في انتظار الحداثة: المؤقت الذي أصبح دائما

 تكوين

تقديم:

عرفت مسيرة كثير من الدول العربية والإسلامية بعد الحرب العالمية الثانية، وتحررها السياسي من الاستعمار الغربي، تبني العديد من المشاريع التنموية المرتبطة بأيديولوجيات وتصورات مستوردة بالكامل(اشتراكية، ليبيرالية…) أو في صورة هجينة يمتزج فيها المحلي مع المستورد، غير أن مصيرها جميعا كان التعثر والتبعثر والفشل، ثم تتم العودة إلى نقطة الانطلاق من جديد، ولتجريب تصورات ومشاريع أخرى، ستلقى نفس المصير، وكلما أوكل الأمر “لزعيم” أو مسؤول جديد إلا ولعن سابقه، محملا إياه مسؤولية الفشل والتعثر نتيجة سوء التسيير وقلة الحكمة والحيد عن جادة الصواب، إن لم يكن نتيجة خيانة الوطن والأمانة والعمالة للخارج وغير ذلك من التهم المعروفة، فقد “أمضت (الدول العربية) القرن الماضي تجادل حول التوافق بين الاشتراكية والإسلام والتراث القومي، وسقطت الاشتراكية قبل أن تحسم الجدل، (و)ترعرع الحلم بثورة على النمط الروسي أو الصيني تختصر في سنوات مسار التحديث الصناعي والاجتماعي، لكن الحاصل لم يتجاوز الانقلابات العسكرية المتتالية(..) انتهى عصر الثورات الاشتراكية ولم تغنم منه هذه المجتمعات لا صناعات ثقيلة ولا ثورات اجتماعية ولا ملاحم عسكرية”[1]. من هنا تطرح العديد من الإشكاليات المرتبطة بهذا الوضع الذي نعيشه، لماذا لا يحفل تاريخنا إلا بالهزائم المتكررة؟ لماذا فشلت مختلف المشاريع التي تبنتها نخبنا السياسية؟ أليس في مسيرتنا إلا نقاط انطلاق نعود إليها بعد فشلنا في الوصول إلى الهدف؟ أليس ثمة نقطة وصول ما نشعر معها بتحقيق شيء من التقدم؟ أين مكمن الخلل أهو في الطريق أم المنهج أم الهدف في حد ذاته؟

أولا: بين الحداثة والتحديث:

قد تكون بعض الدول نجحت بفضل عائدات النفط، خاصة، في تحسين المستوى المعيشي وتوفير وسائل الرفاهية المادية لشعوبها بدرجة تضاهي -أو تفوق- الدول الغربية التي صنعت تلك الوسائل، غير أنها لم تستطع أن تحقق تلك الدرجة من الرقي على المستوى الفكري والاجتماعي والسياسي، حيث يُجمع أغلب الدارسين أنها تعيش “حداثة مادية دون الحداثة العقلية”، هناك من سماها “حداثة نصفية“، وهناك من دعاها بالحداثة المعطوبة” أو “المغشوشة”..الخ، يقول محمد أركون في هذا السياق مبينا الفرق بين المستوى المادي والمستوى الفكري للحداثة:

“إن أول شيء ينبغي أن نقوم به هو التمييز بين الحداثة المادية والحداثة العقلية؛ أقصد بين تحديث الوجود اليومي للبشر، وبين تحديث موقف الفكر البشري من مسألة المعنى أو فهم الوجود”[2]

فالحداثة الفكرية تعني تغيير أنماط التفكير والتسيير وبناء المؤسسات الحديثة، والوصول بالفرد والمجتمع إلى مستوى المواطنة والمجتمع المدني ودولة المؤسسات، وما يقتضيه هذا الوضع من حرية ومشاركة وانفتاح ومسؤولية وديمقراطية..الخ. فنحن “نركب السيارة الغربية والقطار والطائرة ونفتح الهاتف الذكي والحاسوب لنُبحر في الأنترنت ونستخبر عن الطقس غدا بفضل معطيات الأقمار الصناعية ثم نلعن الغرب والحضارة الغربية“[3]، بل إن هناك من يمارس نوعا من السلوك “السحري” لتبرير التخلف، بأن يعتبر الغرب بفكره ومؤسساته ومنتجاته مسخّر لخدمة المسلمين، الذين تقتصر مهمتهم في هداية الآخرين إلى “الدين القويم“·، فهناك قناعة لدى غالبية المسلمين بأنه يمكنهم الاستفادة من أقصى درجات التطور المادي والحصول على آخر منتجات الحداثة الغربية دون الحاجة إلى الانفتاح على الجوانب الفكرية والسياسية للحداثة، وهذا ما يريده الغرب للمسلمين، أن يظلوا سوقا مفتوحة لمنتجاتهم المادية، دون أن يكون لهم دور في النقاش والمشاركة في إنتاج الأفكار والنظم الحداثية والاستفادة منها.

والحداثة الفكرية ليست شيئا يمكن استيراده وزرعه في المجتمع ليصبح حداثيا بين عشية وضحاها، فالغرب لم يصل إليها إلا بعد سلسلة من الثورات والتغيرات التي استمرت أزيد من ثلاثة قرون، شملت مختلف الجوانب السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، غيرت مختلف المفاهيم بشأن الإنسان والطبيعة والتاريخ والحقيقة..الخ، عبر محطات مفصلية؛ النهضة، الإصلاح، التنوير، العقلنة، النقد..الخ، ولا تزال محل نقاشات ومراجعات فهي تجدد ملامحها باستمرار عبر النقد الذاتي، لذلك وصفها هابرماس بعبارته الشهيرة:

“الحداثة مشروع لا يكتمل“.

أما في السياقات العربية الإسلامية، فإننا لم نبرح نقطة البداية طيلة قرنين، مشاريع كثيرة نظّرت للنهضة وشروطها وآلياتها، دون أن تجد لها سبيلا للتحقق، ولاتزال قوى النكوص مهيمنة على قوى التقدم، كأننا نسير خطوة إلى الأمام وخطوات إلى الخلف، كل مكاسبنا هي مزيد من التخلف والضعف وقليل من الأمل والانتظار. قد يكون الخوف من الحداثة الغربية مبرَّرا، بدعوى خصوصيات كل ثقافة وكل مجتمع، فما كان مفيدا في بيئة اجتماعية وسياق فكري معين، قد يكون وبالا على سياق أخرى، ولكن، الحداثة باعتراف المفكرين الغربيين أنفسهم، هي حداثات عديدة**، وليست نمطا واحدا متكلسا، فهي، بدورها، قائمة على مفهوم المؤقت، والمتغير، لكن المقصود هنا، كما عبرت عنه التجربة الغربية، هو المؤقت التي يتغير نحو التقدم إلى الأمام، لا المؤقت الذي يعيد إنتاج الفشل والتقهقر إلى الخلف كما في التجارب العربية الإسلامية، والحداثة باعتبارها، تقوم على النقد الذاتي، منفتحة على الممكن، ومن ثم فهي تسمح بالتأقلم مع مختلف الخصوصيات الثقافية والاجتماعية، وبإمكان المجتمعات العربية والإسلامية أن تنجح في بناء حداثة خاصة بها، بعيدا عن المركزية الغربية، مثلما نجحت المجتمعات الآسيوية في بلوغ الحداثة دون التخلي على خصوصياتها الثقافية والاجتماعية، بل يمكن القول أن الحداثة الأوروبية في حد ذاتها، ليست متطابقة في مختلف البلدان الأوروبية.

لا تزعم هذه الورقة أنها تقدم التشخيص الدقيق للحالة التي نعيشها، ومن ثم فهي لن تقدم حلولا للإشكاليات المطروحة، فالوضع الذي أعقد من أن يعالج في ورقة بحثية، كل ما يمكن أن ننجزه لا يتعدى التنبيه إلى بعض الجزئيات التي لها علاقة مباشرة بالوضع، وإثارة النقاش حولها، لأن توسيع البحث فيها قد يسهم في حلحلة الأمور تجاه وضع أفضل، والتعقيد الذي يكتنف أوضاعنا ناتج عن عدة عوامل؛ فهو مرتبط بالفرد/المجتمع وطريقة تفكيره، وبالدولة ومؤسساتها وطرق التسيير المتبناة، كما أنه نتيجة تراكمات تاريخية تداخلت في صناعتها عوامل داخلية وخارجية (الاستعمار)، هذه التراكمات لم تخضع لدراسات علمية كافية تسمح بالاتكاء على نتائجها والمضي إلى الأمام في تشخيص وفهم هذه الأوضاع، إذ لا تزال جل المواضيع الإشكالية محل خلافات وجدالات لن تنتهي قريبا، خاصة وأن المواقف تجاهها يختلط فيها العلم بالرأي بالعاطفة..الخ، فنحن لا نعرف تاريخنا معرفة علمية تكون محل إجماع، سواء تعلق الأمر بالوقائع القديمة أو حتى تلك التي لم تمر عليها سوى بضع سنوات، ومن المؤكد أن من لا يعرف ماضيه لن يتمكن من تشخيص أعطاب حاضره ولا استشراف مستقبله.

ثانيا: المؤقت على مستوى الفرد والمجتمع:

إذا حاولنا وصف الوضع الذي نعيشه خاصة منذ الاستقلال، فإننا سنجده في كثير من أوجهه وضعا يمكن تسميته بــــ: “المؤقت الذي أصبح دائما“، وهي تسمية تنطبق على طريقة تفكير الأفراد وطريقة تسييرهم لحياتهم، كما تنطبق على الاستراتيجيات التي تتبناها الأنظمة السياسية القائمة في بلداننا، لننظر مثلا إلى نظرة الإنسان في مجتمعاتنا لمنزله ولعمله وللسياسة العامة لبلده، سنجدها نظرة قائمة على اعتبار ما هو موجود وضعا مؤقتا، ثم ترقب وانتظار لما سيأتي على أمل أن أفضل مما هو موجود، فجلنا يعيش حالة عدم الرضى والقلق الوجودي ويحاول تجاوزه بالانتظار والترقب، حالنا شبيه بحال شخصيات المسرحية الشهيرة “في انتظار جودو“، الذي لن يأتي، تمام كما لم تأت وعود نخبنا السياسية الحاكمة، و”الانتظار لعبة زمنية رهيبة، لأنه يبرر المسافة الزمنية الملغاة أصلا أو الزمن المنفي“[4]، فالانتظار ستار نغطي به الزمن الذي لم نعش لحظاته بكل تفاصيلها، سأقدم بعض الأمثلة التوضيحية المستقاة من الوضع في الجزائر، وهو وضع نجده في كثير من الدول العربية؛ لعل أبسط مثال تلك العبارة التي نقرؤها  على واجهات كثير من المنازل “للبيع” أو ” à vendre”، هذه العبارة البسيطة لها دلالة مهمة كونها تعني أن الأغلبية غير راضية بمقر إقامتها، فهي تقطن هذا المنزل كوضع مؤقت فقط ريثما تجد محل إقامة أخرى، ونتيجة لهذا الوضع تفتقد الكثير من الأسر لعامل الاستقرار المكاني في حال تكرار تغيير السكن، أو الاستقرار النفسي نتيجة طول مدة الانتظار في حال عدم نجاحها في تغيير المسكن، وعدم الاستقرار في الحالتين يعتبر عاملا مؤثرا على نمط التربية للأبناء، ونوع القيم التي تترسخ لديهم، مثلما يعد عامل مثبطا للتفوق الدراسي والإبداع..، كما أن غياب الاستقرار قد أثر سلبا على مفهوم “المدينة” في بلداننا -إذا اعتبرنا أننا نملك مناطق حضرية تتوفر فيها الشروط التي يتحقق معها مفهوم المدينة- فجل مدننا تفتقر للنظام وللجمالية ( شوارع ضيقة، ألوان باهتة، واجهات مهترئة، بناءات غير مكتملة أو غير مشطبة، غياب للحدائق والمتاحف والمسارح ودور السينما..)، وتحيط بها توسعات عمرانية عشوائية مشوهة (أحياء الصفيح، العشوائيات، الأكواخ القصديرية..الخ) تفتقد لأدنى شروط الحياة الكريمة، وينشر فيها الفقر والفوضى وغياب الأمن، مما يحولها إلى بؤر خصبة للجريمة والانحراف وكل الآفات الاجتماعية. ما قيل عن المدينة يقال أيضا عن الأرياف، أين نجد ساكنة الأرياف، ونتيجة غياب المتطلبات الضرورية للحياة؛ الشغل، الصحة، التعليم..، يعيشون في الغالب وضعا مؤقتا، على اعتبار أنهم في سعي دؤوب للانتقال إلى المدن حيث تتوفر شروط أحسن للحياة.

عدم الاستقرار في السكن ينطبق أيضا الشغل، فجل العمال أو الموظفين غير مرتاحين ولا مستقرين في وظائفهم، وينظرون إليها على أنها وضع مؤقت، ساعين بكل الطرق إلى تغيير هذا الوضع بالبحث عن وظائف أخرى أكثر مردودا، بالانتقال إلى مؤسسات أخرى أو تغيير نوع النشاط أو ممارسة نشاطات إضافية، أو عن طريق الهجرة شرعية كانت أم غير شرعية، هذه الأخيرة التي أصبحت مؤخرا ظاهرة مقلقة جدا بالنظر لاتساعها وخطورتها، وهذا الوضع سيؤثر حتما على استقرار المؤسسات وفعاليتها، لأنها تُستنزف من خيرة مستخدميها وتفقد أهم خبرائها، كمثال على ذلك تعاني قطاعات الصحة والتعليم العالي في الجزائر وعموم شمال إفريقيا من هجرة جماعية لكبار الأساتذة والأطباء إلى أوروبا ودول الخليج، بعض الإحصائيات تشير إلى وجود أزيد من عشرة آلاف طبيب جزائري في فرنسا فقط، ناهيك عن الأطباء الجزائريين في مختلف أنحاء العالم، وحتى البقية التي تشتغل في المؤسسات الجزائرية تعيش ما أسميناه بالوضع المؤقت، وهي تنتظر الفرصة المواتية للهجرة، فإن جاءت تلك الفرصة سيهاجرون، ليتحولوا من الوضع المؤقت في بلدهم إلى وضع مؤقت آخر خارج البلد، قد يكون وضعا مريحا من الناحية المادية ومن ناحية توفر الشروط المثلى للعمل، ولكنه في ذهن المهاجر يبقى وضعا مؤقتا طالما أنه خارج وطنه، ستظل فكرة العودة تشغل حيزا كبيرا أو صغيرا في ذهنه.

ما يحدث في القطاعات العمومية نجده أيضا في القطاع الخاص، أين نلاحظ لدى فئة كبيرة من التجار عدم الاستقرار سواء في مكان النشاط التجاري أو في نوع النشاط في حد ذاته، هناك محلات تجارية تغير نشاطها كل شهرين أو ثلاثة (كأنه نشاط موسمي)، تجده محلا للعطور، بعد مدة يتحول إلى مطعم للأكلات السريعة، ومع الدخول المدرسي يصبح مكتبة ومستلزمات مدرسية وهكذا…، وضع مؤقت ولكنه في الحقيقة يسير نحو الدوام، لذلك أسميناه بالمؤقت الذي يصبح دائما.

إن هذه الأمثلة التي رصدناها، ويمكن رصد أمثلة أخرى في مختلف المجالات، تؤكد فكرة الوضع المؤقت الذي أصبح دائما، وهي تعطينا صورة أولية عن أسباب فشل مختلف مشاريع النهوض بمجتمعاتنا لبلوغ الحداثة الفكرية والسياسية، فقد أنتج هذا الوضع ما أسماه مالك بني منذ عقود بإنسان النصف، معتبرا إياه عامل مهما لإفساد النهضة، وإنسان النصف هو “إنسان ما بعد الموحدين“، ويصفه مالك بن نبي بقوله:

“إنسان النصف هو إنسان شديد الإلحاح بطلب حقوقه ولكنه لا يقوم بالحد الأدنى من واجباته، أو من ثقافة المتاح المتوفرة بين يديه، يذهب للمدرسة ليمضي الساعات فقط، وهمه الأكبر الحصول على تلخيص أستاذه أو المادة المطلوبة للامتحان، دون أن يكون هدفه التعلم! يذهب للعمل ويقضي ساعاته بأي طريقة، المهم بالنهاية أن ينقضي الوقت ويعود لحياته ويحصل على معاشه! لا يدرس كطالب ولا يعمل كموظف، ولا يبدع في معمل، ولا يبتكر في متجر، ولا ينجز في مشروع!”[5].

حين يعيش الطلبة والأساتذة والأطباء والإعلاميون وغيرهم وضعا مؤقتا، فإن النتيجة ستكون حتما غياب طبقة مثقفة تستطيع تقديم التصورات الجديدة لمعالجة مختلف المشكلات التي يعانيها المجتمع، وبغياب الاستقرار في الوظائف، ستغيب النقابات المهنية الجريئة والمؤمنة بالعمل النقابي والدفاع عن حقوق العمال، وفي ظل انتشار نفس الأوضاع في مختلف القطاعات، فإننا نفهم لماذا يغيب مفهوم المجتمع المدني الفعال في بلداننا، رغم وجود عشرات الآلاف من مؤسسات المجتمع المدني (جمعيات، نقابات، منظمات..) إلا أنها تبقى دون فعالية تذكر-هناك بعض الاستثناءات ولكنها تبقى معزولة-ما دام المنتمون إليها يشعرون بأنهم في وضع مؤقت، مما يجعلهم يركزون على اقتناص الفرص لتحقيق امتيازات فردية ومصالح خاصة، وبالتالي تبتعد مؤسساتهم عن الأدوار الحقيقية للمجتمع المدني كوسيط فعال بين السلطة والمواطنين، وهو أحد الأوتاد الرئيسة لبناء الحداثة وتكريسها.

ثالثا: المؤقت على المستوى السياسي:

إذا انتقلنا إلى الممارسة السياسية، فسنكتشف أيضا ظواهر كثيرة تعبر هي الأخرى عن الوضع المؤقت الذي أصبح دائما، من أبرز هذه الظواهر؛ إنشاء الأحزاب السياسية وطريقة عملها ونشاطها المرتبط بالمواعيد الانتخابية فقط، واختفاءها عن الساحة بعد ذلك، مما حولها إلى مؤسسات انتهازية ومواقع للفساد وشراء الذمم..الخ، فالحزب مفهوم أو مؤسسة أنتجتها الحداثة السياسية، وبدل أن يسير وفق آليات حداثية؛ النقاش، البرنامج، المبادئ..، يتم تسييره في بلداننا من خلال الولاءات الشخصية، والعلاقات الجهوية أو العشائرية والطائفية التي هي على النقيض مع الحداثة السياسية، فتسيير الأحزاب في بلداننا شبيه بمشيخة القبائل، مجرد تغيير في الاسم فقط.

هناك ظاهرة أخرى ملفتة للاهتمام في الممارسة السياسية لدينا، وهي تغيير الانتماء الحزبي وانتقال الوجوه السياسية من حزب لآخر بحسب المصالح والامتيازات، وكذا تغيير المواقف السياسية وتشكيل التحالفات..، كل هذا يعني غياب المعنى الحقيقي للنضال السياسي والانتماء الحزبي والإيمان بمبادئ الحزب، وبالتالي، غياب الممارسة السياسية التي يفترض أن يكون فيها الحزب مؤسسة ذات مشروع سياسي شامل، يؤمن به المنتمون للحزب ويسعون لتحقيقه وفق منهج واضح ومبادئ ثابتة.

حين تغيب الممارسة السياسية الحقة، يتحول النضال السياسي والأحزاب السياسية إلى مطية لتحقيق المآرب الفردية والفئوية، مما يعني غياب المشاريع السياسية والرؤى الواضحة التي تقدم بدائل وحلول للمشكلات المطروحة، ومن ثم، لا يمكن الحديث في ظل هذه الممارسات، لا عن النخبة السياسية ولا عن المعارضة الحقيقية، ولا عن المواطنة أو الديمقراطية أو التنافس السياسي الذي يسمح بالتغيير نحو الأفضل. وكل هذه المفاهيم تعد ركيزة أساسية ضمن مفهوم الحداثة السياسية.

إن مفهوم الوضع المؤقت الذي أصبح دائما يمكن إسقاطه على مفهوم الدولة ومؤسساتها في حد ذاته، فنحن لم نستطع بناء دولة بالمعنى الحديث للدولة، وتاريخنا منذ النهضة العربية إلى اليوم، يشهد – كما يشير إلى ذلك عنوان أحد الكتب المهمة في هذا الموضوع وهو للمفكر التونسي محمد الحداد “الدولة العالقة“- أن هناك “تطلع إلى الدولة الحديثة، لكن الدولة الحديثة لم تستقر واقعا قائما غير قابل للنكوص.[6] ويشرح محمد الحداد أسباب فشل هذا التطلع في التحقق على أرض الوقع، بداية من القرن التاسع عشر أين كان الجمود الذاتي والأطماع الخارجية سببا في إضعاف الإصلاحات وانهيارها، أما في القرن العشرين، وبعد استقلال الدول العربية فقد فشل مشروع إقامة الدولة الحديثة بسبب الحكم التسلطي الفردي وسياسة الحزب الواحد وعماء الزعامة، وفي بداية القرن الحادي والعشرين، فالحلم بالدولة الحديثة لم يدم طويلا “إذ سرعان ما اكتنفته غيوم التطرف الديني وغمرته كل الجهات مهاوي الطائفية والتكفير والعنف“[7].

من نتائج هذا الوضع أن بعض الدول العربية أصبحت شبه منهارة تماما، وبعضها على حافة الانهيار. فيما البعض الآخر، وإن كانت الدولة قائمة إلا أن نظام الحكم يبقى يعاني من عدة أوجه؛ منها فقدان الشرعية، فقدان الأهلية والكفاءة، تعثر استراتيجيات الحكم والتسيير، فشل مختلف البرامج التنموية (التصنيع الثقيل، الأمن الغذائي..) مما يجعله يعيش هو الآخر وضع المؤقت المعرض لكل الهزات، لذلك تجده يتخبط في تسيير شؤون الحكم، فتكثر التغييرات في المسؤولين والحكومات والقوانين -بما في ذلك تغيير الدساتير- ويكثر تشكيل اللجان والهياكل بغرض الإصلاح والمراجعة وتغيير المسار بصور ترقيعية (Bricolage)، غير أن الفشل يظل يطارد مجمل هذه العمليات، وحين تفشل مؤسسة أو عملية أو أي مشروع، تستحدث عملية أخرى محلها ويكون مصيرها الفشل أيضا، كأننا نعيش أحداث مسرحية “في انتظار جودو” في “دائرة مغلقة على نفسها، بدايتها في نهايتها، ونهايتها في بدايتها، والحركة الممكنة ليست أكثر من تكرار، والأحداث تكرار لبعضها“[8] وكما اعتبر النقاد أن “الكلام” يمثل الشخصية الرئيسة والبطل في المسرحية، فإن الشخصية الرئيسة في الحياة السياسية في بلداننا هو الخطابات والوعود المتجددة، بالإصلاح والتحديث والتقدم، والتي يتكرر فشلها في كل مرة، ومن المضحكات المبكيات في مجتمعاتنا انتشار مقولة: “إذا أردت إفساد قطاع ما، فأنشئ له لجنة إصلاح“!!.

خاتمة:

         مما سبق، وإجابة على الإشكاليات المطروحة في مقدمة البحث، يمكنا القول أن أزمتنا في عمقها أزمة مفاهيم، وطالما لازلنا نحاول القفز على الإشكاليات دون مواجهتها، فسنبقى نراوح مكاننا، وإن لم نزدد تخلفا فلن نتقدم، كما أن إلقاء اللوم على الآخر(الاستعمار أمس وقوى العولمة اليوم) لن يزيد وضعنا إلا تأزما، يجب أن نعترف بتخلفنا، ونعترف بحاجتنا إلى إصلاح شامل، يبدأ من الإنسان إلى الدولة مرورا بمختلف المؤسسات الوسيطة، ثم بناء استراتيجية عقلانية للنهوض وتصحيح المسار، بعيدا عن سياسة التأجيل والترقيع، بتكريس مفاهيم المواطنة، المجتمع المدني، الديمقراطية، دولة القانون الضامنة لمختلف الحقوق والحريات، والتي توفر الشروط الضرورية لأداء الواجبات وضمان الاستقرار للمواطنين بما يحقق لديهم الرغبة في المشاركة الفعالة والإسهام، كل من موقعه، في تقديم الحلول للمشكلات المطروحة، قد ينظر لهذا التصور أنه ضرب الإفراط في التفاؤل، أو الأحلام التي تستعصي على التحقق، ولكن التاريخ وتجارب الأمم الأخرى يؤكد أنه بتوفر الإرادة الفردية والجماعية، يمكن تحقيق الأهداف، إن لم يكن كلها فبعضها على الأقل، والمشاريع الكبرى تبدأ بخطوة شرط أن يكون المسار صحيحا، أما عيش المؤقت وانتظار أن تأتينا الحداثة فهذا لن يزيدنا إلا انتظارا يتحول معه المؤقت على دائم.

_______________________________________

الإحالات:

[1]  محمد الحداد: الإسلام والعصر الحديث: نزوات العنف واستراتيجيات الإصلاح، تونس: دار التنوير، ط1، 2022، ص14.

[2] محمد أركون: العقل الاستطلاعي المنبثق وأنواع الحداثات في السياقات العربية الإسلامية، حوار مع مجلة العالم العربي في البحث العلمي، العدددد10/11، باريس: معهد العالم العربي، 1999، ص 100.

[3] المرجع نفسه، ص 27.

  • وضعنا الدين القويم بين شولتين لأن هناك صراعا داخل بلاد المسلمين بين المذاهب والطوائف، وبين السلطة والمعارضة على ماهية هذا الدين القويم ومن هو الأولى والأجدر بتمثيله، فهناك ما يدعوه بيير بورديو بالمزايدة المحاكاتية بين المسلمين حول من هو الذي يمثل الطريق المستقيم أو ما يعرف بالفرقة الناجية.

**  راجع: بيورن فيتروك: حداثة واحدة أم حداثات عدة؟ ت: محمد يونس، الثقافة العالمية: العدد 104، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2001، أيضا: ألان تورين: نقد الحداثة، ت: أنور مغيث، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1997، ص 272.

[4]  صمويل بيكيت: في انتظار جودو، ت: بول شاوول، بغداد-بيروت: منشورات الجمل، ط1، 2009، مقدمة المترجم، ص 09.

[5]  نقلا عن: عبد القادر بوعرفة: سؤال الإنسان والتنمية في فكر مالك بن نبي: جدلية الإنسان الشاهد وإنسان النصف، أعمال الندوة العلمية الدولية: سؤال الإنسان في فكر مالك بن نبي، جامعة حمه لخضر-الوادي، الجزائر، 2024، ص 5.

[6]  محمد الحداد: الدولة العالقة، مأزق المواطنة والحكم المدني في المجتمعات الإسلامية، تونس: دار التنوير، ط1، 2018، ص 06

[7] المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[8] صمويل بيكيت: مرجع سابق، ص 24.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete