تكوين
بعدما غاب لعقود طويلة في القرن العشرين، برز مفهوم المجتمع المدني من جديد في الخطاب السياسي الغربي في سياق التحرك الشعبي في أوروبا الشرقية نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات برؤيته أساسَ الديمقراطية والنقيض المباشر للدولة التوتاليتارية التي انتهكت حقوق الانسان وحرياته الأساسية. وفي الوقت ذاته انسحب هذا التوجه الدولي نحو المجتمع المدني على الخطاب السياسي العربي الذي وجد فيه مخرجًا من المأزق السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي حُشرت فيه الأنظمة العربية، سواء تلك القائمة على نظام الحزب الأوحد أم دولة الملكيات المطلقة والرئاسات القبلية والفردية. فطرح المفهوم عربيًا على خلفية الانتقال إلى مجتمع الدولة العصرية المؤسساتية على أنقاض المجتمعات القبلية والعسكرية والتسلطية، إلا أن طرحه جاء ملتبسًا وإشكاليًا، اختلط فيه المدني بالأهلي وما قبل المدني، والحداثي والعصري بالتراثي والتقليدي، ما لا يمكن الفصل فيه من دون العودة إلى المرجعية التاريخية التي أنتجته، والمبادئ والأصول الفلسفية التي انطلق منها وتأسس عليها.
يرتبط مفهوم المجتمع المدني في نشأته ومضمونه بالثورة الحداثية في الغرب، التي أعيد فيها بناء الفضاء الاجتماعي على أساس العقد الاجتماعي المُبرم بين أفراد الهيئة الاجتماعية أنفسهم، وليس بينهم وبين أية قوة خارجة عنهم متعالية عليهم. وقد حدث هذا التحوُّلُ في سياق تطوِّرٍ تاريخي على مستوى الفكر والثقافة والاقتصاد والاجتماع والسياسة، الذي حدث فيه تجاوزَ المرجعية اللاهوتية لمصلحة المركزية البشرية، وقام مجتمع المواطنة، وتكرَّست حقوق الانسان في الحرية والنقد والمساءلة، وانهار الحكم المطلق لمصلحة المجتمع المدني، ما مهَّدَ لتبلور مفهوم الحرية في صيغته الليبرالية الحديثة التي تكوَّنت وتطوَّرت على مراحل متعددة منذ القرن السابع عشر.
في ظل هذا التوجُّهِ الفكري والسياسي أُسقطت القدسية عن مفهوم الدولة والسلطة، ليتأسس على الإرادة الحرة للفرد المواطن الذي غدا هو أصل الحكم، منه وَحْده يستمدُّ وجوده وشرعيته، وعلى أساس حقوقه الطبيعية يتأسس المجتمع المدني، مجتمع المواطنية والحق والعلاقات التعاقدية الطوعية الاختيارية بين الأفراد، ما لا يُمكن تصوُّره منفصلًا عن مفهوم الفرد بمعناه الحداثي، المشبَّع بدلالات لم تكنْ له في ثقافتنا التراثية العربية. فالفرد في المرجعية الثقافية الغربية هو “الفرد” في مقابل “المجتمع”، “المواطن” في مقابل “الدولة” على عكس ما هو في المرجعية الثقافية إذ نُظِرَ إلى الفرد من خلال ثنائيات لا يتحدَّدُ من دونها، مثل ثنائيات: الراعي والرعية، الخاصة والعامة، العقيدة والقبيلة، البدو والحضر، ومن هذا المِنظار تُلغى الحرية الفردية التي ينظرُ إليها العقل الغربي بوصفها حقًا طبيعيًا ملازمًا للوجود الإنساني، يجب أن يُحافِظ عليه الفرد داخل المجتمع، كما كان يتمتَّعُ به قبل قيام المجتمع على أساس عَقْدٍ اجتماعي ينظِّمُ العلاقات بين الأفراد ويحوْلُ دون كل ما يهدِّدُ حرية الفرد واستقلاله وارتقاءه وتقدُّمه ومبادرته.
ثمة تلازم إذن في الثقافة الليبرالية الغربية بين المجتمع المدني والفرد وحقوقه الطبيعية في الحرية والمساواة والقرار المستقل عن أية مرجعية خارج العَقْد المدني الذي يؤطِّرُ الأفرادَ في علاقات اجتماعية تتحدَّدُ بالمجتمع المدني.
واعترى مفهوم المجتمع المدني في الفكر العربي الراهن كثيرٌ من الالتباس والاختلاط، وإنْ يكنِ بعض الذين قاربوه قد توخوا الدقة في تأكيدهم الاختلاف الأساسي والجوهري بين المدني والأهلي، بين مفهوم الحرية المدنية بمعناها الليبرالي، ومفهوم الحرية الكلامي ودلالاتها في الفكر الديني. ولعلّ أقرب هذه المقاربات ما ورد في” التفكير والهجرة” لناصيف نصَّار 1997 فقد ميَّزَ بين المجتمع المدني والمجتمع الأهلي، وبين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، وإن كان التمييزُ لا ينفي إطلاقا أن يكون ثمة قطاعاتٌ مشتركة ناتجة عن تفاعل هذه المجتمعات. المجتمع السياسي في رأي نصَّار يدور على جملة من العلاقات المنظمة بين الحاكم والمحكومين في إطار دولة معينة، إنه نظام حقوق في إطار الانتماء إلى هذه الدولة، حيث العلاقات هي بالضبط علاقات سياسية. والمجتمع الأهلي يتحدَّدُ عن طريق الرجوع إلى معنى الأهل والارتباطات المختلفة الناشئة على أساسه. إنه المجتمع القائم على نظام العلاقات القرابية، من العائلة الصغيرة حتى القبيلة ويستوعب في امتداده عنصر الجوار والجيران. أما المجتمع المدني، فمرتبط بنشوئه وتكوينه وتطوُّرِه بظاهرة المدينة ويقوم على جُملة من العلاقات التعاملية، الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، المتولِّدَةِ من المبادرات والنشاطات الفردية في تنظيمات مؤطرة لها في وضعية تاريخية معيَّنة.
هذا التمييز الدقيق عند نصَّار سيشُوْبُهُ التباسٌ واختلاطٌ يتكرَّران تكررًا لافتًا في الفكر السياسي العربي الراهن. فقد رأى أحمد شكر الصبيحي في “مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي”2003، أن المجتمع المدني المؤسس على العقد الاجتماعي ليس جديدًا على الثقافة العربية الإسلامية، إذ إن التجرِبة التاريخية في العصر النبوي “تُعَدُّ أولَ تجرِبةٍ في التعاقد المدني عرفها التاريخ وسبقت نظرية” العقد الاجتماعي لروسو. هذه الحرية تكشف أن مفهوم الاجتماع المدني ليس البتة غريبًا عن ثقافتنا العربية الإسلامية… إن التاريخ العربي يَذْكُرُ لنا مؤسساتٍ أوما يشابه المؤسسات أُقيمت ونشأت في التاريخ العربي يُمكن رؤيتها مؤسساتِ مجتمعٍ مدنيٍ، من جماعات: العلماء والقضاة والمفتين، إلى نقابات الحرف والصنائع وشيوخ القبائل والعشائر وشيوخ الطرق الصوفية ورؤساء الطوائف. فقد اضطلع هؤلاء بوظائف منفصلة عن وظائف الدولة وعبَّروا عن إشكال من التنظيم خارج السلطة”.
وفي السياق ذاته، رأى محمد عابد الجابري في “نقد الحاجة إلى الإصلاح، 2005، أن ثمة تماثلًا بين العقد الاجتماعي” و”عقد البيعة” الذي يمكن عدُّهُ عقدًا اجتماعيًا مزدوجًا ينظِّمُ الاجتماع ويؤكد حق الاختلاف داخل المسلمين وقبائلهم وداخل اليهود وقبائلهم، كما رأى في مضمون العقد المعروف بـ “الصحيفة” ما يحتمل أن يوصف بأنه “عقد اجتماعي” والقول إن الدولة في الإسلام قامت على أساس عَقْد اجتماعي.
أما حسين توفيق إبراهيم فيرى في النظم السياسية العربية2005، أن القيم الأخلاقية التي يستند إليها المجتمع المدني، قيم: الحرية والمساواة والتطوع والتسامح والقبول بالتعدد والاختلاف فضلًا عن قيم التعاون والتكافل والمشاركة، موجودة في الدين الإسلامي، بل إن هذه القيم هي من صميم الإسلام كما يجسِّدُهُ القرآن والسنَّةُ. وعليه فإن مفهوم المجتمع المدني، له دلالاته في الإسلام، إنْ على صعيد القيم أو الخبرة التاريخية، الذي عرفت فيه هذه الخبرة بوصفها جوهرَ المجتمع المدني، ما يؤكد خطأ الأطرُوحات التي ترى تناقض الإسلام مع الديمقراطية ومع المجتمع المدني. في هكذا تصورات امتدَّ مفهوم “المجتمع المدني” ليشمل الديني والقبلي والملِّي والعشائري والطائفي. فالجمعيات الأهلية أو الخيرية الإسلامية، تُمَثِّلُ في رأي حسنين توفيق إبراهيم، مكونًا أساسيًا في بِنية المجتمع المدني في عديدٍ من الدول العربية، والعصبيات العائلية والجهُوية، بما في ذلك أشكال التضامن العشائري والقبلي والطائفي، هي كما يُحدِّدها محمود عبد الفضيل، أنماطٌ بدائية للدفاع الاجتماعي المدني في مواجهة الدولة الكولونيالية. كما أن مجتمع البداوة القبلي التقليدي في رأي أحمد الصبيحي، يحقق مهام مؤسسات المجتمع المدني الحديثة في مواجهة السلطة، ومن هنا لا مجال ولا قيمة في رأيه للتمييز بين المجتمع المدني والمجتمع الأهلي، ومن ثم إنكار شرعية وجود التكوينات والعادات والقيم القبلية أو الطائفية.
من هذا القبيل، عَدَّ بعض الباحثين المؤسسات التقليدية، الطائفية أو العشائرية، من مؤسسات المجتمع المدني العربي، لأن الولاء إليها قد يتقدَّمُ على الولاء للدولة، ولأنها ما تزال تُقدِّمُ إلى قطاعات واسعة من الناس في الوطن العربي الحماية والإعالة، كما تُمَثِّلُ نظامًا للحقوق والواجبات. هذه التفسيرات والاجتهادات تقوم على تصوِّر استاتيكي للتاريخ يرى فيه تكرارًا واستعادةً، لا تبدُّلًا وتطورًا، يطرحان على الدوام قيمًا ومبادئ ومسلَّمات لم تكنْ في الحسبان تحطِّمُ الفضاءات التقليدية وتشرِّعُ لفضاءات جديدة ومختلفة جذريًا بطريقة لا يُمكن ردُّها إلى تجارِب تاريخية سابقة. لقد أسهم مثل هذا التصوُّرِ للتاريخ في إعاقة استيعاب الفكر العربي لمقولات الحداثة ومفاهيمها، وعلى رأسها مفهوم المجتمع المدني الذي لم تؤخذ في الاعتبار مرتكزاته الحداثية، فنظر إليه مجردًا من خلفياته التاريخية ومقدِّماته الفلسفية المؤسسة على التعامل مع الفرد تعامُلَ الذات الحقوقية المستقلة، ومع النظام السياسي تعامُلَ العقد القائم على الحرية الفردية بوصفها المصدرَ الوحيدَ والمطلقَ للشرعية والقانون. من هنا نرى ضرورة تحديد مفهوم المجتمع المدني الذي نتبنَّاهُ ونؤسس عليه رؤيتنا للواقع العربي من أجل فهم المعوِّقات التي تُحبط نهوض المجتمع المدني في العالم العربي وتُربك تطوُّرَهُ وتقدُّمَهُ على الطريقة التي حصلت في المجتمعات الغربية في أعقاب الثورة الحداثية. إن مفهوم المجتمع المدني كما نحدِّدُهُ ونتبناه، يقوم على مرتكزات أساسية لا يستقيمُ وجوده ومعناه ودوره من دونها، وأولها: إن المجتمع المدني ينهضُ على إرادات حُرَّةٍ طوعية لأفراد أحرارٍ يملكون حقَّ الاختيار بأنفسهم، يتعاقدون فيما بينهم على النظام السياسي والاجتماعي والقانوني الذي يُمثِّلُهم ويحقِّقُ رغباتهم ومصالحهم ومستقبلهم. وثانيًا: العلاقات في المجتمع المدني ليست علاقات تراتبية أو طبقية أو تبعية، بل هي علاقاتُ أحرارٍ متساوين في وجودهم المدني من دون أية امتيازاتٍ أو فروقاتٍ. وثالثها: يتمتع المجتمع المدني بحد من الاستقلالية عن الدولة وعن المجتمع الأهلي بكل تلويناته الدينية أو الطائفية أو العشائرية، إنه الروابط والعلاقات التي تُعَبِّرُ حدود العصبيِّاتِ أيا يكنْ ظاهرها أو لونها، إلى الالتزام بالروابط المدنيَّة التي تساوي بين جميع المواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم وولاءاتهم. ورابعها: الاعتراف بالآخر، وبالتعددية، وبالحوار بين النقائض توخيًا للحلول الوفاقية والسلمية والاستقرار الاجتماعي والمدني.
في ضوء هذا المفهوم الحداثي الذي نتبناه ونؤسس عليه رؤيتنا لمواقعَ ومستقبلِ المجتمع المدني في العالم العربي، نرى أن ثمة معوقاتٍ أساسيةً وجوهريةً تُربِكُ تطوُّرَ المجتمعات العربية إلى مجتمعات مدنية، وتُعيق تأطرها في علاقات مدنية عصرية على رغم التفاوت بين الأقطار العربية، إن في وجود المجتمع المدني داخلها، أو في قابليتها للتحوُّلِ والتطوُّرِ في هذا الاتجاه. فهناك أقطار عربية يوجد فيها تنظيماتٌ مدنيةٌ متنوعة -أحزاب، نقابات، جمعيات، روابط ثقافية واجتماعية ورياضية -وهناك أقطارٌ تحظُر قيام بعض تنظيمات المجتمع المدني -أحزاب، نقابات – وتسمح بقيام تنظيمات أخرى ذات نفع عام- أندية ثقافية ورياضية وشبابية.
يتمثَّلُ الإرباك الأول والأساسي للمجتمع المدني، في التركيب القبلي والعشائري والطائفي والإثني للمجتمعات العربية، فالجماعات الوسيطة بين الفرد والمجتمع كُلها- القبيلة، الطائفة، الفئة، القرية، الحيّ، المجتمع المحلي – تحتلُّ وَفْق حليم بركات في” المجتمع العربي المعاصر” مركزًا مرموقًا في حياة العرب الاجتماعية، فلا تستطيع المؤسسات العامة التي تمثِّلُ المجتمع أنْ تصلَ إلى الأفراد إلا من داخل الجماعات التقليدية التي تتوسط بين الفرد والمجتمع.
ويذكر حسنين توفيق إبراهيم في” النظم السياسية العربية”، أن التكوينات التقليدية العشائرية والقبلية والطائفية تلعب أدوارًا مُهمة في الحياة السياسية في بعض الدول العربية مثل: الأردن ولبنان والسودان واليمن إذ البِنية القبلية أقوى من بِنية الدولة اليمنية. وبصورة عامة، تُمَثِّلُ هذه التكويناتُ الوحداتِ الاجتماعيةَ الجوهريةَ في العالم العربي الذي ترتكز داخله التكويناتُ التقليديةُ على أسسٍ دينية أو طائفية أو عربية في المشرق العربي، وعلى العشائرية القبلية في الجزيرة العربية وفي بعض دول المغرب العربي- ليبيا والصومال- فيما هي تعتمد على التضامن القبلي الإثني في السودان والمغرب والجزائر وموريتانيا، فالقبيلة في رأي سعد الدين إبراهيم هي وَحْدة التنظيم الاجتماعي- السياسي-الاقتصادي الرئيسة في الجزيرة العربية والخليج العربي، بكل ما يعنيه مصطلح “القبيلة” بوصفه وَحْدةً قرابية تقوم على رابطة الدم والنسب، متضامنة في وظائف الدفاع والتكافل وفي وظائف الإنتاج والاستهلاك.
ويرسمُ سعدُ الدين إبراهيم في “المجتمع والدولة في الوطن العربي” خريطةً تبيِّنُ الحجم القوي للجماعات الاثنية في الوطن العربي – 28,4 في المائة من الحجم الكلي لسكان الوطن العربي.
هذا التركيب العميق الجذور في انتماءاته المتناقضة والشديد الولاء إلى الفضاءات الإثنية والقبلية والعشائرية والطائفية، والذي يرتكز على أساس تاريخي مُعقَّدٍ في تكوينه الداخلي وفي علاقاته مع الإمبراطورية العثمانية ومع الدول الأوروبية ومصالحها الاقتصادية ومطامعها الاستعمارية، يُمَثِّلُ إرباكًا أساسيًا لقيام المجتمع المدني في العالم العربي، ويُعيق تَكوُّنَ الفرد العربي بمفهومه الليبرالي، الذي هو أصل المجتمع المدني وأساسه، ومن دونه لا معنى له ولا مبرِّر. فقد طغى الوعي الإثني والقبلي والطائفي والعشائري على الوعي الوطني والقومي والطبقي والمدني، وأُجهض نمو الوعي المدني وتبلوره الذي كان يُمكن أنْ يُقدِّمَ تصورًا مدنيًا للطائفية والقبلية والإثنية.
فأيُّ معنًى أو مبرِّرٍ للدولة الحديثة والمجتمع المدني في ظل الولاءات الطائفية والإثنية والقبلية والعشائرية النافية للفرد بوصفه ذاتًا حقوقيةً مستقلةً، والمستبدة به عن طريق أعرافها وقيمها المتخلِّفَةِ والقاهرة والمُحبطة لكلِّ تطلعٍ ديمقراطي خارج العقل القبلي والطائفي والإثني؟ أليست هذه الولاءات هي المتحكِّمَةُ بما يُسمَّى “تنظيماتِ المجتمع المدني” في العالم العربي، وكون هذه التنظيمات في الغالب واجهات لعصبويَّاتِ ما قبل مدنية وما قبل حديثة على رغم تسمياتها المدنية والعصروية المخادعة؟
ويُمثل تريُّفَ المدن العربية، والعواصم العربية بخاصة على نحو مستمر ومتصاعد، إرباكًا آخرَ أساسيًا يقف حائلًا دون تطوُّرِ المجتمعات العربية إلى مجتمعات مدنية. فبين عامي 1950 و2000 ارتفعت نسبة سكان الحضر في اليمن من 2في المائة الى38 في المائة، وفي العراق من 38 إلى 77وفي لبنان من 40 إلى 90، وفي مصر من 32 إلى 46 وفي الجزائر من 25 إلى 60 وفي المغرب من 23 إلى 51 وفي ليبيا من 22 إلى 88.
هذا الزحْفُ المتواصل من الريف نحو المدينة، عزَّزَ على نحو متصاعد هيمنة الريف على العالم العربي، ليس ديموغرافيًا فحسب، ولكنْ سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا، إذ يُلاحظ إلى جانب الانتشار الكثيف لأحزمة الفقر المُحيطة بالمدن العربية وامتداد مدن الأكواخ والصفيح التي باتت تُمَثِّلُ قُرَابَةَ نصف سكان الأمة العربية، هيمنة متقدِّمَةٌ ومتزايدة للعفل الريفي بتقاليده وأنماطه السلوكية وأعرافه البدوية المُتخلفة. وهذا يفسِّرُ بقاء العلاقات الاجتماعية في غالبيتها. حتى داخل المدن العربية، علاقاتٍ شخصانيةً، فئوية، تراتبية، على عكس العلاقاتِ الرسميةَ، التعاقدية، التنافسية، القائمة في المجتمعات الغربية.
وعلى قاعدة هذا المدِّ السكاني الهائل المتجه نحو المدن العربية، يُمكن أن يُفسِّرَ نشوء الأنظمة الانقلابية التسلطية العربية، فقد عرف العالم العربي من الخمسينيات إلى التسعينيات من القرن الماضي، أكثر من سبعين انقلابًا عسكريًا كرَّست البقرطة والتسلُّط ومهَّدَت لقيام” الدولة التسلطية العربية” أحد أكبر المعوِّقات والإرباكات للمجتمع المدني في العالم العربي. فقد اخترقت الدولة التسلطية المجتمع المدني بالكامل وجعلته امتدادًا لسلطتها، مُحققة، كما رأى خلدون حسن النقيب في “الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر” الاحتكار الفعَّال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع، وهيمنة الدولة المركزية على جميع مستويات التنظيم الاجتماعي، ومختلف الجماعات والقوى الاجتماعية، عن طريق سنِّ القوانين وتطبيقها على أنحاء البلاد جميعها، من دون قيود أو ضوابط تحدُّ من استبدادها وهيمنتها.
لقد أسهمت الدولة التسلطية بممارساتها الفوقية في تأخير الوعي المدني في المجتمع العربي بإحلالها السياسة محلَّ الاقتصاد والثقافة والممارسة الاجتماعية، وتقديمها الولاء الشخصي والاستزلام على العلاقات المواطنية، فكرَّست بذلك العقلَ الرعوي الاستبدادي على حساب التوجه الشعبي الديمقراطي، مستفيدة من “موقعها في الحكم من أجل تغييب كل القوى الاجتماعية الحية والفاعلة التي يعوَّلُ عليها في ارتقاء المجتمع المدني وتقدمه، فكان أن أُخْليت الساحة أمام العقل الأصولي التكفيري الذي يُهدد بردِّ المجتمعات العربية إلى القرون الوسطى واسقاط كل ما تحقَّقَ منذ بدء النهضة العربية من توجُّهات حداثية ومدنية، ومهَّدت الطريق إلى تأكيد العصبويات ما قبل الوطنية وما قبل القومية وإرساء التكويناتِ الأهليةَ على حساب الولاءات القومية والوطنية الآخذة في الانحسار والتراجع، فقد لوحظ في السنوات الأخيرة تقدُّمَ الفئاتِ الأصوليةَ والأحزابَ ذات التوجُّهِ الديني والطائفي في الانتخابات النيابية والمجالس النقابية والهيئات الشعبية في أكثر من قطر عربي.
إن صورة الواقع العربي، كما طرحنا خُطوطها الرئيسة، قاتمةٌ وتكاد تكون مُحبطة لأي تصوُّرٍ في اتجاه التحوُّلِ نحو المجتمع المدني في المدى المنظور، فالبِنية الاجتماعية العربية ذات التكويناتِ التقليديةَ المتجذِّرةَ، وتريُّفِ المدن العربية، واستشراء التسلُّطية في الحكم، وهيمنة التوجهات الأصولية في أوساط اجتماعية واسعة، واحتدام المواجهة بين الدولة والمجتمع فيما يشبه الحرب المفتوحة، مؤشراتٍ سلبية كلها تُنذر بالأسوأ. إلا أنّ ثمة مؤشراتٍ أخرى يُمكن أن تُمَثِّلُ دلائلَ على تطوُّرٍ إيجابيٍّ على مستوى المجتمع المدني، قد تشهده الساحة العربية، فثمة وعيٌ مدنيٌ آخذٌ في التكوُّنِ. وثمة جماعاتٌ تَتَكَوَّنُ من مثقفين وجامعيين تتصاعد أعدادهم، ومن مُحبطينَ من الحال التي آلَ إليها الواقع العربي، ناقمين على عجز السلطات الراهنة وفشلها، ما يُمكن أن يُؤسس لتغيير قد يطول كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويفتح الباب أمام المجتمع المدني في العالم العربي.
لقد وصل الجميع إلى مأزقٍ لا يُمكن الخروج منه مع استمرار الحالة الراهنة، فالبِنى التقليدية –القبلية والعشائرية والطائفية- باتت عاجزةً عن مواجهة تحديات التطور الثورية في عالمنا الراهن، والدولة التسلطية فشلت في التنمية وفي التحرير، وفي الوفاق مع مجتمعها بتلبية مطالب الأكثرية الشعبية إلى أبسط حقوقها في المعيشة والعمل والحرية والكرامة. والعقل الأصولي المتخلِّف لم يَعُدْ بإمكانه الإجابة عن الإشكالاتِ الكبرى والمصيرية التي يطرحها عقل الحداثة وما بعد الحداثة. هذه التحديات لم يَعُدْ من الممكن مجابهتها بالأساليب والقناعات والأفكار التقليدية، ولا بُدَّ من الانفتاح على عالمٍ جديد وأُفق جديد ونظرة جديدة إلى المجتمع والانسان وحقوقه، ما لا سبيل إلى الاندراج فيه من خارج المجتمع المدني.
يجب أن تكون لدينا شجاعة الاعتراف أن عالمًا مُختلفًا يتكوَّنُ، وأنه يجب أن يكون لنا مكان فيه، لأن البقاء على هامشه هو الاندثارُ النهائيُّ والموتُ المحتَّمُ.