في القراءة المشهديّة ليوم القيامة وأبعادها

 تكوين

ينشد هذا المقال قراءة يوم القيامة قراءة مشهديّة. وهي قراءة تجد مسوّغا لها في اعتماد القرآن نفسه لفظ: مشهد ومشتقّاته إذ يقول تعالى:

“فويل للّذين كفروا من مشهد يوم عظيم”[1]

ويقول:

“ذلك يوم مجموع له النّاس وذلك يوم مشهود”[2].

وسننظر في هذا المقال في البناء المشهديّ وصورة المحاكمة على أن نعود إلى سائر صور القيامة في مقالات قادمة.

1-البناء المشهديّ ودلالاته:

  • الصّوت المنطلق أو شارة البدء:

جاءت السّاعة، وتفكّكت أنظمة الكون جميعها المادّيّ منها والرّمزيّ. سقط كلّ شيء، وحلّ الهدوء التّامّ والصّمت الرّهيب. وفجأة يُنفخ في الصّور[3]. فيظهر هذا الصّوت المفزع الّذي يمثّل شارة انطلاق القيامة. لا أحد يعرف من نفخ في الصّور، دعنا من النّصوص الحافة أحاديث وتفاسير، فالقرآن يصمت عن النّافخ لأنّه ليس هو مركز المشهد وإنّما المركز هو الصّوت الّذي يدوّي من حيث لا ينتظره أحد، وهو أداة النّفخ الّتي تبرز من الفراغ.

  • تأثيث الفضاء فجأة:

كلّ أبطال المشهد وعناصره تحلّ فجأة. فكأنّ المشهد كان في ظلام دامس، ثمّ، ودون انتظار مسبق يُسمع الصّوت ويعطي شارة الانطلاق، وتشرق الأرض بنور ربّها[4]، فتُضاء عناصر هذا اليوم العظيم عنصرا عنصرا، الله يجيء مع الملائكة في موكب مهيب: “جاء ربّك والملك صفا صفّا“[5]. و”عرش الله” يطلّ بغتة لا نرى من يحمله، هم ثمانية، ولكن لا نعرف من هم ولا ما هم: “ويحمل عرش ربّك فوقهم يومئذ ثمانية“[6]. وتحديد العدد دون المعدود من شأنه إرباك المتلقّي وفتح آفاق تأويليّة لا متناهية أمامه[7]. ولعلّ ظهور العرش المفاجئ الفارغ محمولا يشير إلى حضور إلهيّ مُهَيْمن لا تقدر الصّورة على احتوائه.

أمّا البشر فيخرجون من الأجداث فجأة ينسلون: “ونُفخ في الصّور فإذا هم من الأجداث إلى ربّهم ينسلون“[8]. والكتاب يُوضع: “ووضع الكتاب”[9]، وكذلك الموازين: “ونضع الموازين القسط ليوم القيامة“[10]. وتُحضر الجنّة والنّار: “وجيء يومئذ بجهنّم”[11]، “وأزلفت الجنّة للمتّقين غير بعيد”[12].

بغتة يؤثّث الفضاء بجميع عناصره، ويغدو كلّ شيء جاهزا من أجل المحاكمة، ولم يبق إلاّ الإتيان بالمعروضين على المحكمة يجيئون مصحوبين: “وجاءت كلّ نفس معها سائق وشهيد“[13].

  • الحركة الجمعيّة: تناسق وهيبة:

يقوم مشهد القيامة على حركة جمعيّة لأبطاله. الله يظهر مع الملائكة في موكب يجسّم المهابة والانضباط “وترى الملائكة حافّين من حول العرش يسبّحون بحمد ربّهم“[14]. البشر يخرجون من القبور كالجراد الّذي لا نعرفه إلاّ أسرابا: “خشّعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنّهم جراد منتشر“[15]. وتتواصل الحركة الجمعيّة في الطّريق نحو المحاكمة: “يوم يُنفخ في الصّور فتأتون أفواجا“[16]. ومن اللطّيف أنّ البشر يحاسبون فرادى، ولكنّ صورة دخولهم إلى الجنّة والنّار جمعيّة، إنّهم يدخلونهما “زمرا” و”وفدا”: وسيق الذين كفروا إلى جهنّم زمرا“[17]، “وسيق الّذين اتّقوا ربّهم إلى الجنّة زمرا“[18]، “يوم نحشر المتّقين إلى الرّحمان وفدا“[19]. وهذه الحركة الجمعيّة تنشئ صورة قائمة على الانتظام والانصياع والمهابة. وتنشئ إيقاعا مشهديّا يهزّ انفعالات المشاهد أو من يتخيّل المشهد من خلال الكتابة.

ورغم مظاهر النّظام والتّناسق، فإنّ المشهد يغمره أحيانا اضطراب وفوضى يتجلّى في سلوك الأنفس الشّقيّة. هو اضطراب في الحركة: “يوم يفرّ المرء من أخيه- وأمّه وأبيه- وصاحبته وبنيه- لكلّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه“[20]، وهو اضطراب في العلاقات الّتي تقوم على “تخاصم أهل النّار”[21] وعلى التّلاعن ف”كلّما دخلت أمّة لعنت أختها“[22]، وتقوم العلاقات المضطربة على التّراشق بالتّهم، كلّ جماعة تتّهم سواها بأنّها سبب دخولها النّار: “قالوا إنّكم كنتم تأتوننا عن اليمين“[23]، و”لولا أنتم لكنّا مؤمنين“[24]، وجماعة يتنصّلون من ذلك: “أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين“[25] أو “وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين“[26].

إنّ هذا الاضطراب ناتج عن لحظة الكشف، وعن التّأكّد من المصير السّلبيّ المحتوم والمحاولات العشوائيّة للنّجاة. على أنّ الله تعالى يضع للاضطراب حدّا إذ يقول: “لا تختصموا لديّ”[27]. وهكذا تظلّ الهيبة والتّناسق سمة المشهد الأخرويّ الأساسيّة.

  • أنسنة الأشياء:

يوم القيامة تنطق الجلود ويتكلّم السّمع والأبصار: “حتّى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون”[28]. وعند المحاكمة يغدو جسد الإنسان شاهدا عليه، فتتكلّم بعض الأعضاء خارقة بذلك ثنائيّة اللّغة والجسد الدّنيويّة الّتي تسم الانشطار الجوهريّ للإنسان بين جسد صامت ولسان ناطق[29]. إنّ الجسد في الدّنيا لا “يتكلّم” إلاّ من خلال الأوجاع أو البثور أو سواهما. أمّا يوم القيامة، فهو يستقلّ بذاته عن هويّة “الأنا” الّتي تتفكّك تماما، ولا عجب أن لا تنطق إلاّ جلود الأنفس الشقيّة في لحظة فزع دراماتورجيّ عنيف. وفي نفس سياق ولادة الفزع تنطق جهنّم نفسها، وتقول: “هل من مزيد؟”[30]، فتغدو شبيهة بوحش فاغر فاه في جوع أزليّ لا يشبعه شيء.

إنّ إنطاق الأشياء المتّصلة بأهل الجحيم من عناصر تسم مشهدا يجمع يربط بين الهيبة والقدرة الإلهيّة من جهة وإثارة الخوف والفزع من جهة أخرى.

2-مشهد المحاكمة

الفضاء: يكون فضاء المحكمة عادة فضاء مغلقا، ولكنّ هذا الفضاء مفتوح حيث يحضر الجميع محاكمة الجميع بما يعزّز الشّفافية والوضوح ويجعل الاعتراض غير ذي جدوى.

مراحل المحاكمة وشخصيّاتها:

  1. القاضي:
    القاضي واحد لا مستشارين له، وهو الله تعالى: “إنّ ربّك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم“[31]. ولا يحيل مجيء الله على حركة بدء، فاللّه حاضر دوما. وإنّما هذا المجيء هو حركة رمزيّة لا مكانيّة، تعبّر عن ظهور “طلائع الهيبة”[32]. إنّه تجلّ للسّلطة والحكم المطلق، وظهور للحقيقة التي لا يمكن الفرار منها. وتؤكّد صورة العرش المحمول رمز الهيمنة والهيبة. وتتأكّد سطوة القاضي من خلال خشوع تامّ للبشر، تعبّر عنه وجوه خاضعة: “وعنت الوجوه للحيّ القيّوم”[33]، وأصوات هامسة: “وخشعت الأصوات للرّحمان فلا تسمع إلاّ همسا”[34]. إنّ الله الّذي كان يُخشى بالغيب غدا متجلّيا للجميع لحظة الكشف المطلق يوم القيامة.
  2. الملائكة جزء من موكب القاضي:
    الملائكة حاضرون في مشهديّة المحاكمة يوم القيامة. ويُشرّف أحدهم بالذّكر، وهو “الرّوح”: “يوم يقوم الرّوح والملائكة صفّا“[35]، وفي ذلك تناغم مع تشريفه في الدّنيا، فهو الّذي نزل بالوحي[36]، وهو الّذي أيّد المسيح[37]. وتأتي الملائكة أيضا في شكل صفوف: “وجاء ربّك والملك صفّا صفّا“[38]، والصّفّ يحيل على النّظام وعلى الانضباط. فكأنّ الملائكة تواصل القيام بدورها المنضبط الأزليّ الأبديّ: “نحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك“[39]. وهم يقفون في موكب القاضي في هيبة مطلقة، منشئين ما يشبه جدار الرّهبة والسّكينة صامتين “لا يتكلّمون إلاّ من أذن له الرّحمان وقال صوابا“[40].
  3. المعروضون على المحاكمة:
    – أبرزهم البشر: في محاكمات الدّنيا يحضر المتّهمون، على أنّ محكمة يوم القيامة ليست خاصّة بمن اشتُبه في تورّطهم في خرق للقانون، وإنّما هي تشمل الجميع، ولذلك نفضّل اعتماد عبارة المعروضين على المحاكمة، وهي عبارة قرآنيّة: “وعرضوا على ربّك صفّا لقد جئتمونا كما خلقناكم أوّل مرّة“[41]، “يوم تُعرضون لا تخفى منكم خافية“[42].
    – ويُعرض الجنّ أيضا على المحاكمة: “ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس“[43]. ومنطقيّ أن يُعرض الجنّ على المحاكمة بصفتهم في القرآن مكلّفين بعبادة الله تعالى شأنهم في ذلك شأن الإنس[44].
    – أمّا الشّيطان، فهو محكوم عليه باللّعنة بدءا: “وإنّ عليك لعنتي إلى يوم الدّين“[45]، ولذلك لا يفتقر إلى المحاكمة الأخرويّة لمحاسبته. لقد “قُضي الأمر”[46]، وهو فقط يعترف بأنّه خدع البشر ودعاهم إلى طريق الضّلال: “إنّ الله وعدكم وعد الحقّ ووعدتكم فأخلفتكم“[47]. فالمحاكمة عنده هي فقط مجال اعتراف واستعداد لتلقّي العقاب.
  4. الشّهود:
    لا بدّ في كلّ محاكمة من شهود، وهم أنواع شتّى هنا:
    أ. الله:
    من اللّطيف أن يكون الله قاضيا وشاهدا في آن واحد: “أولم يكف بربّك أنّه على كلّ شيء شهيد“[48]. هذا يذكّر بأنّ المحاكمة ليست كالمحاكمات المألوفة. القاضي هو الشّاهد لأنّه قاض مطلق عليم بكلّ شيء. والحقّ أنّ الشّهود الآخرون ليسوا سوى تأثيث اعتباريّ للمحاكمة، وتثبيت لصورة العدالة في أوجهها المختلفة.
    ب- الملائكة الشّهود:
    لئن صرّح القرآن أنّ النّفس يرافقها شهيد، فإنّه لم يحدّد مرجعه[49]. وقد اعتبر المفسّرون أنّ الشّهيد من الملائكة، فهم يقومون بهذا الدّور لأنّهم رافقوا الإنسان منذ خلقه يضبطون أفعاله ويحفظونها: “إذ يتلقّى المتلقّيان عن اليمين وعن الشّمال قعيد-ما يلفظ من قول إلاّ لديه رقيب عتيد“[50]. وكأنّهم يوم القيامة يضطلعون بدور الضّبط والتّحقيق. على أنّ هذه القراءة لا تنفي إمكان أن يكون الشّهيد حضورا مجازيّا لأفعال الشّخص الّتي تشهد هي نفسها عليه.
    ج- الشّهود من البشر:
    الله والملائكة شهود من خارج المنظومة البشريّة، يتراكب عليهم يوم المحاكمة شهود من البشر لا يضبطهم القرآن: “ونزعنا من كلّ أمّة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم...”[51]، ” فكيف إذا جئنا من كلّ أمّة بشهيد وجئنا بك علىٰ هـٰؤلاۤء شهيدا“[52]. وقد يكون السّكوت عن تحديد هويّة الشّهود لبيان أنّ شخص الشّاهد ليس هو المهمّ بل وظيفته ودوره في كشف الحقيقة.
    هـ- الشّهود من الأعضاء:
    من مميّزات هذه المحاكمة وجود ضرب مخصوص من الشّهود لا يمكن تصوّره في الدّنيا. وهي أجزاء من الإنسان تنفصل عن سلطة الأنا لتكتسب وجودا مستقلاّ قائما بذاته. وفي هذا قلبٌ لعلاقة المرء مع أعضائه، كان في الدّنيا يأمرها فتطيعه فإذا بها تتمرّد عليه وتدينه دون استشارته. وكأنّ هؤلاء الشّهود مختصّون بالمذنبين الّذين ينكرون ما ارتكبوه من ذنوب. إنّهم يمثّلون دراميّا الشّخصية التي تكشف الحقيقة حين تتضارب الأقوال، أو هم الشّاهد الحاسم الّذي لا يمكن تكذيبه فيكون له القول الفصل.
  5. الوثائق أو الأدلّة:
    تفترض المحاكمات وجود أدلّة حجج تدين أو تبرّئ. ويعدّ الكتاب الوثيقة الأساسيّة في هذه المحاكمة، فهو “لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها“[53]. إنّه حجّة دامغة يستحيل تكذيبها ولذلك يخشاه المجرمون ويشفقون منه: “ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين ممّا فيه”[54].
    والكتاب وثيقة نظريّة تصف المرء وحياته وأفعاله وآثارها. ولكنّه ليس الدّليل الوحيد الّذي يؤخذ به لإصدار الحكم. وإنّما تتميّز محاكمة يوم القيامة بإجراء عمليّ يحدّد ثقل الموازين من خفّتها. “فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون-ومن خفّت موازينه فأولئك الّذين خسروا أنفسهم”[55]. وقد ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ الميزان “مثلٌ والمراد بالموازين العدل“[56]. ولئن شاع اعتبار الميزان استعارة عن العدل، فإنّ ذلك لا ينفي أنّ بعض المفسّرين قرأ الموازين قراءة مشهديّة تجعل الموازين أدوات حقيقيّة توزن بها الأعمال[57]. ويكون ذلك وفقهم بطريقتين: “أحدهما: أن توزن صحائف الأعمال. والثّاني: يجعل في كفّة الحسنات جواهر بيض مشرقة وفي كفّة السيئات جواهر سود مظلمة“[58]. وبغضّ الطّرف عن هذه الصّور الّتي لا مستند قرآنيّ لها، فإنّها تنتشر في المخيال الشّعبيّ قراءةُ الميزان بما هو آلة يتمّ بواسطتها وزن الحسنات والسّيّئات، ألا نرى إلى العبارة الشّائعة تقال لمن يعمل صالحا: “ليكن ذلك في ميزان حسناتك”؟
    وخلافا لما يتصوّره البعض، فإنّنا لا نعتبر الميزان، وإن يكن مادّيا، مجرّد مقارنة موضوعيّة للحسنات بالسّيّئات في فعل شكليّ كمّي. لا ننسى أنّ القرآن لا يشير إلى وزن الأعمال، ولا ننسى أنّ الشّخص يمكن أن يتوب يوما قبل وفاته مثلا، والتّوبة تجبّ ما قبلها لا كمّيّا بل اعتباريّا، ولا ننسى اختلاف تقييم الفعل بحسب فاعله، ف”لمم الأتقياء كبائر”، ولا ننسى أنّ المرء لا يُحاسب على الأعمال وحدها وإنّما على النّيّات، ويثبت القرآن نفسه أنّ “الوزن يومئذ الحقّ”[59]، فيكون من الأرجح أنّ الميزان هو وحدة قياس مجازيّة تأخذ جميع الاعتبارات الّتي نعرف ولا نعرف بعين النّظر.
    وما يعنينا هنا أنّ صورة الميزان تتناغم مع مشهديّة يوم القيامة، بل إنّها تذكّر بصورة المحاكمة بعد الموت لدى المصريّين القدامى حيث يجلس الإله أوزيريس قاضيا، ويوضع القلب البشريّ على كفّة ميزان، وتوضع ريشة على كفّة الميزان الأخرى. فإذا كان القلب أثقل من الرّيشة يفنى الشّخص فناء أبديّا. وتحيلنا هذه الصّورة على قوله تعالى محيلا على يوم القيامة: “يوم لا ينفع مال ولا بنون- إلاّ من أتى الله بقلب سليم“[60]. والقلب السّليم هو ذاك الّذي انتصرت فيه النّزعات الرّوحيّة على نزعات النّفس الأمّارة بالسّوء وأهوائها.
  6. المحامي أو لسان الدّفاع:
    تفترض المحاكمات في الدّنيا وجود لسان دفاع له دوران، الاجتهاد في بيان الثّغرات في الأدلّة والوثائق من جهة، والدّعوة إلى اعتماد ظروف تخفيف عن المتّهمين من جهة أخرى. ولا وجود للسان دفاع يوم القيامة، فالنّاس يحاسبون فرادى[61] ولا أحد يملك لأحد شيئا[62]. ثمّ إنّه لا يمكن التّشكيك في الوثائق إذ الكتاب حجّة ثابتة دامغة لا نقاش حولها. بقي دور الدّفاع الثّاني التّبريريّ، وهو يُسند يوم القيامة إلى المتّهمين أنفسهم. إنّهم هم من يحاولون تقديم ظروف تخفيف لأنفسهم، فهم ضحيّة آخرين أضلّوهم: “ربّنا هؤلاء أضلّونا“[63]، “وما أضلّنا إلاّ المجرمون“[64]، أو هم كانوا مستضعفين: “إنّ الّذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنّا مستضعفين في الأرض“[65]، أو هم لم يكونوا يعقلون: “وقالوا لو كنّا نسمع أو نعقل ما كنّا في أصحاب السّعير“[66]. ولا قيمة لظروف التّخفيف هذه جميعها لأنّها محسوبة سلفا، ومأخوذة بعين الاعتبار في منطق العدل الإلهيّ، ف”الله عليم بذات الصّدور“[67]. والمتّهم لن يكون بأعلم من الله في كلّ ما يبرّر به لأعماله. ولذلك لا يُسأل يومئذ عن ذنبه إنس ولا جان[68].
  7. قراءة لائحة الاتّهام:
    في المحاكمة الدّنيويّة تقوم النّيابة بهذا الدّور، أمّا في الآخرة، فإنّ المتّهم يقرأ كتابه بمفرده بما يحوّله إلى ضابط نيابة وإلى شاهد في الآن نفسه. فالذّات تواجه نفسها بلا وساطة، وتسقط جميع أقنعة الإنسان فيرى نفسه على حقيقتها، وهي لحظة كشف مذهلة لا مثيل لها في الدّنيا.
  8. المداولات:
    في الدّنيا، بعد المرافعات وتقديم الأدلّة يختلي القاضي ومعاونوه أو مستشاروه من أجل اتّخاذ قرار بشأن القضيّة. أمّا في الآخرة، فليس هناك إلاّ قاض وحيد هو الله الّذي “أحاط بكلّ شيء علما“[69]، والّذي “يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور”[70].
  9. التّصريح بالحكم:
    يُنطق بالحكم في القرآن في صيغة لغويّة جازمة: “ادخلوا الجنّة بما كنتم تعملون”[71] أو “ادخلوا أبواب جهنّم خالدين فيها“[72].
  10. تنفيذ الحكم:
  • يساق الّذين كفروا إلى جهنّم زمرا[73] ويساق الّذين اتّقوا ربّهم إلى الجنّة زمرا[74]. ويكون مشهد الدّخول إلى الجنّة أو النّار جمعيّا كما رأينا. أمّا فعل السّوق فمسند إلى المجهول، وإن رأى الكثيرون أنّ السّائق ملاك. ويساهم بناء الفعل إلى المجهول في تكثيف الصّورة المشهديّة للسَّوق إذ يُرى القوم في حركة جماعيّة متموّجة مستمرّة دون أن يُكشف عمّن يدفعهم إلى تلك الحركة. إنّنا إزاء مزيج من اللّغز والحيرة والإعجاز.
  • يكتفي الملائكة بالتّرحيب بمن دخل الجنّة: “والملائكة يدخلون عليهم من كلّ باب-سلام عليكم بما صبرتم“[75]. ولا نرى للملائكة دورا مباشرا في “تنعّم” أهل الجنّة خلافا لدورهم المباشر في تنفيذ العقاب على أهل النّار: “خذوه فغلّوه-ثمّ الجحيم صلّوه…”[76]. وليس الملائكة سوى منجزين للأمر الإلهيّ على قسوته، لذلك يصفهم القرآن بأنّهم “ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون“[77]. إنّ عدم العصيان وتنفيذ الأمر سيّان، وربّما كان التّكرار ينشد “تبرئة” الملائكة الغلاظ والشّداد من ممارسة العذاب “تلذّذا”، والتّذكير بأنّهم مجرّد أدوات تحقّق نظام العدالة الكونيّ.
  • تقدّم الصّورة المشهديّة حوارات متواصلة بين أهل الجنّة وأصحاب النّار. وبذلك لا يُنهي تنفيذ الأحكام المشهد، وإنّما يظلّ التّوتّر الدّراميّ متواصلا. ونتصوّر أنّ المقصود بهذا التّوتّر الدّراميّ هو المشاهد الدّنيويّ لا الشّخصيّات الأخرويّة. فأهل الجنّة المتنعّمون قد لا يعنيهم ما الّذي أدخل أصحاب النّار سقر: “ما سلككم في سقر؟”[78]، لا سيّما أنّهم يعرفون الأسباب إذ المحاكمة علنيّة جامعة تجعل السّؤال شبه “عبثيّ” في الآخرة. ووحده الإنسان في الدّنيا مفتقر إلى أن يعرف أنماط السّلوك الّتي قد تدخل النّار عسى يبتعد عنها ويتجنّبها. ويتأكّد المعنى نفسه إذ ينادي أصحاب الجنة أصحاب النار “أن قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقّا فهل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّا”[79]. فهذا استفهام إنكاريّ لا يطلب جوابا لأنّ أهل الجنّة يرون فعلا تحقّق الوعد الإلهيّ لهم ولسواهم.
    وخلافا لما هو الشّأن في الدّنيا، فإنّ البشر ينفذون إلى الحكم قبل النّطق به، ذلك أنّ الصّور المشهديّة تميّزهم من البدء إلى فريقين. من يؤتى كتابه بيمينه يعرف قبل أن يقرأه أنّ مصيره الجنّة، ومن يؤتى كتابه بشماله يعرف قبل أن يقرأه أيضا أنّ مصيره النّار[80]. ومن يرى وجوها ناضرة يعرف أنّها الأنفس النّاجية، ومن يرى وجوها باسرة[81] يعرف أنّها الأنفس الشّقيّة الفاشلة.
  • قد نتصوّر أنّ صورة المحاكمة تنتهي بمشهدين متوازيين، مشهد أهل الجنّة يتنعّمون ومشهد أصحاب النّار يتعذّبون، ومن المفروض أن تدخل الصّورة هنا عالم الأبديّة، فهؤلاء وأولئك خالدون. على أنّ القرآن يترك الباب مفتوحا لانقلاب مشهديّ غير متوقّع (twist)، ف”لله الشّفاعة جميعا”[82]، ولا أحد يمكنه أن ينفي إمكان تحقّق عفو فرديّ أو جمعيّ بعد الحساب. ولا أحد يمكن أن ينفي إمكان أن تسبق رحمة الله تعالى غضبه، وهذا ما يجعل النّهاية المشهديّة مفتوحة قابلة تآويل عديدة لا سيّما أنّ بعض آي القرآن قد تسمح بتنسيب مسألة الخلود في النّار شأن قوله تعالى: “خالدين فيها ما دامت السّماوات والأرض إلاّ ما شاء ربّك”[83]. وقد أسالت قضيّة الخلود في النّار حبرا كثيرا، وليس هذا المقال مجال التّبسّط فيها. فما يعنينا هنا هو أن نؤلّف دلالات البناء المشهديّ وصورة المحاكمة في القرآن لنتبيّن أنّ البناء الدّراميّ يقوم على تكثيف الهيبة وبيان جلال الموقف وعظمته، وأنّ المحاكمة تستحضر بنية المحاكمة الدّنيويّة مع إضفاء صور عجيبة وغير مألوفة عليها. ولا نعتقد أنّ هذه البنية الدّراميّة تحمل قيمة وصفيّة إخباريّة، وإنّما نقرؤها ذات وظيفة إنشائيّة غايتها إثارة الرّعب في قلوب من يقرأ هذه الآيات ويتمثّلها في مشهد مصوّر بجميع تفاصيله الدّقيقة. إنّ المتقبّل الدّنيويّ هو المقصود بالخطاب، ولهذا تَصلح الإحالات على عناصر المحاكمة في الدّنيا، إنّه هو من يسعى القرآن إلى تحفيزه حتّى يسلك طريق “الإيمان وعمل الصّالحات”، ويتجنّب طريق “الكفر بالله” وظلم نفسه وسواه. وهو ما يدعونا إلى تدبّر القرآن من وجهة نظريّة التّقبّل عسانا نفكّك لا فقط المفاهيم البلاغيّة والدّلاليّة، وإنّما الأبعاد النّفسيّة، فنجيب عن السّؤال التّالي: “هل يحمل القرآن وظيفة إخباريّة تصف؟ أم تطغى عليه وظيفة إنشائيّة تغري وترهّب؟” وأليس هذا ما يجعل القارئ شريكا نشطا في تحقيق المعنى، وما يفنّد وجود معنى “نهائيّ” “ثابت” سابق للقراءة والتّقبّل؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والحواشي:

[1] سورة مريم، 37

[2] سورة هود، 103

[3] تتكرّر الإشارة إلى النّفخ في الصّور مرّات  نذكر منها على سبيل المثال: سورة الكهف، 99- سورة طه، 102- سورة المؤمنون، 101- سورة النّمل، 87

[4] “وأشرقت الأرض بنور ربّها” سورة الزّمر، 69

[5] سورة الفجر، 22

[6]  سورة الحاقّة، 17. ويذهب الطّبري إلى أنّ الثّمانية هم من الملائكة، ويذهب ابن عربي إلى أنّها الأنوار القاهرة. (انظر تفسير الطّبري وتفسير اين عربي للآية المذكورة)

[7]  المشهد لا يركّز على الحاملين، وإنّما على صورة عرش منسوبٍ إلى الله دون الإشارة إلى استواء عليه كما هو الشأن في آيات اخرى.

[8]  سورة يس، 51

[9] سورة الكهف، 49

[10] سورة الأنبياء، 47

[11] سورة الفجر، 23

[12] سورة ق، 31

[13] سورة ق، 21

[14] سورة الزّمر، 75

[15] سورة القمر، 7

[16] سورة النّبأ، 18

[17] سورة الزّمر، 71

[18] سورة الزّمر، 73

[19] مريم، 85

[20] سورة عبس، 34-37

[21] سورة ص، 64

[22] سورة الأعراف، 38

[23] سورة الصّافّات، 28

[24] سورة سبأ، 31

 [25] سورة سبأ، 32

[26] سورة  الصافات، 30

[27]  سورة ق، 28

[28] سورة فصّلت، 20

[29] يقوم التّحليل النّفسيّ على مفهوم اللاّوعي، ويحمل الجسد آثار اللاّوعي دون أن يستطيع الإنسان التّعبير عنه لغة. فاللّغة من مجال الرّمزيّ، والعرَض المتّصل باللاّوعي من مجال الواقعيّ.

[30] سورة ق، 30

[31] سورة النّمل، 78

[32] انظر تفسير الجيلاني للآية 22 من سورة الفجر جيث يقول، والضّمير يعود على الله تعالى، “ظهرت طلائع هيبته وآثار قهره وجلاله”.

[33] سورة طه، 111

[34] سورة طه، 108

[35] سورة النّبأ، 38

[36] سورة الشّعراء، 193-194: “نزل به الرّوح الأمين-على قلبك لتكون من المنذرين”

 [37] البقرة، 87-253

[38] سورة الفجر، 22

[39] سورة البقرة، 30

[40] سورة النّبأ، 38

[41]سورة  الكهف، 48

[42] سورة الحاقّة، 18

[43] سورة الأنعام، 128

[44] “وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون” سورة الرّحمان، 56

[45] سورة ص، 78

[46] سورة إبراهيم، 22

[47] سورة إبراهيم، 22

[48] سورة فصلت، 53

[49] “وجاءت كلّ نفس معها سائق وشهيد”، سورة ق، 21

[50] سورة ق، 17-18

[51]سورة القصص، 75

[52] سورة النّساء، 41

 [53] سورة الكهف، 49

[54] سورة الكهف، 49

[55] الأعراف، 8-9 – تتكرر تقريبا في سورة المؤمنون (102-103)، وسورة القارعة (6-8 ).

[56] انظر قول مجاهد في تفسير الرّازي لسورة الأنبياء، 47

[57] “وعن الحسن: هو ميزان له كفتان ولسان وهو بيد جبريل عليه السلام” المصدر السّابق.

[58]  انظر تفسير الرّازي لسورة الأنبياء، 47

[59] سورة الأعراف، 8

[60] سورة الشّعراء، 88-89

[61] “ولقد جئتمونا فرادى” سورة الأنعام، 94

[62] “يوم لا تملك نفس لنفس شيئا” سورة الانفطار، 19

[63] سورة الأعراف، 39

[64] سورة الشّعراء، 99

[65] سورة النّساء، 97

[66] سورة الملك، 10

[67] سورة التّغابن، 4

[68] “فيومئذ لا يُسأل عن ذنبه إنس ولا جان” سورة الرّحمان، 39

[69] الطّلاق، 12

[70] سورة غافر، 19

[71] سورة النّحل، 32

[72] سورة غافر، 76

[73] سورة الزّمر، 71

[74] سورة الزّمر، 73

[75] الرّعد، 23-24

 [76] الحاقة 30-31

[77] سورة التّحريم، 6

[78] سورة المدثّر، 42

[79] سورة الأعراف، 44

[80] سورة الحاقة، 19-31

[81] سورة القيامة، 22-23

[82] سورة الزّمر، 44

[83] سورة هود، 107

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete