في تلقّي القرآن

يقف الناظر في تاريخ فهم القرآن منذ عصر النبيّ إلى اليوم على ثلاث مراحل ميّزت عملية الفهم، وهي في رأينا مرحلة التلقّي الغضّ، فمرحلة التلقّي المسيّج، فمرحلة التلقّي الحرّ.

أ- مرحلة التلقّي الغضّ: ويمكن حدّ هذه المرحلة الأولى بمرحلة ما قبل المصحف، أي بفترة القرآن الشفوي. وهي فترة تميّزت بجملة من الخصائص منها:

– مرونة القرآن نصّا وأداء، بمعنى تغيّر المعاني القرآنية تبعا لظروف تلقّيها، وتغيّر متن القرآن تبعا لذاكرة المتحمّلين ومدى حفظهم. وقد احتوت كتب التراث على أخبار كثيرة في هذا الباب، ولعل خبر الأحرف السبعة دليل على ذلك. وقد جاء عن عمر بن الخطاب قوله:” سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله فكدت أساوره في الصلاة. فتصبّرت حتى سلّم فلما سلّم لبّبته بردائه …فقال رسول الله:أرسله يا عمر، اقرأ يا هشام. فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرؤها فقال رسول الله :هكذا أنزلت. ثم قال: اقرأ يا عمر. فقرأت القراءة التي أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:هكذا أنزلت. ثم قال صلى الله عليه وسلم:إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسّر منها”[1]. وتزداد المرونة عمقا في بعض الأخبار إلى درجة إباحة الاختلاف في اللفظ شرط أن لا ينقلب العذاب رحمة ولا تنقلب الرحمة عذابا. وقد أثّرت هذه النشأة الشفوية في ما توارثه وجوه الصحابة عن النبيّ، فكانت القراءاتُ المختلفة اختلافا بيّنا، وكانت المصاحفُ، وكانت الأحكامُ المختلفة بين خليفة وآخر، وكانت الأحكام المخالفة لنصّ القرآن دون أن يثير ذلك حرجا كبيرا بين صفوف الصحابة. فقد أبطل عمر بن الخطاب أحكاما قرآنية كثيرة مثل  إقرار الخراج على الأراضي المفتوحة عنوة رغم أنها تعدّ غنيمة تقسّم على المقاتلين[2]، ومنها إخراج المؤلّفة قلوبهم من قائمة المنتفعين بالصّدَقات، ومنها أن تُوكَل إلى الإمام حرية التصرّف في قسمة الغنائم، ومنها إقرار حدّ الخمر أربعين جلدة على عهد أبي بكر ثم ثمانين جلدة على عهد عمر، ومنها نسخ زواج المتعة، ومنها إلحاق المجوس بحكم أهل الكتاب في دفع الجزية دون الزواج منهم وأكل ذبائحهم، ومنها استثناء نصارى بني تغلب من حكم أهل الكتاب، ومنها جواز مغادرة المرأة المتوفى عنها زوجُها بيت زوجها قبل أن تنقضي عدّتها أسوة بفعل علي بن أبي طالب بابنته أمّ كلثوم حين توفّي عنها عمر[3]

– انشغال القرآن بمحاورة المتلقّين الأُول للنصّ من أصحاب النبيّ وأعدائه ومن المنافقين والسائلين والممتحنين والمجادلين والمستفسرين والمحتكّين بشؤون حياة الدعوة في مكة وفي المدينة …والقرآن في كل ذلك يجيب عن سؤال أو يقضي في نازلة أو يردّ على شخص أو يفسر أمرا ويجمل آخر أو يبيح عادة أو يحرّم سلوكا أو يقرّع معاندا أو يمدح مؤمنا أو يروي قصة أو حتى يفتي في مسائل خاصة بحياة النبي الشخصية وعلاقته مع زوجاته…وهو في كل ذلك يتفاعل مع سيرة الدعوة سواء أفلحت أو تعثّرت أو جنحت للسلم أو اضطرت إلى قرع طبول الحرب أو إبرام الهدنة. وقد تميّز القرآن بسبب محاورته شؤون القوم وواقع الناس في الحجاز في القرن السابع ميلاديا باختلاف نصوصه وتغيّر أحكامه تبعا للمراد من النازلة المعروضة. وقد عثرنا على خبر نرى أنه يُبِين عن خصيصة التفاعل الحيّ مع الوقائع خير إبانة. فـــ:”عن زيد بن ثابت قال:كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:اكتب:”لاَ يَسْتَوي القاعِدُونَ من المُؤمِنينَ والمُجَاهِدُون فِي سَبِيل اللهِ“. فجاء عبد الله بن أم مكتوم فقال:يا رسول الله إني أحبّ الجهاد في سبيل الله ولكن بي من الزّمانة ما قد ترى، قد ذهب بصري. قال زيد: فثقلت فَخِذُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي حتى خشيت أن يَرُضّها ثم قال :اكتب” لاَ يَسْتَوي القاعِدُونَ من المُؤمِنينَ  غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجَاهِدُون فِي سَبِيل اللهِ “(النساء4/95 )[4] . فلا شك في أنّ اعتراض الصحابيّ ورجاحة حجّته وسلامة منطقه ونقاء سريرته جعلت الآية تتّسع لتستوعب أهل العاهات القاعدة بأصحابها عن الجهاد.

– بساطة الفهم وحريّة التأويل تبعا لما تحمّله كلّ فرد من القرآن ولما وعته كل طائفة من شروط الالتزام الديني الصحيح. ومن مظاهر الفهم الشخصي ما ذهب إليه أبو ذرّ الغفاري من تحريم امتلاك الأموال على المسلمين وعدّه كنز الذهب والفضة كفرا وميله إلى ضرورة إنفاق كل ما فضل عن الحاجة في سبيل الله. وإلى العكس من ذلك ذهب عثمان وبقية الصحابة. ومن مظاهر الفهم الجماعي المؤسس على وحدة القبيلة امتناع عدد من القبائل عن دفع الزكاة لأبي بكر(ما يعرف عادة بحروب الردة)، وعدّهم الزكاة أمرا خاصا بعلاقتهم بالنبيّ لا تحلّ لغيره وقد احتجّوا بالآية التي تربط بين دفعهم الزكاة وصلاة النبي عليهم: “خُذْ مِن أمْوالِهم صَدَقَةً تُطهّرهم وتُزكّيهم بها وصلِّ علَيْهم إنّ صَلاتَك سَكَنٌ لهُمْ واللهُ سمِيع عَليم” (التوبة9/103)[5]، وإلى العكس من ذلك ذهب أبو بكر.

ب- مرحلة التلقّي المسيّج: أما المرحلة الثانية فهي مرحلة تحوّل القرآن إلى كتاب، ويعني ذلك ضبط الفهم وتلبّس السلطة الدينية بالسلطة السياسية (الخليفة والفقيه-القاضي) وفرض الرّقابة من ثمة على عمليات الفهم والتأويل. وهي مرحلة يمكن حدّها زمنيا منذ نشأة الدولة الأموية حتى العصر الحديث. ومن سمات هذه المرحلة:

– تقييد الفهم، وهو تقييد تمّ من خلال توحيد المصاحف في مصحف إمام، وضبط القراءات القانونية واستثناء ما عداها، واستنباط منهجية أصولية قامت من جهة على علوم القرآن(الناسخ والمنسوخ، المحكم والمتشابه، المكي والمدني، العام والخاص، المجمل والمفصّل)، وقامت من جهة ثانية على ربط فهم القرآن بأصول مكمّلة كالسنّة والحديث النبوي والإجماع وعمل الصحابة والقياس…وقد ترافق ذلك مع أفول القول بالرأي، والنزوع إلى قياس الحاضر على الماضي، وإضفاء قدسية على أقوال الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، وعلى الميل إلى صبغ جميع شؤون الحياة بصبغة دينية على أساس المسلّمة التي صاغها الشافعي القاضية أنه “ليست تنزل بالمسلمين نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها”. وهكذا تمّ التفريط في حرية التعامل مع النص القرآني والتفنن في الفهم التي طبعت حياة الجيل الأول من المسلمين.

– شيوع التقليد، وهو تقليد غايته السيطرة على حركة المجتمع وتعدّد مشاربه الثقافية، فتمّ وسم الجديد بالبدعة والضلالة، وتم التضخيم من صورة الماضين، والتقيّد بأقوالهم وأفعالهم، ونصبهم سلطة على الأفئدة. وليست المذاهب والشيع الإسلامية الكثيرة سوى وجه من وجوه تكريس التقليد. فالمذهب يقتضي إماما أو مرجعا، والانتماء المذهبي الصافي يقاس دوما بدرجة ترديد آراء مؤسّس المذهب أو النّحلة. ولعلّ احتفاء كتب التفسير والفقه بعلماء القرنين الأول والثاني هجريا وأخبارهم وآرائهم خير دليل على انتشار سنّة التقليد والانضباط لمقالة الجماعة.

– تدخّل السلطة السياسية -الدينية في ضبط الفهم الديني ومراقبته وتوجيهه. ذلك أنّ قيام السلطة في الحضارة العربية الإسلامية على أساس ديني قد أدّى إلى نشوء تحالف بين رجل الدين (العالم باللغة المفسر للقرآن) ورجل السياسة، أو بين أهل الشوكة وأهل الحل والعقد، أو بين الفقيه والسلطان (تحالف القلم والسيف). وهو تحالف متين ذهب به الفقيه إلى أقصى مداه حين حرّم الخروج على السلطان الجائر وفقا للمسلمة التي صاغها الفقهاء :”سلطان غشوم خير من فتنة تدوم”. ورغم أن بعض رجال الدين الدائرين في فلك السلطة كالمعتزلة فابن حنبل لم يسلموا هم الآخرون من سوط السلطان وسطوته، فإنّ تهمة الزندقة كانت التهمة الجاهزة الكفيلة بقطع رؤوس أصحاب الفهم المختلف عن مسلّمات الفهم الرسمي للإسلام. ويكفي أن نذكر من أهل التفسير الطبري الذي منع دفنه في مقابر المسلمين، ومن أهل التصوف الحلاج الذي صلب، ومن أهل الفلسفة ابن رشد الذي نفي وأحرقت مؤلفاته. وعموما، فإنّ جل أصحاب الفهم المختلف قد قتلوا، أو ماتوا كمدا وحسرة، أو هُجّروا، أو ضيّق عليهم في معاشهم، أو اضطروا إلى التقية أو إلى البراءة من أفكارهم.

ج- مرحلة التلقّي الحرّ: أما المرحلة الثالثة في تاريخ الفهم الديني فهي المرحلة الحديثة، وهي مرحلة شبيهة بالمرحلة الأولى، وقد تميزت في رأينا بالسمات التالية:

– تحرير فهم القرآن من سلطة السلف، وهو تحرير يتجلّى في الكشف عن عدم عصمة السابقين وفي تحرير الاجتهاد، وفي التخلّص من قوانين الفهم التقليدية المسماة علوم القرآن كعلم النسخ مثلا[6]، كما يتجلّى في الاستغناء بالقرآن عن النصوص النابتة على سطحه كالسنّة والحديث النبوي والإجماع وعمل الصحابيّ والأخبار. بل إنّ المعاصرين لم يستنكفوا عن نقد تلك الأصول، فتعرّض الحديث النبوي مثلا إلى نوازع الشك والطعن في موثوقيّة نسبته إلى النبيّ، وفي حجّية التعويل عليه في فهم القرآن، وأثيرت قضايا المشافهة والإسناد وعدالة الرواة في التعامل مع مدونة الحديث، ولم يعد ينظر إليها بوصفها نقلا أمينا لآراء النبي بقدر ما أضحت تدلّ على اتجاهات واضعيها وأهوائهم وميولاتهم، أما السنة فقد تعرضت هي الأخرى للنقد التاريخي، فاستبانت صلتها بالعرف الجاهلي وبالقوانين الرومانية وبالشرائع السابقة وبالروافد الثقافية التي جلبها الداخلون الجدد في الإسلام وباحتياجات الأمة الناشئة والسلطة القائمة. وهكذا، أضحى كل فهم معاصر يعوّل على القرآن وحده نصّا ملزما دون سائر النصوص التراثية الأخرى.

– ربط فهم القرآن بحاجة المسلمين في العصر الحديث إلى تحقيق التقدّم، وإلى تجذير قيم الحداثة كالحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية. فنشأت اجتهادات جريئة حاورت القرآن بعقول جديدة لتستنبط منه أحكاما جديدة في السياسة، وفي وضع المرأة، وفي الحرية، وفي التنمية… ونشأ تبعا لذلك مثلث تأويلي قاعدته القرآن وضلعاه المؤوّل من جهة، وحاجاته الملحّة من جهة ثانية. ولعلّ أهم سمة ميزت التأويلية الإسلامية المعاصرة هي الوعي بتاريخيّة كثير من الأحكام القرآنية، والقبول من ثمة بالتخلي عنها والبحث عن فلسفة جديدة للفهم لا تستضيء بحرْفيّة النص بقدر ما تستضيء بأهدافه العامة ومقاصده النبيلة.

– الميل إلى إبداع فهم فردانيّ للدّين لا يعوّل على فتاوى الشيخ ولا على ضيق المذهب وتعاليم النحلة، وهذه الفردانية وليدة ارتقاء وعي المسلم وتمكّنه من الانفراد بقرآنه يتعبّد به على وجه، ويأنس إليه على حرف. ولا شك في أنّ ارتفاع نسبة التمدرس وتوفّر الوسائط الحديثة بدءا بالطباعة وصولا إلى الرقمنة قد مكّنت المسلم من إعادة تحرير القرآن من أسر الفهم الواحد والنظر إليه بوصفه نصا غنيا بالدلالات وطبقات المعنى، وذلك سرّ معاصرته.

 

 

[1] – الطبري (محمد بن جرير) : جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 2001،ج1 ص17

[2] – راجع مثلا النحاس (أبو جعفر) : الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، المكتبة العصريّة ، بيروت، ط1 ، 2007 ص238-239، وقد أقرّ القرطبي بذلك حين قال:”وفي الروايات المستفيضة من الطرق الكثيرة أنّ عمر أبقى سواد العراق ومصر وما ظهر عليها من الغنائم لتكون من أعطيات المقاتلة وأرزاق الحِشوة والذراري، وأنّ الزبير وبلالا وغير واحد من الصحابة أرادوه على قسم ما فتح عليهم” القرطبي(أبو عبد الله): الجامع لأحكام القرآن، ،ج18 ص16

[3] -النحاس: الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم ، انظر على التوالي الصفحات 170-171 ، و150-151 ، و105 ، و119 ، و78

[4] -الطبري:جامع البيان،ج5 ص269

[5] – الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ج2 ، ص254-255

[6] – انظر محمود محمّد طه: الرّسالة الثانية في الإسلام، ضمن : نحو مشروع مستقبلي للإسلام، المركز الثقافي العربي، بيروت ودار قرطاس، الكويت، ط1، 2002

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete