في المُقَاربة التأويلية للنصّ القرآني عند نصر حامد أبو زيد

“وفي تفسير القرآن بدا هذا النزوع إلى القصص والأساطير في دائرة خاصة. كان هناك ما ورد في الكتب السابقة من مختلف القصص، التي أجملها محمـد [صلى الله عليه وسلم] نفسه، بمنتهى الإيجاز، وأحياناً على وجه متداخل. وعن ذلك أراد المؤمنون أن يتعرفوا خبراً قريباً. فلا شك أنه أثار فضولهم وتطلّعهم العلمي إلى حد أبعد من البيان الدقيق عن التشريعات الفقهية. وقد طابق الطّلَبَ عرضٌ غزير. فقط طائفةٌ من علماء الكلام الكِتَاب الفضوليين، الذين سدوا ثغرات القرآن بما تعلموه من اتصالهم باليهود والنصارى، وأتموا ما تلقوه عنهم من القصص، التي كثيراً ما رددوها عن سوء فهم لها بنتاج خيالهم الخاص، وأرسلوا كل ذلك على أنه تفسيرٌ للقرآن.”

مذاهب التفسير الإسلامي، إغناتس غولدتسيهر

“لا شيء يبعد عن الصواب بعد القول إن محنة خلق القرآن كانت تمثل رغبة الدولة، دولة الخلافة، في رد ((أهل الدين)) إلى جادة الحق في العقيدة، وإنها الدليل المبين على أن هذه الدولة كانت دولة ((دينية)) في طبيعتها وماهيتها. فالحقيقة هي أن هذا الحدث الجلل لم يكن إلا وجها لجدلية متجذرة في طبيعة الحياة الاجتماعية في الإسلام، هي جدلية الدينيّ والسياسيّ. وليست محنة خلق القرآن هي الوجه الوحيد لهذه الجدلية. ذلك أن كل ما يحدث في الإسلام من حراك اجتماعيّ محكوم في مبدأ المطاف ومنتهاه بآليات هذه الجدلية، وفي ((الدولة – الجماعة)) في الإسلام لا شيء يند عنها، أو يفلت من أحكامها.”

المحنة: جدلية السياسي والديني، فهمي جدعان

تصدُرُ أبحاث نصر حامد أبو زيد عن سؤال جوهري، يتعلق بمسألة المعنى الديني الإسلامي. يَنْتَظمُ هذا السؤال جلّ مؤلفاته، بدءاً، بالسؤال عن صورة المجاز القرآني عند المعتزلة؛ أي، لماذا حاولت هذه الفرقة الإسلامية أن تعيد النظر في المعنى الديني الإسلامي؟ كان المجاز أداةً مهمّةً عندهم وكذلك صار لدى الفلاسفة. ويَمْثُلُ المجاز، عادةً، باعتباره أداةً للتأويل. كان على المعتزلة أن يخوضوا أشواطاً في بيان الحاجة إلى تأويل النصّ، وقد خلص هذا الأمر إلى النزاع الذي حصل بينهم وبين الأشاعرة حول المعنى الديني. تجاوز هذا نزاع المعنى إلى المبنى. وبلغ أشُدّه حين قُسّمَ القرآن إلى محكم ومتشابه؛ فصار المحكم في عرف المعتزلة متشابهاً في عرف غيرهم؛ وهكذا فتح التأويل أمامنا باباً خِلافياً حول قضايا التأويل نفسها، وصار المجاز مسخّراً لخدمتها، كما صار هذا النزاع حول بؤرة المعنى الديني الإسلامي. أدّى هذا الاختلاف حول معاني النصّ إلى قلق طال مفهومه، فإذا كان النصّ يعني الواضح والظاهر، وكانت النصوص محكّمةً في الاجتهادات، فإن النصّ صار مدار هذا الاختلاف وبؤرةً له.

أولاً: أسس المقاربة التأويلية للقرآن

انشغل نصر حامد أبو زيد بإشكالية قراءة التراث الإسلامي في مجمل دراساته القرآنية. وقد خَلّفت أفكاره جدلاً واسعاً، حين أثار أسئلةً، عُدّت في حكم المنسيّ من التراث العربي والإسلامي، وحين طرق بعض المسائل التّي عدّت ضمن ما هو مسكوتٌ عنه. جرّت عليه هذه المساءلات الواسعة، التي انشغل بها على مدى عقود، نقمة النّاقمين.

ويعتقد أبو زيد أن هذه الأسئلة تجمّدت منذ القرن التاسع، ولا يزال الفكر الإسلامي يستندُ إلى قواعد التفكر الثيولوجي التي صيغَت من لدن أشخاص، وقد صارت اليوم مسلّمات. بل الأدهى من ذلك أنّها صارت عقائد. تداخلت في مراحل مبكّرة من تاريخ الإسلام مستويات المعرفيّ والإيديولوجيّ، ولا يزال هذا التداخل مستمّراً، وقد صارت الجهات السياسية حافظة للمعنى وحريصة عليه وتلك القواعد.

تأتي هذه الأطروحات، التي قدّمها حول القرآن، في رباعيته التي استهلّها ب: “الاتجاه العقلي في التفسير: قضية المجاز في الإسلام عند المعتزلة” (1982م)، بالإضافة إلى “فلسفة التأويل: دراسة في تأويل القرآن عند ابن عربي” (1983م)، ثم “مفهوم النصّ” (1990م)، فَ “إشكاليّات القراءة وآليّات التأويل” (1992م).

يبدأ أبو زيد، في اشتغاله على النصّ القرآني، بمسألة رئيسة، مؤدّاها ضرورة إعادة تعريف القرآن، وليست إعادة قراءة القرآن إعادة كتابته، كما لا تعني إعادة ترتيبه، وإنما الحال، ههنا، في ما يرى أبو زيد، هي الوقوف عند ماهية القرآن. لقد انْبَنَتْ كُلّ نظريات التّفسير والتأويل حول ماهية القرآن، وكانت غاية نصر حامد أبو زيد من الوقوف عند ماهية النصّ تتمثل في كشف حقيقته الكامنة وراء الممارسات التأويلية والتفسيرية التي قدمتها الاتجاهات المختلفة في تاريخ الإسلام، وهي التأويلات التي لا تزال تحْجُبُ المعنى، بالإضافة إلى الممارسات الطقوسية والشعائرية؛ وهي ما برحت تضعُ ثقلها على أيّ تفسير للنصّ. يرى أبو زيد أن للنصّ كينونة، وأنّ القارئ صاحب أفق؛ فللنصّ من خلال بنيته وما يحيط به من علوم وتراث تفسيري وتأويلي، علاقة بفكر القارئ، وأما القارئ فهو يجذبُ النصّ إليه بمقتضى فاعليّته التي لا تتحقق إلا من طريق المعرفة بالواقع وفهمه، وإدراك ديناميته، فيخلصُ إلى مسألة رئيسة مقتضاها أنّ التأويل هو الوجه الآخر للنصّ، وهو يمثّل آلية من آليات إنتاج المعرفة. ولا يمكن اعتبار النصّ صالحاً لكل زمان ومكان إلا إذا أصبح مُنتجاً ثقافياً (=أي أن يصبح مدار مشروعيّة النصوص الأخرى)؛ وحين تتضافر تلك النّصوص يمكن أن يتغيّر التوظيف الإيديولوجي للتراث عموماً وللقرآن خصوصاً.

أدرك المسلمون الأوائل أن النصّ غير منعزل عن واقعه. وعلى هذا الأساس لم يجدوا حرجاً في عرض مشكل القرآن على الشعر، حتى يَتَبَيّنُوه، ويتقفّوا على معناه.

وقد حازت التفاسير الأولى قصب السبق حين طرح ابن عبّاس مبدأه الشهير في هذه المسألة: ((إذ تعاجم عليكم شيء من القرآن فعليكم بالشعر فإن الشعر ديوان العرب))([1]). تكوّن النصّ القرآني في بيئة معيّنة، وسمحت ظروف كثيرة، أيضاً، في تطوّر عناصر خطابه. وقد تَجلّت صورهُ في الحوار المفتوح الذي اسْتُهِلّ، منذ مراحله الأولى، مع المجتمع القبلي الذي كان يسود شبه الجزيرة العربية؛ ”(…) فالحقيقة أن هذا النصّ هو أول نصّ دوّن في تاريخ الثّقافة، هذا بالطبع إذا استثنينا ما جاء في الروايات من تدوين ((المعلقات)) وتعليقها على جدران الكعبة (…)، فإن الحرص على تدوين كل ما يستجد في النصّ من جانب النبي والمسلمين يعد ظاهرة جديدة في إطار ثقافة شفاهية تعتمد على النقل الشفاهي لمخزونها من النصوص. من هذه الزاوية، يمكن أن نعتبر النصّ حلقة فاصلة في تاريخ الثقافة بين مرحلتين: مرحلة الشفاهية ومرحلة التدوين”([2]). وههنا يجد الواقع قوّته ويحكم قبضته. ولكن محاولة علماء القرآن فصل النصّ عن غيره من النصوص، داخل الثقافة، كانت نابعة من معطيات النصّ ذاته بعد أن أعيد تفسيرها تفسيراً جديداً في سياق تطور حركة الواقع ذاته.

وفي الحقيقة، لم يكن العربُ، الذين عاصروا تنزيل النصّ، قادرين على استيعاب ((التغاير)) وإمكانية المخالفة بين النصّ القرآني والنصوص التي لديهم. ولذلك كانوا حريصين أشد الحرص على جذب النصّ ((الجديد)) إلى أفق النصوص الموجودة، فقالوا عن النبي إنّه شاعر وكاهن([3]). ويكون النصّ بذلك قد أرسى دعائمه وفَرَضَ سلطانه. لعل الحديث عن مفهوم الواقع يقودنا، بشكل مباشرٍ، إلى فهم طبيعة النظم التي أسست فضاء القرآن والدعوة الإسلامية، و”(…)علينا أن نضع في الاعتبار أن الواقع مفهوم واسع يشمل الأبنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ويشمل المتلقي الأول للنصّ ومبلّغه، كما يشمل المخاطبين بالنصّ. إنّ النصّ أداة اتصال يقوم بوظيفة إعلامية، ولا يمكن فهم طبيعة الرسالة التي يتضمنها النصّ إلا بتحليل معطياته اللغوية في ضوء الواقع الذي تشكل النصّ من خلاله”([4]). لقد صار مفهوم الواقع يشمل كلّ تلك البنيات والأنظمة العلائقية التي شكّلت مشهد الحياة قبل ظهور الإسلام، وفي خضمّ الحياة الإسلامية. هكذا أمكننا القول إنّ القرآن بوصفه نصّاً لا يخرج عمّا ألفه العرب، وكانت لغته، على رمزيّتها، مما هو متداول ومستأنس به عند معاصريه.

حين نتحدّث عن مجالات التفكير التي انصرف إليها أبو زيد، فالأصل أن نذهب إلى اعتبار أنها محصورةٌ ” في نقد التراث الديني المكتوب، وفي إعادة النظر فيه ((من خلال منظور علاقة المفسِّر بالنصّ)). وقد اقتضاه ذلك البدء من البداية: من قراءة النصّ القرآني، بما هو نصّ مؤسّس لثقافة الإسلام، من زوايا منهجية جديدة تلقي الضوء على ما غيّبه التفسير الكلاسيكي من مستويات وأدوات في الخطاب القرآني، وتعيد النظر في يقينيات فكرية متوارثة عن معاني النصّ من طريق إعادة قراءته في تاريخيته – المغيّبة في متون التفسير – وفي مقاصده التي لا سبيل إلى فهم أحكامه إلا في ضوئها”([5]). وهكذا صار النصّ القرآني مدار تفكير وتأملٍ، حين تداخلت حدود العلاقة بين الذات المفسّرة وموضوع التفسير. فما المعنى الذي يكون به القرآن نصّاً؟ يجيب أبو زيد([6]): “إن القرآن يصف نفسه بأنه رسالة، والرسالة تمثل علاقة اتصال بين مرسل ومستقبل من خلال شفرة، أو نظام لغوي. ولما كان المرسل في حالة القرآن لا يمكن أن يكون موضعاً للدرس العلمي، فمن الطبيعي أن يكون المدخل العلمي لدرس النصّ القرآني مدخل الواقع والثقافة، الواقع الذي ينتظم حركة البشر المخاطبين بالنصّ وينتظم المستقبل الأول للنصّ وهو الرسول، والثقافة التي تتجسد في اللغة، بهذا المعنى يكون البدء في دراسة النصّ بالثقافة والواقع بمثابة بدء بالحقائق الأمبريقية، ومن تحليل هذه الحقائق يمكن أن نصل إلى فهم علمي لظاهرة النصّ”.

اعتمد نصر حامد أبو زيد في دراسته للتراث مقاربةً تأويليةً (هيرمينوطيقية)([7]). تقوم على مسألة رئيسة تتمثّل في معضلة تفسير النصّ، أيًّا يكن النصّ، تاريخياً، أو قانونياً، أو أدبياً، أو دينياً. يركّزُ الدرس التأويليّ، على العلاقة الشائكة بين النصّ والمفسّر؛ ومعنى ذلك أن حامد أبو زيد قد عمدَ إلى استقصاء جذور نظريّة التفسير في التراث العربي الإسلامي موجَّهاً بسؤال: هل حدثَ في وعي المفسّرين الانشغالُ بآليات التفسير؟ تقتضي هذه العمليّة من المفسّر أن ينتقل من لحظة التفسير، بما هو فاعلية حركية، إلى فهم الكيفية التي بها يفهم النصّ. إنّها درجةٌ ثانية من الفهم، أو ما يمكن أن نصطلح عليه ب ”فهم الفهم”([8]). تهتم التأويليات، بالمعنى هذا، بالنصّ وآليات قراءته وفهمه، ولذلك كان لمفهوم النصّ مكانةٌ جوهرية في تفكير نصر حامد أبو زيد. ينبني نظام المعرفة في مجال الدراسات الإسلامية على النصّ القرآني، شأن كل المجالات المعرفية التي تدخل ضمن نطاق المعرفة الإنسانية؛ “فإذا كان مفهوم ((النصّ)) يمثل مفهوماً محورياً في ((علوم القرآن)) فهو بالمثل مفهوم محوري في الدراسات الأدبية. إن تغير المناهج واختلاف التوجهات النقدية في درس النصوص الأدبية ليسا في جوهرهما إلا اختلافاً في تحديد ماهية ((النصّ)) وخصائصه ووظائفه. وليس مفهوم النصّ مفهوماً أساسياً في الدراسات الأدبية فحسب، بل صار يعدّ مفهوماً أساسياً في العلوم الإنسانية، وفي الثقافة بشكل عام”([9]).

وعلى الرغم من التعارض الكبير الذي قد يحصلُ في التصوّر العام لخطيّ التفسير؛ بالمأثور وبالرأي، إلا أنّ الخطوط الفاصلة بينهما تكاد أن تكون شفّافة، ”ومن الضروري الإشارة إلى أن التمايز بين الاتجاهين – في الواقع العملي – لم يكن حاسماً بمثل هذا الوضوح الذي تطرح به القضيّة على المستوى النظري؛ فلم تخل كتب التفسير بالمأثور من بعض الاجتهادات التأويلية عند المفسّرين القدماء الذين عاصروا، في بواكير حياتهم، نزول النصّ”([10]). وفي حقيقة الأمر فهذا الصّراع، الذي نجم بين هذين التّيارين، كان ذا أصول اجتماعية وسياسية، أكثر من كونه صراعاً على الفهم الحصيف للنصّ. وفي عمق الاختلاف بينهما كانت تظهر، دائماً، صورة العلاقة بين المفّسر والنصّ؛ فكانت عند أهل التأويل “بالمأثور” علاقة يطغى فيها النصّ على مفسّره، ((ويلغي وجوده لصالح النصّ وحقائقه التاريخية واللغويّة))، وعلى العكس منه، فإن المفسّر حاضرٌ عند أهل التأويل “بالرأي” حضوراً قوياً. إنّ الفكرة الكامنة وراء عمليّة التفسير تتّضحُ بجلاءٍ، متى كنّا على بيّنةٍ، من الوظيفة المسندة إلى المفسّر، والتي تتعدى عمليّة ”الفسر” (=أي الإيضاح) إلى النّقد؛ فالمفسّر ناقدٌ لواقع اجتماعيّ وفكريّ. وتظهرُ أهمّيةُ الهيرمينوطيقا، من هذه الناحية، في إبراز أشكال الصّلة التي تتكوّن بين المؤَوِّل والنصّ، وأيضاً، تبيان شروطها المعرفيّة والتاريخية.

ثانياً: من النصّ إلى سلطة الخطاب

لم تعد التأويليّات لصيقةً بموطن ميلادها، ولم تعدْ قضاياها خاصّةً بالثقافة الغربيّة وحدها، بل يمكن أن نذهب، أبعد مدى، إلى القول: إن التأويليات إذْ هي تهتمّ بالنصّوص، فهي تَخْتَرقُ المجالات الإنسانيّة كافةً، ولا غنى عنها في فهم العلاقات التي تُنْتَسجُ بين الذات القارئة والنصّ المقروء. لقد أُثيرتْ في الثقافة العربية الإسلامية، بما هي ثقافة للنصّ، مشكلاتٌ تتعلق بالفهم والقراءة، وذلك منذ بدايات الوحي نفسه. “الهيرمنيوطيقا – إذن- قضية قديمة وجديدة في الوقت نفسِه. وهي في تركيزها على علاقة المفسر بالنص ليست قضية خاصة بالفكر الغربي، بل قضية لها وجودها الملحّ في تراثنا العربي القديم والحديث على السواء”([11]). وقد استُأنفت مشكلة تفسير النصّ القرآني مع ما طرحه المفسّرون في أنواع التفسير والتعارض القائم بينها، كما هي الحال بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي، أو التفسير بالمنقول والتفسير بالمعقول، وهي، في حقيقتها، مشكلة بين تفسيرٍ عُدَّ موضوعياً في مقابل تفسير ذاتي. وهذا الإعضال هو الذي عُنيت به الثقافة الغربية؛ منذ لحظات الإصلاح الديني، حين كان التفسير يقوم بالدلالة الحرفيّة للنصّ SOLA SCRIPTURA. الأمر الذي استدعى كثيراً من التفكير في آليات تأويل النصّ.

تَتَطَلّبُ الدّراسات القرآنية، حُكماً، دراسة ما قبل القرآن؛ أي البيئة التي أسهمت في ظهور هذا النصّ ونشوئه، من دراسة أشكال العلاقات الاجتماعية التي كانت تربط مجتمعات عرب شبه الجزيرة قبل الإسلام، ودراسة الشعر والأدب.

وقد اعتمد نصر حامد أبو زيد على نتائج الدراسات التي أُنْجِزَت في هذا المضمار. كما تتطلب الدراسات القرآنية، أيضاً؛ دراسة ما بعد القرآن، أي ما أُنتج حول هذا النصّ من أفكار، ومن تأويلات وتفاسير، كلامية وفلسفية وفقهية ولغوية. وقد كان الهدف الأساس لإشكالية القراءة عند نصر حامد أبو زيد، يَدُورُ في فلك البحث عن المعنى الديني الإسلامي. وقد تولّد هذا السؤال عن المعنى حين أقدمت المعتزلة على وضع الفكر الإسلامي أمام أسئلة حرجة مثل قضية: “خلق القرآن”. هذا النزاع حول المعنى الديني الإسلامي انتقل من صراع حول المعنى إلى التنازع حول المبنى نفسه. لم يكن هذا السؤال عن المعنى بمفارق لواقع المسلمين، اليوم، بل هو محايث لإشكالية التعامل مع التراث نفسه. ولا تتم قراءة التراث إلا في ضوء تحقق عيني ملموس من التأثيرات المتبادلة التي تميط اللثام عن المنظومة الفكرية للتراث؛ لأن كلّ قراءة إذا عمدت إلى دراسة جانب من التراث من دون الوعي بالتكامل الحاصل بين عناصره، ستغلق على نفسها ضمن دائرة ضيّقة، وحينها تعجز عن كشف حقيقة المنجز المعرفي في أي مجال من المجالات ([12]).

يلعبُ السّياقُ دوراً مهمّاً في تشكيل المعنى “إنّ كلمة ((سياق))، وإن كانت مفردة من حيث الصيغة اللغوية، تدل على تعددية هائلة، تدل على تعددية هائلة لا أظن أنه قد تم حصرها حتى الآن في مجال دراسة النصوص. إنّ النصوص ذاتها تتنوع تنوعاً هائلاً في إطار اللغة الطبيعية وحدها، وتزداد ثراء وتنوعاً إذا انتقلنا إلى مجال النصوص الثقافية، أي النصوص بالمعنى السيميوطيقي”([13]). ويستحضر أبو زيد ضرورة فهم نظام المجاز في القرآن قائلاً([14])؛ “إذا كان للأسلاف عذرهم في تناول إشكالية النصّ من منظور البحث عن حقيقة الكلام، فإن المحدثين يرتكبون جرماً إذ ظلوا يدورون في فلك الأسئلة الدينية المطروحة في التراث، ويتحول الجرم إلى خيانة للوعي إذا لم تبني هذا الموقف أو ذاك من مواقف الأسلاف، لقد وصل عبد القاهر الجرجاني إلى حقيقة أساسية وهو بصدد البحث عن وجوه إعجاز القرآن الكريم (…) لقد وصل إلى أن دراسة الشعر، أو النصوص الأدبية عامة، واكتشاف قوانين تشكيلها وكيفية إنتاجها للدلالة، مدخل ضروري لا غنى عنه لدراسة النصوص الدينية”. يتحكم المجاز بمدى فهمنا للنصّ القرآني، وتصير حدود المجاز هي حدود الدّلالة التي يضعنا أمامها نظام النصّ وواقعه، غير أن المجاز يصير أداةً متحكّماً فيها؛ فقد يتّسع نطاقه في التفسير الصوفي ليفوق اللفظ، وقد يضيق في غيره من التفاسير ليتقيّد بدلالة الألفاظ. ويقف أبو زيد عند هذا الأمر بالتّدقيق حين قدّم مؤلفه حول الشافعي، وحين يقف عند مسألة الدلالة يقول ([15]): “(…) ويبدأ الشافعي حديثه عن الدلالة بتقرير مبدإ على درجة عالية من الخطورة فحواه أن الكتاب يدل، بطرق مختلفة، على الحلول لكل المشكلات أو النوازل التي وقعت أو يمكن أن تقع في الحاضر أو في المستقبل على السواء. وتكمن خطورة هذا المبدإ في أنه المبدأ الذي ساد تاريخنا العقلي والفكري، وما زال يتردد حتى الآن في الخطاب الديني بكل اتجاهاته وتياراته وفصائله.”

عَمَدَ نصر حامد أبو زيد إلى الوقوف عند المسارات التي قطعتها العلاقة بين الذات والموضوع، في الفكر الغربي، منذ المرحلة اليونانية وإلى الفترة المعاصرة. ويبدو أن العصر الحديث قد ركّز، في جوانب مختلفة، على تلك العلاقة في قراءة النّصوص وتلقيها. ويجدُ أبو زيد في أقطاب التأويليات ضالّته حين يقف عند ما قدّمه شلايرماخر (ت.1843م) حين نقل ”الهيرمينوطيقا” من مجال اللاهوت إلى العلم، وفلهلم دلتاي (ت.1911م) الذي رفضَ التيّارين المتافيزيقي والوضعي في التّفسير، وتركيزه على البعد اللغوي والنفسي، وكذلك مارتن هايدغر (ت.1976م) في تأسيسه لهيرمينوطيقا الوجود، وهانز جورج غادامر حين غلّب الحقيقة على المنهج، وبولتمان في رفضه للأساطير، وماركس ونيتشه وفرويد الذين أسهموا في تحويل علوم التّأويل إلى علم الاجتماع وعلم الجمال وعلم النفس، وديريدا في علم الكتابة، وغولدمان في علاقة المعنى بالبنية، وهيرش في التفرقة التي أقامها بين الدلالة والمغزى، وبيتي في دعوته إلى التفسير الموضوعي. تشكّلت رؤية نصر حامد أبو زيد في دراسته لتراث الإسلام في ضوء اطلاعه على هذه المشاريع وتحوّلاتها، وأَسْعفتْهُ سعةُ اطّلاعه على مضامينها في فهم أعمق للتُّراث، عامّةً، وللنصّ القرآني خاصّةً.

يمكن القول إنّ الأطروحة الرئيسة التي يضمّها مشروع (*) نصر حامد أبو زيد، في تعامله مع النصّ القرآني، لا تتحقّق إلا بالنظر إلى القرآن كنصٍّ يدخل في جدلٍ مستمرٍ مع واقعه. “إنّ علاقة النصّ بالواقع وجدليته معه قبولاً ورفضاً بدأت من المفاهيم والتصورات ومن تحديد علاقته بالنصوص الأخرى، وذلك في مرحلة مبكرة جداً هي مرحلة تشكُّل النصّ في الثقافة. ولقد كان العرب الجاهليون، فيما يبدو، أقرب فهماً لطبيعة النصّ ولوظيفة وغايته من كثير من رجال الدين المعاصرين الذين يجزِّئون النصّ، فقد كانت الحرب التي شَنَّها العرب ضد النصّ، في حقيقتها، حرباً ضد الواقع الجديد الذي خلقه النصّ في بنائه اللغوي، أولاً، ثم حققه بالإنسان في الواقع ثانياً”([16]). تتجلّى صورة القرآن في وعي العرب، بما هو نصٌّ، في علاقته بباقي النصّوص التي سادت في مناخ الدعوة الإسلاميّة. وقد عُدّ الشعر ديوان العرب، وخاصّة منه، الذي رُفع إلى مقام رفيعٍ، كالمعلّقات، مثلاً. حين يتعامل أبو زيد مع النصّ القرآني، فإنّه ينطلق من حقيقة كونه نصّاً لغويّاً، غير غافل عن طبيعته النّوعية وخصائصه النصّية، ولا تتجلّى تلك الخصائص في أولويّة قائله بقدر ما تجد قوّتها في محاورة واقع معيّن ((فالنصّ القرآني يستمدّ خصائصه النصّية المميزة له من حقائق بشرية دنيوية، اجتماعية وثقافية لغوية في المحل الأول))([17]).

يسوق نصر حامد أبو زيد تصوّره العام عن العلاقة بين النّصوص وواقعها، أيّاً كانت تلك النصوص قائلاً([18]): “فمهما تعددت أنماطها وتنوعت، تستمد مرجعيتها من ((اللغة)) ومن قوانينها، وبما أن ((اللغة)) تمثل ((الدال)) في النظام الثقافي، فكل النصوص تستمد مرجعيتها من ((الثقافة)) التي تنتمي إليها (…) هذا بالطبع باستثناء النصوص الدعائية الفجة، وتلك الوعظية الإنشائية، التي تكرر ما سبق قوله آلاف، بل ملايين المرات، ذلك أنها ليست في الحقيقة ((نُصُوصاً)) بل هي ((اللغة)) في ثباتها وتحجرها ومقاومتها للتطور. إن ((اللغة)) – فيما ذهب دي سوسير كذلك – تقاوم التغيير وتسعى للثبات بما هي ظاهرة اجتماعية جماعية. (…) وإذا كان الحديث عن النصّ القرآني كلام الله فهو بامتياز نصّ يمتلك ((كلاماً)) وليس نصاً تنطقه ((اللغة)) وإن كان يستمد مقدرته القولية أساساً من اللغة”. ترتسم العلاقة بين الثقافة واللغة، في شكلها الأرقى، داخل نظام الدلالة، لا سيما وأن كل قراءة للنصّ تتغيّا الوقوف عند معناه ودلالته، وبالتالي نضع أنفسنا بشكل مباشر في مواجهة واقع النصّ، أكثر من مواجهة النصّ نفسه. وقد تشكّل واقع النصّ من خلال اللغة ومن خلال الثقافة التي صاغته. يمكن القول، في ضوء ذلك، بأن اللغة دالّة من ناحية ما ترسّخه ويرْسُخ فيها على واقع معيّن، وعلى صورة اجتماعيّة محدّدة سلفاً من خلال نظام اللغة. لا تتم قراءة النصّ إلّا من خلال تأويله؛ ذلك أن التأويل “يرتبط بالاستنباط في حين يغلب على التفسير النقل والرواية. وفي هذا الفرق يكمن بُعدٌ أصيل من أبعاد عملية التأويل، وهو دور القارئ في مواجهة النصّ والكشف عن دلالته. وليس دور القارئ أو المؤوِّل هنا دوراً مطلقاً يتحول بالتأويل إلى أن يكون إخضاعا للنصّ لأهواء الذات، بل لا بد أن يعتمد ((التأويل)) على معرفة ببعض العلوم الضرورية المتعلقة بالنص والتي تندرج تحت مفهوم ((التفسير)). إنّ المؤول لابد أن يكون على علم بالتفسير يُمَكِّنُه من ((التأويل)) المقبول للنصّ، وهو التأويل الذي لا يُخْضِعُ النصّ لأهواء الذات وميول المؤوِّل الشخصية والأيديولوجية وهو ما يعتبره القدماء تأويلاً محظوراً مخالفاً لمنطوق النصّ ومفهومه”([19]).

***

يرى أبو زيد أن النصّ له كينونة وأنّ القارئ له أفق، فالنص من خلال بنيته وما يحيط به من علوم وتراث تفسيري وتأويلي له علاقة بفكر القارئ، أمّا القارئ فله فاعليّة جذب النصّ إلى أفقه، وهي فاعلية لا تتحقق إلّا بالمعرفة وفهم الواقع، وإدراك حركيته، بذلك يصل أبو زيد إلى نقطة توازن أعماله المذكورة كلّها والتي يمكن أن نلخّصها في أنّ التأويل هو الوجه الآخر للنصّ، وهو يمثّل آليّة من آليات إنتاج المعرفة، ولذا أمكن عدّ القراءة التأويلية هي القراءة التي تجعل النصّ محوراً لحضارة ما. ولا يمكن اعتبار النص صالحاً لكلّ زمان ومكان إلّا إذا أصبح مُنتجاً ثقافياً أي أن ترجع إليه النصوص الأخرى فتحدّد به مشروعيتها. فبه وبها يتغيّر الوعي ويتوقف التوظيف الإيديولوجي للتراث عموماً وللقرآن خصوصاً.

المراجع:

[1]– أ نصر حامد أبو زيد، مفهوم النصّ: دراسات في علوم القرآن؛ (الدارالبيضاء: المركز الثقافي العربي، 2014)، ص141.

[2]– أبو زيد، م ن، ص53.

[3]– أبو زيد، م ن، ص138.

[4]– أبو زيد، م ن، ص26.

[5]– عبد الإله بلقزيز، نقد التراث؛ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،2015)؛ ص221.

[6]– أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل؛ (الرباط: المركز الثقافي العربي، 2014)، ص24.

[7]– ويرجعُ له الفضل في أنّه أول من تعامل مع نصوص التراث وفق هذه المقاربة. ظهرت هذه المقاربة مستقلةً في الفلسفة الغربية، حيث انطلقت ونمت ضمن دائرة ضيّقة، ثمَّ اتّسع نطاقها ليشمل قطاعات معرفيّة بأسرها؛ فمن قراءة النّصوص الدينيّة المسيحية، كما بدأت مع شلايرماخر، إلى تأويل الذات ضمن مجالات العلوم الروحية، كما يظهر ذلك مع فلهلم دلتاي.

[8]– أنظر: عادل مصطفى، فهم الفهم: مدخل إلى الهيرمينوطيقا، نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر؛ (القاهرة: رؤية، 2007).

وفي نفس الصّدد: مشير باسل عون، الفِسَارَة الفلسفية: بحث في تاريخ تاريخ علم التفسير الفلسفي الغربي؛ (بيروت: دار المشرق، 2004).

[9]– أبو زيد، مفهوم النصّ: دراسات في علوم القرآن، ص19.

[10]– أبو زيد، إشكالية القراءة وآليات التأويل؛ ص15.

[11]– أبو زيد، م ن؛ ص14.

[12] – أبو زيد، م ن، ص5.

[13]– أبو زيد، الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسيطية؛ ص96.

[14]– أبو زيد، النصّ والسلطة والحقيقة؛ (الدارالبيضاء: المركز الثقافي العربي، 1995)؛ ص93.

[15]– نصر حامد أبو زيد، الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسيطية؛ ص69.

(*)- ينفي نصر حامد أبو زيد أن تكون كتاباته تعبّر عن مشروع؛ فهو يعتبر أنّ ما كتبه حول التراث وقضاياه، وكذا تأملاته في النصّ الديني، لا تعدو أن تكون أسئلة حول هذا النصّ وهذا التراث. وكانت الأسئلة عنده أهمّ من الأجوبة؛ ففي اعتقاده أن الأجوبة، بتعبير أصولي، تدور مع التطور المنهجي وجوداً وعدماً؛ إذ كلّما كانت المناهج متطوّرةً، في مجال الدراسات الإنسانية، تضاعفت الأسئلة وعلا شأنها. وعلى هذا النحو، يجد الباحث نفسه أما ركام من الإشكالات التي تتكاثر في ذهنه؛ فيكون جوابه فيها نسبيّاً لا على سبيل الإطلاق.

[16]– أبو زيد، مفهوم النصّ: دراسات في علوم القرآن، ص141.

[17]– نصر حامد أبو زيد، النصّ والسلطة والحقيقة، ص97.

[18]– أبو زيد، م ن،ص 86.

[19]– أبو زيد، مفهوم النصّ دراسات في علوم القرآن، ص234.

اقرأ ايضا

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete