في بذور الفكر العربي الحديث الجزء الأول: رفاعة الطهطاوي (1801-1873)

يعد رفاعة الطهطاوي (1801-1873)[1] -الذي ولد في عام جلاء الحملة الفرنسية- أول من قلّب تربة الثقافة العربية والإسلامية في القرن التاسع عشر تقليبا كاملا، وبذر فيها بذور الفكر الحديث بمحاولته التي أطلق عليها البعض بداية التيار التوفيقي في الفكر العربي..

كان رفاعة أول من نشر مفاهيم الدولة الحديثة، كما رأى تجلياتها في فرنسا؛ مثل الحرية والديمقراطية والمساواة، وأسهم في بناء الدولة المصرية (دولة محمد علي باشا) على مستوى السياسة والتربية والتعليم، والترجمة، والتأريخ، واضعًا نصب عينيه تقدم “الوطن” ومستقبله كفريضة أولى، من خلال بذل الجهد في دراسة وطرح الرؤى المستقبلية لترقية الوطن.

كان عظيم الشغف وعظيم الفضول، وواسع المعرفة للدرجة التي استطاع فيها أن يلم بأفكار ومبادئ الثورة الفرنسية، وأن يدرك ما تمخضت عنه من تكوين مؤسسي وتغييرات واسعة وشاملة في الجهاز الإداري والفكر السياسي للدولة الفرنسية؛ لم يترك رفاعة شيئا رآه أو سمع به أو سمع عنه، ولم يسجله في كتابه الأشهر في تاريخ الكتب النهضوية التي وصلتنا؛ أقصد كتابه المهم «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» عن السنوات التي قضاها في فرنسا.

وكان كتابه هذا ضربة البداية أو الانطلاقة الكبرى في ظاهرة العناية بالترجمة من الثقافة الفرنسية إلى العربية التي شهدها القرن التاسع عشر، كما يقول المؤرخ الدكتور محمد صابر عرب، الذي قرَن هذه العناية بنشر رفاعة الطهطاوي لكتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، الذي صدر للمرة الأولى في عام 1834.

يقول الدكتور صابر عرب عن الكتاب “ولا أعتقد أن كتابًا آخر في أدب الرحلات، قد حظي بهذا القدر من الاهتمام، فلقد تلقفه جمهور القراء بالبحث والدراسة، ولعل مصدر العناية به أنه قد نقل المجتمع الفرنسي إلى القارئ العربي؛ وخصوصًا في جوانبه الفكرية والاجتماعية، وكان بمثابة الدرس الأول الذي أتاح لقراء العربية أن يقفوا على سر تقدم الغرب وتخلف الشرق”.

بالمناسبة، كان الدافع إلى تأليفه هذا الكتاب، هو نصيحة وطلب أستاذه وأبيه الروحي الشيخ حسن العطار (الذي أفردنا الحلقة السابقة للحديث عنه) وكان هو أيضًا الذي أشار على محمد علي باشا بالموافقة على استقدام إمام أزهري “رفاعة” يلازم طلاب البعثة المتجهة إلى فرنسا ليؤمهم في الصلاة؛ وفي الوقت نفسه يكون طالبا محتملا حال ثبوت نبوغه وتفوقه!

ولم يضيع الطهطاوي الفرصة، وأثبت أنه أهم وأنبغ طلاب هذه البعثة، بل قدر له أن يكون هو بشير الاستنارة والتمدن والفكر الحديث في الثقافة المصرية والعربية.

 

بذر البذور

من المهم قبل بحث “توفيقية” رفاعة الطهطاوي في الفكر العربي الحديث، وكيف قدم هذه المحاولة بالجمع بين أسس وأصول ثقافته الإسلامية العربية (الموروث) وما تشربه ووعاه من معايشته للفكر الأوروبي الحديث ومطالعاته في الفترة التي عاشها في فرنسا (1826-1831)، أقول من الضروري عرض أهم الأفكار التي انفرد بطرحها رفاعة الطهطاوي كبذور غرسها في تربة الثقافة المصرية والعربية هي التي ستنمو وتكبر وتتفرع لتشكل المجمل الذي تصفه بـ “الفكر العربي الحديث”.

فما الذي قدمه رفاعة في هذا الإطار؟ ما الذي يمكن أن نبرزه في إنجاز الطهطاوي التأسيسي و”القاعدي” في مسار حركة الفكر المصري والثقافة العربية الحديثة عمومًا؟

للأمانة والتاريخ، فإن الأدوار التي لعبها الرجل والإسهامات التي قدمها والإنجازات التي تركها، أكثر من أن تحصى على كل المستويات، وفي مجالات عدة ومختلفة ومتباينة؛ إذا بحثت عن أوجه الريادة في الترجمة والتعليم وإنشاء المؤسسات والمطابع ودور النشر والمجلات والتحرير الصحفي، فستجد الطهطاوي هو البطل الأول بلا منازع.

