تكوين
كلّما ارتفعت أصوات تدعو إلى تدبّر القرآن واستكشاف ثراء دلالاته وتقديم قراءات مختلفة عن القراءات الحرفيّة السّائدة، قوبلت بالانتقاد والتّهجّم والاعتداء والقتل أحيانا. القائمة طويلة جدّا، يكفي أن نتذكّر ما عاناه عليّ عبد الرّازق من اضطهاد وما اختبره نصر حامد أبي زيد من اتّهام بالزّندقة وتفريق عن زوجته. ويكفي أن نستحضر إعدام محمود محمّد طه واغتيال فرج فودة.
وبغضّ الطّرف عن أمر الله تعالى عباده جميعا بتدبّر القرآن[1]، وبغضّ الطّرف عن استمراريّة الأصوات الّتي تقدّم قراءات تنويريّة ومنفتحة للقرآن، فإنّنا إذا نظرنا في متن القرآن وتفاسيره لوجدنا أنّ القراءة الحرفيّة المنغلقة توقع أصحابها في مآزق متعدّدة. والمأزق يحيل عندنا على دلالته اللّغويّة الأولى أي على الطّريق الضّيّقة أو المنفذ الّذي يحبس فيه المرء نفسه، والمآزق الّتي تعنينا في هذا المقال هي سبل تأويليّة مسدودة الآفاق تطرح مشاكل دلاليّة متنوّعة. وسنكتفي في هذا المقال بضرب بعض الأمثلة على هذه المآزق التّأويليّة الممكنة، وهي ثلاثة أنواع.
1-المآزق المنطقيّة:
يقول تعالى:
“ولا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيرا منهنّ”[2].
وقد أكّد الرّازي أنّ القوم اسم يقع على جمع من الرّجال ولا يقع على النّساء ولا على الأطفال[3]. وهكذا تكون الآية في قراءتها الظّاهرة نهيا للرّجال عن أن يسخروا من الرّجال، ونهيا للنّساء عن أن يسخرن من النّساء. وهو ما يعني منطقيّا أن لا مانع من سخرية الرّجال من النّساء، ولا مانع من سخرية للنّساء من الرّجال. وهذا أحد وجوه “العبث” التّأويليّ الّذي تقودنا إليه القراءة الحرفيّة للقرآن، وبديهيّ أنّه يتقابل تقابلا تامّا مع المقصد القيميّ الرّاقي الّذي تحمله الآية.
وقد يتكرّر العبث التّأويليّ نفسه في قراءة قوله تعالى:
“يا أيّها الّذين آمنوا لا تقربوا الصّلاة وأنتم سكارى حتّى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلاّ عابري سبيل حتّى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النّساء فلم تجدوا ماء فتيمّموا صعيدا طيّبا…”[4].
إنّ قراءة حرفيّة لهذه الآية تجعلها تصرّح بأنّ ملامسة النّساء تستدعي اغتسالا أو تيمّما في حال شحّ الماء، لكن ماذا عن النّساء؟ لا نصّ ظاهر في القرآن يدعوهنّ إلى الاغتسال في حال ملامسة الرّجال، والقول بهذا هو طبعا عبث تأويليّ رغم منطقه الظّاهر.
هل يعني المثالان المذكوران أنّ القرآن، كلامَ الله، غير منطقيّ؟ طبعا لا، فالقرآن إذ يتنزّل في سياقه التّاريخيّ، يخاطب الرّجال فقط[5]، ويكتفي بالإخبار عن النّساء، والمرأة في القرون الوسطى لم تكن تُعدّ ذاتا مستقلّة وإنّما كانت موضوعا تابعا للرّجل يستوي في ذلك أهل الجزيرة العربيّة مع بلاد الغرب وبلاد الشّرق الأقصى وبلدان العالم كلّه. واستنادا إلى هذه القراءة السّياقيّة، نفهم أنّ القرآن إذ يخاطب الرّجال بحكم مّا، يضمر سريان ذلك الحكم على النّساء بما هنّ في التّمثّل الجمعيّ تابعات لهم[6]. وهو إذ يخصّص سخرية النّساء من النّساء يختصّهنّ بالذّكر ليؤكّد مضمون الحكم حتّى لا يذهب في ظنّ أصحاب القراءة الحرفيّة أنّه يستثنيهنّ.
2-المآزق الاجتماعيّة:
يقول تعالى:
“والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم”[7].
وقد فهم المفسّرون القدامى القطع بمعناه الحرفيّ أي بتر اليد. على أنّ هذا الفهم الحرفيّ ينشئ من المشاكل الاجتماعيّة أكثر ممّا يحلّ، فالثّابت أنّ بتر اليد في البلدان القليلة الّتي ما تزال تعتمده لم يؤدّ إلى القضاء على فعل السّرقة، واكتفى بإضافة أشخاص عاجزين عن العمل والكسب، وليس ذلك فحسب، وإنّما نتج عن القراءة الحرفيّة وصم المخطئ وصما جسديّا لا رجعة فيه، وهو ما يتقابل مع فضل التّوبة وبابها الّذي يفتحه الله تعالى على مصراعيه لمن ارتكب سوءا بجهالة ثمّ رجع عنه[8].
وفي مقابل القراءة الحرفيّة، فهم بعض المحدثين اليد بما هي صورة عن الوسيلة أو القدرة على الفعل، وذهبوا إلى تأويل القطع باعتباره تعطيلا للوسيلة الّتي تستخدم في ارتكاب الجريمة، فيكون قطع يد السّارق حينها سعيا إلى منع ما يدعو إلى السّرقة من أسباب اقتصاديّة واجتماعيّة. وهذه القراءة تأخذ بعين الاعتبار سياق القرآن ذلك أنّ قطع يد السّارق بمعنى بترها كان عقوبة شائعة في الجاهليّة، وقد سايرها القرآن زمنا لسببين:
- أوّلهما إجرائيّ، وهو استقطاب أهل الجزيرة العربيّة للدّين الجديد[9]
- وثانيهما إبستمولوجيّ، وهو أنّه لا يمكن تغيير جميع الأعراف والعادات السّائدة في مجتمع مّا بغتة ودون تراكم يستغرق زمنا.
3-المآزق الأخلاقيّة:
يعدّد القرآن قائمة النّساء المحرّم نكاحهنّ[10] ويختمها بالمحصنات من النّساء إلاّ ملك اليمين[11]. وقد ذهب جلّ المفسّرين إلى أنّ المقصود بالمحصنات في الآية النّساء المتزّوجات[12]، واستثنى القرآن ملك اليمين من المتزوّجات المحرّمات، وهو ما قرأه كثيرون إباحة للسّبي إذ يُمكن للرّجل في حال السّبي أن ينكح امرأة متزوّجة. وأكّد بعضهم أنّ الآية نزلت في سبايا أوطاس حيث “أصاب أصحاب رسول الله سبايا…ولهنّ أزواج من أهل الشّرك، فكأنّ أناسا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كفّوا وتأثّموا من غشيانهنّ…فنزلت هذه الآية في ذلك“[13].
إنّ هذه القراءة الحرفيّة تفتح على مأزق أخلاقيّ واضح. فهي تضمر أنّ القرآن الّذي يجعل الكرامة الإنسانيّة مشتركة بين البشر جميعهم[14] يقبل الاسترقاق الجنسيّ بهذه الطّريقة المهينة ويجعله حلالا صرفا. وهي تضمر أنّ القرآن الّذي يعدّ الزّواج ميثاقا غليظا[15]، والّذي يدعو إلى المعاشرة بالمعروف أو الفراق بإحسان[16]، يفكّ عرى الزّواج ويجعله باطلا بل يشرّع افتكاك امرأة من زوجها لمجرّد أنّ الزّوج انتمى إلى فريق المنهزمين في الحرب. ولا يمكن تجاوز هذا المأزق الأخلاقيّ إلاّ بقراءة الآية في سياقها التّاريخيّ أي بالإشارة إلى أعراف الحروب آنذاك، وهي أعراف تعدّ السّبيّ وافتكاك الغنائم والنّساء أمرا عاديّا، فالنّساء “متاع بشريّ” لا يختلف كثيرا عن “المتاع المادّيّ“، فيجوز بيعه واشتراؤه وافتكاكه، ولا يمكن للقرآن أن لا يتيح هذا السّلوك في سياق تاريخيّ يحتفي به، ولا يمكنه في الآن نفسه أن لا يبثّ في النّصّ قيما أخلاقيّة تشّرع لتجاوزه وتجريمه إذ تتبدّل الظّروف ويتغيّر المقام. فالسّبي متقابل تماما مع الدّعوة إلى مواجهة الجاهلين بالصّبر والهدوء:
“وعباد الرّحمان الّذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما”[17]
وهو متقابل تقابلا تامّا مع الدّعوة إلى التّحكّم في الغضب والعفو عن النّاس عموما: “والكاظمين الغيظ والعافين عن النّاس”[18]، وهو متقابل تقابلا تامّا مع النّهي عن البغي بما هو اعتداء القويّ على الضّعيف:
“إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي”[19].
إنّ ما ذكرناه في المقال هو مجرّد أمثلة بسيطة على مآزق القراءة الحرفيّة للقرآن، والمدوّنة التّفسيريّة تعجّ بمآزق تأويليّة أخرى متنوّعة بين منطقيّة واجتماعيّة وأخلاقيّة، وقد بلغت هذه المآزق أوجها منذ القرن العشرين. وليس غايتنا فقط عرض هذه المآزق، وإنّما تبيّن أسبابها وأساليب تجاوزها.
فأمّا أسبابها فهي تغيّر التّمثّلات الاجتماعيّة والمقولات القانونيّة الّي بها ينظر البشر إلى ذواتهم وعلاقاتهم وموضعهم في الكون.
وفي مقابل هذا التّغيّر الّذي لا يمكن مقاومته ولا التّصدّي له، يتمسّك بعض مفسّري القرآن بقراءة حرفيّة تقف على ظاهر القول وتتمسّك بشكليّته اللّفظيّة. وإنّنا نرى أن لا سبيل للخروج من هذه المآزق التّأويليّة إلاّ بشرطين:
- أوّلهما استنطاق مقام النّصّ وإبستميّته وهو ما يمكّن من الوعي بوجود نسخ زمانيّ ممتدّ في القرآن قائمٍ فيه بالقوّة
- والشّرط الثّاني هو النّظر في القرآن بما هو خطاب ذو بعد شامل يجب ضرب بعض عناصره ببعضها بعضا تجنّبا للقراءة التّجزيئيّة المفكّكة لمعانيه.
إنّ المسألة التّأويليّة اليوم هي أكبر من الإقرار بأنّ “القرآن حمّال أوجه“، وإنّما هي في أن نجرؤ على أن نضرب صفحا عن بعض الدّلالات المتوارثة والمعاني الّتي تدّعي الثّبوت والإطلاق لأنّها هي الّتي تفقد النّصّ حيويّته الدّلاليّة وتجعله مجرّد قالب لفظيّ فارغ يكرّر المحدثون من تفاسيره ما حبّره القدامى دون نظر ولا تفكّر أو إعمال للعقل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
[1] “أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها” محمّد، 24.
[2] الحجرات، 11.
[3] انظر تفسير الرّازي في مفاتيح الغيب للآية 11 من سورة الحجرات. أمّا القرطبي في الجامع لأحكام القرآن فيخالفه إذ يؤكّد: “وقد قال الله تعالى إنّا أرسلنا نوحا إلى قومه فشمل الجميع”. ويضيف: “أفرد النساء بالذكر لأنّ السخرية منهن أكثر”، وهو بذلك يصدر حكما مطلقا على النّساء جميعهنّ.
[4] النّساء، 43.
[5] القرآن لا يخاطب النّساء، وإنّما يخبر عنهنّ. ولم يخاطب إلاّ نساء النّبيّ (انظر مثلا: الأحزاب، 32) والسّيّدة مريم عن طريق الملائكة (انظر مثلا آل عمران، 42-43).
[6] هذا ما احتجّت عليه أمّ سلمة إذ تذكر بعض المصادر أنّها أتت الرّسول قائلة: “يا رسول الله تغزو الرّجال ولا نغزو وإنّما لنا نصف الميراث، وفي رواية أخرى سأل النّساء الجهاد فقلن: وددنا أنّ الله جعل لنا الغزو فنصيب من الأجر ما يصيب الرّجال”. وأجاب القرآن بالآية 35 من سورة الأحزاب حيث يذكر المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، ولكن في صيغة الخبر لا الخطاب الإنشائيّ. انظر: أبو الحسن النّيسابوري:أسباب النّزول، بيروت، دار الكتاب العربي1986، ص124.
[7] المائدة، 38.
[8] “كتب ربّكم على نفسه الرّحمة أنّه من عمل منكم سوءا بجهالة ثمّ تاب من بعده وأصلح فأنّه غفور رحيم” الأنعام، 54.
[9] تقول فطيمة مرنيسي في هذه المسألة: “إذا كان البشرُ يحتاجون إلى الله، فإنّ الله يحتاجُ إلى البشر أيضًا”. انظر: Fatima Mernissi, Le Harem politique- Le prophète et les femmes, Paris, Albin Michel 1987, p-175.
[11] النّساء، 24 .
[12] المحصنات قد تعني العفائف أيضا.
[13] انظر تفسير ابن كثير للآية 24 من سورة النّساء.
[14] “ولقد كرّمنا بني آدم” الإسراء، 70.
[15] النّساء، 21.
[16] الطّلاق، 2.
[17] الفرقان، 63.
[18] آل عمران، 134.
[19] النّحل، 90.