تكوين
وما زلنا مع ريادة رفاعة الطهطاوي (1801-1873) رائد تيار التنوير والنهضة بلا منازع، وبشير التقدم، ومؤسس النهضة العربية الفكرية الحديثة بلا جدال، يتردد اسمه دائما في الأوساط العربية التي تهتم بالتنوير وتدافع عنه، في مواجهة جحافل الإظلام والشر والباحثين عن الموت لا الحياة!
ولعل مرور 152 سنة على رحيله مناسبة تستدعي البحث عن هذه الريادة، وإعادة تقديمها في تفاصيلها التي تغيب دائمًا عن القاعدة العريضة من الجمهور العربي المستهدف دائمًا والغائب دائمًا!
وإذا كنت أومن بأننا في حاجة ملحة وضرورية لاستعادة ميراث النهضة والانطلاق منه وتطويره، فإن الحديث سيكون موصولًا بالجد المؤسس رفاعة الطهطاوي، وهو أول السلالة المباركة في شجرة الفكر العربي الحديث؛ إنه الصعيدي الأزهري الذي كان العين الأولى التي أطلت على أوروبا واندهشت اندهاشا “معرفيا” عظيما من كل مظاهر التقدم والتمدن والعصرنة والحداثة والحضارة التي شاهدها وانبهر بها طيلة ست سنوات (1826-1831) قضاها في باريس فاترينة الدنيا و”أم الحضارة” في العصر الحديث!
ولا ينبغي أن نمر مرور الكرام عند شخصية رفاعة[1]، ولا ينبغي أن ننشغل فقط بالتعريف بسيرته ومحطات حياته الرئيسية، بل الأهم من وجهة نظري هو الوقوف عند المحطات الكبرى في فكر الطهطاوي، وكيفيات تشكله وتطوره وتأثيراته فيما تلا من أجيال وموقعه من النهضة المصرية العظيمة التي شهدها القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين! هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، أتصور أن محاولة جديدة لفهم مشروع الطهطاوي، وأثره بعد مرور قرن ونصف القرن على رحيله، من خلال فحص وتأمل القراءات المتعددة والمتباينة التي طرحت خلال هذه المدة الطويلة لرفاعة ومشروعه التأسيسي في الفكر العربي الحديث (الإصلاح/ التجديد/ النهضة/ الموائمة والتوفيق).. إلخ ما طرحت هذه القراءات والدراسات من وجهات نظر وتناولات اتفقت واختلفت وتعارضت وتقاطعت.. إلخ.
أول دستور باللغة العربية
حقا “ما أسعد الأمة التي يحكمها العقل والعدل”، ذلك ما تعلمه رفاعة من «تخليص الإبريز»، تعلم معنى الدستور والقانون والفصل بين السلطات والتسامح وحق الاختلاف وحرية التعبير وضرورة مقاومة الظلم، وكانت البداية يوم أن جلس في غرفته المتواضعة، في مدينة باريس، بيده قلم، وفي صدره حماسة الخارجين من الثورة الفرنسية، وأمام عينيه وثائق يتعلم منها معنى العدل في سوْس الأمم، هكذا، ترجم ما عرفه عن تدبير الدولة الفرنسية هدية إلى شعبه العربي المسلم، ووصية إلى ولي النعم محمد علي الذي أرسله ليتعلم من الفرنسيس أسباب تقدمهم.
ولم يكن من المصادفة -والأمر كذلك- أن يكون أول “دستور” باللغة العربية هو الدستور الذي ترجمه رفاعة الطهطاوي في أواخر الثلث الأول من القرن التاسع عشر، قبل عودته إلى مصر عام 1831، وهو الدستور الذي يؤكد أن ملك فرنسا -ومن ثم كل ملك- ليس مطلق التصرف، وأن لويز الثامن عشر “بضم اللام وكسر الواو” الذي ألّف هذا الدستور القانون الذي أسماه “الشرطة” La Sharte يمكن أن يكون مثالًا يُحتذى، هذا الدستور وإن كان غالب ما فيه ليس في كتاب الله تعالى، يؤكد أن العقول البشرية يمكن أن تهتدي بذاتها إلى أن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة العباد، فالعدل أساس العمران، ولا عمارة إلا بالعدل، وأبلغ الأشياء في تدبير المملكة تسديدها بالعدل، وأول مادة في هذا الدستور أن البشر متساوون أمام القانون، وأن من حق كل واحد منهم الوصول إلى أي منصب أو رتبة، ويعني ذلك أن الدعوى الشرعية تقام على الملك وينفذ عليه الحكم كغيره، وأن معنى الحكم بالحرية هو إقامة التساوي في الأحكام والقوانين، بحيث لا يجور الحاكم على إنسان، وأن حرية كل إنسان مباحة، وحقه مكفول في أن يظهر رأيه وعلمه وسائر ما يخطر بباله، مما لا يضر غيره، فيعلم الإنسان سائر ما في نفس صاحبه خصوصا الورقات اليومية المسماة بـ “الجورنالات” و”الكازيطات” “الأولى جمع “جرنال” (جريدة)، والثانية جمع “كازيطة” (مجلة)”. فإن الإنسان يعرف منها سائر الأخبار المتجددة سواء كانت داخلية أو خارجية، أي داخل المملكة وخارجها.
وإذا كانت “الترجمة” هي قناع الشيخ رفاعة الذي تخفى وراءه، ونقل كل ما كان يريد توصيله إلى من يطالع ما كتب، تأكيدًا لحلمه الجميل في أن تنتقل أمته من مستوى الضرورة إلى مستوى الحرية، فإن الكتابة الذاتية كانت وسيلة موازية لهذا القناع..
لقد بدأت رحلته التنويرية بالرحلة إلى فرنسا، وقبل الرحلة نبهه أستاذه الجليل الشيخ حسن العطار إلى ضرورة تدوين مشاهده في كتاب، هكذا انبثقت فكرة «تخليص الإبريز في وصف باريز»، وذلك بالمعنى الذي جعل الكتاب استخلاصًا لأسباب تقدم الفرنسيين، ووصفا للمظاهر الفعلية لهذا التقدم، وكما كان السفر “مرآة الأعاجيب” على نحو ما قال الشيخ حسن العطار في تقديمه كتاب تلميذه بعد أن فرغ منه وعاد إلى مستقره، كان السفر تحولا للوعي، وتغيرا في الفكر، وارتحالا من منظور إلى منظور، وكانت الكتابة تسجيلا لهذا التحول، خطوة، خطوة.
الوطن.. المواطنة
لعل أول خطوة في الانقلاب الفكري الكبير الذي أحدثه رفاعة الطهطاوي عقب عودته من فرنسا، هي بعث مفهوم «الوطن»، في مقابل مفهوم «الأمة» الفضفاض، وكانت الدولة العثمانية تحكم باسم هذا المفهوم الأخير الذي يشمل الأمة الإسلامية كلها من الناحية النظرية، ولم يكن الحكم بهذا القناع الدينيّ يعني شيئًا أكثر من الوحدة في نطاق العبودية؛ لأن تلك الدولة كانت أبعد ما تكون عن روح الدين وعن حقيقته، بما سادها من الظلم والاستبداد والفتك المنظم برعاياها.
وكان محمد علي قد نجح في الاستقلال بمصر من الناحية الفعلية، بل حارب الدولة العثمانية الشائخة حتى أوشك أن يهزمها لولا أن أنجدتها إنجلترا مرة أخرى فتعاونتا معًا على إرغامه على التراجع، وعلى القضاء على أمله في قيام دولة قوية تضم الولايات العربية من الدولة المتهاوية، غير أنه استطاع على الأقل أن يحتفظ لمصر باستقلالها الذاتي.
ومع إنجازات محمد علي الكبيرة، انتبه الطهطاوي إلى أن هذا الوطن يستحق أكثر بكثير مما آل إليه تحت الحكم العثماني. وبدأ يرجع إلى التاريخ، ويحدث المصريين عمّا كانت عليه بلادهم في عصورها الزاهرة؛ يقول “فمما اختصت به مصر من بين الممالك أن كل مملكة تستنير برهة ثم تنطفئ وتُشْرقُ شمس بهجتها ثم تختفي.. فأما مصر فأغرب شيء بقاء شمس سعدها وارتقاء كوكب مجدها، إنها بقيت سبعين قرنًا حافظة لمرتبتها العليا”، وخلص من ذلك إلى نتيجة محددة هي أن “حب الأوطان فضيلة جليلة، لا سيما إذا كان الموطن منبت العز والسعادة والفخر كديار مصر، فهي أعز الأوطان لبنيها وهي مستحقة برّها منهم بالسعي لبلوغ أمانيها وذلك من ناحيتين: أنها أمّ لساكنيها، وبر الوالدين واجب عقلًا وشرعًا على كل إنسان، والثانية أنها ودودة بارة بهم”.
وهنا نجد عند الطهطاوي الارتكاز على التراث الديني لبعث مفهوم “الوطن” الذي غاب عن أذهان المصريين قرونًا طويلة، ومن هذا المنطلق الديني نفسه يوجه ضربة إلى واحد من المفاهيم المتخلفة في المنظومة العثمانية الباغية: «فَرِّقْ تَسُدْ». إذ إن وحدة الوطن تعني بالضرورة وحدة أبنائه والمساواة بينهم أيا كان الدين الذي يعتنقونه، فهو يرى أن حكمة الله قد اقتضت أن يكون أبناء الوطن متحدين في اللغة وفي العيش في مكان واحد، وهذا يعني أنه سبحانه وتعالى قد أعدهم للتعاون على إصلاح وطنهم، وعلى أن يكون بعضهم بالنسبة إلى بعض كأعضاء العائلة الواحدة.
ولكي يتحقق ذلك يجب أن تكون للمواطن حرية تامة في المجتمع، “فانقياده لأصول بلده يستلزم -ضمنًا- ضمان وطنه له التمتع بالحقوق المدنية والتميز بالمزايا البلدية” ويخلص من ذلك إلى “أن جميع ما يجب على المؤمن لأخيه المؤمن يجب على أعضاء الوطن في حقوق بعضهم على بعض لما بينهم من أخوة الوطنية..”.
إنها كلمات ومفاهيم جديدة تدخل في مجال الثقافة السياسية.. الوطن، والأخوة الوطنية، والحرية والمساواة، ولكنها تظل مجرد كلمات، إذ يحتاج الأمر إلى وقت حتى يتخرج من المدارس عدد كاف من المثقفين، وحتى تظهر الصحف الوطنية المتعددة، وحتى تصهر الأحداث الوعي الوطني وتوجهه.
ويمكن أن نقول إن الجهد الهائل الذي بذله الطهطاوي في المجالات الثقافية المتعددة -التعليم والصحافة والتأليف- كان يشبه اليقظة بعد السبات الطويل. وكان الأمر يحتاج إلى وقت لكي تفيق الأمة وتستوعب أقوال الطهطاوي، والرعيل الأول من رواد النهضة.
وحين ندرك أن هذا الوقت لم يتجاوز ربع القرن تقريبًا منذ وفاة محمد علي (أو بالأحرى منذ هزيمة 1840) فنحن نستطيع أن نقدر الجهد الهائل الذي بذله هؤلاء الروّاد. فحين بدأ رفاعة يكتب أعماله في الأربعينيات والخمسينيات من القرن التاسع عشر، إنما كان يضع عينه على جمهور في المستقبل، أو ينتظر بالأحرى هذا الجمهور الذي كان يتعلم أيامها في المدارس الجديدة التي أنشأها في عهد الوالي الكبير..
وبعد..
فقد كانت هذه مجرد إطلالة سريعة على ما بذره الطهطاوي من أفكار حديثة في التربة المصرية، والعربية، حول الدولة المدنية الحديثة؛ وحول الوطن والمواطنة والحقوق والحريات.
لقد كان الوعي الذي اكتسبه الطهطاوي في تلك الفترة وعيًا ناشئًا فتيًّا سابقًا عصرَه بسنوات طويلة، واستطاع في فترة وجيزة أن يستوعب كمًّا هائلًا من الأفكار الإنسانية والثقافية والسياسية والتطورات المجتمعية المذهلة التي رآها في فرنسا، وتفاعل معها التفاعل الإيجابي الأمثل، وعمل على نقل هذه التجارب، وخلاصة هذا التفاعل، إلى أبناء أمته وشعبه. ولعل هذه الحمولة المعرفية والإنسانية التي ضمَّنها كتابه الأهم والأبرز «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» هي ما يحفظ للكتاب قيمته المتجددة دائمًا.
نعم كان رفاعة الطهطاوي رائد التجديد في الفكر المصري والعربي الحديث في القرن التاسع عشر، بما قدَّمه من أفكار جديدة التمس لها أصولًا في الثقافة الإسلامية، متخذًا لها من الفكر الغربي فروعًا وأغصانًا. وكان له بادرة القول بتطوير المجتمع العربي الإسلامي على أسس تحقِّق تقدُّمه على طريق الحضارة بأسلوب انتقائي يركِّز على الجوانب المادية، وما ارتبط بها من مجالات معرفية، ويتعامل بحذر مع النظريات والأفكار الوافدة؛ تاركًا للأجيال الجديدة مهمة التطوير واستكمال طريق التحديث والنهوض بحثًا عن وطن تتحقق فيه العدالة والمساواة والحرية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
جمال الدين الشيال:
رفاعة الطهطاوي، سلسلة نوابغ الفكر العربي (24)، دار المعارف، القاهرة، د.ت.
حسين فوزي النجار:
رفاعة الطهطاوي رائد فكر وإمام نهضة، أعلام العرب، القاهرة، 1965.
رفاعة الطهطاوي:
الأعمال الكاملة لـ رفاعة رافع الطهطاوي (8 مجلدات)، تحقيق وتقديم ودراسة محمد عمارة، دار الشروق (طبعة خاصة لمكتبة الأسرة المصرية)، القاهرة، 2010.
صالح مجدي (بك):
حلية الزمن بمناقب خادم الوطن (سيرة رفاعة رافع الطهطاوي) للسيد صالح مجدي بك، تحقيق وتقديم، جمال الدين الشيال، سلسلة تراث النهضة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1995.
غالي شكري:
النهضة والسقوط في الفكر المصري الحديث، الطبعة الرابعة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1992.
محمود فهمي حجازي:
أصول الفكر العربي الحديث عند الطهطاوي، مع النص الكامل لكتاب تخليص الإبريز في تلخيص باريز، للطهطاوي، دار غريب، القاهرة، د.ت.
ناجي نجيب:
الرحلة إلى الشرق والرحلة إلى الغرب، دراسة مقارنة (بين كتاب الطهطاوي وكتاب إدوارد لين)، بيروت، د.ت.
[1]– أظن أن هناك ضرورة ملحة لإعادة كتابة سيرة معاصرة للطهطاوي، صحيح أن كتبا ودراسات أكثر من رائعة توفرت على تسجيل سيرة رفاعة الطهطاوي، والتأريخ لحياته (أشرتُ إلى نماذج منها في مقال سابق)، ومع ذلك ما أبعد هذه السير وهذه التفاصيل عن معارف وأذهان من يجب أن يتعرفوا عليها ويدرسوها بحقها! ولكي تتأكد بنفسك من هذا الزعم، فانزل إلى الشارع واستوقف رجلا أو امرأة، شابا أو شابة، تلميذا في نهاية المرحلة الإعدادية أو الثانوية، وباحث دكتوراه في إحدى الجامعات المصرية، واسأل أيا منهم: ماذا تعرف عن رفاعة الطهطاوي؟ ومن يكون؟!.. فلننتظر الإجابة كيف تكون! من هنا شرع كاتب هذه السطور في كتابة سيرة جديدة للطهطاوي قيد الإعداد حاليا ضمن مشروعه لتوثيق سير المجددين النهضويين، وقد أنجز الكتاب الأول منها عن الشيخ حسن العطار أستاذ رفاعة الطهطاوي..