وإذا فتشت عن البذور الأولى للصحافة والكتابة التاريخية والتربية، وتيسير العلوم ووضع المناهج التعليمية، فستجد الطهطاوي علما مفردا شامخا! وإذا قمت بالتنقيب عن جذور الأفكار السياسية الحديثة وفكرة الدولة ومدنيتها ومؤسساتها الحديثة والبحث في نظم الحكم ومحاولة التوفيق بين الأفكار المستوردة والأنظمة الحديثة وبين مبادئ الفكر الإسلامي وما توصلت إليه اجتهادات الفقهاء عبر العصور، ستجد الطهطاوي وقد أدلى بدلوه في كل ذلك ويزيد؛

لقد بذل رفاعة الطهطاوي جهدًا كبيرًا في الربط بين الثقافتين الموروثة والوافدة، وفي استخلاص ثقافة عربية جديدة، تجمع بين إيجابيات الموروث وإيجابيات المكتسب، وتلبي حاجات المجتمع في مرحلة التحول إلى العصر الحديث.

 

مدنية الدولة الحديثة

بلغة السينما، وفي استعادةٍ لتقنية “الفلاش باك”.. عندما ذهب الشيخ الشاب رفاعة الطهطاوي‏ (1801-1873)‏ ليؤدي دوره إماماً للبعثة التي أرسلها محمد علي باشا‏،‏ سرعان ما اتسع بهذا الدور ليغدو طالب علم نادر المثال‏،‏ يتفوق على أقرانه‏،‏ ويُقبل في حماسة نادرة على أن يعرف أسرار هذه الدنيا المتقدمة التي ذهب إليها‏،‏ ويتعرف فيها على كل شيء لم يعرفه‏،‏ عملا بالمبدأ القائل “الحكمة ضالة المؤمن” و”اطلبوا العلم ولو في الصين”.

ولم يترك عقل الإمام الشاب مظهرا من مظاهر الدولة الحديثة أو وجها من أوجه التقدم فيما رآه دولة مدنية إلا وتوقف عنده‏،‏ مستخدمًا ميراثه العقلاني‏،‏ معتمدًا على مبدأ التقبيح والتحسين العقليين اللذين ورثهما عن المعتزلة‏،‏ فأخذ ما قبله عقله المسلم المفتوح‏،‏ ابتداء من الدولة المدنية الحديثة التي تقوم على أسس جديدة‏،‏ أدرك بؤس غيابها عن وطنه‏،‏ خصوصًا حين رأى وفهم معنى أن تكون الأمة مصدر السلطات‏،‏ والفصل بين السلطات الثلاث‏ (التشريعية والقضائية والتنفيذية‏)،‏ والتمييز الحاسم بين الديني والدنيوي‏،‏ ليس إلغاء للديني أو تقليلا من شأنه‏،‏ وإنما تأكيد للدنيوي الذي أصبح عقداً اجتماعياً قائماً على التراضي الذي يؤسس للدستور والقوانين التي تتجسد بها مبادئ الحرية والمساواة والعدالة‏،‏ ومن ثم معاني المواطنة الحديثة التي تحل محل مفهوم الرعية‏،‏ كما يحل العقد الاجتماعي محل العقد الديني‏،‏ ومن ثم رد مصدر السلطات إلى  المواطنين الأحرار المتساوين في الحقوق والواجبات بلا تمييز من دين أو جنس أو لون‏،‏ وليس إلى الوصاية الإلهية التي تفرض عليهم‏،‏ كالقدر‏،‏ ملوكا وحكومات ثيوقراطية قائمة على التمييز واللامساواة‏. ‏

وكانت المقارنة بين واقع التخلف الشرقي‏،‏ مقابل إمكانات التقدم الغربي‏،‏ دافعا لأن يطرح رفاعة على نفسه‏ -‏مثل غيره الذي لحق به من رواد النهضة العربية الحديثة‏-‏ السؤال الحاسم عن فوائد الدولة المدنية الحديثة التي رأى معجزات تقدمها في أقطارها الأوروبية‏،‏ علما صاعدا‏،‏ وإبداعاً راقياً‏،‏ وسلوكاً متحضراً،‏ وعمارة لا مثيل لها‏،‏ وخلقاً فاضلاً لا عهد له به في سلوك الرجال والنساء‏،‏ فحلم أن يصل مجتمعه ‏(‏الذي رأى مدى تخلفه في مرآة الآخر‏)‏ إلى  مثل ما وصلت إليه فرنسا من تقدم‏،‏ بدا صاعداً واعداً مغوياً في الوقت نفسه‏.‏

وكانت بداية الحكم ونهايته على ما رآه‏،‏ ولفت انتباهه‏،‏ عقل يقظ مستنير لشيخ أزهري شاب‏،‏ ظل نبعا لا ينضب من الأسئلة المؤرقة التي أنتجتها إقامته للدراسة في باريس التي أصدر عنها كتابه التأسيسي «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» بعد عودته إلى القاهرة‏.‏

وكانت إجاباته عن الأسئلة التي طرحها على نفسه مهتدية بالمبدأ العقلاني الإسلامي الذي أدى به إلى أخذ النافع لإنهاض وطنه وتجنب ما لم يره نافعًا،‏ فأقبل على كتاب «روح الشرائع» لمنتسكيو‏ (1689-1755)‏ الذي رأى فيه ما يشبه الميزان العقلي بين المذاهب الشرعية والسياسية‏.‏ وكان قبوله هذا الميزان يعني تقبله مبدأ (الفصل بين السلطات) الذي أكده “منتسكيو” في كتابه عام ‏1734‏ قبل أن يصل رفاعة إلى باريس باثنين وتسعين عاما‏،‏ منطلقا فيه مما سبق أن أكده الفيلسوف الإنجليزي الشهير جون لوك ‏(1632-1704)‏ الذي دعا إلى الفصل بين القوى والحكومة المقيدة‏،‏ حفاظا على حرية الأفراد من ناحية‏،‏ وتأكيدا للنظام الذي يفرضه القانون من ناحية موازية‏. ‏وكان تقبل رفاعة لأفكار منتسكيو سبيله إلى الإيمان بحتمية الدولة المدنية لصنع مستقبل التقدم في وطنه الذي آلمه تخلفه الذي أصبح أكثر وعيا به‏.‏

وهو الأمر الذي لم ينفصل عن صعود الإيمان الذاتي بأهمية الفصل بين السلطة الروحية، والسلطة المدنية‏،‏ ما ظل هذا الفصل مبقيا على الدين‏،‏ غير متناقض مع الشريعة الإسلامية‏،‏ دافعًا إلى التقدم المقرون بالعدل‏.‏

وكانت النتيجة انفتاح عقل رفاعة على أفكار المجتمع المدني الذي هو مجتمع مؤسسات‏،‏ يمكن أن يقوم على مبادئ داخل التقاليد العقلانية الإسلامية‏،‏ ويظل غير مناقض لها‏،‏ خصوصا في نفيه حكم الإكليروس (رجال الدين)‏.‏ ولم ينفصل عن هذه النتيجة تقبل رفاعة لأهمية الدستور بوصفه تعاقدا مدنيا‏،‏ يحقق الاستقرار والنظام في كل أمة‏،‏ خصوصا من حيث هو الشريعة البشرية التي تنظم أمور الدولة المدنية‏،‏ وتفصل بين سلطاتها‏،‏ وتصون كل أطرافها ومواطنيها‏،‏ مقترنة بنظام نيابي حر‏،‏ يكفل الضمانات لكل الأفراد‏،‏ ولا معنى للدستور من غير وعوده‏.‏.

 

 

[1] – ودون الخوض في تفاصيل ربما تغني عنها الإشارة دون الإفاضة واللمحة دون الإسهاب، فقد كفتني ثلاثة كتب أساسية البحث عن مزيد بيان عن سيرة رفاعة الطهطاوي، وحياته وأعماله ومؤلفاته… إلخ؛ وهي التي أنصح بها هنا لمن أراد أن يقرأ تفصيلًا عن سيرة هذا الرائد العظيم. الكتاب الأول، هو الذي كتبه المؤرخ الراحل جمال الدين الشيال، وصدر في سلسلة (نوابغ الفكر العربي) عن دار المعارف (الكتاب رقم 24)؛ بعنوان «رفاعة رافع الطهطاوي»؛ القاهرة، 1965.

والكتاب الثاني، صدر في سلسلة (أعلام العرب) بعنوان «رفاعة الطهطاوي ـ رائد فكر وإمام نهضة» للدكتور حسين فوزي النجار، وهو كتاب شامل حافل بالمعلومات والتوثيق والتأريخ الدقيق لحياة الرائد النهضوي الكبير.

أما الكتاب الثالث «حلية الزمن بمناقب خادم الوطن.. سيرة رفاعة رافع الطهطاوي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة (تراث النهضة)، من تأليف صالح مجدي بك، وتحقيق د. جمال الدين الشيال، فترجمة مفصلة دقيقة وافية لرفاعة الطهطاوي، ودراسة لحياته في مراحلها المختلفة من الطفولة إلى الشباب إلى الكهولة، وتعليمه في طهطا، ثم الأزهر ثم باريس، والوظائف التي تولاها والمناصب التي تقلدها، والأعمال والجهود العلمية التي بذلها في التأليف والترجمة، والكتاب بمادته التي اشتمل عليها يمثل فعلا مرجعا وثيقا لكل من أراد التعرف على تفاصيل هذه الشخصية الرائدة..

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete