في الثقافة ودور المثقّف وقفة بين النظرية والتطبيق

الخطاب الثقافي الذي نريده في المجتمع العربي

تلوح في الأفق أسئلة تضجّ من بعيد حول جدوى الفكر، وفائدة الثقافة، ودور كل منهما في إصلاح ما فسد، وبنيان ما هُدّم، وإنقاذ ما غرق تحت رماد الانتظار. تتلاقى الأقلام من هنا وهناك بحثاً عن طريق تتلمّس معالمها قبل المغيب. يتنادى عشّاق الحكمة إلى وليمة الكلمة علّهم يدوّنون بأحرف من نور بعضاً من عصارة “الأنا أفكر”. الزمن يسير نحو مزيدٍ من التحديات، ومزيدٍ من القلق على الحاضر والسؤال عن المصير. في مجتمعٍ يترنّح مُثقلا بآلامه، يُسأل المثقّف عن دوره، عن صدى تمتمات خطابه، وعن تردّدات آرائه، كما عن المعنى الكامن وراء المعاناة. ما الذي يمكنه القيام به اليوم تحديداً وسط كل ما يجري؟ هل الأمر له أم لسواه؟ ما هي السلطة المُسندة إليه والتي تخوّله القيام بالفعل الثقافي المتألّق الذي يإمكانه أن يؤدّي غاياته المنشودة؟ هل المجال متاحٌ له أم عليه الانقضاض على الساحة واحتلال ما يليق به من مكان، من دون أن ينتظر إشارة تسمح له بالدخول؟

قبل ان نفصّل القول في هذه الأسئلة، يمكننا أن نتوقف عند تحديد معنى ثقافة، ومثقف، وذلك للتوسّع في ما بعد في مهام هذا الأخير ضمن المجتمع العربي الراهن.

 

أولاً: في تحديد الثقافة

الثقافة في اللغة العربية مصدرٌ مُشتقٌّ من الفعل: ثـَقفَ، ثقفاً، أي صار حاذقاً. واذا قلنا: ثَـَقًفَ الرمحَ اي قَوًمَهُ وسوًاه. كما أن: ثقًفَ الطالبَ، أي هَذبَهُ وعلًمهُ ، فهو مُثقف.

يذكر كل من ديفد إنغلز وجون هيوسون في كتابهما “مدخل إلى سوسيولوجيا الثقافة” ما يأتي: “راجع إثنان من علماء الاجتماع، هما الفريد كروبر وكلايد كلوكهون في أوائل الخمسينيات، الدلالات المتنوعة لكلمة “ثقافة” (وقرينتها “حضارة”)، فعثروا على 164 تعريفاً لما قد تعنيه الكلمة. ومن المعروف أن الناقد الأدبي رايموند وليامز أشار الى أن كلمة “الثقافة” هي إحدى الكلمات الأكثر تعقيداً في اللغة الانكليزية، لأنها تحمل الكثير من المعاني التي تتغير كثيراً مع مرور الزمن. ومن بين المعاني الحديثة للكلمة أنها: 1- “الثقافة العليا” والفن والحضارة، 2- تهذيب النفس، 3- المنتجات الثقافية كالكتب والأفلام، 4- “الحياة الكلية” لمجموعة معينة من الأفراد. ومن ثم فإن كلمة “ثقافة” قد تشير، في الوقت ذاته، الى “الثقافة العليا” (High culture) و”الثقافة الشعبية”، (Mass culture) والى أفكار الأفراد في مجتمع معين وقيمهم، وكذلك الى قدرات الفرد الشخصية. وبهذا نخلص الى أن “الثقافة” تغطي مجالات واسعة من الأفكار والموضوعات”.[1]

لذا نجد أن الثقافة مصطلح متعدّد المعاني حاول الكثيرون تحديده. من هنا قام كل من المؤلفين، وتجنباً للإلتباس أن يوضّحا معنى “الثقافة” في ست نقاط، نختصرها كالآتي:

– تتألف الثقافة من أنماط فكرية وقيم ومعتقدات شائعة بين مجموعة من الأفراد.

– ثقافة مجموعة ما تميزها عن المجموعات الأخرى، فلكل مجموعة “ثقافتها” الخاصة بها.

– تحتوي الثقافة على معنى، بواستطه يتفاعل الفرد فكريا وعاطفيا مع ما يدور حوله.

– تتجسّد الأفكار والقيم والمعتقدات في الرموز وفي نتاج من صنع الانسان.

– الثقافة تُعلّم وتنتقل عبر الأجيال، مما يجعل الأفكار والقيم والمعتقدات عادة مفروغا منها.

– الثقافة اعتباطية وهي نتاج النشاط الانساني وليست من أفعال الطبيعة. [2]

إن هذه النقاط الست تضعنا أمام مروحة واسعة من المعاني. إذا تعمّقنا في مضمونها يمكن أن نستنتج أن لكل إنسان ثقافة، ولكل مجموعة حضارية ثقافة، على الرغم من التفاوت بين الانسان والآخر والمجموعة الحضارية والأخرى. من هنا يمكن أن نقول هناك ثقافة أوروبية، وأخرى عربية، أو هناك ثقافة منفتحة وأخرى منغلقة، كما هناك ثقافة متحررة وأخرى تقليدية سلفية، كذلك على سبيل المثال أيضاً يمكن القول إن هناك ثقافة الحياة وثقافة الموت،… الخ.

 

ثانياً: في التمييز بين الثقافة والحضارة

يميّز علي عزت بيجوفيتش(الرئيس السابق للبوسنة) في كتابه: الإسلام بين الشرق والغرب، بين الثقافة والحضارة، منتقداً الخلط بينهما. يرى أن “الثقافة تبدأ “بالتمهيد السماوي” بما اشتمل عليه من دين وفن وأخلاق وفلسفة، وستظلّ الثقافة تُعنى بعلاقة الانسان بتلك السماء التي هبط منها، فكل شيء في إطار الثقافة إما تأكيد أو رفض أو شك أو تأمل في ذكريات ذلك الأصل السماوي للإنسان. تتميّز الثقافة بهذا اللغز، وتستمر هكذا خلال الزمن في نضال مستمر لحل هذا اللغز.

أما الحضارة، فهي استمرار للحياة الحيوانية ذات البعد الواحد، التبادل المادي بين الانسان والطبيعة. هذا الجانب من الحياة يختلف عن الحيوان فقط في الدرجة والمستوى والتنظيم. هنا لا نرى إنساناً مرتكباً في مشاكله الدينية، (…)”، انما تكمن وظيفته بأن “يتعامل مع سلع الطبيعة ويغير العالم بعمله وفقاً لاحتياجاته”.

ويتابع التمييز مشيراً الى أن “الثقافة هي تأثير الدين على الانسان أو تأثير الانسان على نفسه، بينما الحضارة هي تأثير الذكاء على الطبيعة أو على العالم الخارجي. الثقافة معناها “الفن الذي يكون به الانسان انساناً”، أما الحضارة فتعني “فن العمل والسيطرة وصناعة الأشياء صناعة دقيقة”، الثقافة هي “الخلق المستمر للذات”. أما الحضارة فهي “التغيير المستمر للعالم”. وهذا هو التضاد: الانسان والشيء، الانسانية والشيئية”.”[3]

نلحظ في هذا التمييز بين الثقافة والحضارة عمق الصراع بين مفهومين ينظران إلى الإنسان من زاويتين مختلفتين، الأولى روحيّة تنحو صوب السماء، وتربط الثقافة بالإنتاج الفكري والإبداعي الروحاني، والثانية مادية تبرز دور التقنيات والانتاجات المادية التي قام بها الإنسان في سياق التطوّر الحضاري. هناك تركيز واضح على دور الإنسان في الاشتغال على نفسه، من دون توقّف ولا استرخاء. كذلك في الحضارة عمل مستمر من أجل تغيير العالم الخارجي، وتطوير التقنيات المستخدمة، وتلبية الحاجات المستجدة. في الثقافة اشتغال على الداخل، وفي الحضارة اشتغال على الخارج. يعتبر بيجوفيتش أن “حامل الثقافة هو الانسان، وحامل الحضارة هو المجتمع، ومعنى الثقافة القوة الذاتية التي تُكتسب بالتنشئة، أما الحضارة فهي قوة على الطبيعة عن طريق العلم”.[4]

 

ثالثاً: المثقف والجرأة على التفكير

لذا، بعد هذه المحاولة لتحديد مفهوم الثقافة نرى أنه بإمكاننا أن نعود الى كانط في تحديده لمفهوم الأنوار، حيث نجد اختصاراً ملفتاً لمفهوم إنسان عصر الأنوار الذي يمكن أن نسقطه على المثقف، ولمهامه في المجتمع. يقول في كتابه: “ما هو عصر الأنوار؟” في سياق طرحه سؤال: ماذا تعني الأنوار، ما يأتي:

“إنها خروج الإنسان عن حالة قصوره، ذلك القصور الذي يكون الإنسان مسؤولاً عنه. وأنا أعني بالقصور عجز الانسان عن استخدام فهمه دون توجيه الآخرين، كما أقول بأن الإنسان ذاته هو المسؤول عن ذلك القصور لأن السبب فيه لا يعود إلى عيب في الفهم، وإنما يرجع إلى غياب القدرة على اتخاذ الموقف والشجاعة في استخدام الفهم دون قيادة الآخرين. إن شعار الأنوار يتلخّص في هاته العبارة: اجرؤ على استخدام فهمك الخاص.

إن الكسل والجبن هما السببان اللذان يفسّران لنا كون عددٍ هائلٍ من الناس، بالرغم من أن الطبيعة قد حرّرته منذ أمد بعيد من كل توجيه خارجي، فهو يظل قاصراً بقية حياته وعن طواعية منه. وهذا ما يفسر لنا لماذا يسهل على غيره أن يفرض نفسه وصياً عليه. فما أسهل أن يكون الانسان قاصراً(…)”.[5]

ما الذي يعنيه كانط بحالة القصور وبالكسل والجبن؟

في وقفة تأمّلية عجولة تضعنا أمام سلوك الشباب اليومي من حولنا، نجد أن هناك ما يدعو لضرورة استحضار قول كانط، لكثرة ما ينطبق على واقع الحال. لكن من المؤسف أن نشير الى أنه مضى على هذا القول ما يزيد على القرنين إذ يعود الى العام 1784، وهو ما زال يخاطب إنسان القرن الواحد والعشرين. إذا تعمقنا في معنى النص الآنف الذكر، نجد أن الإنسان الذي خرج من حال القرون الوسطى، أي حال التكرار والاجترار والقياس على نموذج تراثي سبق، هو الذي ينطبق عليه: إنسان عصر الأنوار. بتعبير آخر، ان من يتّخذ التقليد نهجاً فكرياً صحيحاً، ويرى أنه لا ضرورة لخوض غمار تجربة البحث عن المعنى، ولا مواجهة قلق الأسئلة التي تقضّ مضجع الوعي، يبقى في زمن ما قبل الحداثة، يسلّم زمام أموره الى آخر يتحكّم فيه. في هذه الحال يسهل تغييب القدرة، وفقدان الإيمان بالطاقات الدفينة في الذات البشرية، والرضوخ للسلطة القوية التي فرضت نفسها في المجتمع.

اذا أردنا التعمق بالمثقف، نلحظ أنه الانسان الذي اتخذ على عاتقه تحرير نفسه من القيود الراسخة في أعماقه، وأولها: الكسل والجبن. قد تكون أم المعارك تلك التي نخوضها في مواجهة ما يعتري أنفسنا من ارتخاء، ورغبة بالاستقالة من واجب التفكير، والوقوع في تخدير العقل، وإحباط العزيمة.

إن الإنسان المعاصر في مجتمعاتنا العربية بات في غالب الأحيان يعيش حضارة الـ Delivery، أي ثقافة التوصيل المجاني، والخدمة المجانية الى المنزل من دون بذل أي جهد يُذكر سوى الضغط على الرقم المطلوب. انها ثقافة تُقيل العقل وتخضع الارادة وتحجم حرية المبادرة وشغف المغامرة. هذه الثقافة مبنية على الخوف مما هو جديد، والحذر من التغيير، والتوجّس من الامور الغريبة وغير المألوفة. ثقافة تقبل بالواقع على الرغم من سوء حاله، وترضخ للظلم على الرغم من إجحافه، وتقبل بالاستقالة من فعل التفكير على الرغم من أنه هو ما يميّزنا عن باقي المخلوقات الحية. انها ثقافة يروق لها أن تستبدل حداثة “الأنا أفكر” بسلفية “الأنا أكفّر”. فالعملية لا تستوجب أكثر من تبديل ترتيب حرفين لا أكثر، فتصبح بداهة الأنا أفكر التي بنى عليها ديكارت مدماك الحداثة، أمراً غير ممكن بسبب أنا أخرى احتلّت الساحة وقررت مسبقاً ما يجب فعله، وما يجوز التفكير فيه، انها الأنا أكفّر هي التي لها الكلمة الفصل في مجتمعنا. هذه الانا أكفّر لا تشتغل فقط في المجال الديني، انما أيضاً في إطار أنظمة الحزب الواحد، حيث النظام الديكتاتوري الذي يحقّ له وحده أن يحدّد الحيّز المسموح به في التفكر والنطق والسلوك. كذلك نجد الأنا أكفر في الانظمة التربوية المغلقة التي تعلن مبادئها الراسخة ونهجها المستقيم، فتقدّم نفسها على أنها الأصوب رافضة كل نقد أو محاولة تقويم. هذه الثقافة التكفيرية جعلت من أتباعها مجموعات وضعت حسّها النقدي على الرف لكي تستريح من همّ التفكير المؤدّي الى التجديد ونزع سيطرة التقليد. هذا هو الخوف الراسخ في النفوس، الجبن المكبّل لأي مبادرة نحو الأمام.

يذكر علي عزت بيجوفيتش دراسة  أجريت في بريطانيا سنة 1971 ونشرت في إطار المطبوع الحكومي تفيد ما يأتي: ان الانجليزي العادي يقضي من 16-18 ساعة في الاسبوع يشاهد التلفزيون. فقد أصبح التلفزيون يحتلّ مكان الأدب بشكل مطرد، فهو قرينه في الحقل الثقافي”. كذلك يذكر دراسة أخرى قامت بها مجلة لوبوان الفرنسية أن “واحدا من كل ثلاثة أشخاص من الفرنسيين لم يقرأ في حياته كتاباً، وأن الأمة الفرنسية تقضي وقت فراغها أمام التلفزيون. وقد أشارت الدراسة أيضاً الى أنه بالنسبة لثمانية وسبعين في المائة من السكان، وجد أن الوسيلة الثقافية الأساسية لتمضية الوقت هي التلفزيون”.[6]

اذا أردنا أن نعلق على هاتين الدراستين، يمكننا أن نسأل عن الوضع الحالي في أوروبا وليس في سبعينيات القرن الماضي، ما هو الوضع فعلياً على أرض الواقع الحالي؟ إن كانت هذه حال البريطانيين والفرنسيين منذ اربعين عاماً، فما هو حال المواطنين في مختلف البلدان العربية؟ إن غياب الدراسات الجدية، والاحصاءات الرسمية لا يعني أنه لا أزمة لدينا على صعيد القراءة، والاشتغال على بناء الثقافة الذاتية.

من هنا وانطلاقاً مما تقدمّ، نسأل: ما الذي يمكن أن ننتظره من المثقف في المجتمع العربي؟ وهل له ما يكفي من سلطة للقيام بدوره؟ وبالتالي: هل هو مستعد للمبادرة أم أن لديه ما يكفي من الهموم واليأس والضيقات التي تثقل كاهله وتكبّل خطواته؟

 

رابعاً: المهام الملقاة على عاتق المثقف العربي

إن مسؤولية المثقف في خضم ما نشهده من أزمات متتالية، تضرب الوعي، وتسجنه في شرنقة الأسئلة المصيرية التي تبدو متعدّدة الاتجاهات، متنوعة التخصصات، ولا يمكن حصرها بنقاط محدودة. لكن نودّ أن نتأمل قليلاً في وضع المثقف العربي، في مكانته، في السلطة المعطاة له، في صلاحياته الاجتماعية والتربوية. من هو النجم الحقيقي الذي يحتل الشاشات كل يوم؟ أين هو المثقف في برامج البث المباشر والعروضات الترفيهية وحلقات النقاش السياسي؟ الى أي مدى وسائل الاعلام مستعدة لتخصيص حيز من الهواء للمثقف؟ اي صورة هي تلك التي تجمع بين التجارة والثقافة؟

تجدر الاشارة هنا الى تجربة فريدة وبالغة الأهمية قام بها ميشال اونفراي في فرنسا عندما أنشأ الجامعة الشعبية التي تستقبل كل الناس، من دون شروط للتسجيل. تجمعهم بالمفكر، يستمعون اليه، يناقشونه، ينتقدونه، يواجهونه في حوارات لا يحدّها توقيت، ولا بروتوكول ولا نظام أكاديمي صارم. محاولة أونفراي في فرنسا جديرة بان تدرس بدقة لما تقدمه من نموذج انفتاح المثقف على المجتمع بمختلف أطيافه. لقد أسّس أونفراي محطة تلفيزيونية عبر اليوتيوب، يلقي من خلالها محاضراته، ويتفاعل مع المتلقي. يعمل على إيصال الفكر الفلسفي بمختلف مذاهبه وتياراته منذ الزمن اليوناني الى كل مواطن يرغب بذلك. قام بكسر الهوة الفاصلة بين الفيلسوف وعامة الناس، بين المثقف المتخصص في مجال محدد وباقي الناس الذين يجهلون خصوصية عالمه. نحتاج فعلاً الى ميشال أونفراي عربي يكسر الجليد ويفرض مكاناً له على الساحة الاعلامية من دون أن يتصدّق عليه أي متمول بذلك.

سنحاول في ما يأتي التوقف عند بعض الخطوات التي قد تفيد في إبراز دور المثقف وتعزيزه في الوطن العربي. طبعاً هناك مفكرين كبار تطرّقوا الى مهام المثقف في المجتمع مثل أنطونيو غرامشي، وأدوارد سعيد، وجوليان بندا، وغيرهم، وأنتجوا الكثير في هذا الخصوص. الأمر لا يتعلّق بقلّة الأفكار أو بافتقادها، ولا بنقص في النظريات حول دور المثقف، إنما حسب ما نعتقد، هناك نقص في المبادرة العملية، في التطبيق. لذا، يمكن أن نختصر الخطوات العملية التي نقترحها للنقاش والبحث في جدواها، وفق ما يأتي:

1- ردم الهوة القائمة بين أهل الفكر والشباب الناشئ. لن نعيد استخدام مصطلحَي: العامة والخاصة، لكن علينا أن نشير الى أن لغة جديدة تنشأ اليوم بين الشباب، على المثقف اتقانها لكي يتم التواصل في ما بينهما. فالشباب اليوم خائب من السلطة، تائه يبحث عن مرجعية. الوقت مناسب لكي يملأ المثقف الفراغ الحاصل عل أثر تتالي النكسات والخيبات.

2- الاشتغال على الذات، وتحصيل أجود السبل المؤدية الى المعرفة، وعدم الاكتفاء بما يُقدّم والاقتناع بتدني المستوى الفكري لدى البعض. ان السعي الى تحصيل المزيد من التقنيات المعرفية، والمناهج البحثية من شأنه أن يرفع من مستوى المثقف، الأمر الذي سيفيده في تأدية خدماته المعرفية للآخرين.

3- التحلّي بالجرأة وعدم الانكفاء والخنوع والاستسلام لليأس. ان الشعور بالغربة الذي يخنق معظم المثقفين قد يؤدّي بهم الى الاستقالة من مهامهم في المجتمع، والاسترخاء على شاطئ الكلمة الصامتة التي لا تحمل همّ البوح الى كائن آخر، والاكتفاء بالدائرة الضيقة من الاصدقاء المثقفين، حيث تحلو الجلسات ويطيب السهر داخل الغرف المغلقة.

4- تأسيس حركات ومنتديات تجمع بين طالبي المعرفة والراغبين في الاشتغال على الذات، لكي يدعم واحدهم الآخر، من خلال مشاركة الهم المعرفي، والتقنيات الفكرية الأكثر فعالية، وإقامة حلقات النقاش التي تطرح على بساط البحث مختلف النظريات والأفكار في إطار نقدي رصين. كذلك الاهتمام بالاضاءة على المستور والمحجوب وما يسميه محمد أركون بـ”الممنوع التفكير فيه”، أو “المستحيل التفكير فيه”.

5- العمل على ترجمة أهم الدراسات العلمية والادبية والفلسفية التي نشرت في مختلف بلدان العالم، والتي تفيد في نقل الخبرات والإضاءة على ما قد سبق انجازه في مجتمعات أخرى، وكان قد برهن على فعالية ثماره.

6- النظر الى كل انسان باعتباره مشروعَ مثقف، وعدم حصر الثقافة بالخاصة، وترك الجماهير تستسلم الى الحالة السلبية، أي الى التلقّي البارد لما يتم تقديمه. لذا ضرورة تحفيز الاخر على النظر الى نفسه كمشروع انساني فريد، لا يشبه أحداً، كقيمة لا تضاهى وعليه إبرازها والاشتغال عليها.

7- العمل على مصالحة الوعي العربي مع النقد والمنهج النقدي، والتمرس فيهما. فالنظر الى الذات والتراث والآخر من منظور نقدي يجعل الانسان أكثر نضجاً ووعياً بمحدوديته، وبتاريخيته، وبنسبية الحقيقة التي يتمسّك بها. هذا الامر من شأنه أن يردم الكثير من الحواجز بين الأنا والآخر، بين الهنا والهناك، بين المستقيمين والضالين على اختلاف انتماءاتهم. هناك حاجة ملحّة لنبذ التطرف، وزحزحة الحدود، والثورة ضد العنف في مختلف تجلياته الحاضرة، هذه الحاجة تنتظر المثقفين الأكفاء للقيام بها قبل فوات الأوان، وتفاقم الصراعات الدامية الى حدّ إفناء الآخر لا لسبب الا لأنه الأضعف والأقل شراسة.

8- الدعوة إلى تعزيز ثقافة الحوار والانفتاح على الآخر، والعمل على توفير المناخ الملائم لانتشارها، مع الأخذ بالاعتبار ضرورة تجنّب الحوار الفلكلوري الذي يسلّط الضوء على التلاقي السطحي أمام عدسات آلات التصوير، من دون الغوص بالعمق في الوضع المأزوم الذي يُسهم في إبعاد أهل البلد الواحد، أو الدين الواحد، أو التراث الواحد عن بعضهم البعض.

9- العمل على إنتاج نهج جديد ومتجدّد باستمرار لكيفية التربية والتعليم، وبخاصة لكيفية تقويم عمل التلامذة والطلاب. فالابتعاد عن التلقين وجمع المعلومات ومقارنتها ببعضها البعض أمر ضروري للخروج من ثقافة التلقي السلبي، والكسل الذهني، وعدم المبادرة لدى المتعلم. كذلك من المفيد الانتباه الى مزايا التأمل، والغوص فيه الى أبعد الحدود. الاستغراق في التفكير والتمعن في الشيء أمران باتا ينتميان الى الممارسات الماضية التي عفا عنها الزمن.

10- العودة إلى ما سبق أن طرحه محمد أركون بخصوص تدريس “تاريخ مقارن للأديان التوحيدية”، والتركيز على تقديم نص علمي رصين يحيط بمجمل الموضوعات المطروحة في كل دين على حدة. إن هذا الأمر من شأنه أن يقرّب في وجهات النظر من خلال تسليط الضوء على أبرز تجليات المقدس في المجتمع عبر التاريخ، وعلى ما قامت به السلطة الدينية من اجتهادات في ما يتعلق بأمور الدين.[7]

أختم بنصين لإدغر موران من كتابه: “الى أين يسير العالم؟”، حيث نجد تنبيهاً هاماً يهدف إلى إيقاظ الإنسانية، في الأول، ونداءً ملحّاً للمقاومة يهدف إلى استعجال بزوغ الإنسانية، في الثاني. يقول موران:

– “إن تنبيه الانسانية اليوم يختلط مع ضرورة إيقاظ الانسانية، أي إحداث (قفزة للإنسانية) قادرة على إيقاف المسيرة الى الموت. فإن إيقاف الموت! لا يعني فقط المساهمة في النضال المستمر والمتعدّد الأشكال الذي يجب أن تقوم به كل حياة ضد الموت. إنما يعني النضال ضد الموت الجديدـ النضال ضد الموت الكثيف الذي يحصد الملايين أو الموت الكبير”.[8]

يشدّد إدغار موران في النص الثاني على ضرورة استعجال بزوغ الانسانية على أثر ما يتعرّض له البشر اليوم في أي مكان على الكوكب من تهديدات نووية وكارثية عديدة. يرفع لواء المقاومة، فهي بنظره الحل الوحيد المتاح. يقول:”يجب علينا مقاومة العدم ومقاومة قوى التقهقر والموت الهائلة. وفي كل الفرضيات، يجب المقاومة. فالحدّ من الموت مقاومة. النضال ضدّ الوحشية مقاومة. والمستقبل لم يعد ذلك التقدّم اللامع الى الأمام، أو بالأحرى ينبغي القول إن هذا التقدّم اللامع لتهديدات العبودية والخراب يجب أن تُقاوم أيضاً. وبشكل أكثر اتساعاً، يجب علينا من اليوم، ومن دون توقف مقاومة الكذب، والخطأ، والخلاص، والاستسلام، والايديولوجيا، ومقاومة التكنوقراطيّة، والبروقراطية، ومقاومة الهيمنة والاستغلال والقساوة. وأكثر من ذلك علينا أن نهيئ أنفسنا الى أشياء جديدة من القمع، أي إلى أنماط جديدة من المقاومة”.[9]

أعتقد، ختاماً، أنه قد نجد في ما يقترحه إدغار موران خطّة عمل، يمكن أن يتفاعل معها مثقّفو اليوم في العالم العربي، في حال أرادوا عدم الاكتفاء بنشر النصوص والدراسات، من أجل التوجّه إلى تعميق التواصل مع شرائح المجتمع بكل مكوّناته، وبخاصة الشباب العربي.

[1] – ديفيد إنغلز وجون هيوسون، مدخل الى سوسيولوجيا الثقافة، ترجمة لما نصير، بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، 2013، ص16-17

 

[2] – لمزيد من التفصيل، أنظر: ديفد إنغلز وجون هيوسون، مدخل الى سوسيولوجيا الثقافة، م.س. ص17-18

[3] – علي عزت بيجوفيتش، الاسلام بين الشرق والغرب، تقديم عبد الوهاب المسيري، ترجمة محمد يوسف عدس، القاهرة، دار الشروق، ط1، 2010، ص107-108

[4] – علي عزت بيجوفيتش، الاسلام بين الشرق والغرب، م.ن. ص109

[5] – أنظر: ايمانويل كانط، ما هو عصر الأنوار؟، في: الحداثة الفلسفية، نصوص مختارة، إعداد وترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، بيروت، منتدى العارف، ط1، 2009، ص200

[6] – علي عزت بيجوفيتش، الاسلام بين الشرق والغرب، م.س. ص118

[7] – يمكن مراجعة كتاب: محمد أركون، نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية، ترجمة وتقديم هاشم صالح، بيروت، دار الساقي، ط1، 2011

[8] – إدغار موران، الى أين يسير العالم؟، ترجمة أحمد العلمي، الدار العربية للعلوم، بيروت، ط2، 2010، ص73

 

[9] – إدغار موران، الى أين يسير العالم؟، م.ن. ص83

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete