعسّفية، وتستّرت خلفها الأنظمة الأكثر رحابةً وفوضوية، والديكتاتوريات الأكثر ظلاماً وتضييقاً.”49 الأمر الذي أبعدها عن أهدافها النبيلة. فباسم الديمقراطية، إنتشرت النظريات الالحادية، وبنى السياسيّ الثوريّ الروسيّ لينين Vladimir llyich Lénine (1870-1924) نظامه الاجماعي، وباسمها تكلّم وعمل كلّ من الزعيم السياسي الانكليزي كرومويل Oliver Cromwell (1599-1658)، ورجل الدولة السوفياتي ستالين Joseph Staline (1878-1953)، وأحد أبرز رجال الثورة الفرنسية روبسبيير Maximilien Robespierre (1758-1794)، وباسمها بعث زعيم ألمانيا النازية هتلر Adolph Hitler (1889-1945) بالألوف إلى معسكرات الاعتقال والموت. لكنّ الغريب أنّ جنبلاط الداعي إلى العَلمانية إنتقد أيضاً الرئيس الأول للجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك (1881-1938)، في معرض من انتقدهم، قائلاً عنه إنه استحدث نظاماً جديداً في تركيا بفصله الدين عن الدولة، وذلك باسم الديمقراطية، وفي الأمر تناقض كبير.
في أيّ حال، الديمقراطية مَثَل أعلى في نظر جنبلاط، وهي تُعيد الانسان إلى ما كان عليه قبل سقوطه في “الأنا”، لكنّ الأمم أساءت فهم هذه الحقيقة، خصوصاً في أوروبا الغربية التي انتهى أمرها إلى الفوضى والديماغوجية. ولبنان يجمع بين الديمقراطية والتقدّمية، أما في العالم العربيّ، فيجب بعث الديمقراطية “إستجابةً لرغبة هذه الشعوب المتوسطية بالحرية، وتلبيةً للتطلّع العميق العنيد لتلك النزعة الديمقراطية العفوية الخاصة بالعرب.”50
- الحرية
مفكّر مؤمن بالديمقراطية، وأوّل الدعاة إلى نشر الحرية وضمان احترامها. فالحرية صفة ملازمة لطبيعة البشر، ويتطلّع الانسان إليها خلال جميع مراحل حياته. وقد اعتبر جنبلاط نفسه حرّاً، مالكاً الحرية الداخلية المؤدّية إلى مصالحته مع ذاته، ومفتخراً بالحرية التي يتعامل على أساسها مع الآخرين، ومناصراً دائماً لحقوق الفرد وحريته. ومع دعوته إلى منح الحرية للشعوب التي تفتقر إليها، أكّد أنّ حرية كلّ بلد واحدة لا يمكن أن تتجزأ، فإمّا أن تكون الدولة حرّةً، تحترم حريات شعبها وتدافع عنها، وإمّا أن تكون عاملةً على قتل بذور الحرية المتفتّحة أبداً في نفوس معظم الشعوب. وفي هذا الاطار، هاجم الأنظمة التي عملت وتعمل على استعباد مواطنيها ناكرةّ عليهم حقّهم في الحرية. وأبدى تخوّفه، في الوقت ذاته، “من أن يعتاد المواطنون (كما هي الحال في البلدان الشيوعية، وبلدان الديكتاتورية العسكرية) على الحرمان من الحرية، وأن ينتهوا إلى استساغة هذا النقص.”51
إلى ذلك، إعتبر جنبلاط تملّك قطعة صغيرة من الأرض مدخلاً إلى امتلاك الحرية. (وسبق أن ذكرنا أهمية الملكية الصغيرة وكذلك المتوسطة في سياق عرضنا للاشتراكية الجنبلاطية). إلا أنه حذّر، في الوقت عينه، من مخاطر “الحرية المطلقة في السياسة”52 الناتجة عن النظرية الليبيرالية في العمل، داعياً اللبنانيين إلى تجنّب الوقوع أسرى الفوضوية الفردية في حياتهم العامة والخاصة.
-
القومية العربية
في إطار عرض جنبلاط لنوعية النظام الذي ارتآه صالحاً لتطبيق العَلمانية، توقّف عند بندٍ مهم جداً من بنود نظامه، معتبراً القومية العربية حقل الانتماء الأسلم للمواطن العربيّ. وبحث في مفهوم “القومية”، فرأى أنّ الكلمة “مشتقّة من قوم، ووضعت للتعبير عن كلمة Nationalisme المشتقّة من كلمة Nation أمّة…”53 لكنه ميّز بين مصطلحيّ “قوم” و “أمّة” باعتبار أنّ كلمة “القوم” تغلّفها في سلّم التكتّل الاجتماعي “محدوديات وشروط من الزمان والمكان والاجتماع البشري، ويتعدّاها مفهوم الأمّة.”54
وإضافةً إلى التفسير اللغويّ، عرّف القومية بأنها شعور جماعة معيّنة تتميّز بصفاتها المشتركة “عن جماعاتٍ أخرى تعيش بالقرب منها أو تتّصل بها، أو لها معها علاقات مادية ومعنوية تبرز مظاهر التمييز والفروقات والمعاكسة.”55
وتتعلّق الشعوب عموماً بالقومية متطلّعةً إلى القوة بالوحدة والتضامن. لكنّ اللبنانيين أساؤوا فهمها، في رأيه، ذلك أنهم حاولوا الفصل بين ثلاثة أنواعٍ من الولاءات، لا تناقض في الحقيقة بينها: الولاء للبنان الوطن، الولاء للعروبة، والولاء للانسانية وللوطن الأكبر، الأرض. أما هو فآمن بالقومية العربية حيث تحيا شعوب عربية داخل أمّة عربية، وتكون مصائرها مصيراً واحداً، وذلك من منطلق اعتقاده الراسخ بأهمية التنوّع ضمن الوحدة كمبدأ لقيام الحياة وتطوّرها، وكمسلكٍ للوجود الكوني. وأشاد بدور الدروز الذين كانوا يحسّون بنبضات تلك القومية ويشاركون في الدعوة إليها بحماسةٍ عالية. ورفض الادّعاءات القائلة بوجود قومية لبنانية وأخرى سورية وثالثة فلسطينية، ولم يعترف بقوميةٍ سورية أو لبنانية منفصلة عن العروبة، ما جعله على خلافٍ جوهريّ مع مؤسّس الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعادة (1904-1949) الداعي إلى القومية السورية، وكذلك مع الفيلسوف واللغوي اللبناني كمال يوسف الحاج (1917-1976) المؤمن بالقومية اللبنانية. أمّا لبنان فاعتبره جنبلاط ذا وجهٍ عربيّ، حيث تتّصل الشخصية اللبنانية بالقومية العربية وتتواصل معها في تناغمٍ ملحوظ، الأمر الذي أدّى إلى توحّد الوطن اللبناني والوطنية العربية على المستوييْن التاريخي والجغرافي، مع تشارك في التفكير وفي المصير.
العروبة إذاً شعور إنسانيّ رفيع يتعدّى الأديان والخلافات بينها والتناقضات، وعلى اللبنانيين بحسب جنبلاط أن يتمسّكوا باتجاههم العربيّ للخروج من تقوقعهم الطائفيّ. واعتبر في ذلك الحين أنّ تحقيق القومية العربية الصحيحة تُعيد فلسطين إلى وجهها العربيّ. ومن أجل استعادة الوطن السليب، كما قال، هبّ “العالم العربيّ الشعبيّ والرسميّ، كلّه كالرجل الواحد، في تصميمٍ واحد، في تفكيرٍ واحد، في شعورٍ واحد، في استقطابٍ واحد نحو الغاية… هذه هي العروبة الحقيقية، هذه هي القومية العربية الواقعية والفعلية، هذا هو مرتكز انطلاق السياسة الوطنية في كلّ قطْرٍ، وغاية مرساها.”56 وربطه هذا القومية العربية بالقضية الفلسطينية كان شديد الوضوح، لكنه لو عاش ليرى ما يحدث في فلسطين اليوم، لأيقن للأسف أنّ المصالح الاقليمية والدولية، وليس الأحاسيس القومية، هي التي تحرّك أحداث الساحة الفلسطينية.
- القيادة والثورة
“… كلّ قائدٍ حقيقيّ هو صاحب تشوّف وكشف ورؤية بعيدة… فأدب التشوّف والكشف والرؤية البعيدة هو منطلق كلّ فكرٍ سياسيّ حقيقيّ.”57
على القائد، بحسب جنبلاط، أن يتفهّم عميقاً مشكلات المجتمع، ألاّ يكون متعالياً على الناس، بل قريب منهم يستخدم حكمته في النظر إلى مشكلاتهم وفي البحث عن حلولٍ مناسبة لها. وعلى القيادة أن تكون صالحة، معطاءة، مجدولة على حسّ الشرف، بعيدة كلّ البعد عن الأنا ومنفتحة بكلّيتها على الغيرية. وعلى القائد أن يكون ثورياً روحاً ونظرة تطبيقية على أرض الواقع، ما يمكّنه، في المبدأ، من أن يعمل على تطهير البلاد من الفساد عبر إصلاحاتٍ جذرية. إلى ذلك، ترتبط الثورة بعامليّ الأخلاق والضمير، المتّصليْن مباشرةّ بصفة التواضع لدى القائد.
وفي لبنان، يكمن هدف الثورة في توحيد اللبنانيين على أسسٍ عقيديةٍ وطنيةٍ، وعلى كلّ ثورةٍ أن تبلغ أهدافها وإلا تكون وبالاً على نفسها وعلى الشعب. وإذا ما تمّ الانتصار السياسيّ في مرحلة ما بعد الثورة، فينبغي الاستمرار في الجهود والمثابرة للحفاظ على ما تحقّق، على أن يكون القادة دوماً مخلصين لجماهيرهم.
-
الوحدة الوطنية
“إنّ لبنان الشعبيّ، أي لبنان كشعب، لا يزال في دور المخاض أو في طور التكوين.”58 لافتقاره إلى عامليّ الترابط والتضامن الكامليْن. وقد رأى جنبلاط أنّ خمسة عوامل تتفاعل لتعمل على تأخير تحقيق الوحدة الوطنية. أوّل هذه العوامل هو الحزبيّات المحلية الضيّقة المرتكزة على الأنانية والكبرياء والحساسية تجاه الآخر المختلف حزبياً ودينياً وطائفياً. ويكمن العامل الثاني في وجود فئاتٍ غريبة منتمية إلى قومياتٍ مختلفة على أرض لبنان، وهي دخيلة على الكيان اللبناني ويتطلّب انصهارها مرور عدّة أجيال. ويأتي العامل الثالث المتمثّل بالرجعية والعصبية ليتلاقى بخطورته مع العامل الرابع وهو غياب الدولة الديمقراطية والمدنية كما يجب أن تكون، وأمّا العامل الخامس والأخير فهو الطائفية السياسية التي تخلق التناقضات في إدارات الدولة كافة.
ورأى جنبلاط في العودة إلى التراث الشرقيّ العربيّ المتّصل بالتاريخ والحضارة خطوةً أولى في طريق الوحدة اللبنانية، ومحاولة للانعتاق من قيود الطائفية التي تهدّد هذه الوحدة، وصولاً إلى تلاقي النصرانية والاسلام ضمن اشتراكيةٍ مناقبية.
خاتمة
إنعقد الفكر الجنبلاطي على نزعتيْن أساسيتيْن وسمتا حياته الشخصية والسياسية: الأولى هي نزعة روحانية صوفية حاول من خلالها ملامسة المفاهيم الميتافيزيقية والتعمّق في مكنوناتها في إطارٍ فلسفيّ، والثانية هي نزعة سياسية عاشها فعلاً وواقعاً، وترجمها كتاباتٍ وأبحاثاً ومحاضرات.
من هنا كانت له رؤية خاصة بالدين كما تفكّر فيه مفهوماً وكما جسّده ممارسةً، كما كان لديه تصوّر واضح المعالم للعَلمانية وللسُبُل التي ينبغي اتّباعها بهدف بلوغ مرحلتيّ الاقناع بجدواها والعمل على تحقيقها، مع إدراكه المسبق حتماً صعوبة هذين الأمرين نظراً إلى تجذّر الطائفية في النفوس كما في أساس النظام السياسيّ اللبنانيّ.
دخل جنبلاط عالم السياسة من باب الفلسفة، وودّع العالم الأرضيّ يوم اغتياله، ففُتحت على لبنان، قبل الاغتيال وبعده، أبواب من النزاعات والحروب والثورات والصدامات لم تُغلق للأسف إلى اليوم، لا بل هي مستمرّة في شكلٍ يخفّ حيناً ويقوى حيناً آخر بحسب المصالح والمتغيّرات الاقليمية والدولية.
عاش جنبلاط للفكر وللسياسة، للحرية العقلانية، للاشتراكية الانسانية، وللدولة العالمة، العادلة، والعَلمانية، حيث تمازجت المثالية مع الواقعية في تماهٍ كلّيانيّ متميّز.
_________________________________________
المراجع
[1] كمال جنبلاط، ثورة في عالم الانسان، الدار التقدّمية، الطبعة الثالثة، المختارة، لبنان، آذار، 1987، ص. 13.
[2]المرجع نفسه، ص. 174.
[3]المرجع نفسه، ص. 245.
[4]كمال جنبلاط، الديمقراطية الجديدة، الدار التقدّمية، الطبعة الرابعة، المختارة، لبنان، آذار، 1987، ص.54.
[5]كمال جنبلاط، من أجل المستقبل (مختارات)، الدار التقدّمية، الطبعة الثانية، المختارة، لبنان، آذار، 1987، ص. 235.
[6]كمال جنبلاط، لبنان في واقعه ومرتجاه (محاضرة)، منشورات “الندوة اللبنانية”، السنة الحادية عشرة، النشرة الأولى، 1957، ص. 65.
[7]كمال جنبلاط، ثورة في عالم الانسان، مرجع مذكور، ص. 244.
[8]كمال جنبلاط، هذه وصيّتي، ترجمة مؤسّسة الوطن العربي للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، حزيران، 1978، ص. 50.
[9]المرجع نفسه، ص. 51.
[10]المرجع نفسه.
[11]المرجع نفسه، ص. 54.
[12]المرجع نفسه، ص. 56.
[13]كمال جنبلاط، حقيقة الثورة اللبنانية، الدار التقدّمية، الطبعة الرابعة، المختارة، لبنان، آذار، 1987، ص. 82.
[14]المرجع نفسه، ص. 83.
[15]كمال جنبلاط، فيما يتعدّى الحرف، الدار التقدّمية، الطبعة الثالثة، المختارة، لبنان، آذار، 1987، ص. 32-33.
[16]كمال جنبلاط، أحاديث عن الحرية (مختارات)، الدار التقدّمية، الطبعة الثانية، المختارة، لبنان، آذار، 1987، ص. 103.
[17]المرجع نفسه، ص. 105.
[18]كمال جنبلاط، في مجرى السياسة اللبنانية، أوضاع وتخطيط، الدار التقدّمية، الطبعة الثالثة، المختارة، لبنان، آذار، 1987، ص. 43.
[19]كمال جنبلاط، من أجل المستقبل، مرجع مذكور، ص. 212.
[20]المرجع نفسه، ص. 91.
[21]المرجع نفسه، ص. 128.
[22]كمال جنبلاط، في مجرى السياسة اللبنانية، مرجع مذكور، ص. 27.
[23]كمال جنبلاط، نحو اشتراكية أكثر إنسانية، تعريب رودلف القارح، الدار التقدّمية، الطبعة الثانية، المختارة، لبنان، آذار، 1987، ص. 41-42.
[24]المرجع نفسه، ص. 42.
[25]كمال جنبلاط، في مجرى السياسة اللبنانية، مرجع مذكور، ص. 66.
[26]كمال جنبلاط، أضواء على حقيقة القضية القومية الاجتماعية السورية، الفكرة القومية، الدار التقدّمية، الطبعة الثالثة، المختارة، لبنان، آذار، 1987، ص. 130.
[27]المرجع نفسه.
[28]كمال جنبلاط، من أجل المستقبل، مرجع مذكور، ص. 128.
[29]كمال جنبلاط، في مجرى السياسة اللبنانية، مرجع مذكور، ص. 66.
[30]كمال جنبلاط، هذه وصيّتي، مرجع مذكور، ص. 102.
[31]كمال جنبلاط، أدب الحياة، الدار التقدّمية، الطبعة الرابعة، المختارة، لبنان، آذار، 1987، ص. 191.
[32]المرجع نفسه.
[33]كمال جنبلاط، أحاديث عن الحرية، مرجع مذكور، ص. 38.
[34]كمال جنبلاط، من أجل المستقبل، مرجع مذكور، ص. 98.
[35]المرجع نفسه.
[36]”مقابلة مع جنبلاط”، جريدة الهدى، نيويورك 4 تشرين الثاني، 1949، ص. 1.
[37]كمال جنبلاط، من أجل المستقبل، مرجع مذكور، ص. 202.
[38]كمال جنبلاط، هذه وصيّتي، مرجع مذكور، ص. 71.
[39]كمال جنبلاط، ثورة في عالم الانسان، مرجع مذكور، ص. 9.
[40]المرجع نفسه، ص. 23.
[41]كمال جنبلاط، نحو اشتراكية أكثر إنسانية، مرجع مذكور، ص. 15.
[42]كمال جنبلاط، أضواء على حقيقة القضية القومية الاجتماعية السورية، مرجع مذكور، ص. 151.
[43]كمال جنبلاط، نحو اشتراكية أكثر إنسانية، مرجع مذكور، ص. 14.
[44]كمال جنبلاط، هذه وصيّتي، مرجع مذكور، ص. 49.
[45]المرجع نفسه.
[46]جميل صليبا، المعجم الفلسفي، بالألفاظ العربية والفرنسية والانكليزية واللاتينية، الجزء الأول، دار الكتاب اللبناني، بيروت، لبنان، 1982، ص. 569-570.
[47]كمال جنبلاط، من أجل المستقبل، مرجع مذكور، ص. 257.
[48]المرجع نفسه، ص. 240.
[49]كمال جنبلاط، أحاديث عن الحرية، مرجع مذكور، ص. 72.
[50]كمال جنبلاط، هذه وصيّتي، مرجع مذكور، ص. 135.
[51]المرجع نفسه.
[52]كمال جنبلاط، حقيقة الثورة اللبنانية، مرجع مذكور، ص. 97.
[53]كمال جنبلاط، في مجرى السياسة اللبنانية، مرجع مذكور، ص. 67.
[54]المرجع نفسه.
[55]المرجع نفسه، ص. 53.
[56]كمال جنبلاط، من أجل المستقبل، مرجع مذكور، ص. 99.
[57]كمال جنبلاط، أدب الحياة، مرجع مذكور، ص. 184.
[58]كمال جنبلاط، ثورة في عالم الانسان، مرجع مذكور، ص. 80.