في المسألة الشيعية: بين الغبن المكتوم والعدالة المؤجلة

 تكوين

أورثت الظروف التي أحاطت بانتقال الخلافة الإسلاميّة، بعد موت النبي، إلى أبي بكر الصديق، عند قسم من المسلمين الذين عرفوا فيما بعد بالشيعة، شعوراً دامغاً بالمظلومية، بعد أن آلت الخلافة إلى غير من يستحقها، ما جعل حضورهم التاريخي، بمستوييه، الظاهر والباطن، محكوماً بوجدان منكسر وناقم، يتحيّن حاملوه الفرَص، لإحداث تغيير يترجم ثأراً ما، استبطنه وعيهم، استجابة لغبن سكن بواطنهم و استبدّ بمشاعرهم وطغى على أخلاقياتهم السياسية والاجتماعية والثقافية.

بعيداً عن مناقشة أصول هذا الاعتقاد المبدئي ومشروعيته، فإن الأعم الأغلب من الشيعة، بنوا على هذا الاعتقاد تموضعهم، في منازل النقد والرفض والاعتراض، على امتداد التاريخ الإسلامي، حتى بات إسم “الرافضة”ملازماً لطائفتهم، وصفة ذاتية من الصفات التي تشترك في تعريف هويتهم.

هذا التذكير الموجز بأصل المسألة، يسمح بفهم الأحوال التي تجتاز الطائفة الشيعية، وتتبلور بصورتها العنفية عند الفئة التي تعتنق مبدأ ولاية الفقيه، وما يوجبه هذا المبدأ من ضرورة تثوير المجتمع وتصدير الثورة، بعد أن “أعدم”حقلاً دلاليا خصباً تختص به فكرة “الانتظار “المرتبطة بغياب الإمام المهدي.

—في التعبير عن رفض الغبن

لعلّ الإشارات التي وردت في هذه المقدمة، تسمح بفهم السياسات التي انتهجتها الغالبية من الشيعة في لبنان، وإدراك الأبعاد التي انطوى عليها سلوكهم السياسي، لاسيما بعد أن نال لبنان استقلاله، واستقرّ نظامه السياسي على بنية دستورية ملائمة للواقع الاجتماعي التعدّدي القائم.

هذه المشاعر الناقمة والكامنة، عبّرت عن نفسها، قبل ظهور الإمام الصدر وحركة المحرومين، من خلال انسلاك حامليها، وهم الكثرة الكاثرة، في الطائفة الشيعية، في الأحزاب الأيديولوجية، الموزعة بين الحركات القومية واليسارية الرافضة للبنان كدولة مستقلة وكيان يمتاز بخصوصية معيّنة، فرضتها عليه خصائص مكوّناته. شكّلوا الخزان الشعبي لهذه الأحزاب، فانضووا تحت لوائها مناضلين سياسيين في أوقات الاستقرار ومقاتلين في أوقات الاضطراب والفوضى والحروب، والحاصلَيْن غالباً تحت شعار تصحيح الغبن ومقاومة الظلم الناتج عن النظام السياسي المجحف بحقهم أو نصرة فلسطين، أو النضال ضد الأمبريالية الأميركية ومشتقاتها، كانت هذه الغالبية ولما تزل، مادة لكل استثمار يستهدف لبنان ومصالحه، لحساب مصالح الـ قوى الخارجية وسياساتها، معتقدة أن مثل هذه السياسات، من شأنها أن توفّر لهم شروط تغيير واقع الغبن الذي يلازمهم جراء قناعة متأصلة في وعيهم، بفكرة تهميشهم أوتحييدهم عن الشراكة في تأسيس هذا الكيان، وحرمانهم من حقوق تجب لهم، لحساب طوائف أخرى، الموارنة والسنة والدروز، وقد قاتلوا كلّاً منها في مراحل متفرقة من تاريخ لبنان.

لا يستطيع المنتسب، إلى هذه الأحزاب، أن يدّعي عكس ماتقوله عقيدته، بعثياً كان أو قومياً سورياً أو شيوعيا، أو حزبللاهياً، اشتركوا ويشتركون جميعاً، في التقليل من قيمة الهوية التي يحملونها ويستفيدون من المكاسب والحقوق التي توفّرها، يعبرون، مباشرة أو مداورة، ومع اختلاف منطلقاتهم، عن نزعة معادية للكيان اللبناني، وطالما أن الكلام في هذه المقالة يدور حول الشيعة، فحزب الله، باعتباره، يمثل الكتلة الشعبية الأكبر في هذه الطائفة، يعلن في أدبياته المختلفة، بصراحة مستفزّة، انتماءه العقائدي إلى ولاية الفقيه، واصطفافه السياسي إلى جانب الجمهورية الإسلامية، الدولة الشيعية-القاعدة التي تقوم على هذا  المبدأ. لقد عملت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على تثبيت مقولة “الإقليم القاعدة”، وتكريسها مرجعاً للأقليات الشيعية المنتشرة في دول الإقليم وفي العالم، جرياً على عادة النظام القومي العربي، والاشتراكية البولشيفية الواحدة كما ترسمت في استراتيجيات الاتحاد السوفياتي سابقاً، تستثمر وجودهم في هذه الدول، لدعم سياساتها، سواء تحقق هذا الأمر باستيلائهم على السلطة أو بالمشاركة فيها، أو بالضغط عليها في زعزعة استقرارها عند العجز عن تحقيق الأمرين.

“لبنان، لم يكن في حساباتنا”، هذه الحقيقة أقرَّ بها كثُر من الذين قاموا بمراجعة نقدية لتجاربهم في هذه الممانعة التاريخية الحديثة، وبرزت في الخيارات السياسية لجميع الذين قدّموا مصالح “الإقليم القاعدة” على مصلحة لبنان، سواء كان هذا الإقليم، مصر بقيادة عبد الناصر، أو سوريا بقيادة آل الأسد، أو إيران الجمهورية الإسلامية، وكانت فلسطين، دائماً العنوان، بوصفها القضية النازفة و الشعار القومي والإسلامي المحرّك للجماهير، والسلعة المناسبة للمتاجرة في سوق السياسة الدولية.

كانت الغالبية من الشيعة، مع القضية الفلسطينية على حساب مصلحة لبنان ومع المصلحة السورية على حساب مصلحة لبنان ومع المصلحة الإيرانية على حساب مصلحة لبنان، سواء جاء التعبير عن هذه الضدّية للمصلحة اللبنانية، بخطاب شيعي مباشر ومستفزّ أو بخطاب منكّه بيسارية زائفة أو قومية متعسّفة، إلى أن استطاع الإمام موسى الصدر، بعد مجيئه، استنبات خطاب شيعي وطني يقوم على نهائية الكيان اللبناني ووحدة مكوّناته وتقديم مصلحته على غيرها من المصالح الخارجية ، أخرج أبناء طائفته من التبعية للسياسات الإقليمية المتجاوزة لمصالح لبنان، وحثّهم على الإسهام  في تعزيز الوطنية اللبنانية، فكان أن اشتركت نخب من الطوائف الأخرى، في تبنّي هذا الخطاب والترويج له في بيئاتها، ما جعل المتضررين، يتوجسون منه وينشطون في سبيل محوه وإقصائه، فكان لهم ما تمنّوا، حين انعقدت مصالحهم على ضرورة تحييده، …حتى غيِّب الإمام، وعادت سياسة استثمار الغالبية من الشيعة إلى ما كانت عليه قبل إخفائه من خلال حركة أمل وحزبالله، استمرّت الحركة بقيادة نبيه بري، ترفع شعارات الصدر مؤسسها، وتتبع سياسات مناقضة لهذه الشعارات، فكانت أداة لسياسات النظام السوري في لبنان، أما حزب الله فارتبط بالجمهورية الإسلامية الإيرانية عقائدياً وسياسياً ومالياً وعسكرياً، يدافع عن مصالحها ويستهدي بإرشادات مرشدها وولي أمرها، لم يبقَ من الوطنية عنده ما يدلّ على كونه حزباً لبنانياً يقدّم مصلحة بلده على ما سواها، يفاخر في تجيير أهله وبيئته لسياسات الجمهورية الإسلامية وطموحاتها الإقليمية والدولية، دون الالتفات إلى من يُفترض ان يكونوا شركاءه في الوطن، ودون اعتبار الحدّ الأدنى من الشروط التي تمليها هذه الشراكة.

إن القراءة المتبصّرة للشعارات التي يرفعها المتظاهرون الشيعة في شوارع بيروت مثل، “يا حسين، يا علي مدد، شيعة، شيعة، شيعة” يكشف عمق الإحساس بوطأة عزلتهم، بالرغم من حضورهم الديمغرافي، السياسي، العسكري والاجتماعي الوازن، وبثقل طيفهم في وعي الغالبية من اللبنانيين، بعد أن أقحموا البلد في حروب متتالية مع إسرائيل، إما إسناداً لغزّة، أو انتقاماً لمقتل الخامنئي، أو دعماً للمفاوضات الإيرانية، مع الشيطان الأكبر. أقدموا على هذه الأفعال، مغامرين ببيئتهم، بشراً وحجراً، شباباً وعمراناً، وتهجيراً وآلاماً يكابدها الأحياء كباراً وصغاراً، كلّ ذلك بمعزل عن أي اعتبار للمؤسسات الشرعية، أو لإرادة اللبنانيين، أو لموقف السلطات الرسمية وسياسة الحكومة.

—في الأصول الأيديولوجية

هذه سردية معروفة ومتداولة إلى حدّ كبير، لا ينكرها إلا مكابر مصرّ على إغماض بصره و تحييد بصيرته عن الحقيقة، غير أن الأسئلة غالباً ما تنصبّ على الأصول الأيديولوجية  التي تنتج سياسات هذه الجماعة، ، وتضاعف عندها الحمية على الإنكار والرفض و التحدّي، والمثابرة على ادعاء المظلومية ولو كانت ظالمة، والاعتداء عليها ولو كانت معتدية، والانتصار ولو كانت منكسرة، والغلبة ولو كانت مغلوبة، والوطنية ولو كانت مرتهنة، سلوك يعاند الحقيقة ويستعلي على الواقع، كأن أصحابه يلهثون وراء هوية قاتلة أو مقتولة، يستحضرون معها، في كل حاضر من الأحداث، ماضٍ يمسح حاضره، ويرجعون كل واقعة حادثة، إلى ما يماثلها في تاريخهم. فماضيهم حاضر في حاضرهم، بأحداثه، ومآسيه ورموزه، الدينية والدنيوية، يستبدّ بحياتهم، يُسكنهم عالماً منفصلاً كلّ الانفصال عن الواقع وشروط انوجاده وتشكّله، يقرأون الحاضر بعيون الماضي، والماضي ثمرة تركيب عجيب وشراكة مضنية بين وقائع التاريخ وخصوبة المخيال وحضور المقدّس، فلا عجب بعد ذلك، إذا بدا  الإنكار ملازماً لسياساتهم حيال ما يعيشون، فانتصار الدم على السيف، بحمولته الرمزية، بات قاعدة يرون فيها حقيقة، يعتنقون استلهامها و القياس عليها في التعاطي مع الواقع وبناء الموقف منه، مع تغييب مستفزّ للعقل وأدواته في النظر والفهم والحكم.

يستجيب هذا النمط من الاعتقاد الأخلاقي، القائم على الدلالات المجازية، إلى اعتقاد معرفي أصيل، يؤسّسه مبدأ لكل ظاهر باطن، وحقيقة الأشياء بواطنها، والشيعة أهل هذه الحقيقة”وشعبها” ، لأن إمامهم الغائب مفتاحها وحامل سرّها، وبناء عليه، فما يراه الآخرون

حقيقة، لا يتعدّى كونه، انعكاساً لظواهر الأشياء والوقائع، هي رؤية كاذبة، يقف عندها أهل الظاهر، تنأى عن الحقيقة نأي الحرية عن العبودية و الحق عن الباطل و العدل عن الظلم والانتصار عن الهزيمة.

—المعايير القيمية المختلفة

قد يُصبح من السهل، بعد الوقوف على هذه الخلفية العقدية، فهم المبادئ التي تغذي ثقافة الجماعة الإمامية، وتنتج قيمهم الأخلاقية، فلا غرو بعد ذلك، إذا غدت هزائمهم في عيون الآخرين، انتصارات في وجدانهم، ومكابرة مشروعة في سلوكهم، يلقون بها، على يقين، في وجه الآخر، العاقل، وقد ارتسمت على وجهه جملة من علامات الاستفهام والتعجّب.

مرّة أخرى، تبدو العودة إلى البدايات التكوينية مفيدة، للوقوف على حقيقة ذلك المثنّى ظاهر/ باطن، الذي أسّس لثقافتين مختلفتين إلى حدّ التناقض، يكفي أن نشير إلى ذلك الخلاف على الخلافة بين علي بن أبي طالب، من جهة، والآخرين من الخلفاء، أبي بكر الصديق، عمر ابن الخطاب وعثمان ابن عفّان، من جهة أخرى، حتى استقرّ النصّ القراني بصيغته الشرعية والنهائية على ما جمعه عثمان بين دفتي المصحف، لنقل، على ما أوجبته السلطة المستمرة من أبي بكر إلى عثمان، اتفقوا عليه جميعاً كنصّ منزل، واختلفوا على قوانين تفسيره، والخلاف هنا، كان بين علي ابن أبي طالب وشيعته(الذين شايعوه)من جهة، والسلطة من جهة أخرى، إذ اعتبرت هذه الأخيرة وعموم أهل السنة والجماعة، أن ما أراد الله أن يبلّغه للمؤمنين قد بينه في ظاهر النصّ، فلا حاجة لاستنباط معانٍ أو استقصاء أبعاد مفاهيمية إضافية، سواء كان بالاجتهاد أو التأويل، في حين اعتبر علي ومن يمثّل، أنّ للنصّ ظاهر وباطن، وحقيقة مراد الله تثوي في باطن النصّ، وإدراك الباطن نعمة من الله أورثها لعلي وذريته فكان المهدي المنتظر وهو الإمام الثاني عشر  الغائب، عند الشيعة  الاثناعشرية، حامل الإرث وإمام الزمان، وعودته، في اعتقاد ملته ووجدانها، خلاص للبشرية من الظلم وإحقاق للعدالة، وبالتالي فإن كلّ فهم للقرآن يجب أن ينبني على هذه المقدّمة، وفي ضوئها يؤول ظاهره وتتعيّن حقيقته.

كرّس الغزالي جهوداً كبيرة للكلام على خطورة هذا المنحى على العقيدة الحق، فكان كتابه”فضائح الباطنية”، أورد فيه العديد من الأدلة التي تقطع بانحراف أهل الباطن عن الاسلام الصحيح. قد يكون هذا الاعتقاد في محلّه بالنسبة لأهل السنة والجماعة، لأن بناء الحقيقة على حقل دلالي، يرجع استيلاده إلى مقدمات مستلة من التجارب التاريخية للشيعة، متفلّت من القواعد اللغوية وشروط المواضعة وغيرها من الضوابط العلمية التي رافقت جمع القرآن وتدوين علومه وطرق تفسيره، أقول، بناء الحقيقة على هذا الحقل، من شأنه أن يغيّر الكثير من المفاهيم، ويستنت حقلاً دلالياً جديداً يخدم سردية الغبن واغتصاب الحق التي تملأ الأدبيات الشيعية وترخي بثقلها على علمهم وعملهم في آن.

فكرة الباطن، أو معنى المعنى، عند قراءة النصّ القرآني، هو كسر لقواعد النظام المعرفي البياني، الذي تتوسل به الغالبية السنية في قراءتها وفهمها، لحساب مذهب آخر، يمكن اعتباره عرفانياً، تتحول معه لغة القرآن إلى علامات يسقط عليها القارئ أو المؤول، الأحوال و المعاني التي تنتجها تجربته، ، وعليه، تغدو التجربة التاريخية الشيعية، بأحداثها ووقائعها الكربلائية العابقة بالمظلومية ومشتقاتها، أصلاً يبني عليه الشيعة فهمهم للقرآن، وتنجلي في ضوئها حقائق معتقدهم ومرتكزات إيمانهم.

—ولاية الإمام باطن النبوّة

ينظر الشيعة إلى الولاية، ولاية إلإمام باعتبارها باطن النبوّة، وهي صياغة، بحسب الجابري، مؤسسة على موروث عرفاني هرمسي، يرتكز على وحدة الكون والاتحاد مع الإلهي من خلال المعرفة العرفانيةgnosis، الفوق-عقلية، في حين يذهب العرفاء الشيعة مثل الطباطبائي والخميني، إلى أن العرفان الشيعي هو معرفة باطنية ترتبط بتهذيب النفس والسلوك، مصدرها نصوص من روايات أهل البيت وخطبهم، أما الشيرازي فكان يرى أن العرفان عند الشيعة اتّخذ طابعاً فلسفياً، اندمجت فيه تجارب الكشف مع فنون البرهان، ما يعني البناء على نظم منطقي يقوم على مقدمة كبرى عرفانية، تتحكّم بقراءة النص القراني وبالمعاني التي تنتهي إليها هذه القراءة.

—ولاية الفقيه واندثار السياقات الفكري الخصبة

هذه السياقات الفكرية خسرت من خصوبتها مع ظهور التيار الشيعي المعتنق لنظرية ولاية الفقيه، التي صاغ الخميني مبتنياتها العقدية، منطلقاً من سؤال ينطوي على نهج تبريري يتوخّى تسويقه، يقول:

مع غيبة الإمام المهدي، هل يترك الله المسلمين بدونإمام يقودهم ويدبّر شؤونهم؟

إن بقاء الأحكام الشرعية، المتصلة بالسياسة والقضاء والدفاع والمال…باعتبارها قوانين صالحة لكل زمان ومكان، يفترض وجود حاكم يتولى تنفيذها، وبالتالي فإن عدم وجود حكومة يعني بقاء هذه الأحكام دون تنفيذ، وهذا  أمر لا يرضاه الله، وعليه فإن الجهة الصالحة للقيام بهذه المهمة هو الفقيه الجامع للشرائط والوارث للنبي والأئمة في أمور الحكم وله الصلاحيات نفسها في إدارة المجتمع، والولاية ليست شخصية إنما هي نيابة عامة عن الإمام المهدي. ، وهي مطلقة في شؤون إدارة الدولة، سواء تعلّق الأمر بالحرب أو السلم أو غيرها من القرارات المتصلة بحياة الناس الدينية والدنيوية، تجري مفاعيلها على المؤمنين من الشيعة، المعتنقين لمبدأ الولاية العامة، أينما حلّوا في هذا العالم، دونما اعتبار للأوطان التي يقطنون فيها ويحملون جنسياتها، ويلتزمون قوانينها. والتزامهم واجب تجاه الـ سياسات والتشريعات التي تصدر عن سلطة الولي الفقيه وعن المؤسسات التي تعبّر عن هذه السلطة وتتولّى تنفيذ سياساتهاوتشريعاتها.

يتجلى هذا الالتزام بسياسات الولي الفقيه في الجمهورية الإسلامية الإيرانية في المشهد الذي نراه اليوم  مع سلوك حزب الله في لبنان وفصائل الحشد الشعبي في العراق والحوثيين في اليمن، حيث يبرز الوقع السلبي لهذه النظرية على استقرار البلدان التي يتواجد فيها أتباعها ومعتنقو مبادئها، وعليه، لا عجب في ذلك طالما أن ولاية الفقيه، في جوهرها وعلى لسان مطلقها آية الله الخميني، لا تقيم وزناً، أو تحفظ اعتباراً، للوطنية كحقيقة كيانية ملازمة لأبناء الوطن الواحد، ومعبّرة عن صدق مشاعرهم تجاه مصالحه وشروط ديمومته…………. . وذلك انطلاقاً من أن الاعتبار الأسمى يبقى للأمة الإسلامية الواحدة، كما عبّرت عنها وقدّمتها نظرية ولاية الفقيه.

في هذا السياق يترسخ اعتبار إيران مركز روحي-ديني-سياسي، يتىجاوز إيران نفسها، ويتمدد إلى العالم الشيعي بمجمله، لاسيما الشيعة الإثني عشرية أينما حلّ أتباع هذا المذهب، لقد حذّر المفكرون الشيعة من الكيانات الوطنية أو القومية، والدولة الأمة في نظر نظام ولاية الفقيه مرحلية، مآلها إلى الذوبان، عند الانتصار النهائي للشيعة ونجاحهم في تعميم أنموذجهم الولائي، بعد هداية العالم إلى الإسلام الصحيح. والمقارنة الأفقية مع الاتحاد السوفياتي، قد تبدو جائزة في هذا السياق، فالمسؤولون عموماً و في المرحلة الستالينية بخاصة، كانوا يعتقدون أن العالم سوف ينتهي إلى أن يصبح شيوعيا، بعد ان ينتصر الأنموذج الاشتراكي البولشيفي، وعندها تتحلل الدّوَل-الأمم، إذ تتخطاها صيغ اجتماعية جديدة محكومة بتصوّر اقتصادي مولود من رحم الاشتراكية العلمية.

يصل المتابع للتجربة الولائية هذه، إلى خلاصات مفادها أن أصحابها، يعيشون أحوالاً غيبية تملي عليهم نظاماً من القيم المعرفية والأخلاقية، تضاعف انفصالهم عن الواقع، فتراهم يحتكمون إلى معايير وقواعد، تنأى عن تلك التي يتواضع العقلاء على الاحتكام إليها، يخاطبون العالم بلغة عصية على الإدراك والمعقولية، معبّرة عن أنماط من الثقافة، المجافية للعقلانية، تغذيها مرويات مهدوية، تغلب عليها أمارات “الشطح” وفلتات الوجدان.

نجحت السياسات الآخذة بنظرية ولاية الفقيه، في القضاء على الوجه العقلاني الذي رافق تاريخ الفكر الشيعي، فأبادت إنجازات النخب التي انتصرت للفلسفة، وطوّرت علوم اللغة، وجدّدت في فنون البلاغة، واستطاعت هذه السياسات أن تروّج في البيئات الشيعية ثقافة حاقدة على شركائها من المكونات المختلفة، وترعى أسباب الفصل والفرقة بينها وبين المختلفين عنها، فجعلت من الاختلاف مدعاة لشتى أنواع الإساءة سبّاً وتخويناً واستعداءاً، حتى برز أمام هذا السيل من الكراهية للآخر، من يرفع شعار استحالة العيش مع هذه الفئة وقد أسقطت في فكرها وسلوكها، كل إمكان للتلاقي، وسدّت في استعلائها المزيّف، وفيض قوتها الموهوم سبُل التواصل والحوار.

سلوك الجماعة الولائية هذا يكشف حدّة التداخل بين السياسي والديني في وجدان الإماميين وفي نظام التفكير الإمامي، فالإمام المهدي في غيبته لا يترك ملّته تسقط في الصراع بين الحق والباطل في ميادين الحياة المختلفة، فهي صاحبة الحق، المستهدية بطيف الغائب والمستأمنة بسلطة وليّه وصاحب سرّه ومراده، و الغالبة برعايته والمنتصرة بمعونته، فلا يدٌ فوق أيديهم، وقد استمدّت”فوقيتها”وسموَّ استوائها، من سمو رسالته الدينية و الأخلاقية والسياسية.

—العصف الوجداني واليقين الحسيني

هذا العصف الوجداني المنعقد على يقين حسيني، يقلل من شروط إمكان الحوار الموضوعي والمعقول مع الآخر، لاسيما  في المسائل السياسية والوطنية، وتنعدم معه الجدوى من تقنيات التواصل ومسالكه المختلفة، فتسود أحوال الجزم والحسم والقطع، في أوساط البيئة الولائية، ويعلو الخطاب العنيف والحامي عند العامة منها والخاصة، فتتكسّر كل الأجرار وتتقطّع الشعرة، ويتقدّم الانسداد كما هو حاصل في لبنان على سبيل المثال، بين البيئة الولائية وسائر المكونات اللبنانية.

أخلص إلى القول أن حزب الله الذي خرج من رحم ولاية الفقيه، استطاع أن يعدّ بيئته ويهيئها إلى استحضار المآسي الكربلائية والإنتحاب العاشورائي، ويوقظ في وجدانها وقائع الصراع بين إمامة الشهيد وإمامة البطل بتعبير فؤاد اسحق الخوري، ويدفع بها إلى المكوث بين حدّي الغبن والنصر، يعني إلى الإصرار على تحكيم الإيديولوجيا المذهبية في مصير الطائفة الشيعية التي تعيش بأغلبيتها في مجتمعات متعددة، ما يقود إلى نتائج مدمّرة على البيئة بأسرها، تطول وجوه حياتهم المختلفة، فعلى الصعيد المعرفي، يشكّل هذا الإصرار نوعاً من القطيعة مع العقلانية المنفتحة، ومع القيم التي تنمو في تربتها، مثل الحوار وحق الاختلاف وحرية التعبير، ومشروعية النقد والمساءلة، وهو على الصعيد الاجتماعي إنهاك قاتل لاستقامة المواطنة وسلامة العيش معاً، وتسويغ لثقافة تستعدي الآخر المختلف، وتضعه في مرمى الاستهداف المعنوي والمادي، ناهيك عن مناخات العزلة والغربة التي تتولّد لدى هذه البيئة، جراء المناهضة لشروط التحديث الفكري و لأسباب التواصل الإنساني. وهو على الصعيد التراثي الشيعي، انكار لثراء التجارب المعرفية والنقدية والفلسفية التي رعتها الحاضنة الشيعية، في أزمنة من التاريخ، ازدهرت فيها معاداة الفلسفة ومشتقاتها من العلوم العقلية.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete