تكوين
ترجمة: محمد عبد المقصود
عندما كنتُ طالبًا في الدراسات العُليا بجامعة ييل Yale، كان قِسْمُ الفَلْسَفةِ فخورًا بذاته لِما فيه من تنوُّع: وقد كان مُتنوعًا بالفعل. كان هنالك مثاليون، براغماتيّون، فينومينولوجيّون، وجوديون، وأتباعٌ لوايتهيد، ومؤرّخون للفلسفة، وأحد رموز الوضعية، بالإضافة إلى هؤلاء الذين لا يُمكن وصفهم إلا كمُشاهدين للمشهد الثقافي الجاري.
وقد كان هذا الأمر، من بعض النواحي، مَدعاةً للفخر بحق؛ إذ يَسَعُ الطَّالِبَ مواجهة تمثيلاتٍ حيَّة حقًّا للعديد من أمهات التقاليد الفلسفية. غير أنه، مع ذلك، كان لهذا التنوُّع أثرٌ جانبيٌّ مُحزِن وغير مرغوبٍ فيه. فإذا طرح أحدهم داخل الفصل الدراسي سؤالًا فلسفيًّا، وبالأخصّ إذا كان من خارج الفصل الدراسي، يكون الجواب النموذجي هو قائمة ببعض الأجوبة المُتباينة العديدة التي شهدها العالَم: ثمَّة إجابةٌ أرسطيَّة، وإجابةٌ وجوديَّة، وإجابةٌ ديكارتيَّة، وإجابةُ هايدجر، وربما الإجابةُ البوذيَّة كذلك، وهَلُمَّ جرًّا. أما سؤال ’ما الحقيقة بشأنْ هذه المسألة؟‘ فغالبًا ما كان يُستَقْبَل بازدراء، كأنه سؤالٌ ساذَج لا داعي إليه. هناك كل هذه الأجوبة المُختلفة، المُؤيَّدة جميعها من قِبَل أُناس ذَوي قُوَّة ثقافيَّة وإخلاص فلسفي عظيمان.
ومقابل كل حُجَّة تؤيِّد أحد هذه المواقف، هناك حُجَّةٌ أُخرى تُعارِضه؛ أليس من السذاجة المُفرِطة، أو لعلَّه تعسُّفًا، أنْ نفترضَ صِدق أحد هذه المواقِف في واقع الأمر، وكذب البقيَّة؟ أو أن نفترض أيضًا (إذا كان ثمَّة حقيقة بشأن هذه المسألة فِعلًا) صِدق أحد هذه المواقِف، وكذب كل ما يتعارض معه؟ ألن يكون من التعسُّف المحض أنْ نؤيّد – في وجه ذلك الثراء الفاحِش – أحدَ هذه المواقف على أنه الحق، مُوْدِعينَ البقيَّة في خانة الباطِل؟ كيف تمكَّنْتَ من معرفة صِدق أيٍّ منهم؟
دفعَ البعضُ بموقفٍ مُشابه بالنسبة إلى تنوُّع الأديان المُذهل الذي يُظهره العالَم. هناك أديانٌ تأليهيَّة Theistic religions**، ولكن ثمَّةَ على الأقل بعض الأديان غير التأليهيَّة Nontheistic أيضًا (أو ربما فروع غير تأليهيَّة من الدين)، من بينها التنوُّع الهائل للأديان التي تندرج تحت اسم “الهندوسيَّة” و “البوذيَّة”؛ ومن بين الأديان التأليهيَّة هناك فروعٌ من الهندوسيَّة والبوذيَّة والدين الهندي الأمريكي بالإضافة إلى الإسلام، واليهوديَّة، والمسيحيَّة؛ جميع هذه الأديان تختلف فيما بينها بشكل هام. ألَن يكون من التعسُّف، بشكلٍ ما، أو من غير العقلانيّ، أو من غير المُبرَّر، أو من غير المُسوَّغ، أو حتى من الظُّلم والإمبرياليَّة، أنْ نؤيّد إحدى هذه الديانات، مُعارِضين جميعَ ما دونها؟ بحسب جان بودين Jean Bodin ’كلٌّ منها تدحضه البقيَّة‘[1]؛ أليس علينا أن نتفق؟ بمَعِيَّة ذلك ينشأ ما يُسمَّى: مُشكلة التعدديّة. بالطبع هناك شواغِلٌ ومُشكلاتٌ عِدَّة يمكنها أن تأتي تحت هذا العنوان؛ أما المُشكلة المُحدَّدة التي تعنيني مُناقشتها فيُمكن التفكير بها كما يلي. لكي أطرحها بشكل داخلي وشخصي: أجدُ لديَّ مُعتقداتٍ دينية، مُعتقداتٌ أُدرِكُ بأنها غير مُشتركة لدى جميع النّاس تقريبًا. على سبيل المِثال، أنا أؤمن بهذين المُعتقدين:
- خُلِقَ العالَم من قِبَل إلَه قدير، عَليم، وهو كائنٌ شخصيٌّ كامِل الصلاح (يحمل مُعتقدات؛ لديه أهداف، خطط، ومقاصِد، وقادر على الفِعل لبلوغ هذه الأهداف)
- يحتاج البشر إلى الخلاص، وقد قدَّم الله طريقةً فريدة للخلاص عبر تجسُّد ابنه الإلَهيّ، وحياته، ومَوْته الكَفَّاري، وقيامته من بين الأمواتْ.
الآن، ثمَّة عديدٌ من الأشخاص لا يؤمنون بتلك الأشياء.
- أولًا، هناك مَنْ سيتّفقون معي على (1) فقط، ويرفضون (2): إذ توجد أديانٌ تأليهيَّة غير مسيحيَّة.
- ثانيًا، هناك من لا يقبلون لا (1) ولا (2) ولكنهم، مع ذلك، يؤمنون بوجود شيء ما يتجاوز العالَم الطبيعي، شيءٌ حيث تعتمد سعادة البشر وخلاصهم على الدخول في علاقة صحيحة معه.
- ثالِثًا، لدينا في الغرب، ومنذ التنوير على أي حال، أُناس – يُمكننا تسمِيَتْهم الطبيعانيين*** – لا يؤمنون بأيٍّ من هذه الأشياء الثلاث.
وهذه هي مُشكلتي: عندما أكون مُدرِكًا حقًّا لهذه الطُّرق الأُخرى في النظر إلى العالَم، تلك السُّبُل المختلفة في الاستجابة دينيًّا للعالَم، ما الذي ينبغي أو يتعيَّن عليَّ فِعله؟ ما نوع الموقف الصحيح الذي عليَّ اتّخاذه؟ أيُّ نوعٍ من التأثير يتعيَّن لهذا الإدراك أن يُحدثه على مُعتقداتي، وعلى درجة تمسُّكي بها؟
سؤالي هو: كيف عليَّ أنْ أُفكِّر بشأن التنوُّع الدينيّ الكبير الذي يُبديه العالَم في الواقع؟ هل يُمكنني أنْ أظل مُعتنقًا لأحد هذه الأديان، بشكل معقول، رافِضًا لِما دونه؟ وأنا هنا أُفكِّر بالمُعتقدات تحديدًا. بالطبع هناك في أي دين أو مُمارسة دينية ما هو أكثر بكثير من مُجرد المُعتقد، وأنا لم أقصد إنكار ذلك للحظة. غير أنَّ المُعتقد يُمثِّل جُزءًا في غاية الأهمية بالنسبة لمُعظم الأديان؛ إنه جُزءٌ له أهميَّةٌ حاسمة في ديني؛ والسؤال الذي أُريد أنْ أطرحه هنا هو: ما الذي يعنيه (أو ما الذي ينبغي أن يعنيه) إدراك هذا التنوُّع الدينيّ، بالنسبةِ إلى مُعتقداتي الدينية؟
تحدَّث البعض هنا عن إدراكٍ جديدٍ للتنوُّع الدينيّ، ويتحدّثون عن ذلك الإدراك الجديد بشكل يُصوِّره (بالنسبةِ إلينا في الغرب) كأزمة، أو ثورة، تطوُّرٌ فكريٌّ بمِقدارِ أهميةِ ما للثورةِ الكوبرنيقيَّة في القرن السادس عشر، واكتشاف التطوُّر المزعوم وأصولنا الحيوانية في القرن التاسع عشر.[2] لا شكَّ بأن ثمَّة على الأقل شيئًا من الحقيقة في ذلك.
الواقعُ أن العديدَ من المسيحيين واليهود الغربيين، بالطبع، دائمًا ما كانوا يعرفون بأنَّ هناك أديانًا أُخرى وأنَّهم لا يتشاركون دينهم مع الجميع تقريبًا.[3] بنو إسرائيل القُدماء – بعض الأنبياء، مثلًا – كانوا مُدرِكين للديانة الكنعانية بوضوح؛ وقد قال بولس الرّسول بأنّه بَشَّرَ بالمسيح المصلوب ’عَثَرةً عند اليهود، وجهالةً عند اليونانيين‘ (كورنثوس الأولى 1/ 23). آخرون من المسيحيين الأوائل، شُهداء المسيحية، مثلًا، لابدَّ أنهم قد اشتبهوا في عدم إيمان الجميع مثلهم. وآباءُ الكنيسة، في دفاعاتهم عن المسيحية، يقينًا كانوا على علمٍ بهذه الحقيقة؛ أوريجانوس، بالفِعل، كتبَ ثمانِ مُجلَّدات ردًّا على كِلْسوس Celsus الذي دَفَعَ بحُجَّة مُشابهة لتلك التي يطرحها أنصار التعدديَّة المُعاصِرون.
الأكويني Aquinas، كذلك، كان مُدركًا بوضوح لأولئك الذين خاطبهم في كتابه الخُلاصة ضد الأُمَم Summa Contra Gentiles، وحقيقة أنَّ هناك أديانًا غير-مسيحيَّة لن تُفاجئ المُبشِّرين اليسوعيين في القرنين السادس عشر والسابِع عشر، ولا المُبشِّرين الميثوديين في القرن التاسع عشر. ومؤخَّرًا أكثر، عندما كنتُ طِفلًا، كانت الراية The Banner، الصحيفة الرسميَّة للكنيسة الإصلاحيَّة، تحوي خانةً للأطفال؛ وكان يكتُبها ’العمُّ دِك‘ Uncle Dick، الذي حثَّنا على ادّخار القروش التي لدينا وإرسالها إلى أقرباءنا الهنود مع إرساليَّة نافاهو Navaho في المكسيك الجديدة. كِلانا – نحن وأولياء أمورنا – كنا نعرف بأنَّ سُكَّان نافاهو لديهم، أو كان لديهم، ديانةٌ مختلفةٌ عن المسيحية، وجُزءٌ من مسألة إرسال النقود كان لمُحاولة تصحيح ذلك الوضع.
عِلاوةً على ذلك، أصبح مُعظمنا على الأرجح، نحن المسيحيون في الغرب، على درايةٍ بالتنوُّع الدينيّ في العالَم في السنوات الأخيرة؛ على الأرجح إننا قد تعرَّفنا أكثر على القناعات الدينية للنَّاس الآخرين، وقد أصبحنا نرى بوضوح أكبر ما يُبْدونه من ورعٍ حقيقيّ وتَقْوى وروحانيَّة. لعلَّ ما جَدَّ حقًّا هو زيادة التعاطف مع الأديان الأُخرى على نطاقٍ واسِع، نزوعٌ نحو تقديرهم بشكلٍ أكبر، شملهم أكثر ضمن طريق الحق، وشعورٌ جديدٌ بالتضامن مع مُمارِسي هذه الأديان.
هناك العديد من ردود الفِعل المُمكنة على إدراك التنوُّعِ الدينيّ. أحدها هو الاستمرار في الإيمان يما آمنْتَ به دائمًا؛ أن تتعرَّف على هذا التنوُّع وتستمر في إيمانك هو أن تتَّخذ القضايا[*] السابقة (1) و(2) بوصفها صادقة، مِمَّا يستتبع تكذيبَ أي مُعتقداتٍ أُخرى، دينيةً أو غير ذلك، تتعارض مع (1) و(2). اتَّباعًا للمُمارسة الحالية سأشير إلى هذا الموقف بـ «النَّزعة الأُحاديَّة» Exclusivism؛ يتمسَّك الأُحاديُّ Exclusivist بأنَّ العقائدَ (أو بعضها) الخاصة بدينٍ ما – كالمسيحية، مثلًا – صادقةٌ في واقع الأمر؛ ويُضيف إلى ذلك، بطبيعة الحال، أنَّ أيَّة قضايا أُخرى (بما تشمله من مُعتقداتٍ دينيةٍ أُخرى) تتعارض مع هذه العقائد، هي قضايا كاذبة. يشيع الاعتقاد حاليًا وبشكل واسع بأنَّ هناك خطأً خطيرًا ما في النَّزعة الأُحاديَّة.
- إنها لا-عقلانيَّة، أو مغرورة وغير مُبرَّرة[4]
- أو مُتغطرسة فكريًّا[5]
- أو نُخْبَويَّة[6]
- أو إظهار لمَشاعر فَخر مؤذية[7]
- أو حتى نوعٌ من الظُّلم والإمبرياليَّة.[8]
الدعوى هي: النزعة الأُحاديَّة رذيلة في حدِّ ذاتها، أو تنطوي عليها: إنها خاطئةٌ أو مؤسِفة؛ وهذا هو الادّعاء الذي أُريد أن أفحصه. ما أقترحه في مُحاجّتي هو أنَّه ليس بالضرورة أنْ تنطوي النَّزعة الأُحاديَّة على فشلٍ معرفيًّا أو أخلاقيًّا، وفوق ذلك، أنَّها تكادُ أنْ تكونَ أمرًا لا مفرَّ منه بالنظر إلى الحالة الإنسانيَّة.
لا تتعلَّق هذه الاعتراضاتُ بصِدق الدعاوى (1) و(2) أو أيَّة قضايا أُخرى قد يقبلها المرء بطريقة أُحاديَّة (بالرغم من أنَّ الاعتراضات من هذا النوع مطروحة بالطبع)، وإنما هي بالأحرى مُوجَّهة ضد صلاحيَّة أو صواب النَّزعة الأُحاديَّة بشكلٍ عام. هناك، مبدئيًّا، نوعان مُختلفان من الاتّهامات المُوجَّهة إلى الأُحاديَّة:
- اتّهاماتٌ أخلاقيَّةٌ أو قِيَميَّةٌ بصفةٍ عامة
- واتّهاماتٌ فكريَّةٌ أو معرفيَّةٌ بصفةٍ عامة.
وهذه الاتّهاماتُ تتداخل فيما بينها بشكلٍ مُثيرٍ للاهتمام كما سنرى أدناه. ولكن، مبدئيًّا، يُمكننا التعامل مع بعضِ الاتّهامات بوصفها نقدًا فِكريًّا: مِن اللا-عقلانيّ أو من غير المُبرَّر أنْ تُفَكِّر بطريقةٍ أُحاديَّة. وأن نتعامل مع الشِّق الأكبر من الاتّهام بوصفه نقدًا أخلاقيًّا: ثمَّةَ شيءٌ ما مُشتبهٌ فيه أخلاقيًّا بشأن النزعة الأُحاديَّة: إنها تعسُّفيَّة، أو مُتغطرِسة فِكريًّا، أو إمبرياليَّة. يُشير جوزيف رانزو Joseph Runzo إلى ذلك قائلًا:
“لم يَعد للنَّزعة الأحاديَّة أيَّةُ مِصداقيَّةٍ فكريًّا أو قبولًا مَعنويًّا في سياق مَعرفتنا المُعاصرة بالعقائد الأُخرى.”[9]
أُريد أنْ أنظر في هذين النوعين من الدعاوى أو الانتقادات، ودعواي هي أنَّ الأُحاديّ ليس مُدانًا بالضرورة بأيٍّ من هذه الاتّهامات.
الاعتراضاتُ الأخلاقيَّة على النَّزعة الأُحاديَّة
سأتناول أوّلًا الاتّهامات الأخلاقيَّة: إنَّ الأُحاديّ مُتغطرِسٌ فِكريًّا، أو مغرور، أو مُتعسِّف لِما يَخدم مَصلحته، أو لا-مِصداقيَّةَ له، أو إمبرياليّ، أو ظالِم. ولكن لديَّ ثلاثُ تحفُّظاتٍ في البداية.
- أولًا: ربما يكون الأُحاديّ مُدانًا، مثله مثلَ أيِّ شخصٍ آخر، ببعض هذه الأشياء أو جميعها إلى حدٍّ ما على الأقل، لعلَّه سيكون مُدانًا بالتُّهمة الأولى والثانية بالأخصّ؛ غير أنَّ السؤال هو ما إذا كان مُدانًا بهذه الأشياء لكَوْنه أُحاديًّا فحسب.
- وثانيًا، سوف أستخدم مُصطلح «النَّزعة الأُحاديَّة» بحيث لا يُعَدُّ الشخص أُحاديًّا ما لم يمتلك إدراكًا كافيًا بالعقائد الأُخرى، وما لم تجذب انتباهه بوجودها ودعاواها إلى حدٍّ ما، وربما بشكلٍ مُتكرر بوضوح، وما لم يُمعِن النَّظَر إلى حدٍّ ما في مُشكلة التعدديَّة، طارِحًا على نفسه أسئلةً عمَّا إذا كان الربُّ قد كَشَفَ (أو يُمكن له أنْ يكشِف) عن ذاته، وعن طُرُقه، للمسيحيين مثلًا، على نحوٍ يجعله مجهولًا لدى أصحاب العقائد الأُخرى. وهكذا فإن جَدَّتي – على سبيل المثال – لا تُحتَسَبُ ضمن أنصار الأُحادية. لا شكَّ بأنها قد سَمِعَتْ عن الوثنيين، كما دَعَتْهُم، على أنَّ فِكرة إمكان تعلُّم المسيحيين منهم، وأنْ يتعلَّموا منهم ما يتعلَّق بالمسائل الدينية خصوصًا، لم تخطُر لها على بال؛ وحقيقة أنها لم تخطر ببالها، فيما أعتقد، لم تكن مَسألةَ تقصيرٍ أخلاقيٍّ من جانبها. ونفس الأمر ينطبق على البوذيّ والفلّاح الهندوسي البسيط. هؤلاء النَّاس لَيْسوا، فيما أعتقد، مِمَّنْ يُتَّهمون بالغَطرسة أو غيرها من المآخِذ الأخلاقيَّة لإيمانهم بما يؤمنون به.
- ثالِثًا، لنفترض أنني أحاديٌّ بشأن القضية (1) مثلًا، لكنّي وبلا ذنبٍ أؤمنُ (كالقِدّيس توما الأكويني مثلًا) بأنَّ لديَّ حُجَّة قاضية لا سبيل إلى مُنازعتها، إثباتٌ أو بُرهانٌ قاطِعٌ للقضية القائلة بوجود شخص مثل الله؛ ولنفترض أنني أعتقدُ أيضًا (بغير ذنبٍ كذلك) أنَّه لو كان لأولئك الذين لا يؤمنون بالقضية (1) أن يعلموا بشأن حُجَّتي تلك (وكانت لديهم القُدرة والدَّرْبَة الضروريتين لاستيعابها، وفكَّروا بها في تأنٍّ وإنصاف) لكانوا آمنوا هم أيضًا بالقضية (1).
إذًا، بالكاد يُمكن أنْ أُرمى بهذه الأخطاء الأخلاقيَّة. إنَّ حالتي هنا ستكون أشبه بحالة جودِل Gödel، مثلًا، عند إدراكه بأنَّ لديه بُرهان على لا-تماميَّة الحِساب. الحَق أنَّ العديد من زُملائه وأقرانه لم يؤمنوا بـ لا-تماميَّة الحِساب، وكان بعضهم يؤمنون بتماميَّته أيضًا؛ لكن على الأرجح لم يكُن جودِل Gödel مُتعسِّفًا أو مغرورًا في إيمانه بحقيقة أنَّ الحِساب غير مُكتمل. علاوةً على ذلك، ما كان له أن يكون مُخطئًا حتى ولو آمنَ باكتشافه لهذا البرهان، لا بغير ذنب، وإنما عن طريق الخطأ. وبناءً عليه، سأستخدم مُصطلح «الأُحاديّ» بحيث لا تكون أُحاديًّا إذا كنتَ تعتقد، بغير ذنب، بأنَّ لديك إثباتًا أو حُجَّةً قاطِعة على المُعتقدات التي يُعزى إليك النَّزعة الأُحاديَّة بشأنها، أو حتى إذا كنتَ تعتقد، بغير ذنب، بأنَّ لديك حُجَّة ستُقنع جميع أو غالبيَّة الأذكياء والصَّادِقين من النَّاس، بحقيقة هذه القضية. ومن ثمَّ، ليس الأُحاديُّ – كما أستخدم هذا المُصطلح – هو من يؤمن بشيء مثل القضايا (1) أو (2) مع اعتقاده بخطأ كل ما يتعارض معهما ففقط؛ وإنما عليه أنْ يَستوفي شرطًا إضافيًّا C يصعب علينا تقريره بدِقَّة وتفصيل (وفي الواقع، أي محاولة للقيام بذلك لابد أن تنطوي على نقاش مُطوَّل، وغير ذي صِلَة حاليًا، لبنود عواملٍ أُخرى). يكفي القَوْل بأنَّ هذا الشَّرط C يشمل: (أ) الإلمام الكافي نوعًا ما بالأديان الأُخرى، (ب) معرفة أنَّ هناك قَدْرًا من التَّقوى والورع الصادقين على الأقل تُبديهما هذه الأديان، (ج) والإيمان بأنَّه ما من حُجَّة لديك كفيلة بأن تُقنِع، بالضرورة، غالبيَّة أو جميع الأشخاص الأذكياء والصَّادِقين، الخارجين عن ولاءك الديني.
بناءً على هذه التحفُّظات، إذًا، لِمَ علينا أن نعتقد بأنَّ الأُحاديَّ مُتهمٌ، بحق، بهذه الأخطاء الأخلاقيَّة؟ لأتناول أولًا، وباختصار شديد، تُهْمَتَيْ الظُّلم والإمبرياليَّة: أعتقد بأنَّ علينا أن نقول في وجه هذه الاتّهامات أنَّها غير قابلة للتصديق إطلاقًا. أنا لا أخشى الاعتراف بأنَّ بعضكم يرفضون بعضَ ما أؤمن به، غير أنّي لا أعتقد بأنّكم تظلمونني في ذلك، حتى ولو لم يعتقد أيٌّ منكم بأنَّ لديه حُجَّة ستُقنعني. يُمكن تصوُّر النَّزعة الأُحاديَّة وهي تُسْهِم في الظُّلْم بطريقةٍ ما، إلا أنّها ليست ظالمةً في حدِّ ذاتها.
الاتّهامُ الأخلاقيُّ الهام هو: إنَّ هناك نوعًا من التعسُّف للمصلحة الذاتية، الغرور أو الغطرسة، في القبول بالقضية (1) أو (2) مع استيفاء الشرط C؛ إنَّ النزعة الأُحاديَّة مُذنبة بخطأٍ أخلاقيٍّ خطير أو عَيبٍ ما. يقول ويلفرد كانتويل سميث Wilfred Cantwell Smith
“ناهيكم عن الاتّصاف بالطَّيْش أو انعدام الحَساسيَّة، إنه لَمِن غير الممكن أخلاقيًّا حقًّا أن نخرج إلى العالَم ونقول لأقراننا من البشر المُتديّنين والأذكياء ’نحن نؤمن بأننا نعرف الله، ونحن على حق؛ وأنتم تؤمنون بأنّكم تعرفون الله، ولكنكم على الباطل تمامًا.‘”[10]
إذًا، ما الذي يُمكن أن يكون لدى الأُحاديِّ ليقوله عن نفسه هنا؟ حسنًا، لابدَّ من الاعتراف مباشرةً بأنَّه إذا آمن المرء بالقضية (1) أو (2) فسيتعيَّن عليه أيضًا أنْ يؤمن بأنَّ أولئك المؤمنين بما يتعارض مع هاتين القضيتين مُخطئون ويؤمنون بشيءٍ باطل. ليس هذا إلا منطقًا بسيطًا. وفوق ذلك، ينبغي له أنْ يؤمن أيضًا بأنَّ أولئك الغير مؤمنين بما يؤمن به هو – أي الذين لا يؤمنون لا بالقضية (1) ولا بـ (2)، سواءٌ آمنوا بنَفْيهما أم لا – أخفقوا في الإيمان بهذا الشيء الحقيقي، والعميق، والمهم، الذي يؤمن به. ومن ثمَّ، لابدَّ له من أنْ يعتقد بتميُّزه مقارنةً بأولئك الآخرين – من كِلا النوعين. ثمَّة شيءٌ عظيمُ القيمة (هكذا ينبغي أن يُفكِّر) يحوزه هو ويفتقرون هم إليه. إنهم يجهلون شيئًا ما – شيئًا عظيمَ الأهمية – هو على معرفة به. ولكن هل يجعله هذا محلًّا للاستهجان السابق، بشكل سليم؟
أعتقد بأنَّ الجواب ينبغي أنْ يكون لا. أو، إذا كان الجواب هو نعم، فأعتقد بأننا سنواجه مُعضلةً أخلاقيَّةً حقيقيَّة هنا؛ ففي حياتنا الأرضية بهذه الدنيا، كما اعتاد مُعَلِّم مدرسة الأحَدْ أن يُخبرني، ليس هناك بديلٌ حقيقيّ؛ ما مِنْ موقفٍ فِكْريٍّ إلا ومُعرَّض للقيود نفسها. ما اتّهاماتُ الغطرسة هذه إلا دُميةُ قطرانٍ فلسفيَّة: اقتربْ منها بما يكفي لتستخدمها ضِد الأُحاديّ وسرعان ما تجدها التصقت بك أنت أيضًا على الأرجح. كيف إذًا؟ حسنًا، بصِفَتْي أُحاديًّا، أجدني غيرَ قادرٍ على إقناع الآخرين بأنَّهم ينبغي أنْ يؤمنوا بما أؤمن، غير أنَّني ومع ذلك أستمر في الإيمان بما أؤمن؛ والاتّهام هو أنَّني، جرَّاء ذلك، شخصٌ مُتغطرس أو مغرور، وأُفَضِّل طريقتي في القيام بالأمور، تعسُّفًا، على الطُّرق الأُخرى.[11] ولكن ما البدائل المُتاحة لديَّ بشأن قضية مثل (1)؟
يبدو أنَّ هناك ثلاث خيارات[12]: أستطيع الاستمرار في التمسُّك بها؛ وأستطيع تعليقَ الحُكم بشأنها withhold it، بالمعنى الذي عناه رودريك تشزهولم Roderick Chisholm، أي ألَّا أعتقد بها ولا بنَفْيها؛ وأستطيع القبول بنَفْيها. تأمَّل الخيار الثالِث، وهو خيارٌ مُتَّبع من التعدديين Pluralists، مثل جون هيك John Hick، الذين يعتقدون بأنَّ القضايا (1) و(2) ونظائرهما في الأديان الاُخرى قضايا خاطئة حرفيًّا، إلا إنها، مع ذلك، تظلُّ استجابات صحيحة للحَقيقة، بطريقةٍ أُخرى. لا يبدو لي هذا إحرازًا للتقدُّم بأي شكل فيما يتعلَّق بمشكلة الغطرسة أو الغرور؛ هذا ليس بمَخرج. لأنّني باتّباعي لهذه الطريقة، سأكون في الحالة نفسها التي أنا عليها الآن تمامًا: سأكون مؤمنًا بالكثير من القضايا التي لا يؤمن بها الآخرون، مع استيفائي للشرط C بشأن هذه القضايا.
إذ أنَّني سأؤمن حينئذٍ بنَفْي (1) و(2) (كما سأؤمن أيضًا بنَفْي العديد من القضايا الأُخرى المقبولة صراحةً لدى أتباع الأديان الأُخرى). كثيرٌ من الآخرين، بالطبع، لا يؤمنون بنَفْي (1) و(2) بل بصدقهما بالفعل. وعلاوةً على ذلك، لن أعرفَ أيُّ الحُجَج يُمكن أن تكون مُقنِعة بالنسبة لمَن يؤمنون بـ (1) و(2) (أو بالقضايا المقبولة من أتباع الأديان الأُخرى). أجدني، حينئذٍ، في حالة إيمان بقضايا لا يؤمن بها العديد من الآخرين، مع استيفائي للشرط C. وبالتالي، بالنسبة إلى مَنْ يؤمنون بالقضايا (1) و(2)، إذا كان هذا كافيًا لاتّهامهم بالغطرسة أو الغرور الفِكري، فهو كذلك أيضًا بالنسبة إلى أولئك الذين يؤمنون بنَفْيهما.
لنُفكِّر إذًا في الخيار الثاني: يُمكنني، عوضًا عن ذلك، تعليق الحُكْم withhold بشأن القضية قَيد السؤال. يُمكنني أنْ أقول لنَفْسي:
“بما أنّه ليس في وِسْعي أو بإمكاني إقناع هؤلاء الآخرين بما أؤمن، فالمسار الصحيح هنا إذًا هو ألَّا أعتقد لا بهذه القضايا ولا بنَفْيها.”
يُمكن للتعدُّديّ المُعترِض على النَّزعة الأُحاديَّة القَوْل بأنَّ المسار الصحيح – في ظل تحقُّق الشرط C – هو الامتناع عن الإيمان بالقضيَّة الإشكاليَّة وأيضًا الامتناعَ عن الإيمان بنَفْيها. فلندعوه إذًا بـ «التعدُّديّ المُمتنع». لكن، أيتجنَّب بذلك حقًّا الوضع المؤدّي إلى تُهمة الغرور والغَطرسة في حالة الأُحاديّ؟ فَكِّر لوهلة في الاختلاف بالرأي Disagreement. الاختلاف بالرأي هو في الأساس، مسألةُ تَبَنّي مواقف قَضَويَّة[†] مُتعارضة بشأن قضيَّة مُعيَّنة. في أبسط حالاته وأكثرها اعتياديَّة، أنا أختلف معك في الرأي إذا كانت هنالك قضية «ق» بحيث أؤمن أنا بـ «ق» وتؤمن أنت بـ «‒ ق».[‡] ولكن ما هذه إلا أبسطُ الحالات: إذ هناك حالاتٌ أُخرى. وإحدى هذه الحالات المُثيرة للاهتمام حاليًا هي هذه: أنا أؤمن بالقضية «ق» وأنت تُمْسك عن الإيمان بها، لم تتمكَّن من الإيمان بـ «ق». لنُسَمِّي النوع الأول من اختلاف الرأي بـ «المُعارضة»، والنوع الثاني بـ «المُخالَفة».
دعواي هي كالتالي: إذا كانت مُعارضةُ الآخرين (مع استيفاء الشرط C المذكور) تُعَدُّ ضربًا من الغرور والغطرسة، فمُخالَفةُ الآخرين أيضًا كذلك (مع استيفاء الشرط نفسه). لبيان هذا، افترض أنَّك تؤمن بقضية «ق» أنا لا أؤمن بها: لعلَّك تؤمن بأنه من الخطأ التمييز بين النَّاس على أساس العِرق، ولكنّي أُدرك بأنَّ هناك العديد من النَّاس يختلفون معك بالرأي، ولا يؤمنون بهذه القضية.
وأنا بالطبع لا أُنكر أيًّا منهما، وإنما أظنُّ الصواب في هذه الحالة هو الامتناع عن الاعتقاد. ألَسْتُ بذلك أحكمُ ضمنيًّا على مَوقفك، أو إيمانك بالقضية، بأنه غير صحيح بطريقةٍ ما – ساذجٌ، ربما، أو غير مُبرَّر، أو أنَّه، بطريقة أو بأُخرى، أقلُّ من الأمْثَل؟ أنا أقول ضمنيًّا أنَّ مَوقفي هو المُتفوّق؛ وأعتقد بأنَّ المسار الذي أسلكه هنا هو المسار الصحيح، وأنَّ مسارك، بطريقةٍ ما، خطأ، غير مُلائم، غير صحيح، أو في أفضل الأحوال له تقدير ثانَوي. كما أنني أُدرِك، أيضًا، بأنَّه لابدَّ هنا من إظهار خطأ أو فشل أو سذاجة موقفك؛ ألستُ مُدانًا حينئذٍ بتُهمة الغطرسة الفكرية؟ بنوعٍ من الغرور لاعتقادي بأنني أعرف أفضل منك، ولادّعائي لنَفْسي مقامًا مُتميزًا عنك؟ لقد تمثَّلتْ المُشكلة بالنسبة إلى الأُحاديِّ في أنَّه مُلْزَمٌ بالاعتقاد بحيازة المعرفة بحقيقة يفتقر إليها العديد من الآخرين؛ وتتمثَّلُ المشكلةُ، في حالة التعدّديِّ المُمتنع، في أنَّه مُلْزَمٌ بالاعتقاد بحيازته على فضيلة يفتقر إليها الآخرين، أو أنه يتصرَّف بشكل صحيح، على عكس الآخرين. فإذا كان المرء مُتغطرسًا، من ناحية، لإيمانه بقضية لا يؤمن بها الآخرين (مع استيفاء الشرط C)، أفَلا يكون المرء مُتغطرسًا، بشكل مُساوٍ، في هذه الحالات الفِكريَّة لإمْساكُه عن الإقرار بشأن قضية ما، بعكس ما يفعل الآخرين؟
لعلَّك تُجيب عن ذلك بقَولك: نعم، إنَّ التعدُّديَّ المُمتنِع يُقحِم نفسه بمأزق، أو يَسقُط في الغطرسة، من حيث إيمانه أو قَوله، ضمنيًّا، بأنَّ طريقته أفضل أو أكثر حِكمة من الطُّرق الأُخرى التي سَلَكَها الآخرين من النَّاس، ولكنه ربما يستطيع الإفلاتْ من ذلك المأزق إذا امتنع عن هذه الرؤية كذلك. ألا يُمكنه الإفلاتْ من المُشكلة عبر التوقُّف عن الإيمان بأنَّ التعصُّب العِرقْي خطأ، وأنْ يتوقَّف، أيضًا، عن التمسُّك برؤية أنَّه من الأفضل، في مثل هذه الحالات الواقعة، تعليق الحُكْم بشأن هذه القضية بدلًا من الإقرار أو الإيمان بها؟ حسنًا، نعم يُمكنه فعل ذلك؛ ومن ثمَّ فليس لديه سببٌ لامتناعه إذًا؛ إنه لا يؤمن بأنَّ الامتناع أفضل أو أنْسَب؛ إنه يمتنع ببساطة فحسب.[§] هل يُجنّبه ذلك الوقوع في شَرَك الاتّهام بالغرور؟ ربما. لكنه حينئذٍ، بالطبع، لن يستطيع التمسُّك – باتِّساق – بأنَّ ثمَّة خطأً ما في عدم الامتناع، أي في الإيمان صراحةً بأنَّ التعصُّبَ خطأ؛ وهكذا سيفقد اعتراضه على الأُحاديّ. وبناءً عليه، ليس هذا مَخرجًا مُتاحًا للتعدُّديّ المُمتنع الذي يتَّهِمُ الأحاديَّ بالغرور والغطرسة.
أعتقد أنَّ بإمكاننا، بالفِعل، إظهار أنَّ التعدُّديَّ المُمتنع، في إلقائه باتّهامات الغرور والغطرسة الفكرية على الأحاديّ، إنما يقعُ في شرِّ أعماله، إذ يتمسَّكُ بموقفٍ يُشير ذاتيًّا – بطريقةٍ مُعيَّنة – إلى عدم اتّساقهِ في هذه الظروف. لأنه يؤمن بـ:
(3) إذا كان «س» يعرف أنَّ الآخرين لا يؤمنون بالقضية «ق» وأنَّه مُستَوْفٍ للشرط C بشأن القضية «ق»، فينبغي لـ «س» ألَّا يؤمن بـ «ق»؛
هذا، أو شيءٌ ما مُشابه، هو الأساس الذي تستندُ عليه التُّهَم المُوجَّهةُ إلى الأُحاديّ. غير أنَّ التعدُّديَّ المُمتنع يُدرِك بأنَّ كثيرين لا يقبلون بالقضية (3)؛ وأفترض أيضًا إدراكه بأنَّه من غير المُحتمل أنْ يتمكَّن من إيجاد حُجَج تدعم القضية (3) كفيلة بإقناع هؤلاء الكثيرين؛ وبالتالي، فهو يعرف أنَّه مُستَوْفٍ للشرط C. وبقبوله للقضية (3)، إذًا، فالمَسْلَك الصحيح بالنسبة إليه هو الامتناع عن الإيمان بالقضية (3). إنه، تحت الظروف المُتحققة بالفعل – أعني، معرفته بأنَّ الآخرين لا يقبلون بالقضية قيد السؤال، مع تحقُّق الشرط C – لا يَسَعهُ قبولها بشكلٍ صحيح.
من ثمَّ، أميلُ إلى التفكير بأنَّ المرء لا يُمكنه، في هذه الظروف، الاعتقاد بالقضية (3) بشكلٍ صحيح، أو بأيِّ قضيةٍ أُخرى تقوم بالعمل نفسه. لا يستطيع المرء هنا أن يجد مبدأً بحيث يعتقد – على أساسه – بأنَّ الأُحاديَّ يقومُ بالشيء الخطأ، أو يُعاني عَيبًا أخلاقيَّا ما – إذ لا يَسَعُ المرءَ إيجادَ مبدأٍ كهذا لا يَسْقُط ضحيةً لنفسه، إذا جاز لنا القَول.
كما رأينا إذًا، يقعُ التعدُّديُّ المُمتنعُ في شَرِّ أعماله؛ ولكن بعيدًا عن هذه الحُجَّة الجدليَّة (والتي سيظنُّ بعضهم، بغير داعٍ، أنَّها جذابة)، ألَيْست الاتّهاماتُ غير مُقنِعة وغير قابلة للتصديق؟ لابدَّ من الاعتراف بأنَّ ثمَّة سُبُلًا مُتنوّعة يُمكنني من خلالها أن أتَّصِفَ بالغطرسة الفكريَّة والغرور؛ من المؤكَّد أنني سقطُّ في هذه النقيصةِ الأخلاقيَّة فيما مضى، ولا شكَّ بأنني مازلتُ لم أتحرَّر منها بعد. إلا أنَّ السؤال هو: هل أنا حقًّا مغرور ومُتغطرس فكريًّا فقط لإيماني بما أعرف أنَّ الآخرين لا يؤمنون به، حيث لا يُمكنني أنْ أُبيِّن لهم أنني على حق؟ افترض بأنني أُفكِّر مَليًّا في هذه المسألةَ، أُمْعِن النَّظرَ في الاعتراضات بتأنٍّ وحَذَر بقدر استطاعتي، وأعترف بمحدوديَّتي، وبأنّني آثمٌ فوق ذلك، بلا شكّ لستُ أفضلَ حالًا من أولئك الذين أختلف معهم، وبالفِعل أقلُّ شأنًا – أخلاقيًّا وفِكريًّا – مِن العديد مِمَّن لا يؤمنونَ بِما أؤمنُ به؛ ولكن افترض أيضًا بأنَّ القضيَّةَ قَيد السؤال لازالت تبدو لي واضحة الصِّدق: هل يجوز حقًّا أن أتَّصِفَ بالتصرُّف غير الأخلاقيّ، في استمراري بتصديق هذه القضية؟ أنا على يقين بأنَّه من الخطأ أنْ أُحاول التقدُّم في مسيرتي المِهنيَّة بإشاعة الأكاذيب حول زُملائي؛ وإذا بي أجدُ مَنْ يختلفون معي بالرأي حول ذلك، وأُدرِكُ أيضًا أنَّه، وبمُنتهى الأرجحية، ما مِنْ طريقةٍ توجد يُمكنني من خلالها أنْ أُبيِّن لهم خطأهم؛ ومع ذلك، أنا أعتقد بأنَّهم مُخطئون.
إذا كنتُ أعتقد ذلك بعد تفكيرٍ عميق – أي إذا أمْعَنتُ النَّظَر بتعاطف قدر المُستطاع في دعاوى هؤلاء الذين يختلفون معي، وإذا حاولتُ بذلَ قُصارى جُهدي في التأكُّد من الحقيقة هنا – ومازال يبدو بالنسبةِ إليَّ أنَّ من الخطأ، والوضاعة، والخِسَّة، إشاعة الأكاذيب حول زُملائي بغرض التقدُّم في مسيرتي المِهنيَّة، هل يُمكنني أنْ أتَّصِفَ حينئذٍ بالقيام بشيءٍ غير أخلاقي في استمراري بالإيمان بما سبق؟ لا يَسَعني أنْ أرى كيف ذلك. إذا وجدتَ نفسك مُقتنعًا، بعد إمعانِ نَظَرٍ وتفكيرٍ عميق، بأنَّ الموقفَ القَضَويّ الصحيح حيال القضايا (1) و(2) وأمام حقائق التعدُّديَّة الدينية هو الامتناع عن الاعتقاد، فكيف تُتَّهم بالغرور جرَّاء ذلك، سواءٌ لإيمانك أو لامتناعك عن الإيمان؟ حتى إذا عرفتَ بأنَّ الآخرين يختلفون معك؟ من ثمَّ، لا أستطيع أن أرى كيف يُمكن للاتّهام الأخلاقي المُوجَّه ضد النَّزعة الأُحاديَّة أنْ يَصْمُد.
الاعتراضاتُ المَعرفيَّة على النَّزعة الأُحاديَّة
أنتقل الآن إلى الاعتراضات المعرفيَّة على النَّزعة الأُحاديَّة. ثمَّة عديدٌ من الفضائل المعرفيَّة المختلفة نوعيًّا، تُقابلها وفرةٌ من النقائص المعرفيَّة؛ من بين هذه الأخيرة يُتَّهم الأُحاديُّ غالبًا وبصورةٍ مُتكرّرة بأنّه، على أيِّ حال، لا-عقلانيٌّ ويفتقر للتبرير في تمسُّكه بمعتقداته الأُحاديَّة. تقولُ الدعوى أنه، بوصفهِ أُحاديًّا، فهو لديه معتقداتٌ غير مُبرَّرة و/أو معتقداتٌ لا-عقلانيَّة. بصيغةٍ أفضل: إنه غيرُ مُبرَّرٍ أو لا-عقلانيٍّ في تمسُّكهِ بتلك المعتقدات. سأعمدُ بالتالي إلى النَّظَر في هاتين الدعوتين، ويُفترض أنْ أُحاجّ بأنَّنا لسنا مُضطرين إلى القَوْل بأنَّ الرؤى الأُحاديَّة غير مُبرَّرة أو لا-عقلانيَّة. يتعيَّن عليَّ إذًا تناول السؤال عما إذا كان يُمكن لمُعتقداتِ الأُحاديِّ أنْ تمتلك تسويغًا: تلك الخاصية، أيَّما تكون على وجه الدِّقة، التي تُفرِّق المَعرِفة من محض الاعتقاد الصادق، وما إذا كان يُمكن لمُعتقداتِ الأُحاديِّ أنْ تحوز ما يكفي من التسويغ كيما تكون مَعرِفة.[**]
التبرير
يدَّعي المُعترِض التعدُّديُّ أحيانًا بأنَّ التمسُّك برؤى أُحاديَّة (مع استيفاء الشرط C) غير مُبرَّر – أي: غير مُبرَّرٍ من الناحيةِ المَعرِفيَّة. هل هذا صحيح؟ وما الذي يعنيه بهذا الادّعاء؟ تُظهِر نظرةٌ سريعةٌ على الأدبياتِ الإبستمولوجيةِ المُعاصِرة أنَّ التبريرَ مفهومٌ مُتلوّنٌ ومُتنوّعٌ للغاية.[13] ثمَّة، فيما أعتقد، احتمالَان أساسيَّان لِما قد يَعنيه التعدُّديُّ بهذا الادّعاء. إنَّ نواة هذا المفهوم المركزيَّة، وقَلْبه النابض ومحورهُ النموذجيّ الذي ترجع إليه – عبر الامتداد التماثُلي[††] والتشابه العائلي – غالبيَّة التباينات المُعاصرة التي لا حصرَ لها، هو فكرة أنْ تكون ضمن حقوقك الفكرية، ولم تنتهك أيَّ واجِباتٍ أو التزاماتٍ فكريَّة أو إدراكيَّة في تشكيل الاعتقاد المَعنيّ وتدعيمه. ذلك هو المخطوطُ المُعدَّل الكامن تحت مجموعة النقوش المُعاصِرة العديدة، والذي يرجع إلى ديكارت Descartes وإلى لوك Locke بالأخصّ. ليستْ لديَّ المساحة هنا للحجاج حول هذه النقطة؛ الاحتمال الوارد هو أنَّ التعدُّديّ المُعترِض على النَّزعة الأُحاديَّة، في زعمه بأنَّ هذه الأخيرة غير مُبرَّرة، إنما يقصد مفهومًا ما في هذا النطاق بعينه. (وهنا لابدَّ أن نُلاحظ الارتباط الوثيق بين الاعتراضات الأخلاقيَّة على النَّزعة الأُحاديَّة والاعتراض المعرفي بأنَّها غير مُبرَّرة).
الواجباتُ المَعنيَّة هي، بالطبع، واجباتٌ مَعرفيَّةٌ من نوعٍ مُحدَّد: ربما واجبٌ يتعلَّق بدرجة تناسُب الاعتقاد مع الدليل (القَضَوي[‡‡]) قياسًا إلى اليقين، أي البَيِّن بذاته أو غير القابل للتصحيح، كما نجدُ عند لوك Locke، أو لعلَّه واجبُ محاولة المرءِ القيامَ بأفضلِ ما لديه للدخول (والبقاء) في العلاقة الصحيحة مع الحقيقة، كما نجد عند رودريك تشزهولم Roderick Chisholm[14]، البطل الرائد المُعاصِر في التقليد التبريريّ بشأن المعرفة. لكن ثمَّة اتفاقٌ واسعٌ حاليًا (وهو صحيح، فيما أرى) على أنَّه لا واجب من النوع الأول. ربما كان هناك واجبٌ من النوع التشزهولْميّ[15]، ولكن ألا يُوافِق الأُحاديُّ ذلك الواجبَ إذا ظلَّ يبدو له أنَّ القضية (1)، مثلًا، صادقة بقوة؟ وظلَّ يؤمن بها بناءً على ذلك، بعد ذلك النوع من التأنِّي وإمعان النَّظَر بالخشوع الذي ذكرته في ردّي على الاعتراض الأخلاقي؟ من الصَّعب إذًا أنْ نرى الأُحاديَّ غيرَ مُبرَّرٍ بالضرورة من هذه الناحية.
الاحتمالُ الثاني لفهم الاتّهام – اتّهام الأُحاديّ بأنَّه غير مُبرَّرٍ مَعرفيًّا – لابدَّ أنْ يتعلَّق بذلك الزعم الذي يتردَّد دومًا: النَّزعة الأُحاديَّة مُتعسِّفة فِكريًّا. لعلَّ الفكرةَ هنا هي أنَّ هناك واجبًا فِكريًّا ما يقضي بالتعامل مع الحالات المُماثِلة بشكل مُتماثل؛ ينتهكُ الأُحاديُّ هذا الواجِبَ باختياره الإيمانَ بالقضية (1) و(2) أمام تعدُّديَّة المعتقدات الدينية المُتعارِضة التي يُقدّمها العالَم (لنتماشى للحظة مع الزعم الخيالي بأنّنا نختار المُعتقدات من هذا النوع). لنفترض وجود واجبٍ كهذا. بوضوح، إنك لا تنتهك ذلك الواجب إذا كنت تعتقد – بغير ذنب – بأنَّ المُعتقداتْ المَعنيَّة ليست على قدم المُساواة. وبصِفَتي أُحاديًّا، أعتقد بالفعل (وبغير ذنب، كما آمل) بأنَّها ليست على قدم المُساواة: أعتقد بأنَّ القضايا (1) و(2) صادقة، وتلكم القضايا التي تتعارض مع أيٍّ منهما كاذبة.
الردُّ السَّريع، بالطبع، في هذه الحالة سيكون: ليستْ المُساواةُ القِيميَّة Alethic (أي حيازةُ قيمةِ الصِّدق نفسها) هي المُشكلة، إنما بالأحرى المُساواة المَعرفيَّة. أيُّ نوعٍ من المُساواة المَعرفيَّة؟ ما سيكون ذا صِلَةٍ هنا هو، كما ينبغي أنْ أعتقد، المُساواةُ المَعرفيَّة الداخليَّة، أو داخليًّا: المُساواةُ بشأن ما يتوفَّر للمُؤمن داخليًّا. إنَّ ما يتوفَّر داخليًّا للمؤمن يشتمل، على سبيل المِثال، على العلاقات القابلة للاكتشاف بين المُعتقدات المعنية والمُعتقدات الأُخرى التي يتمسَّك بها؛ تنطوي المُساواةُ الداخليَّة إذًا على مُساواةٍ في الدليل القَضَوي. ما يتوفَّر للمؤمن داخليًّا سيشتمل أيضًا على الظاهريات Phenomenology المُقترنة بالمُعتقدات المعنيَّة: الظاهرياتُ الحِسَّية Sensuous. ولكن ثمَّة ظاهرياتٌ غير حِسيَّةٍ كذلك، مثل ما يصحبُ اعتقادك بأنَّ لديك شعورًا مُجردًا بأنَّك على حق. لكن مُجدّدًا، ليست القضايا (1) و(2) إذًا على قدم المُساواة داخليًّا مع المُعتقدات الأُخرى المُتعارِضة معهما، بالنسبةِ إلى الأُحاديّ. يبدو لي أنَّ القضايا (1) و(2) صادقة رغم كل شيء، كما أنهما تتمتّعان بالظاهريات المُرافِقة لِما تبدوانِ عليه بالنسبةِ إليّ. ولا يُمكننا قَولُ الأمر نفسه في حالة القضايا التي تتعارض معهما. وعلاوةً على ذلك، إذا صَحَّ قَوْلُ جون كالفِن John Calvin بوجودِ شيء من قبيل الحاسَّة الإلَهيَّة Sensus Divinitatis والشهادة الداخليَّة للروح القُدُس Holy Spirit، فمن ثمَّ، ربما يكونُ اعتقادي بالقضايا (1) و(2) ناتجًا عن عمليات توليد-الاعتقاد تلك، والتي تمنحني الظاهريات المُقترنة بهذه المُعتقدات؛ ولا يصحُّ القَوْلُ نَفسه بشأن القضايا المُتعارِضة معها.
غير أنَّ الرد السريع في هذه الحالة سيكون: ألَيْسَ بأمرٍ يُحتمل صِدقه أنْ يكونَ لدى أولئك المُنكرين للقضايا (1) و(2) لصالح قضايا أُخرى، دليلٌ قَضَويٌّ لمُعتقداتهم مُساوٍ لِما لديَّ بشأن مُعتقداتي؟ ألَيْسَ ممَّا يُحتمل صِدقه، أيضًا، أنْ يكون لديهم نفس الظاهريات أو مثيلتها، المُقترِنة بهذه المُعتقدات كما في حالتي؟ إذًا فتلك المُعتقدات هي حقًّا على قدم المُساواة، معرفيًّا وداخليًّا، مع (1) و(2)، فلِمَ يستمرُّ الأُحاديُّ بالتعامل مع الحالات المُتماثلة على نحو مُختلف؟ لا أظنُّ ذلك: أعتقد أنَّ هناك حُجَجًا جيدة فعلًا لصالح القضية (1) على الأقل، وهي غير مُتوفِّرة للقضايا المُنافِسة لها. وفيما يتعلَّق بالظاهريات المُماثِلة، ليس هذا بالأمر اليسير؛ ليس من السهل معرفةُ ما يكنّه الآخر في صدره؛ إنَّ أسرارَ قلبِ الإنسان يَعسُرُ سَبر أغوارها؛ فمن الصعب فِعلًا كشف هذا النوع من الأشياء، حتى بالنسبة إلى مَنْ نعرفهم حَقَّ المعرفة. إلا إنَّني على أتمِّ استعداد للتسالُم حول كِلا النَّوْعَين من المُساواة. لنتَّفق، في سبيل الجدل، بأنَّ هذه المُعتقدات على قدم المُساواة مَعرفيًّا، بمعنى أنَّ أولئك المُنتمين إلى تقاليدَ دينيةٍ مُختلفة يمتلكون، بمعتقداتهم، نفس نوع العلامات الداخليَّة – الدليل، الظاهريات، وما شابه – التي لديَّ بشأن القضايا (1) و(2). ما الذي يترتَّب على ذلك؟
لننظُر في حالة الاعتقاد الأخلاقي. أخذ الملك داوود بثشبع Bethsheba واضطجع معها فحبلت منه، وبعد فشل العديد من الحيل لجَعْل زوجها أوريّا Uriah يعتقد بأنَّه طِفله، دبَّر لمقتل أوريّا.[§§] جاء ناثان النَّبيّ إلى داوود وأخبره بقصة حول رجل غني ورجل فقير. ’كان للغنيِّ غنمٌ وبقرٌ كثيرةٌ جِدًّا، وأما الفقير لم يكن له شيء إلا نعجة واحدة صغيرة قد اقتناها وربَّاها وكَبُرَتْ معه ومع بَنيه جميعًا. تأكُلُ من لُقمته وتشربُ من كأسِهِ وتنامُ في حِضنِهِ، وكانت لهُ كابنةٍ. جاء ضيوفٌ للرجل الغني على نحوٍ مُفاجئ. فبدلًا من أنْ يذبحَ للضيفِ من غنمه، أخذَ نعجةَ الفقيرِ المِسكينِ وذبحها وقدَّمها للضيف.‘ استشاطَ غضبُ داوود عند سماع القِصَّة: «حَيٌّ هو الرَّبُّ، يُقْتَلُ الرَّجُلُ الفاعِلُ لذَلِك، ويَرُدُّ النَّعجةَ أربعَةَ أضعافٍ لأنَّه فعلَ هذا الأمر ولِأنَّه لم يُشْفِق». حينئذٍ، وفي واحدة من أكثر المقاطع الآسرة في الكتاب المُقدَّس بأكمله، نظرَ ناثان النَّبيّ إلى داوود، رفعَ ذراعهُ وأشار بإصبعه نحوه وصرَّح: «أنتَ هو ذلك الرَّجُل!». فأدركَ داوود فِعلتَهُ.[***]
ما يعنيني هنا هو رَدُّ فِعلِ داوود في القِصَّة. إنَّ هذا الظُّلمَ خطأٌ فادح، وبشكل مُحتقر؛ ما مِنْ كلمةٍ تصِفهُ حَقَّ وَصفه. أنا أؤمن بأنَّ فِعلًا كهذا خطأ، وأؤمن بأنَّ القضية القائلة بأنَّه ليس خاطئًا، قضيةٌ كاذبة – سواء عُلِّلَتْ بأنَّه لا وجود للخطأ كشيءٍ حقيقيّ، أو بأنَّه حتى إذا كانت هناك بعض الأشياء الخاطئة، فليس هذا الفِعلُ منها. وبصفته أمرًا واقعًا، قليلةٌ هي الأشياء التي أؤمن بها بقوة أكثر من إيماني بهذه القضية. مع ذلك، أجِدُ مَنْ يختلفون معي بشأن هذه القضية؛ ومرَّةً أُخرى، يُساوِرني شكٌّ في إمكانيَّة عثوري على الحُجَّة التي تُبَيِّن لهم أنَّني على حَق وأنَّهم مُخطئون. فوق ذلك، بالنسبة لكل ما أعرفه، فإنَّ معتقداتهم المُتعارِضة مع خاصَّتي تمنحهم نفس العلامات المعرفيَّة داخليًّا، والظاهريات نفسها التي تمنحها لي مُعتقداتي. هل أكونُ مُتعسِّفًا حينئذٍ؟ هل أتعاملُ مع الحالات المُتماثِلة بشكل مُختلف في استمراري بالتمسُّك، كما أفعل، بأنَّ سلوكًا مُخيفًا من ذلك النوع، خاطئٌ في الحقيقة؟ لا أظنُّ ذلك. هل أنا مُخطئ في اعتقادي بأنَّ التمييز العِرقيّ جدير بالاحتقار، حتى رغم معرفتي بأنَّ هناك مَنْ يختلفون معي، وحتى إذا كنت اعتقد بأنَّ لديهم نفس العلامات الداخليَّة لمُعتقداتهم كما لديَّ بمُعتقداتي؟ لا أظنُّ ذلك. أنا أؤمن بالنَّزعة الفِعليَّة الجادة Serious Actualism، أي الرؤية القائلة بعدم وجود أشياء لها خصائص في العوالم التي لا توجد فيها، ولا حتى بخاصية عدمها. آخرون لا يؤمنون بذلك، وربما تمنحهم العلامات الداخليَّة لرؤاهم المُخالِفة نفس الكيفيَّة التي تمنحني ايّاها رؤيتي. هل أكون مُتعسِّفًا في استمراري بالاعتقاد بما أعتقده؟ لا يَسَعُني أنْ أرى كيف.
السَّبَبُ في هذا هو كالتالي: في أيِّ حالةٍ من هذه الحالات، لا يعتقد المؤمن حقًّا بأنَّ هذه المُعتقدات المَعنيَّة جميعها على نفس المُستوى المعرفي ذي الصِّلَة. قد يقبل بأنْ يكون اقتناعه بحقيقة هذه المُعتقدات مُتساوٍ مع اقتناع مَنْ يُخالفونه بحقيقة مُعتقداتهم، وإلى هذا الحَد يكونون على قدم المُساواة داخليًّا، أي أنْ العلامات المُتوفِّرة داخليًّا مُتماثلة بالنسبة إليهم، أو مُتماثلة بشكل مُلائم. غير أنَّه لابدَّ وأنْ يعتقد، مع ذلك، بأنَّ ثمَّةَ اختلافًا مَعرفيًّا هامًّا بينه وبينهم: أنْ تعتقد بأنَّ الشخص الآخر، بطريقةٍ ما، أخطأ بأمرٍ ما، أو أُعْمِيَ عن شيء مُعيَّن، أو لم يكن مُنتبهًا بما فيه الكفاية، أو لم يُمنَح بعضَ ما تملكه من نِعمة، أو كان، بطريقةٍ ما، أقلَّ توفيقًا منك من الناحية المَعرفيَّة. والنَّقدُ الذي يُوجِّهه التعدُّديّ، بالطبع، ليس بحالةٍ أفضل من ذلك. إنه يعتقد بأنَّ ما يتعيَّن عليه فعله في حالة وجود تساوٍ معرفيٍّ داخلي، هو تعليقُ الحُكْم؛ هو يعرف بأنَّ هناك آخرين لا يعتقدون بذلك، وبالنسبة لكل ما يعرفه، فإنَّ كلَّ اعتقادٍ لديهم مُساوٍ داخليًّا لاعتقاده، وإذا استمرَّ على هذا الاعتقاد، فمن ثمَّ سيكون على الحالة نفسها التي يكون عليها الأُحاديّ؛ وإذا لم يستمرَّ على اعتقاده، فلم يعد لديه اعتراضٌ على الأُحاديّ بعد ذلك.
ولكن ألا يُمكن أنْ أكون مُخطئًا؟ بالطبع يُمكن أنْ أكون كذلك! ولكنّي لا أتجنَّب ذلك الخطر عبر تعليق الحُكْم بشأن جميع المُعتقدات الدينية (أو الفلسفيَّة أو الأخلاقيَّة)؛ يُمكنني أنْ أكون مُخطئًا بهذه الطريقة كما قد أُخطئ بأيِّ طريقةٍ أُخرى، وبمعاملة جميع الأديان، أو الأفكار الفلسفيَّة، أو الآراء الأخلاقيَّة، بجعلها على قدم المُساواة. مُجددًا، ليس هناك ملاذٌ آمنٌ هنا، ما مِنْ طريقة لتجنُّب الخطر. وعلى وجه التحديد: لن تصل إلى ملاذٍ آمنٍ بمحاولة اتّخاذ الموقف نفسه أمام جميع أشكال الاعتقاد أو تعليق الحُكْم المُتاحة تاريخيًّا: لأنَّك بالقيام بذلك، ستتبنَّى شكلًا مُعيَّنًا من الاعتقاد أو تعليق الحُكْم، شكلًا يتعارض مع ما يتبنَّاه الآخرون. أنتَ مَنْ يدفع الثمن وأنتَ من يتَّخِذ الخيار، مُدرِكًا بأنَّك، كأيِّ شخصٍ آخر، قد تكون مُخطئًا بشكلٍ ميؤوسٍ منه. ولكن ما الذي تبقَّى لديك لفعله؟ حقًّا ما مِنْ بديلٍ أفضلَ لديك. وكيف يُمكنك القيام بشيءٍ أفضل من الاعتقاد أو تعليق الحُكْم وفقًا لما يبدو لك أنَّه، بعدَ إمعانِ نَظَرٍ جاد ومسؤول، الشَّكْل الصحيح للاعتقاد أو تعليق الحُكْم؟
اللا-عقلانيَّة
لا أستطيع أنْ أرى إذًا كيف يُمكن الإبقاء بشكل معقول على الادّعاء القائل بأنَّ الأُحاديَّ غيرُ مُبرَّرٍ فيما لديه من آراءٍ أُحاديَّة؛ لكن ربما يُعزى إليه أو إلى رؤيته اللا-عقلانيَّة، كما يُدَّعى أحيانًا. اللا-عقلانيَّة، مع ذلك، يختلف معناها باختلاف الأشخاص؛ من ثمَّ فهناك سؤالٌ له أولويَّةٌ هنا: ما معنى أنْ تكون لا-عقلانيًّا؟ بشكل أدق: ما هي، على وجه الدِّقة، هذه الكَيفيَّة التي يَعزوها المُعترِض إلى الأُحاديّ (الذي يستوفي الشرط C)، عندما يقول الأول بأنَّ مُعتقدات هذا الأخير لا-عقلانيَّة؟ يصعب معرفة ذلك، طالما أنَّ الاتّهام لم يتطوَّر أبدًا بشكل كامِل. لذا، أفترض ببساطة أنَّنا سننظُر في ضروب اللا-عقلانية الأساسيَّة المختلفة (أو المعاني الرئيسة لـ «لا-عقلاني» إذا كنت تُفضِّل ذلك) ونسأل عمَّا إذا كان أيٌّ منها ذا صِلَة بالأُحاديّ لمُجرَّد كَوْنه أُحاديًّا فقط. أعتقد بأنَّ ثمَّة خَمس ضروبٍ للعقلانيَّة بشكلٍ أساسيّ، خمسُ معانٍ مُتمايزة للمُصطلح «عقلاني» ولكن مُرتبطة على نحو مُتشابه[16]؛ لحُسْن الحظ، ليستْ جميع هذه المعاني بحاجة لِأنْ نُمْعِن النَّظَر فيها بتفصيل.
1- العقلانيَّة الأرسطيَّة: يكون الانسان حيوانًا عاقلًا وفق هذا المعنى، حيوانٌ لديه عاقليَّة ratio، يستطيع تأمُّل الماضي والتطلُّع إلى المُستقبل، يُمكنه حيازة الاعتقادات، والقيام بالاستدلالاتْ، ولديه القُدرَة على المَعرفة. ربما كان هذا هو المعنى الأساسي، وليستْ المعاني الأُخرى، بحَسْبه، سِوى امتداداتٍ تماثُليَّة. والأرجح أنَّه غير ذي صِلة بالسياق الحالي: على أي تقدير، أتمنَّى ألَّا يكون غرض المُعترِض هو الزعم بأنَّ الأُحاديَّ ليس حيوانًا عاقلًا وفق هذا النموذج.
2- إملاءاتُ العَقْل: أنْ تكون عقلانيًّا بالمعنى الأرسطيّ هو أنْ تحوز العقل Reason؛ القُدرة على التفكير، الاعتقاد، الاستنتاج، الاستدلال، المعرفة. وهكذا فإن العقلانيَّة الأرسطية مُجنَّسة generic.[†††] لكن ثمَّة معنىً آخر أهم وأكثر تحديدًا، يختبئ خلف هذا النطاق عينه؛ وهو العَقْل مفهومًا بالمعنى الأضيق، بوصفه مصدرًا للمعرفة والاعتقادات القَبْليَّة A priori.[17] أحد الاستعمالات الهامَّة لمُصطلح «العقلاني»، والمُرتبط بالتماثُل مع المعنى الأوّل، لابدَّ وأنْ يتناول العقل بهذا المعنى الأضيق. فبواسطة العقل، مَفهومًا على هذا النحو، نعرفُ المُعتقدات البَيِّنَة بذاتها Self-evident – وهي مُعتقداتٌ واضحة للغاية إلى درجة تُعجز عن تصوُّر إمكانيَّة كذبها؛ أنها من إملاءات العقل. بالطبع هناك مُعتقداتٌ أُخرى ليست بَيِّنةً بذاتها (39 x 38 = 1482، على سبيل المثال)، ولكنّها نتيجة لمُعتقدات بيِّنة بذاتها عن طريق حُجج صحيحة استنباطيًّا بشكل بيِّن بذاته؛ هذه جميعها من إملاءات العقل. لنَقُل إذًا أنَّ إملاءاتْ العَقل هي مجموعة من هذه القضايا البَيِّنة بذاتها بالنسبة إلينا نحن البشر، والمُغلقة بنتيجة بيِّنة بذاتها. وهذا يُثمر عن معنىً آخر للعقلانيَّة: يكون الاعتقادُ عقلانيًّا إذا كان من بين إملاءاتْ العقل، ويكون لا-عقلانيًّا إذا خالَف إملاءاتْ العقل. (بهذا المعنى لا يمكن لاعتقادٍ أنْ يكون عقلانيًّا ولا-عقلانيًّا) هذا المعنى لـ «العقلاني» هو امتدادٌ تماثُليّ للمعنى الأساسي، غير أنَّه هو نفسه قد امتدَّ أيضًا، عبر التماثُل، إلى معانٍ أُخرى باقية. وهكذا يُمكننا أنْ نُوسِّع فئةَ العقلَ لتشمل: الذاكرة، الخبرة، الاستقراء، الترجيح، وكل ما دون ذلك أيضًا مِمَّا يدخل في نطاق العلم؛ هذا المعنى لمُصطلح العقل هو الذي يتعارض أحيانًا مع الإيمان. ويُمكننا أيضًا تخفيض المطلوب للبَيان-بالذات Self-evidence، مُعتبرين كلَيْهما – البيان بالذات، والتسويغ القَبْليّ – مسألة درجة، وأنَّ هناك العديد من القضايا التي قد تمتلك تسويغًا قَبْليًّا من دون أن نُصدِّقها فور فهمنا لها.[18]
هل يكون الأُحاديُّ لا-عقلانيًّا وفق أيٍّ من هذه المعاني؟ أعتقد أنَّه ليس كذلك؛ أو، على أيِّ تقدير، ليس السؤال المطروح هنا هو عمَّا إذا كان كذلك أم لا. وذلك لِأنَّ مُعتقدات الأُحاديّ تكون لا-عقلانيَّةً بهذه المعاني فقط إذا كانت هنالك حُجَّة من إملاءاتْ العقل (بالمعنى الواسع) تُثبت عكسَ ما يؤمن به. لا أؤمن عن نفسي بوجود أيِّ حُجَج كهذه. وعلى الأرجح، الأمر نفسه ينطبق على التعدُّديِّ المُعترِض؛ ليس اعتراضه، على أيِّ تقدير، هو أنَّ القضايا (1) و(2) بَيِّنة الكذب، أو أنَّ هناك حُجَجًا جيّدة ضدها من إملاءاتْ العقل؛ إنما اعتراضه هو أنَّ الإيمان بهذه القضايا، مع استيفاء الشرط C، ينطوي على شيءٍ ما خاطئ أو دون المُستوى. إذًا، ليس هذا المعنى ذا صِلَة بما يشغلنا حاليًا أيضًا.
3- المعنى الديونطولوجي: هذا المعنى للمُصطلح لابدَّ وأنْ يتعلَّق بما هو مطلوب فِكريًّا، أو واجب، أو إلزامي: يكونُ اعتقاد الشخصِ لا-عقلانيًّا بهذا المعنى إذا قام بانتهاك هذا الواجب في تشكيله للاعتقاد أو تمسُّكه به. هذا المعنى لـ «اللا-عقلاني» هو ما يُتردد على ألسِنةِ العديدِ من الدليليين المُعاصرين المُعترِضين على مُعتقَد التأليه. وفقًا لهم: أولئك الذين يؤمنون بوجود الله من دون دليلٍ قَضَويّ، هم أُناسٌ لا-عقلانيون.[19] بهذا المعنى تكون اللا-عقلانيَّة مسألة فشل في السير وفق الواجبات الفِكريَّة أو المعرفيَّة؛ الصِّلَة التماثُليّة بين هذا المعنى والمعنى الأوَّل – أي المعنى الأرسطي – هي أنَّ هذه الواجبات تكون ضمن إملاءات العقل (ومن ثمَّ ضمن إملاءات القُدرة التي تجعلنا عقلانيين، بالمعنى الأرسطيّ). غير أنّنا بالفعل قد نَظَرنا فيما إذا كان الأُحاديُّ يستخف بهذه الواجبات أم لا؛ لسنا بحاجة لِأنْ نقول المزيد عن هذه المسألة هنا. وكما رأينا، ليس الأُحاديُّ لا-عقلانيًّا بالضرورة وفق هذا المعنى حتى.
4- العقلانيَّةُ الأداتيَّة Zweckrationalität: أحدُ مفاهيمِ العقلانيَّةِ الشائعة، وهو مفهومٌ في غاية الأهمية، هو عقلانيَّةُ الوسيلة-الغاية – إنه ما يدعوه أقاربنا القاريين، مُتَّبعين ماكس فيبر، عقلانيَّةً أداتيَّة Zweckrationalität؛ وهو ضربٌ من العقلانيَّة يتجلَّى في أفعالنا المَحْسوبة جيدًا لبلوغ أهدافنا. (والصِّلَة التماثُليّة مع المعنى الأول تتضح هنا مرَّةً أُخرى: الاحتِسابُ المَعْنيُّ هنا يتطلَّبُ القُدرةَ التي نكون من خلالها عقلانيين بالمعنى الأرِسطيّ.) كما هو واضح، هناك كوكبةٌ كاملة من المفاهيم المتوارية في الأدغال هنا: ما سوف يُسْهِم في الواقع في بلوغ أهدافنا، أو ما نفترض بأنَّه سيُسْهِم في بلوغ أهدافنا، أو ما سوف نفترض بأنَّه كذلك إذا كُنَّا فَطِنين بشكلٍ كافي، عارِفين بما فيه الكفاية، أو غير مُشتَّتين بالشهوة، الطمع، الفخر، الطموح وما شابه. وجُمْلَةُ القَول: ما سنفترض بأنَّه سيُسْهِم في بلوغ أهدافنا إذا لم نكن مُشَتَّتين على هذا النحو، وبعد تفَكُّرٍ مَليّ، ونحو ذلك. يفرض مفهوم العقلانيَّة هذا أهميةً بالِغة في المئة وخمسون عامًا الأخيرة أو نحو ذلك. (ونرى ثماره، على سبيل المثال، في السيطرة الكاملة على تطوُّر مجال الدراسات الاقتصاديَّة.) العقلانيةُ، مفهومةٌ على هذا النحو، تتعلَّق بمعرفة كيفيَّة حصولك على مُبتغاك؛ إنها دهاءُ العَقْل. هل يُتَّهَمُ الأُحاديُّ باللا-عقلانيَّة بهذا المعنى، بشكلٍ سليم؟ هل إيمانه، على النحو الذي يؤمنُ به، يتصادم مع محاولته بلوغ بعض أهدافه؟ أو هل هو طريقة رديئة لبلوغ هذه الأهداف؟
إخطارٌ مبدئيّ: ليس من الواضح كيف لهذا المفهوم عن العقلانيَّة أنْ ينطبق على الاعتقاد بأيِّ شكل. ليس من الواضح أنَّني في إيماني بشيء، أقومُ بفعلٍ لبلوغ هدفٍ ما. إذا كان الإيمانُ فِعلًا بأيِّ شكل، فهو بعيدٌ كُلَّ البُعْد عن أنْ يكون من نوع الفِعل البراغماتي الذي يَنْشُدُ تحقيقَ غايةٍ ما؛ ليس لدينا خيارٌ فيما إذا كان علينا امتلاكُ مُعتقداتٍ أمْ لا، ولا نمتلك الاختيارية إلى حدٍّ كبير بشأن أيٍّ من المُعتقدات التي لدينا. لكن لنفترض بأنَّنا وضعنا هذا الإخطار جانبًا وتسالَمْنا – لأغراض الحجاج – بأنَّ لدينا تحكُّمٌ بما فيه الكفاية على مُعتقداتنا لتأهيلها إلى أفعال: هل ستكونُ مُعتقدات الأُحاديِّ حينئذٍ لا-عقلانيَّةً بهذا المعنى؟ حسنًا، هذا يعتمد على ماهية أهدافه؛ إذا كان من بين أهداف اعتقاده الديني، مثلًا، عدمُ الإيمانِ بأيِّ شيءٍ لا يؤمنُ به أيُّ شخصٍ آخر، فحينئذٍ سيكون لا-عقلانيًّا بالفعل. غير أنَّه، بالطبع، ليس بحاجةٍ إلى ذلك الهدف. إذا كان لديَّ بالفعل هدف أو غاية من الاعتقاد بقضايا مثل (1) و(2)، فستكون غايتي هي الإيمان بالحقيقة بشأن هذه المسألة الهامّة إلى أبعد حَدّ، أو لعلَّها ستكون مُحاولة التقرُّب إلى الله بشكلٍ مُلائمٍ قدر الإمكان، أو، بشكلٍ أوسع، إلى الواقع الأعمق. وإذا كانت القضايا (1) و(2) صادقة، فسيُعَدُّ إيماني بهما سبيلًا للقيام بذلك بالفعل. فقط إذا كانت هذه القضايا كاذبة، فيُمكن حينئذٍ، وبشكل معقول، أنْ يُنظَر لإيماني بها على أنَّه غير عقلانيٍّ بهذا المعنى للوسيلة-الغاية. وبما أنَّ المُعترِض لم يقترح كذب القضايا (1) و(2) كمُقدِّمة – فهو يتمسَّك بأنَّ الإيمان بهما ينطوي على خَللٍ ما – فليس هذا أيضًا ما يعنيه على الأرجح.
5- العقلانيَّةُ بوصفها سلامةً عقليَّة وأداءً جيِّدًا للعقل: غالبًا ما سيُقال عن المرء لا-عقلانيًّا إذا وقع أسيرًا للارتباك المَرَضي، أو الأفكار المتطايرة، أو نوعًا من العَمَه، أو إذا كان في مرحلة الهَوَس من مرض الذهان الهَوَسي الاكتئابي؛ وقد تمرُّ هذه الحادثة فيستعيد عقلانيّته بعدها. تعني «العقلانيَّةُ» هنا غياب الخلل الوظيفي، أو الاضطراب، أو الاعتلال، أو الأمراض المُتعلّقة بالقُدُراتِ العقلية. مرَّةً أُخرى، يتعلَّق هذا النوع من العقلانيَّة، تماثُليًّا، بالعقلانيَّة الأرسطية: يكون الشخص عقلانيًّا بهذا المعنى إذا لم يكن هناك عطلٌ ما يُعيق استخدامه للقُدُرات التي تجعله عقلانيًّا – بالمعنى الأرسطي – بفضل حيازته لها. العقلانيَّة بوصفها سلامة عقليَّة لا تتطلَّب من المرء حيازة قُدرةٍ عقليَّةٍ سامية مُعيَّنة؛ إنما تتطلَّب فقط الحالة الطبيعية السَّويَّة (بالمعنى غير الاحصائي)، أو العافية، أو العمل بشكل سليم. يشتهر استخدام المُصطلح على هذا النحو، بطبيعة الحال، في مُناقشات الأطباء النفسيين – رجُلُ أوليفر ساكس الذي حَسب زوجته قُبعة[20]، على سبيل المثال، كان لا-عقلانيًّا بهذا المعنى.[21] هذا المعنى الخامس والأخير للعقلانيَّة هو بنفسه عائلةٌ من المعاني المُترابطة تماثُليًّا. المعنى الأساسي هنا هو من السلامة العقليَّة والأداء الجيِّد، غير أنَّ هناك معانٍ أُخرى وثيقة الصِّلَة. وهكذا يُمكننا أن نقول (في ظروف مُعيَّنة) بأنَّ اعتقادًا ما ليس عقلانيًّا، لا بسبب أنَّه ما مِن شخص سليم عقليًّا سيعتقده، وإنما بسبب أنَّه ما مِن شخص سليم عقليًّا خضع أيضًا لمسار تعليمي مُعيَّن كان سيعتقده، أو لأنَّه ما مِن شخص سليم عقليًّا وذكي، مثلنا نحن وأصدقاءنا، كان سيعتقده؛ بتعبير آخر وبإيجاز أكثر، لا تقتصر الفكرة على عدم وجود مَن سيعتقد بذلك لمجرد سلامة وظائفه العقلية في هذه الظروف، وإنما بالأحرى لسلامة وظائفه العقليَّة على النحو الأمثل، كما سيفعل مُعظم البشر تقريبًا. ويقودنا هذا المعنى للعقلانيَّة مُباشرةً إلى مفهوم التسويغ warrant؛ أنتقل الآن إلى هذا المفهوم؛ وفي تناولنا لهذا المفهوم فإننا نتفاوض عمليًّا ambulando مع هذا النوع الخامس من اللا-عقلانيَّة.
التسويغ
إذًا، النُّسخة الثالِثة من الاعتراض المَعرفي هي كالتالي: ليس لدى الأُحاديّ، بأيِّ تقدير، مُسَوِّغٌ، أو مِقدارٌ كبيرٌ من التسويغ على أيِّ نحو (ما يكفي من تسويغ للمعرفة)، لِما يتمسَّك به من رؤىً أُحاديَّة. ثمَّة عديدٌ من أنصار التعدُّديَّة – على سبيل المثال، هيك Hick، رانزو Runzo، ووِلفريد كانتويل سميث Wilfred Cantwell Smith – يشتركون في التصريح القائل: على أيِّ تقدير، لا يُمكن للأُحاديِّ، يقينًا، معرفة ما إذا كانت وجهات نظره الأُحاديَّة صادقة.[22] لكن أهذا حقًّا صحيح؟ سأُحاجّ باقتضاب بأنَّه ليس كذلك. من الجائز جدًا، على أيِّ تقدير، أنْ يكون الأُحاديُّ على معرفةٍ بالقضايا (1) أو (2)، أو كليهما، من منظورِ أيٍّ من التقريرات الرئيسيَّة المُعاصِرة للمعرفة. أولًا، تأمَّل التقريرين الداخليَيْن الرئيسَيْن للمعرفة: تقرير الاعتقاد الصادق المُبرَّر (وصوَره)، والتقرير التماسُكي Coherentist (وصوَره). يبدو واضحًا، كما قد حاججتُ بالفِعل، أنَّ مؤلِّهًا Theist، مؤمنًا بالقضية (1)، يُمكنه – بلا شك – أنْ يكون مُبرَّرًا (بالمعنى الأساسي) في إيمانه بما يؤمن به: يُمكنه ألَّا يكون مُنتهكًا لأيِّ واجباتٍ أو إلزامياتٍ فكريَّة أو عرفانيَّة. ولكن سيمكنه حينئذٍ أنْ يعرف صدق هذه القضية – إذا كان يُمكن لها أنْ تَصْدُق، بناءً على أوضح تقرير للمعرفة بما هي اعتقاد صادق مُبرَّر. بدِقَّة أكثر، ينبغي أن تشمل الإمكانيَّة كِلا الأمرين: تبرير المؤمن في اعتقاده بـالقضايا (1) و/أو (2)، وصِدق هذه القضايا. على الأرجح، ليستْ غايةُ التعدُّديّ أن يُجادِل حول هذه الإمكانيَّة.
وبغرض التحديد، تأمَّل تقرير التبرير الذي قدَّمه تشزهولم الكلاسيكيّ.[23] في هذه الرؤية، يكون للاعتقادِ ما يُسَوِّغه بالنسبةِ إليَّ بقدر ما يكون قبولي له مُلائمًا لاستيفاء واجبي المعرفي، الذي هو (بكلام تقريبي) مُحاولةُ الوصول إلى (والبقاء في) العلاقة الصحيحة مع الحقيقة. ولكن إذا بدت لي القضايا (1) و(2) صادقة – وربما بقُوَّة أكثر من أيِّ وقتٍ مضى – بعد تفَكُّرٍ مُتأنّي، وتأمُّلٍ مفتوح، وإمعان النَظَر بتَعَمُّق وأمانة إلى أقصى المُستطاع، فمن الواضح إذًا أنَّ قبولي لهذه القضايا بالِغ المُلاءمة لاستيفاء ذلك الواجب.[24]
ثمَّة حُجَّةٌ مُختصرة مُشابهة يُمكننا تقديمها بشأن النَّزعة التماسُكيَّة Coherentism، وهي الرؤية القائلة بأنَّ التسويغ يتألَّف من تماسُك مجموعةٍ من المُعتقدات. لابدَّ وأنْ نُمَيِّز بين صورتين من النَّزعة التماسُكيَّة. فمن ناحية، ربما يُقال بأنَّ ما يتطلَّبه التسويغ هو تماسك المُعتقَد مع بعض أو كل المُعتقدات الأُخرى التي أحملها بالفعل؛ ومن ناحيةٍ أُخرى، ربما يُقال بأنَّ ما يتطلَّبه التسويغ هو تماسك المُعتقَد مع بنيةُ تأكُّديْ العقليّ Verific Neotic (باصطلاح كيث ليهرر Keith Lehrer): وهي مجموعةُ المُعتقدات الباقية عند إزالة جميع المُعتقدات الكاذبة، أو استبدالها بنقيضها. ولكن من المؤكَّد أنَّ مجموعةً ما من المُعتقدات المُتماسِكة يُمكنها أنْ تشمل القضايا (1) و(2) معًا، مع المُعتقدات التي ينطوي عليها استيفاء الشرط C المذكور سابقًا؛ ولعلَّ ما سنحتاجه حينئذٍ هو احتواء المجموعة المعنيَّة على تفسيرٍ لعدم إيمان الآخرين بما أؤمن. وإذا كانت القضايا (1) و(2) صادقة، فمن المؤكَّد (ومن باب أوْلَى) يُمكن أنْ يكون هناك بنىً تَحَقُّقٍ عقليَّة مُتماسِكة تشملهما. إذًا، ما مِن نُسْخَة من هذه النُّسَخ التماسُكيَّة تستبعد إمكانيَّة أنْ يكون الأُحادِيّ المُسْتَوفي للشرط C قادر على معرفة القضايا (1) و/أو (2).
والآن، فلننظر في التقريرات الأساسيَّة للنزعة الخارجيَّة في التسويغ. أكثر التقريراتْ الخارجيَّة شيوعًا في الوقت الحالي لابدَّ وأنْ يكون نُسخةً أو أُخرى من نَزعة الموثوقية Reliabilism. هناك حُجَّة غالبًا ما يُردّدها التعدُّديون (ترجعُ هذه الحُجَّة، على الأقل، إلى كتاب جون ستيوارت مِل: في الحُريَّة On Liberty، غير أنَّها ربما تعود إلى القرن الثالث)، ويبدو أنَّ هذه الحُجَّة مُصَمَّمة على الاستناد إلى حدوس الموثوقيَّة. ليست نتيجة هذه الحُجَّة واضحة دائمًا، ولكن إليكم مُقدّمتها بكلمات جون هيك John Hick:
“من الواضح أنَّ نسبةً تقترب من 99% من حالات التديُّن، حيث يُبْدي الفرد التزامًا أو اعترافًا بدينٍ مُعيَّن، تعتمدُ على مُصادفات الميلاد. يُولَد الطفلُ لأبَوَيْن بوذيَيْن في تايلاند ليكون بوذيًّا على الأرجح، ويُولَد الطفلُ لأبَوَيْن مُسلِمَيْن في السعوديَّة ليكون مُسلِمًا، ويُولَدُ الطفلُ لأبَوَيْن مَسيحيّين في المكسيك ليكون مَسيحيًّا، وهكذا..”[25]
ربما كان هذا صحيحًا، كحقيقة اجتماعيَّة واقعة. وفوق ذلك، ربما يَنْتُج عن هذه الحقيقة، ولا شك، شعورٌ بالدوار الفِكري. ولكن ما الذي ينبغي على المرء فِعله حيال هذه الحقيقة، إذا كانت كذلك، وما الذي يترتَّب عليها؟ هل يترتَّب عليها، مثلًا، وجوب رفضي لِما أقبله من رؤىً دينية موروثة؟ أو لِما أميل إلى قبوله منها؟ أو لِما يبدو لي منها صادِقًا؟ أمْ يترتَّب عليه أنْ تكون عملية توليد-الاعتقاد المُنْتِجَة لهذه الرؤى لديَّ غير موثوقة؟ بالطبع لا. علاوةً على ذلك، ستُعاود المُشكلات ذاتيَّة-الإشارة بالظهور مُجدّدًا؛ فما هذه الحُجَّة إلا دُميَةُ قطرانٍ فلسفيَّة أُخرى.
لبيان ذلك، افترض أنَّنا تنازلنا وقُلنا بأنَّني إذا وُلِدت في مدغشقر بدلًا من ميتشجان، لكانت مُعتقداتي ستختلف بالكامل.[26] (فقط للتوضيح، على الأرجح ما كنتُ سأُصَدِّق بأنَّني وُلِدت في ميتشجان.) ولكن، بالطبع، الأمر نفسه ينطبق على التعدُّديّ كذلك. ليست التعدُّديَّة، ولم تكن، واسعةَ الانتشار في العالَم بوجهٍ عام؛ إذا كان للتعدُّديِّ أنْ يُولَد في مدغشقر، أو فرنسا العصور الوُسطى، فما كان له أنْ يُصبحَ تعدُّديًّا على الأرجح. هل يتْبع من ذلك وجوب رفضه للتعدُّديّة، أو أنَّ تكون مُعتقداته التعدُّديَّة ناتجة عن عملية توليد-اعتقاد غير موثوقة؟ أشكُّ في ذلك. لنفترض اعتقادي بالقضية التالية، أو بشيء آخر مُشابه:
(4) إذا كانت مُعتقدات الشخص S الدينيَّة أو الفلسفيَّة مُتعَلِّقة بزمان ومكان نشأته؛ بحيث إذا كان له أنْ يُولَد في مكان وزمان آخرَيْن، فما كان سيعتقد بهذه المُعتقدات؛ فهذه المُعتقدات ناتجة إذًا عن آلية توليد-اعتقاد غير موثوقة، ومن ثمَّ فليس لها مُسَوِّغ.
أقول، إذا افترضنا اعتقادي بهذه القضية، فسأقعُ حينئذٍ في شَرِّ أعمالي مرّةً أُخرى: ففي جميع الاحتمالات، حتى مَنْ يُوْلَد في المكسيك لأبَوَيْن مَسيحيّين، لن يؤمن بهذه القضية في حد ذاتها. مهما كانت المُعتقدات الدينية أو الفلسفيَّة التي نعتقد بها أو نُعَلِّق الحُكْم بشأنها (على ما يبدو)، ثمَّةَ أماكنٌ وأزمنة، إذا كان لنا أنْ نُوْلَدَ فيها وحينها، فما كنا سنُظهِر شكل الاعتقاد أو تعليق الحُكْم الذي نُظهره بالفعل بمُعتقداتنا الدينية أو الفلسفيَّة هذه. وكما أشرتُ قبل قليل، يُمكن لهذا بالفِعل أنْ يُصيبنا بالدوار؛ ولكن ما الذي يَسَعنا فعله بهذا الصَدد؟ ما الذي يُمكننا استنتاجه من ذلك، عمَّا له تسويغ؟ وكيف ينبغي لنا أن نسير في حياتنا الفكريَّة؟ ليس هذا مِمَّا يتيسَّر قَوله. هل يُمكننا استنتاج أيَّ شيء على الإطلاق بشأن ما له تسويغ، أو كيف ينبغي لنا السَّير في حياتنا الفِكريَّة؟ ليس بشكل واضح.
لنَرجع إذًا إلى مذهب الموثوقيَّة: بغرض البساطة، سنتناول نُسْخَةً أُخرى لمذهب الموثوقيَّة، وفقًا لها يكون الشخص S على معرفة بالقضية «ق» إذا – وفقط إذا – كان اعتقاد S بالقضية «ق» ناتجًا عن عملية أو آلية توليد-اعتقاد موثوقة. ليستْ لديَّ المساحة هنا لأخوض في هذه المسألة بتفصيل كافٍ: ولكن يبدو واضحًا جدًا أنَّه إذا صَدَقَتْ القضايا (1) و(2)، فيمكن حينئذٍ أنْ يكون اعتقادي بالقضايا (1) و(2) ناتجًا لديَّ عبر عمليَّة توليد-اعتقاد موثوقة.[‡‡‡] لنا أنْ نُفَكِّر بعملياتِ توليد-الاعتقاد إما بوصفها مُتعَيِّنة concrete، مثل ذاكرتي، أو قُدرة جون على الاستدلال القَبْلي (الأمثِلة tokens في مقابل الأنماط types)، أو أنْ نُفَكِّر في الأنماط types من عمليات توليد-الاعتقاد (موثوقيَّة النمط type reliabilism). مُشكلةُ هذه الأخيرة هي أنَّ هناك عددًا ضخمًا من أنماط عمليات توليد-الاعتقاد المختلفة بالنسبة لأيِّ اعتقادٍ مُعطى، بعضها موثوق وبعضها ليس كذلك؛ وتتمثَّل المشكلة (ومُشكِلةٌ مُرعبة هي[27]) في البَتِّ بشأن أيِّ واحدٍ من هذه الأنماط هو الذي تتعلَّق موثوقيَّته بتحديد ما إذا كان الاعتقاد المَعنيّ مُسَوَّغًا أم لا. لذا فالأولى (موثوقيَّة المثال token reliabilism) هي الطريقة الأفضل لصياغة مذهب الموثوقيَّة. ولكن يُمكننا حينئذٍ أنْ نقول، بوضوح بما فيه الكفاية، أنَّه إذا صَدَقتْ القضايا (1) و(2)، فيُمكن لاعتقادي بهما أنْ يكون ناتجًا عن عملية توليد-اعتقاد موثوقة. يُمكن للحاسَّة الإلَهيَّة التي تحدَّث عنها كالفِن Calvin، مثلًا، أنْ تعمل على إنتاج الاعتقاد بالقضية (1) بشكل موثوق؛ ويُمكن للشهادة الداخليَّة للروح القُدُس، التي تحدَّث عنها كالفِن Calvin أيضًا، أن تقوم بالأمر نفسه فيما يتعلَّق بالقضية (2). إذًا، فمن منظور نزعة الموثوقيَّة: إذا صَدَقَتْ القضايا (1) و(2)، فليس هناك سببٌ – أيًّا ما كان – للاعتقاد بأنَّ الأُحاديَّ قد لا يعرف صدق هذه القضايا.
ثمَّةَ فرعٌ آخر من النَّزعة الخارجيَّة يبدو، بالنسبةِ إليَّ، أقرب إلى الحقيقة من مذهب الموثوقيَّة: يُمكننا أن ندعوه (لعدمِ توفُّر بديلٍ أفضل[§§§]) “مذهب الوظيفيَّة السليمة”. يُمكننا صياغة هذه الرؤية بشكل تقريبي مبدئي كما يلي: يعرف الشخص S القضية «ق» إذا – وفقط إذا (أ) كان الاعتقاد بالقضية «ق» ناتجًا لدى S عن قُدراتٍ إدراكيَّةٍ تعملُ بشكلٍ سليم (تعمل كما ينبغي لها أن تعمل، دون أنْ تُعاني خللًا ما)، (ب) وكان المحيط الإدراكيّ حيث نَتَجَ الاعتقاد بالقضية «ق» مُناسِبًا لهذه القُدرات الإدراكيَّة، (ج) وكان غَرَض الوَحدة المَعرفيَّة لهذه القُدرات المُنْتِجة للاعتقاد المَعنيّ هو إنتاجُ اعتقاداتٍ صادقة [بتعبير آخر: تهدف وَحدة برنامج التصميم المسؤول عن إنتاج الاعتقاد بالقضية «ق» إلى إنتاج المُعتقدات الصادقة]، (ج) وكانت الاحتماليَّةُ الموضوعيَّة لصدق الاعتقاد عالية، إذا نَتَجَ تحت هذه الشروط.[28] بالطبع يحتاج كل هذا إلى تفسير؛ لأغراضنا الحالية، ربما يُمكننا تقليص التقرير إلى الشرط (أ) فقط. غير أنَّ هذا يعني، بوضوح، إنَّه إذا صَدَقت القضايا (1) و(2)، فيمكن أنْ تكونا نِتاجًا لقُدراتٍ إدراكيَّةٍ تعملُ بشكلٍ سليمٍ، مع استيفاء الشرط C. لأنَّه إذا افترضت صدق القضية (1)، فمن المُمكن بالطبع أنْ يكون الله خلقنا نحنُ البشر وزوَّدنا بشيء من قبيل الحاسَّة الإلَهيَّة التي تحدَّثَ عنها كالفِن Calvin، وهي عمليَّةٌ لتوليد-الاعتقاد، تعملُ بشكلٍ سليمٍ لتُنْتِج – في ظروفٍ مُتنوّعة للغاية – الاعتقاد بالقضية (1) أو ما يُماثلها. علاوةً على ذلك، من المُمكن أيضًا أنْ يكون الله قد قدَّم لنا – استجابةً منه لخطيئة البشريَّة وشقاءها – وسائلَ للخلاص، وهي التي كُشِفَ لنا عنها في الكتاب المُقدَّس. وهناك أبعد من ذلك، فلعلَّه دبَّر لنا أيضًا طريقةً للإيمان بمقاصد تعاليمه هذه، عن طريقِ عمليَّةٍ ما من قبيل الشهادة الداخليَّة للروح القُدُس التي تحدَّث عنها كالفِن Calvin. إذًا، في هذه الرؤية أيضًا، إذا صَدَقَتْ القضايا (1) و(2) فلا شكَّ بإمكان معرفة الأُحاديّ أنهما كذلك. يُمكننا أنْ نتأكَّد من لا-عقلانيَّة هذه الرؤى وافتقارها للتسويغ – بالنسبةِ إلى الأُحاديِّ – بهذا المعنى فقط إذا كانت هذه القضايا كاذبة؛ غير أنَّ المُعترِض التعدُّديّ ليستْ غايته هي ادَّعاء كذب هذه القضايا. ومن ثمَّ فهذه النُّسخة من الاعتراض المعرفي تفشل هي أيضًا. إذًا، ليس الأُحاديُّ لا-عقلانيًّا بالضرورة، وبالفعل يُمكنه أن يعرف صدق القضيتين (1) و(2)، إذا كانتا صادِقتَيْن بالفعل.
كل هذا صحيح، ولكن هل حقائق التعدُّديَّة الدينية لا تعني شيئًا على الإطلاق؟ هل تخلو دعاوى التعدُّديين من أيِّ شيء حقًّا؟[29] هل يُمكن أن يصحّ ذلك؟ بالطبع لا. بالنسبة إلى العديد من الأُحاديين أو غالبيتهم، كما أعتقد، تُمثِّل الإحاطة بتنوُّع الاستجابات الدينية للبشر دليلًا مُبطِلًا defeater لمُعتقدات مثل (1) و(2) – دليلًا مُبطِلًا من النوع المُضعِف undercutting defeater، في مقابل نوع الدليل المُبطِل الناقض a rebutting defeater. إنها تضعُ الاعتقادَ بالقضايا (1) و(2) تحت المُساءَلة بدرجةٍ ما أو بأُخرى. وهي لا تقوم بذلك (أو ليست بحاجة لِأنْ تفعل) عن طريق الحُجَّة؛ وبالفعل ليست هناك حُجَّةٌ قويَّة انطلاقًا من القضية القائلة بأنَّ العديد من الناس حول العالَم – الأتقياء بوضوح – يتخذون موقفًا مُخالِفًا من القضايا (1) و(2)، وصولًا إلى نتيجة بأنَّ هذه القضايا كاذبة. إن هذا الدليل المُبطِل – بدلًا من ذلك – يعملُ بشكلٍ مُباشر؛ إنه يخفض مُباشرةً من مُستوى أو درجة الثقة في الاعتقاد بالقضية قيد السؤال. ومن وجهةِ نظرٍ مسيحية: يُعَدُّ وضع التعدُّديَّة الدينية هذا وإحاطتنا به، في حدِّ ذاته، تعبيرًا عن حالة تعاستنا البشرية؛ وربما يحرمنا من بعض السَّلام والسَّكينَة التي وَعَدَ بها الرَّبُّ مُريديه. ويُمكنه أيضًا أنْ يَحرِم الأُحاديّ من معرفة صدق القضايا (1) و(2) حتى إذا كانتا صادِقَتَيْن وكان يؤمن بأنهما كذلك. فبما أنَّ درجة التسويغ تعتمد – جُزئيًّا – على درجة الاعتقاد، فمن المُمكن (بالرغم من عدم ضرورته) للمعرفة بحقائق التعدُّديَّة الدينية هذه أنْ تَخفِض من درجة الاعتقاد (وبالتالي من درجة التسويغ) بالقضايا (1) و(2) بطريقةٍ ما، فتحرمُ الأُحاديَّ من معرفة هذه القضايا. ربما كان سيُصبح على معرفة بالقضايا (1) و(2) لو لم تكن لديه معرفة بحقائق التعدُّديَّة، ولكنه يعرف الآن هذه الحقائق، ومن ثمَّ فهو ليس على معرفة بهذه القضايا. وعلى هذا النحو، كلَّما زادت معرفةُ المرء، كلَّما عَرَفَ أقل!
يُمكن أنْ تسير الأمور على هذا النحو بالنسبة للأُحاديّ. غير إنها، من ناحيةٍ أُخرى، ليستْ بحاجة لِأنْ تكون كذلك. تأمَّل مرّةً أُخرى موازنةً أخلاقيَّة. لعلَّك آمنت دومًا بأنَّه لَمِنَ الخطأ الفادح أنْ يستغلَّ المُستشار ثِقَةَ منصبه لإغراء عميل. ربما تكتشف أنَّ هناك مَنْ يُخالفونك الرأي؛ يعتقدون بأنّها أقرب إلى زَلَّة بسيطة منها إلى خطأ فادح، مثل عدم احترام الإشارة الحمراء في غياب شُرطة المرور؛ ثم تُدرِك أنَّه يُمكن لمُعتقداتهم أنْ تتَّسِمَ بنفس العلامات الداخليَّة التي لمُعتقداتك. وتتفَكَّر مَليًّا في المسألة، تُعيد – في خيالك – اختلاق المواقف المُشابهة لاختبار آراءك عليها، فتُصبح على دراية أكثر بما تنطوي عليه هذه المواقف (خَرقٌ للثقة، الخَلْفُ بالوعود الضمنية، الظُّلم والغبن، المُفارقة البغيضة في موقف يذهب فيه أحد الأشخاص إلى مُستشارٍ ما طلبًا للمُساعدة، فلا يتلقَّى سِوى الأذى) فتزداد إيمانًا أكثر بأنَّ مثل هذا الفعل قطعًا خاطئ – وهكذا يُمكن لهذا الاعتقاد أن يكتسب، بالفعل، تسويغًا أكبر بالنسبة إليك. شيءٌ مُماثلٌ يُمكنه أنْ يحدث في حالة المُعتقدات الدينية. إنَّ إنعاش الوعي بحقائق التعدُّديَّة الدينية أو ازدياده، يُمكن أنْ يَجُر معه إعادة تقييمٍ لحياة المرءِ الدينية، صحوةً جديدة، استيعابًا أعمق للقضايا (1) و(2) من جديد، أو تجديد إدراكنا لها. ومن منظور كالفِن Calvin، يُمكن لحقائق التعدُّديّة الدينية أنْ تُوَظَف كمُناسَبة لتجديد وتقوية عمل آليات توليد-الاعتقاد التي نُدرِك بواسطتها القضايا (1) و(2). بهذه الطريقة يُمكن لمعرفة حقائق التعدُّديَّة الدينية أنْ تُوَظَّف كدليل مُبطِل defeater بصورة مبدئية، على أنَّها سيكون لها – على المدى البعيد – تأثيرًا عكسيًّا تمامًا.
* وقعَ اختياري على ترجمة المُصطلح Exclusivism إلى «النَّزعة الأُحاديَّة» كاجتهاد شخصي في ترجمة المُصطلح، بعيدًا عن الترجمات الدارجة (1. النَّزعة الحصرية، 2. النَّزعة الإقصائيَّة، 3. النَّزعة الانحِصاريَّة)، السبب في رفضي لهذه الترجمات الدارجة هو حَرفيَّة الأولى، والحمولة السياسيَّة السلبيّة للثانية، وثِقَل اللفظ العربي في الثالثة، بالإضافة إلى التقابل اللغوي بين «التعددية» و «الأُحاديَّة» المُلائم في هذا السياق؛ حتى لا يختلط الأمر على البعض: أنا أميّز بين «الأُحاديَّة» و «الواحديَّة» التي هي ترجمة للمصطلح الإنجليزي Monism والمُستخدمة في الإشارة إلى بعض المذاهب الميتافيزيقية، فالأولى لا تعدو كَوْنها كيفيَّةً أو أسلوبًا عامًّا للتفكير، كأنْ يُقال لأحدهم أحيانًا “هذا تفكيرٌ أُحاديّ” تعبيرًا عن ضيق أُفُقه. بينما تعبّر الواحديَّة عن نظرية أنطولوجية أو رؤية فلسفيَّة للعالَم، مثل الماديَّة والمثاليَّة. وغاية المُصطلح Exclusivism على أي حال هي التعبير عن فكرة انحصار الحقيقة في طريق أو دين أو موقف وحيد وبُطلان ما دونه. (المُترجم)
_____________________________________
الحواشي والمراجع:
** التأليه Theism هو المذهب الذي يُقِرّ بوجود إله أو خالِق، في مقابل الإلحاد Atheism الذي ينفي وجود الإلَه أو الخالِق. (المُترجم)
*** نِسبةً إلى المذهب الطبيعي، أو الطبيعانيَّة Naturalism، وهي هي تسمية أوسع (وأكثر حيادًا نوعًا ما) لمذهب الإلحاد، يُفضّل مُعظم الفلاسفة المُعاصرين، مثل Graham Oppy، استخدام مُصطلح «الطبيعانية» Naturalism بالتقابل مع «التأليه» Theism في النقاش المُعاصِر بفلسفة الدين. (المُترجم)
[*] القضية Proposition مُصطلح فلسفي يشيع استخدامه لدى المناطقة والفلاسفة التحليليين (مثل المؤلف)، ويُراد منه التفريق بين نوع معين من العبارات، وهي عباراتٌ ذات معنى مُحدَّد لا يتغير مهما تعدَّدت طرق صياغتها، كما تتميَّز القضية عمَّا دونها من العبارات بكونها خبريَّة تحتوي تقريرًا يُحتمل صِدقه أو كذبه (بعكس عبارات الأمر والنهي والاستفهام وغير ذلك)، والقضية هي مُحتوى الاعتقاد المعرفي. (المُترجم)
[†] الموقفُ القَضَويّ Propositional Attitude هو مُصطلح مركزي في الفلسفة التحليلية، يُراد منه التعبير عن الموقف الاعتقادي للشخص تجاه قضية Proposition مُعيَّنة، أي هل يُصدّقها أم لا. وللمُصطلح استخدامات أوسع في فلسفة العقل، لكنها غير ذي صِلة بالسياق الحالي. (المُترجم)
[‡] أي بنَفْي القضية «ق»، الرمز ” ‒ ” يدل على النَّفْي في المنطق الرمزي. (المُترجم)
[§] أي ليس لامتناعه سَبَبٌ مُقتنِع (Reason)، هو يمتنع لا لسبب مقبول عقلًا. (المُترجم)
[**] وهذا بحسب التعريف المعياري الثلاثي للمعرفة بما هي: اعتقاد صادق مُبرَّر (أو مُسوَّغ). للاستزادة أكثر بشأن هذا التعريف ومُشكلاته، انظر “نظرية المعرفة: مُقدّمة مُعاصِرة” للأستاذ الدكتور صلاح إسماعيل. (المُترجم)
[††] اخترتُ ترجمة المُصطلح Analogical Extension إلى: الامتداد التماثُلي. وهو – كما يُعرَّف في اللسانيات – عملية تعميم للتصريفات اللغوية الموجودة لتشمل صياغات أو سياقات جديدة. (المُترجم)
[‡‡] أي الدليل المُعبَّر عنه في صورة قضية. (المُترجم)
[§§] تَرِدُ القِصَّة كاملة في الكتاب المُقدَّس، سِفْر (صموئيل الثاني) الاصحاح الحادي عشر. (المُترجم)
[***] يَرِدُ نَصّ هذه القِصَّة أيضًا في الكتاب المُقدَّس، سِفْر (صموئيل الثاني) الاصحاح الثاني عشر. (المُترجم)
[†††] أي مُتعلّقة بالجنس البشري حصرًا. (المُترجم)
[‡‡‡] يمكننا أن نفهم ما يُريده بلانتنجا هنا إذا استرجعنا فكرة «الحاسة الإلَهيَّة» Sensus Divinitatis لجون كالفِن، وهو ما سيُشير إليه في بقية الفقرة، والتي يدافع عنها بلانتنجا في مشروعه الإبستمولوجي الإصلاحي. (المُترجم)
[§§§] في الأصل: faute de mieux، وهو تعبيرٌ فِرنسيّ يرجع إلى القرن الثامن عشر، يُستخدم للدلالة على الافتقار لِما هو أفضل. (المُترجم)
[1] Colloquium Heptaplomeres de rerum sublimium arcanis abditis, written by 1593 but first published In 1857. English translation by Marion Kuntz (Princeton: Princeton University Press, 1975). The quotation is from the Kuntz translation, p. 256.
[2] هكذا يقول جوزيف رانزو: “إنَّ التقوى المُثيرة للإعجاب والعقلانيَّة الواضحة لأنظمة اعتقاد التقاليد الدينية الأُخرى التي نراها اليوم، تُشكِّل أزمةً لا مفرَّ منها – أو ثورةً مُحتملة – أمام المسيحيين.” مقتبس من “الله، الالتزام، والأديان الأُخرى: التعدُّديَّة مقابل النسبيَّة” الإيمان والفلسفة 5 (1983)، 343.
[3] يشرح روبرت ويلكن Robert Wilken ذلك بتفصيل في ’’التعددية الدينية والفِكر المسيحي المُبكِّر‘‘ من أجل الكنيسة 1 (1992)، 89-103. يُركّز ويلكن على القرن الثالِث الميلادي؛ يستكشف رد أوريجانوس على كِلسوس ويَخْلُص إلى أنَّ هناك توازٍ صادم بين موقف أوريجانوس تاريخيًّا وموقفنا الآن. ما يختلف الآن، فيما أظن، ليس اضطرار المسيحية إلى مواجهة الأديان الأُخرى، وإنما فقط تسميتنا لهذا الموقف بـ «التعدديَّة الدينية».
[4] يُعبّر غاري غاتينج Gary Gutting عن ذلك بقوله: “بتطبيق هذه الاعتبارات على الاعتقاد الدينيّ، يبدو أنَّها تسوقنا إلى نتيجة أنَّه، بسبب أنَّ للمؤمنين العديد من النُّظراء المعرفيين الذين لا يُشاركونهم الاعتقاد بوجود الله… ليس لديهم الحق في الاستمرار باعتقادهم من غير مُبرِّر. لأنَّهم إذا استمروا في ذلك، فإنهم مُدانون بالغرور المعرفيّ” الاعتقادُ الدينيُّ والشكوكيَّةُ الدينيَّة (نوتردام: مطبعة جامعة نوتردام، 1982) ص: 90. (لكن انظر الصفات التالية لوجود قَيْدٍ هام).
[5] “إفادتي هنا هي أنَّه، من هذا الوجه، يكون الموقف الاعتقادي التقليدي للكنيسة قد عارَضَ جاهِدًا موقفها الأخلاقي في واقع الأمر، وشجَّعَ المسيحيين، في الحقيقة، على مُعاملة الآخرين من بني البشر بشكل غير أخلاقي. لقد علَّمنا المسيحُ التواضع، غير أنَّنا عاملناهم بالغطرسة… إنَّ تُهمة الغطرسة هذه خطيرة.” ويلفرِد كانتويل سميث، التنُّوعُ الدينيّ (نيويورك: مطبعة هاربر و روو، 1976)، ص: 13.
[6] يقول رانزو: “أخلاقيًّا، تُسْفِر الأُحاديَّةُ الدينية عن نتيجة مُنَفِّرة بجعلها لهؤلاء الذين يمتلكون معرفةً مُتميِّزة، أو المُخضرمون فِكريًّا، نُخبةً دينيَّة. بينما تُعاقِب أولئك الذين حدثَ أنْ لَم تُتاح لهم هذه الرؤية الدينية الصحيحة كما يُزعَم، أو غير القادرين على الفَهْم المُتقدِّم.” مقتبس من “الله، الالتزام، والأديان الأُخرى،” ص: 348.
[7] “غير أنَّ مشاعرَ الفخر الطبيعية، على الرغم من أهميَّتها في حياة الانسان، تُصبح مؤذية عندما ترتفع إلى مُستوى العقيدة وتُشكِّل عُنصرًا داخليًّا من نظام الاعتقاد للجماعة الدينية. ويحدث هذا عندما يُعَبَّر عن الإحساس بصِحَّتها وقيمتها في عقائد تُضمِر حصرًا أو تفوُّقًا حاسمًا بشأن النفاذ إلى الحقيقة أو القُدرة على الخلاص” جون هيك، “التعدُّديّةُ الدينية والادعاءات المُطلَقة”، ليروي روينر: التعدُّديّةُ الدينية (نوتردام: مطبعة جامعة نوتردام، 1984) ص: 197.
[8] هكذا يقول جون كوب John Cobb: “أنا أتفق مع المؤلّهين الليبراليين في أنَّه حتى في حالة بانينبرغ Pannenberg، السعي إلى مُطلَق كأساس للفَهْم هو انعكاسٌ لتقليد طويل من الإمبريالية المسيحية والنزعة الانتصاريَّة بدلًا من الروح التعدُّديّة”، “معنى التعدُّديّة للفهم الذاتي المسيحي” مقتبس من “التعدُّديَةُ الدينية” روينر. ص: 171.
[9] في “الله، الالتزام، والأديان الأُخرى” ص: 357.
[10] سميث، التنوُّع الدينيّ، ص: 14. ثمَّة نَصٌّ مُشابه أيضًا لجون هيك، يقول فيه “ولا حتى يُمكننا أنْ ندَّعي على نحو معقول بأنَّ شكل خبرتنا الدينية، جنبًا إلى جنب مع ذلك التقليد الذي نُشَكِّل جُزءًا منه، كليهما صحيحان في حين أنَّ الخبرات الدينية والتقاليد الأُخرى ليست كذلك. يُمكننا بالطبع أن ندَّعي ذلك؛ وقد قامت جميع التقاليد الدينية بهذا الأمر بالفعل، مُعتبرين أشكال الدين البديلة إما كاذبة أو نُسَخ مُشوَّشة وفي منزلة أدنى منهم…. الأشخاص الذين يعيشون في ظل تقاليد مُختلفة، إذًا، مُبرَّرون بشكل مُتساوي في ثقتهم بما لديهم من خبرات دينية مُتميّزة وفي تشكيل مُعتقداتهم على ذلك الأساس…. دعونا نتجنَّب ذلك الاعتقادَ الدوغمائيّ المُتعسّف بأنَّ جميع أشكال الخبرات الدينية وهمية، فيما عدا الشكل الوحيد الذي يمتلكه مَنْ يُحدّثكم الآن.” مقتبس من: تأويلٌ للدين (ملاذٌ جديد: مطبعة جامعة ييل 1989). ص: 235.
[11] “السببُ الوحيد لمعاملة المرء لتقليده على نحو مُختلف عن تقاليد الآخرين هو ذلك السَّبب الإنساني جدًا والغير مُقنِع، ألا وهو أنّه تقليده الشخصي!” جون هيك، تأويلٌ للدين، ص: 235.
[12] الحديث عن خيارٍ هنا يُوحي بأنَّ بإمكاني ببساطة أنْ أختار أيًّا من هذه المواقف الثلاثة للتبنّي؛ ولكن أهذا حقيقي بأيّ شكل؟ هل لديَّ القُدرة على التحكُّم في مُعتقداتي إلى هذه الدرجة؟ هنا عليَّ أنْ أُنَحّي جانبًا السؤال حول ما إذا كانت مُعتقداتي موضوعًا لتحكُّمي وفي نطاق قُدرتي، وإلى أيِّ درجة. لعلَّنا نمتلك تحكُّمًا ضئيلًا للغاية على مُعتقداتنا؛ حينئذٍ لن يُمكن للنقد الأخلاقي المُوجَّه إلى النَّزعة الأُحاديَّة أنْ يتَّهم الأُحاديّ، بشكل صحيح، بالتقصير في الواجب الأخلاقي، إلا أنّه مازال يستطيع أن يُجادل بأنَّ موقف الأُحاديّ مُحزِن، وسيء، حالةٌ مُزرية للأمور. حتى لو لم يكن بوسعي فعلُ شيء حيال كَوْني مُتعجرفًا أو مُتكبّرًا، فسيظل كَوْني على هذا النحو هو حالةٌ سيئة للأمور.
[13] انظر مقالي “التبرير في القرن العشرين” المنشور في الفلسفة والبحث الفينومينولوجي 50، المُلحق (خريف 1990) 45 ff، وانتظر الفصل الأول من كتابي “التسويغ: الجدل المعاصر”(نيويورك: مطبعة جامعة أوكسفورد، 1993).
[14] انظر الطبعات الثلاث من كتاب نظرية المعرفة المُشار إليه في المُلاحظة رقم 23.
[15] يعتقد بعضهم بوجود هذا النوع من التبرير، ويعتقدون أيضًا أنَّ تعليق الاعتقاد، الامتناع عن الاعتقاد، هو دائمًا – وبشكل تلقائي – المسار الآمن الذي ينبغي اتّخاذه بشأن ذلك الواجب، متى ما نشأ أيّ سؤال حول ما نؤمن به وما نُعَلّق الاعتقاد بشأنه. غير أنَّ الأمر ليس كذلك: يُمكن للمرء أن يُخطئ في تعليق حُكمه كما في اعتقاده أيضًا: ما مِن ملاذ آمن هنا، ولا حتى الامتناع عن الاعتقاد. إذا كان هناك واجبٌ من ذلك النوع التشزهولميّ، وإذا نجحتُ – بمعزل عن مشاعر الفخر والوساوس الدينية المُفرِطة – في تدريب نفسي على عدم القبول بالأحكام الإدراكيَّة العادية في الظروف الإدراكيَّة العادية، فليستْ بذلك أقوم بعمل التمكين المعرفي، أنا مُذنبٌ معرفيًّا.
[16] بمفهوم الأكويني لهذا المُصطلح، بحيث قد يشمل التشبيه Analogy العلاقة السببيَّة، التناسبيّة، الشبه، ونحو ذلك.
[17] لكن حينئذٍ (وبسبب مفارقات برتراند راسِل) لن يعود بإمكاننا القول بأن إملاءات العقل مُغلقة بنتيجة بيّنة بذاتها. انظر كتابي “التسويغ وسلامة الوظيفة” (نيويورك: مطبعة جامعة أوكسفورد، 1993)، الفصل السادس.
[18] انظر كتابي “التسويغ وسلامة الوظيفة” الفصل السادس. مازال هناك امتدادٌ تماثُليّ آخر: يُقال عن الشخص لا-عقلانيًّا إذا لم يُرِد الاستماع أو الالتفات إلى إملاءات العقل. قد يكون معميًّا بالشهوة أو مُوْلَعًا بالحماس، أو مُضلّلًا بالفخر: ربما يتصرّف حينئذٍ على خِلاف العقل – يتصرّف لا-عقلانيًّا، ويؤمن أيضًا لا-عقلانيًّا. يقول لوك ’’لن تُرجَّح أبدًا كفَّة احتمالية عالية لاستدلالٍ عقلانيٍّ لدى رجُلٍ طمّاع، طالما كانت كفَّةُ المال على الجانب الآخر من الميزان. ولن يقتنع العاشِق بأنَّه مخدوع أبدًا؛ أحضر له عشرين شاهدًا على كذب عشيقته وستجد أنَّ عشرةً منهم أمام كلمة واحدة لطيفة من معشوقته كفيلة بإبطال شهاداتهم جميعًا، وعلى الرغم من أنَّ الرجال لا يستطيعون دائمًا أنْ يُنكروا أو يُقاوموا علانيةً قوَّة الاحتمالات الواضحة المُوجهة ضدهم، إلا أنَّهم لا يُذعنون للحُجَّة.” An Essay Concerning Human Understanding, ed. A. D. Woozley (New York: World Publishing Co., 1963), bk. IV, sec. xx, p.439.
[19] يقعُ في مصافّ هؤلاء الذين يُقدمون هذا الاعتراض على المُعتقد التأليهيّ: براند بلانشارد Brand Blanshard في Reason and Belief (1974) ص: 400. وأنتوني فلو Antony Flew في The Presumption of Atheism (1976) ص: 22. ومايكل سكريفن Michael Scriven في Primary Philosophy (1966) ص: 102. انتظر “Reason and Belief in God” في كتابي بالاشتراك مع وولترستورف Faith and Rationality (1983) ص: 17.
[20] كتاب “الرجل الذي حسبَ زوجته قُبّعة”، تأليف: أوليفر ساكس. (ترجمه إلى العربية رفيف غدار، وصدرَ عن الدار العربية للعلوم ناشرون)
[21] في هذا المعنى للمصطلح، ما يُدعى بشكل صحيح ’’دافِعًا لا-عقلانيًّا‘‘ قد يكون عقلانيًّا على النحو الأمثل؛ حقًّا أنَّ الدافع اللا-عقلانيّ هو الذهاب خِلافًا لإملاءات العقل؛ غير أنّ الخضوع لهذه الدوافع ليس بحاجة لِأنْ يكون نتيجةً لعُطل أو خلل وظيفي ما في القُدُرات العقلية، بأيِّ شكل. رجوعًا إلى أحد أمثلة ويليام جيمس: إنّ احتمالية نجاتي من مرضي العقلي الخطير قد تكون غير مُرجَّحة، بالنظر إلى الإحصائيات التي أعرفها وما لديَّ من أدلَّة بشكلٍ عام؛ ربما نحن مُشيَّدون هكذا، على أي حال، بحيث عندما تعمل قُدراتنا بشكل سليم في المواقف القُصوى نكون مُتفائلين أكثر مِمَّا تُسوّغ لنا الأدلَّة. هذا الاعتقاد، من ثمَّ، لا-عقلانيٌّ بمعنى أنَّه يُخالِف إملاءات العقل؛ وعقلانيٌّ بمعنى أنَّه لا ينطوي على خللٍ في الوظائف العقلية.
[22] انظر “تأويلٌ للدين” لجون هيك، ص: 234. و رانزو “الله، الالتزام، والأديانُ الأُخرى” ص: 348. وسميث “التنوّع الدينيّ” ص: 16.
[23] انظر أعماله “الإدراك: دراسة فلسفيَّة” (1957)، الطبعات الثلاث من “نظرية المعرفة” (1966، 1977، 1989)، و “أُسس المعرفة” (1982)، وانظر عملي “الداخليَّة عند تشزهولم” (1988) والفصل الثاني من “التسويغ: الجدل المُعاصِر”.
[24] بالطبع هناك العديد من التباينات حول هذه الفكرة الداخليَّة. انظر، باختصار، تشزهولم ما بعد الكلاسيكي (في: موضع التبرير المعرفي، 1986، ص: 85 والسيرة الفكرية: رودريك تشزهولم، 1986 ص: 52) الذي يُشبه إلى حدٍّ كبير برينتانو Brentano. وفقًا لرؤيته، التبرير ليس ديونطولوجيًّا Deontological وإنما أكسيولوجيًّا Axiological. بتعبير آخر: التسويغ ليس مسألة تبرير حقًّا، ليس استيفاءً لواجب أو إلزام؛ وإنما بالأحرى سؤالٌ حول ما إذا كانت علاقةُ مُلاءمةٍ من نوعٍ مُعيَّن، تقع بين القاعدة الدليليَّة لدى الشخص (وهي، بكلام تقريبي، مجموعة خبرات الشخص الحالية ومُعتقدات أُخرى) وبين الاعتقاد قيد السؤال. (وقوع هذه العلاقة هو بالطبع حالة لسَيْر الأمور؛ ومن هنا يكون التسويغ أكسيولوجيًّا). هل يُمكن للأُحاديِّ أنْ يكون مُسوَّغًا من هذه الناحية؟ حسنًا، من دون معرفة إضافية بماهيَّة هذه العلاقة، يَصعُب علينا أنْ نُقرّر. لكن التعدُّديّ المؤيّد للتسويغ التشزهولميّ بعد-الكلاسيكي سيكون مَدينًا لنا هنا بتفسير، على الأقل، لاعتقاده بأنَّ مُعتقدات الأُحاديّ لا يُمكنها أنْ توجد في هذه العلاقة مع قاعدته الدليليَّة.
[25] تأويلٌ للدين، ص: 2.
[26] في الواقع، ليست هذه العبارة الشرطية صحيحة على الأرجح بهذا الشكل الحالي؛ لابدَّ من صياغة الفكرة بحذر أكبر. بالنظر إلى والديَّ وميولهم، إذا كان لي أنْ أُولَدَ في مدغشقر، لكنتُ على الأرجح سأُصبح مسيحيًّا لأنَّ والديَّ كانا مُبشّران مسيحيان هناك.
[27] انظر مقالة ريتشارد فيلدمان Richard Feldman “الموثوقيَّة والتبرير Reliability and Justification” بمجملة The Monist عدد 68 (1986)، 74-159، وانظر الفصل التاسع من كتابي “التسويغ وسلامة الوظيفة” Warrant and Proper Function.
[28] انظر الفصل العاشِر من كتابي Warrant: The Current Debate والفصل الأول والثاني من Warrant and Proper Function لتوضيح ذلك الاتّجاه من التفكير في التفكير والدفاع عنه.
[29] انظر: ويليام ب. ألستون William P. Alston “التنوُّع الدينيُّ والمعرفةُ الإدراكيَّة لله” Religious Diversity and Perceptual Knowledge of God (1988) ص: 433.