تكوين
يتنامى خطاب المَعَيَّةِ في المجتمعات التعدّدية عمومًا، مع تحوّل الاختلاف بين مكوناتها الدينية والمذهبية والطائفية والإثنية، وحتى الأيديولوجية إلى خلافٍ يتغذى من صراع يأخذ عند بعضها طابعًا وجوديًا، تُوقد نارَهُ مُرَّ التجارِب من مخزونات الذاكرة العائدة لكل مكوّن من هذه المكونات.
هذا الواقع، جعل المفكرين المنهمّين بالإنسان وحقوقه والمشبَّعين بالثقافة الفلسفية المُنتجة للمفاهيم الإنسانية الكونية universel، والحاضنة لقيمها، يُعْمِلونَ فكرهم ويجتهدون من أجل تعميم الأفكار التي تدعو إلى التعايش والتلاقي والتسامح والغفران، والتي ترى في نشر الوعي بقيمة الآخر المختلف في حياة البشر، والاعتراف له بوجوده واختلافه، تأسيسًا لمجتمع يسود فيه الاستقرار والوئام.
يدافع Pierre Hadot عن أطروحة مفادها أن الفلسفة هي قبل كل شيء طريقة عيش، يتحقق معها الوجود والتصرّف في ضوء الرغبة في المعرفة، لكنها معرفة لا تُكتسَب بما هي نوع من “مِلْكيّة” جاهزة، ولكنْ بوصفها طريقة تكوينية لعلم يمنح من يحصل عليه، أكبر قدر من كمال الذات(١).
هذا المفهوم للفلسفة، يُدْخلها في معركة بِناء المجتمع، على قاعدة التمرّس في استثمار المعارف الداعية إلى تمكين مكوناته، على اختلافها، من إنجاز صيغة تضمن العيش معًا، قوامها الرغبة في العيش مع الآخر ومن أجله، ابتغاء الخير للجميع، في ظل عدالة تُرسي دعائمها، وتكفل تطبيقها، مؤسسات مستقيمة الأداء، واعية لمسؤولية إحقاق الحق لكل فرد من أفراد المجتمع ولكلّ مكوّن من مكوناته(٢).
والمفاهيم الفلسفية الراعية لثقافة العيش معًا كثيرة، جُلّها يتحرك في فضاء المحبة، لعلّ الوازن من بينها مفهوم الغفران، الذي ينضمّ إلى حقله الدلالي، الصفح والعفو، فالله الخالق الغافر لخلقه، والإنسان الصافح لشريكه المساوي له في البشرية، والحاكم صاحب الحُكْم بالعفو عن محكومه، هذا التمايز بين منازل الغفران، حفظه التاريخ في حقباته المختلفة، مُترافقًا مع شروط طبعت تحققه في كلّ منزلة من هذه المنازل.
إذا كانت التوراة والقرآن قد جعلا التوبة بابًا للغفران، فإن أفهوم المحبة في العهد الجديد، حرّر الغفران من أي شرط، حتى جعل محبة الأعداء والمبغضين (أحبوا أعداءكم ومبغضيكم…) أصفى أنواع المحبة وأشدّها صدقًا وتعبيرًا عن جوهرها.
اشتغلت الفلسفة على تخريج عقلاني للغفران أو الصفح، فربطته بمطلب المعية (العيش معًا)، إذ وجدت حنَّة آرنت أن أكثر ما يوجب الحاجة إلى ثقافة العفو أو الغفران أو الصفح، مطلب العيش معًا بين أعضاء الشعب وهو ما أسمته “استحالة الرجوع إلى الوراء”، بمعنى أن وجود كثرة بشرية (شعب) تجعل كل (أنا) مُحتاجًا إلى صَفْحِ الآخرين عنه حتى يستمر، فلولا صَفْحُ الآخرين عنّا، الذي به نتخلّص من تبعات أعمالنا، لَبدَت قدرتنا كما لو كانت حبيسة فعل واحد يلتصق بنا إلى الأبد، ولبقينا ضحايا عواقبه. وعليه، لما كان الإنسان لا يستطيع أن يصفح عن نفسه، فهو في حاجة إلى حضور الآخرين في مجاله العمومي، لأن مثل هذا الحضور يجعل الصَفْحَ ممكنًا، وهذا ما حصل فعلًا حسب آرنت مع المسيح الناصري، الذي اكتشف الدور الذي يؤديه الصفحُ في رحاب الانسانية، ورأت آرنت أن موقفَ من يعيب على الصفح أصله الديني، ليس في محلّه، فالناصري هو من نقل الصفحَ من نطاق الكهنوت إلى مجتمع البشر ليكون نوعًا من الهدية الإلهية، وخلصت إلى أن الحب وَحْده يُمَكّن مَن استحقّ نعمته، من أن يُبادر إلى الصفح(٣).
الهَديَّة التي أشارت إليها آرنت وردت في صُلْب تحديد جاك دريدا للغفران، إذ يعتقد أن الهَديَّة بطبيعتها هبةٌ محضة، لا يمكن أن تكون وليدة دافع خفي، فوجود مثل هذا الدافع يعرّضها لخطر التحوّل إلى شيء آخر، مثل صفقة أو تبادل منفعة، ولا يمكن أن يكون الغفران بوصفه هَديَّة، محدودًا أو مشروطًا، يقول في مقدمة مقالته عن التسامح: “لا يمكن أن يكون هناك حدّ للغفران ولا قدر ولا توسّط”، إنه يحرص على أن تكون المغفرة استثنائية وغير عادية أمام ما لا يمكن غفرانه، وهو ما يعنيه تمامًا بالتسامح، أي غفران ما لا يُغْتَفر، لأن الغفران لا يعرف حدودًا ولا يسعى إلى غاية أخرى غير ما هي عليه حقيقته، يقول: لا يوجد سوى المغفرة: تكون المغفرةُ حيث يكون ما لا يُغْتَفَر، ثم يحرص دريدا أيضًا على تحرير الغفران أو التسامح من منطق الشرطية، فلا يستقيم القول في الغفران مع القول: أغفر لك:
إذا تبت عن معصيتك… إذا تعهدت بعدم تكرارها، إذا…إذا…إذا…، ما يُفقد حسب دريدا، الغفرانَ ماهيته الكلية، وثِقَلَهُ الإنساني المطلق واللا محدود(٤).
في كتابه الذاكرة، التاريخ، النسيان، la mémoire,l’histoire,l’oubli، عزّز بول ريكور اعتقاده بمبدأ العيش معًا، وحرص على صونه من الاستثمار المغرض للتاريخ والذاكرة، في فصل من الكتاب تحت عنوان الغفران الصعب، يُمَثِّلُ الغفرانُ عند ريكور الأفق المشترك بين الذاكرة والتاريخ والنسيان، ذلك أن الإخلاص للماضي، ليس معطًى، بل هو أمنية مثل كل الأمنيات، يمكن أن تُصاب بخيبة أمل أو إحباط، بهذا الاعتبار، يُقدم ريكور نظرة فلسفية عميقة للغفران بما هو فعل مُعقَّدٌ يتجاوز التسامح والنسيان، فالغفران الحقيقي لا ينبع من نسيان الماضي، بل من إعادة تفسيره وتقبّله، سواء تعلّق الأمر بالغفران العابر وهو نوع من التسامح السطحي، يهدف إلى تجاوز أحداث من الماضي من غير معالجتها معالجةً عميقة، أو الغفران المتبادل الذي يتطلّب حوارًا صادقًا بين الضحية والجاني بهدف إعادة بِناء الثقة بينهما. ويؤكد ريكور أن الغفران ليس سهلًا لكنه ممكن، إنه الحدّ الفاصل بين العفو وفقدان الذاكرة، فهو شفاء لها من أعطاب الماضي وسبيل للتخلّص من أثقالها المضنية(٥).
في الوقت الذي انتهى فيه دريدا عند القول إن الغفران يكون حيث يكون “ما لا يُغتفر” ذهب فلاديمير جانكليڤيتش مذهبًا نقيضًا، وفاءً لأرواح الذين أكلتهم نيران “المحرقة النازية”، فرفض الغفران رفضًا مطلقًا وعدَّ الجرائم ضد الإنسانية غير قابلة للغفران، ووصل به الأمر إلى اتهام الوعي الألماني، مُحمِّلًا إيّاه المسؤولية عمّا حصل، مُعمِّمًا اتهامه على جميع الألمان الذين عاصروه، فـ “عندما يكون المذنب مُكتنزًا… ومُغتنيًا بفضل المعجزة الاقتصادية، فإن الصفح يكون دعاية ثقيلة”، إذ كيف لمذنب ألماني يعيش حياةً رغيدة أن يشعر بالذنب ويطلب الصفح؟ المحرقة تطال إنسانية الإنسان، وهي على قَدْرٍ من الإجرام، الذي لا يمكن مغفرته أو الصفح عنه، وما ارتُكِب، لا ينتهي بالتجاوز والتقادم، بل يجب أن يبقى حيًّا في الذاكرة، تعيش معه الماضي بصيغة الحاضر(٦).
لا شك أن المجتمع التعدّدي الذي ينهل من هذه الثقافة المشبعة بالمقاربات الفلسفية لمفاهيم تتصل مباشرة بمطلب العيش معًا، يمتلك من الثراء الإنساني ما يوفّر له أسباب نجاح هذه التجرِبة بين مكوناته، ويعزّز في الوقت نفسه خصوبة العقلانية الفطنة، والحرية المسؤولة ويحصِّن الاختلاف المُثْرِي من الانزلاق نحو أيٍّ من أشكال الخلاف العبثي والمدمّر.
والسؤال الملحّ يبقى في معرفة حظّ الثقافة العربية والإسلامية من هذه الفلسفة الأخلاقية المُنْجَدِلَةِ حول الكُلّي من المعاني الانسانية، التي يُمَثِّلُ الغفران رافدًا غزيرَ الفيض من روافدها.
لا يحتاج الناظر في واقع مجتمعاتنا المفككة، ويوميات الناس وتجارِب المكونات المختلفة، دينيًا وطائفيًا ومذهبيًا وأيديولوجيًا، الغارقة في الكراهية القاتلة والعنف المدمّر، إلى بذل الجُهْد الكبير، كي يكتشف افتقارها عمومًا إلى القيم الحاضنة لتجرِبة العيش معًا والراعية لشروط نجاحها. ولعلّ الثقافة السائدة فيها، بما هي نتاج نظام معرفي، يستل مقدماته من ثوابت القبيلة وأعرافها، ومسلمات العقيدة وأحكامها، فيستوي معها، عائقًا أمام العقلانية الفلسفية المنفتحة ومناهضًا لشروط نموّها المتصلة بالحرية وبالقيم المنبثقة عنها وفي مقدمها الحق بالاختلاف.
أقول، العقلانية الفلسفية المنفتحة، كي أشير إلى الثقافة المُعْلِيَة من شأن المفاهيم الإنسانية والأخلاقية، الكلية الجامعة، (مثل الغفران والصفح والعفو، التي ترتوي من ينبوع المحبة)، والمجتمعات المفتقدة إلى مثل هذه الثقافة، يعاني فيها الآخر المختلف من حذر الآخرين وارتيابهم، ويتحوّل فيها الاختلاف إلى خلاف، تحركه مشاعر الحقد المتبادلة بين مكوناتها، غالبًا ما ينتهي إلى صراعات دموية وحروب أهلية تبدأ ولا تنتهي.
يبقى سؤال “العيش معًا” مطروحًا، ويبقى نجاح التجرِبة مأزومًا، ما دام التحدّيُ قائمًا، وحضور الآخر في حياتنا، محمولًا على معنى التهديد لهُويتنا الفردية والجماعية، ووعي قيمة دوره في إثراء ثقافتنا مفقود، والاستثمار “الحاقد والكيدي” لما هو سلبي وعنيف من مخزون الذاكرة التاريخي والاجتماعي. تقليد ثقافي متخلّف وناشط في آن، يطغى على العلاقات بين الأفراد والجماعات التي يتكوّن منها المجتمع.
العيش مع الآخرين يفقد معناه إذا بقي الأنا على تفرّده، مستكفيًا باختلافه، متردّدًا في تطوير هذه المعية على قاعدة ما تقتضيه الرغبة المتبادلة والخير الشامل والعدالة الناظمة للحقوق والواجبات، ومن منطلق عدّ الحقيقة التي تفيد أن الآخر ليس خيارًا تختاره، وإنما هو مكوّن جوهري جادت به طبيعة الحياة البشرية على هُويتك الفردية والجماعية والانسانية، فالإنسان بأنويته المنعقدة على نظر الآخر وتقييمه، والنائية به عن الأنانية العمياء، ما كان يومًا، الأنا الخالصة والنقية والإنية المنعزلة عند ضفاف الحياة الجارية على إيقاع الشراكة الإنسانية الأمّارة بضمان الخير العميم والعيش الكريم(٧).
مرّة أخرى تفرض السياسات التربوية المستنيرة نفسها على مطلب العيش معًا، ويتقدّم النظام التربوي “المشغول” بحكمة فلسفية أخلاقية، تُعير البرامج التعليمية الهادفة والمستشرفة، اهتمامًا خاصًا، وتحفظ لها دورًا وازنًا في تزويد الأجيال بثقافة إنسانية جامعة، تكسر حدَّة الفكر المُنغلق، المنتج لأسباب الفُرْقة المؤذية للأفراد والجماعات على حدّ سواء، وتعمل على نشر المبادئ التي تحفظ للإنسان، “كائناته” المخصوصة، وهُويته الفردية، وسط مجتمع يتشارك فيه الحياة مع الآخرين.
إن تشجيع الناس على الانتصار للعقل، والجُرْأة في الركون إليه بحرية، في تدبير حياتهم، وحثّهم على إرواء ثقافتهم الأخلاقية من قيم المحبة، التي تعبّر عنها شبكة من المفاهيم الموزعة بين الانفتاح والتسامح والغفران، وحضّهم على الاستنارة بها في حياتهم اليومية، وفي علاقاتهم مع “شركائهم” في المجتمع، من شأنها جميعًا أن تُسهِم في إعداد “الأرضية” الملائمة لإنجاح تجرِبة العيش معًا.
لا شك أن مثل هذه الثقافة، تبقى مَعْبَرًا ضروريًا لبناء مجتمع يتعايش فيه أفراده ومكوناته بسلام ووئام، وإن افتقار مجتمعاتنا العربية والإسلامية، المحكومة بالتعدّدية بتجلياتها المختلفة، إلى قيم العقلانية والحرية، وانحسار القيم الانسانية، بمداها الكلّي الجامع، في ثقافات أهلها وسلوكهم، يجعل من العيش معًا مطلبًا مأمول التحقيق، وهدفًا يجب العمل بقناعة وإخلاص على توفير الشروط المعرفية والثقافية لبلوغه، وتحقيق المستلزمات الحضارية الراعية لنموّه، ولسلامة الحياة في ظلاله.
___________________________________________
مراجع:
1-Pierre Hadot,qu’est-ce-que la philosophie antique,Gallimard,1995.
2-Paul ricæur,l’universel et l’historique,in magazine littéraire,no 390.
3-Hannah Arendt,qu’est-ce que la politique?,Seuil 1995.
4-Jacques dérrida,pardonner:l’impardonnable et l’imprescriptible,éd.Gallilée,2012
5-بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة جورج زيناتي، بيروت، دار الكتاب الجديد المتحدة٢٠٠٩
6-Vladémir jankélévitch,philosophie de la tolérance,in magazine littéraire,no 333
7-، وليد خوري، موقع تكوين، التعدّدية في عُهدة الفلسفة