تكوين
تقديم:
يحتفلُ العالم كل ثالث خميس من شهر نوفمبر، باليوم العالمي للفلسفة الذي أقرَّته منظمة اليونيسكو منذ عام 2005، بُغية تشجيع انتشار البحث الفلسفي في مختلف المجتمعات بالنظر لما له من أهمية نظرية وعملية، لا سيما في فهم أفضل لمختلف الظواهر المُحيطة، وتدبير أحسن للعيش المشترك مع احترام الخصوصيات والاختلافات أيا كان مبررها. يعود اليوم العالمي للفلسفة وتعود معه حزمة الأسئلة التي رافقت دومًا كل حديث عنها؛ أقصد أسئلة الجدوى منها وفرص استمرارها ومصيرها أو مستقبلها، ذلك أنه رغم عراقة البحث الفلسفي وتجذره في تاريخ البشرية، إلا أن منزلة الفلسفة والجدوى منها ظلت دومًا محلَّ جدل ونقاش، بين من ينتصر لها ومن يشمئزُّ منها، ولم تستطعْ إلى الآن كسب مكانة مُستقرة يتفق عليها الجميع، خاصة في المجتمعات التي يسودها التخلف والاستبداد مثل مجتمعاتنا. وقد يبدو للبعض أن وضع الفلسفة أصبح أكثر حرجًا، في ظل التطور التِقْني الرهيب والذكاء الاصطناعي الذي يكتسح كل يوم مساحات جديدة في مختلف المجالات، فأي مُستقبل للفلسفة مع هذه الثورة التكنولوجية التي تتجه للقضاء على كل فاعلية إنسانية، فما بالك بالفلسفة التي تُعاني أصلًا من التضييق والتهميش؟
أولًا: الفلسفة، عنقاء يُبعث من رماده
تتحدث عديدٌ من أساطير الحضارات الشرقية القديمة عن طائر العنقاء (الفينيق/الفينيكس) الذي يمتازُ بالجمال والقوة، وهو طائرٌ مُعمِّر، وحين يموت يُبعث من رماده، ويبدو أن حال الفلسفة في التاريخ شبيه بحال هذا الطائر، فهي تمتاز بالجمال والقوة والقدرة على المقاومة والاستمرار، وفي أحلك اللحظات التي واجهت فيها “الموت”، لا تلبثُ إلا أن تُبعث من جديد، بصورة أقوى وأجمل، فقد مَثَّلت لحظة إعدام سقراط بتهمة إفساد عقول الشباب ونكران الآلهة، لحظة “موت للفلسفة”، إلا أنها بُعثت بصورة أقوى بعد موته بفضل أفلاطون وأرسطو وباقي المدارس اليونانية، كما أن لحظة الغزالي وتكفيره للمشائين المسلمين (الكندي، الفارابي وابن سينا) يُمكن عدُّها لحظة “موت” للفلسفة، إلا أنها بُعثت من جديد حين ردَّ ابن رشد على “تهافت الفلاسفة” للغزالي بـ “تهافت التهافت” الذي أعاد الاعتبار للفلسفة في الساحة العربية الإسلامية، مع مطلع القرن العشرين، ونتيجة الصعود القوي للفكر الوضعي والنزعة العلمية، انتشر التبشير بــ : “موت الفلسفة” خاصة في شقها الميتافيزيقي، من منطلق أن قضاياها لا يُمكن تبين صدقها من خطئها لا بمعيار التحليل الذي هو عدم تناقض الفكر مع ذاته، ولا بمعيار التركيب الذي هو عدم تناقض الفكر مع الواقع، ومن ثم اعتُبر مضمون الميتافيزيقا أشباه قضايا أو قضايا خالية من المعنى، غير أن هذه الدعوة لم تستمر طويلا، إذ بُعثت الفلسفة مرة أخرى من منطلق التمييز الضروري بين قضايا ومجالات العلم من جهة، وقضايا ومجالات الفلسفة من جهة ثانية، وهو ما قام به برغسون وما تلاه من مذاهب إنسانية مثل: الشخصانية والوجودية…
هكذا عاشت الفلسفة عبر تاريخها جدلًا مُستمرًا بين مناهض لها ومدافع عنها، بين إرادة “قتلها” والعمل على بعثها وإحيائها، ولا يزال الوضع على حاله إلى اليوم، ففي ظل التطور التكنولوجي الذي نعيشه وهيمنة والآلة على الإنسان وطغيان التوجه المادي على البشرية، يبدو البحث الفلسفي غيرَ ذي جدوى، فالفلسفة تعاني كما يقول فتحي التريكي “من النظريات الإقصائية التي ترتدي تارة ثوب التكنولوجيا مؤكدة أن الفلسفة ما هي إلا أضغاث صالونات، وتارة ثوب التدين لتعلن أن الفكر الفلسفي يُعادي في كنهه الإيمان”[1].
وهو ما رسم للفلسفة سمعة سيئة، خاصة في مجتمعاتنا العربية الإسلامية، انعكست في هيئة عزوف وعدم اهتمام بها سواء في المؤسسة الأكاديمية (تهميش أقسام الفلسفة والتضييق عليها، عزوف الطلبة عن التخصص في الفلسفة، قلة مناصب العمل المُخصصة لخريجي الفلسفة أو انعدامها…) أو خارج المؤسسة الأكاديمية أين نجد حذرًا شديدًا تجاه الخطاب الفلسفي، خاصة وأن هذا الخطاب -على مر العصور- كان مُزعجًا للسلطة، علمية كانت أو سياسية أو دينية[2]، ومردُّ هذا الإزعاج كون الفلسفة تُقَدِّمُ نفسها بوصفها بحثًا عن الحقيقة الكامنة خلف الظواهر، ومن ثم فهي تنبش باحثة عن كل ما هو مُستتر وخفي سواء كان ذلك التخفي ناتجًا عن غموض طبيعي، أو نتيجة فعل فاعل، وفي الحالة الثانية تُمَثِّلُ خطرًا حقيقيًا، لأنها قادرة على كشف هشاشة المشروعية التي تستند إليها تلك السلطات.
رغم المعاناة المستمرة التي طبعت مسار الفلسفة عبر تاريخها، إلا أنها قادرة على العودة في كل مرة وبصورة أقوى، بفضل قدرتها على تعديل وتغيير موضوعاتها، مُسايرة للمعطيات الراهن واستشرافا لما هو آتٍ، فهي تبقى شبيهة بطائر العنقاء الذي اعتُبر في الأسطورة اليونانية حارسًا وحاميًا لكنوز إلهية خاصة، فالفلسفة أيضًا حارسة للحقيقة وأي كنز أثمن من الحقيقة.
ثانيًا: الفلسفة، نص قارئ
لندَّعِ مؤقتًا التعريف التقليدي للفلسفة على أنها بحث عن الحقيقة، وننظر في إمكان إيجاد تعريف آخر أكثر قدرة على الانتشار بين الناس، لأن بحث الفلسفة عن الحقيقة، يبدو غير قادر على إقناع غالبية الناس، فهو يقع في مواجهة مباشرة مع العلم من جهة والدين من جهة أخرى؛ فمهمة العلم هي البحث عن الحقيقة فيما يتعلق بالظواهر الطبيعية والإنسانية، فيما تكمن مُهمة الدين في إيضاح الحقيقة المتعلقة بما وراء الطبيعة، فعن أي حقيقة تبحث الفلسفة، إذا كانت حقيقة الطبيعة نعرفها بالعلم وحقيقة ما وراء الطبيعة يُعلنها الدين؟
يُمكن النظرُ إلى الفلسفة على أنها منهج للتفكير، يقوم على مجموعة آليات مثل: التحليل والتركيب والنقد والمقارنة… وباستعمال هذه الآليات تُقرأ مختلف الموضوعات ويُفكر فيها، يقول أحد الباحثين:
“يُمكن رؤية النص الفلسفي بوصفه النصَّ القارئ الذي يُخرج من رحم النص الأول موجهاته النظرية”[3]
وعلى هذا النحو تَقرأ الفلسفة النص العلمي، وهذا ما يُسمى بالإبستيمولوجيا أو فلسفة العلم، وتَقرأ النص الديني فتسمى فلسفة الدين، وتَقرأ النص أو العمل الفني فتنتج فلسفة للفن والأدب والجمال… وبإمكانها أن تقرأ الواقع اليومي فنكون أمام فلسفة تطبيقية، أو فلسفة لليومي، فلسفة تقترب من واقع الناس وهمومهم اليومية، آلامهم وآمالهم، طموحاتهم والعوائق التي يصطدمون بها، وقد اعتبرتها رسالة اليونيسكو “ممارسة يومية من شأنها أن تُحدث تحولا في المجتمعات”[4]. فإذا كان التغير والتحول سمة الاجتماع الإنساني فإن هذا التغير لا يَحْدُث إلا بحضورٍ كثيفٍ للفلسفة بعُدتها المفاهيمية والمنهجية، وبأسئلتها التي المتعلقة بمختلف المناحي بحثًا عما ينبغي أن يكون، وبالعودة إلى الفلسفة العملية عند أرسطو نجدها تشمل سياسة الرجل مع أسرته (الاقتصاد) وسياسة الرجل مع مجتمعه (الأخلاق) وسياسة الرجل مع دولته (السياسة)، بمعنى أن الفلسفة حاضرة في تسيير العائلة (تربية، سلوكات، نفقات، مسؤوليات…) وحاضرة في تدبير الحياة الاجتماعية (القيم الأخلاقية، عدالة، حرية، تعاون…) وحاضرة في علاقة الفرد مع الدولة (المواطنة، الممارسة السياسية، الحقوق والواجبات)، وهذا يعني أن “الفلسفة لم تَعد تقتصر على دراسة الوجود في كُنهه فقط، ولكنْ في تمظهراته الفردية والاجتماعية”[5]، بمعنى أن الفلسفة يتعانق فيها -كما يرى فتحي التريكي- بناء الأنساق والمذاهب الكبرى، مع الفلسفة العفوية التي نجدها عند المبدعين والفنانين والعلماء، مع الفلسفة المفتوحة التي تقترب من هموم الناس ومشاغلهم في حياتهم اليومية.
وهكذا نكون قد عدنا إلى مفهوم الفلسفة بوصفها بحثًا عن الحقيقة، بدءًا من الوقائع الجزئية البسيطة وصولًا إلى الكُليات المجردة، وحتى الحقيقة التي يكتشفها العلماء أو التي تُعلنها النصوص الدينية، تظل في حاجة لقراءة فلسفية من أجل توضيح ما قد يعتريها من غموض (الشرح، التفسير، التأويل، الفهم…) وتقدير قيمتها (النسبية والمطلقية) وهو ما تقوم به الفلسفة، التي ليست أكثر من قراءة لما هو أمامها من أجل التوضيح والتحديد والنقد، بعيدًا عن الإقصاء والتطرف، وغرضها الأسمى خدمة الإنسان وحفظ كرامته.
ثالثًا: الفلسفة، ضرورة للتفكير
سأل أحد الصحفيين الفيلسوف الفرنسي الكبير غاستون باشلار في حوار مُصور قبيل وفاته، سؤالًا كثيرًا ما يتكرر على الألْسُن، ويتعلق بجدوى الفلسفة، وأنها تبدو لكثيرين بلا فائدة، فكانت إجابته: “نعم، ولكنْ برأيي، إنها وسيلة للتفكير، لذا إن أردت أن تُفكر دون أفكار إبداعية فبإمكانك التفكير دون فلسفة”[6]، وكأنه يريد القولُ، إذا أردت أن تتخلى عن إنسانيتك فالفلسفة بلا فائدة فعلًا، ذلك أن الإنسانية الحقيقية تتجلى في القدرة التفكير الإبداعي، وتتقلَّصُ هذه الإنسانية كلما نقصت هذه القدرة، حتى إذا خَبَتْ تلك القدرة، تحوَّل الإنسان إلى تابع لآخر يتبنى أفكاره ويسير حذوه سير القدم للقدم، وهو وضع يجعله أقرب إلى عضو في قطيع، يسير كما يُقرر له الآخرون. والغرض من إيراد هذا المقطع هو التنبيهُ إلى أن الفلسفة تبقى ممارسة ضرورية مُرافقة للإنسان، سواء مارسها عن وعي ومعرفة مسبقة، أو عن غير معرفة مسبقة، فهي كما سبق القولُ، نوع من المنهج أو آليات التفكير، والإنسان لا يتوقف عن التفكير، ومن ثم فهو لا يتوقف عن التفلسف.
خاتمة:
قد تكون الثورة التكنولوجية التي نعيشها مصدر قلق بشأن مستقبل الفلسفة، غير أن تاريخ الفلسفة يشهد أنها قاومت وانتصرت في كثير من المنعطفات الخطيرة التي واجهتها، سواء مع رجال السياسة أو رجال الدين أو العلماء، ويبدو أنها ستظل تقاوم وتنتصر، مهما كان التضييق الممارس عليها، لا لأن لها قوة سحرية ما، وإنما لأنها صنو الإنسان، فما دام الإنسانُ باقيًا ستظل مرافقةً له، لأنها منهج في التفكير وتدبير للحياة وتسيير للعلاقات، فموضوعاتها تتجدد بغير معطيات الراهن، وكلما ظهر مُعطى جديدًا إلا وانفتح إمكان تناوله فلسفيًا من زاوية أو أخرى، فقلب وجهك أنا شئت ستجد الفلسفة حاضرة بصورة أو بأخرى، بل حتى ألدُّ أعدائها لم يستطيعوا نقدها أو مواجهتها إلا بأدواتها، فنقد الفلسفة يتم بفلسفة أخرى، ومهما حاولوا تهميشها أو استبعادها فإنها ستعود دومًا أكثرَ قوةً وجمالًا كعنقاء بُعِثَ من رماده.
_______________________________________
الإحالات:
[1] فتحي التريكي: فلسفة الحياة اليومية، بيروت-تونس: الدار المتوسطية للنشر، ط1، 2009، ص 06.
[2] ناقشنا العلاقة بين الفلسفة وهذه السلط الثلاثة في مقال سابق نشر على موقع مؤسسة تكوين الفكر العربي بعنوان: أطواق حول الفلسفة.
[3] عبد الرحمن بوقاف: مقالات فلسفية، الجزء الأول، الجزائر: منشورات الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، ط1، 2017، ص 67.
[4] انظر الموقع الإلكتروني لمنظمة اليونيسكو: https://www.unesco.org/ar/days/philosophy
[5] فتحي التريكي، مرجع سابق، ص 12.
[6] رابط الحوار: https://www.facebook.com/watch/?v=1206854627122157