في حديث الهُوية والخصوصية وحقوق الانسان

 تكوين

تعامل المثقفون العرب مع الحداثة بازدواجية، إذ ما زالوا منذ انفتاحهم الأول على الغرب إلى الآن محكومين بموقف متناقض من الثقافة الغربية، فهي من جهة النموذج الواقعي والمعقول لتجاوز التخلف والانحطاط المهيمنين على العرب، وهي من جهة أخرى تهديدًا للتقاليد والتراث والثقافة العربية. كان هذا الموقف من الغرب، من: الطهطاوي والبستاني والمراش وعبده والأفغاني إلى الريحاني وطه حسين وزكي نجيب محمود، إلى الرعيل الأعظم من المثقفين العرب المعاصرين، حتى ليمكن القول إن هذا الموقف المتناقض هو من كلاسيكيات الفكر العربي الحديث والمعاصر.

النهضة العربية الحديثة

إن الإشكال الكبير الذي عَلِقَ فيه كُتاب بداية النهضة العربية الحديثة وما يزال إلى الآن، هو كيف يمكن أن نأخذ من الغرب من دون أن نتخلى عن ثقافتنا؟ كيف نستفيد من انجازاته من دون أن نتنكَّر لتراثنا وخصوصيتنا الحضارية؟ بمعنى آخر كيف نستوعب الحداثة في جُعْبَةِ التراث؟

لكن فرصة المواءمة والتوفيق تبدو مُهدَّدَةً الآن، فمن ناحية تتجه العولمة نحو اكتساح الثقافة والتراث والخصوصيات القومية من دون هوادة، ومن ناحية أخرى تدخل الأصوليات من أجل تشديد قبضتها على المجتمع والفكر والسياسة في صراع دائم مع الحداثة وقيمها ومسلماتها. ولعل ما عَبَّرَ عنه إدريس هاني في “العرب والغرب: أي علاقة، أي رهان”. يَعْكِسُ حقيقة هذا الصراع، إذ يقول في مقدمة كتابه:

“إن العالم العربي بات مُهددًا أكثر من أي وقت مضى، بغزو حقيقي يَهْدِفُ إطراحه من الوجود، وإحلال ثقافة جديدة محله، ثقافة الغرب… وما لم يستيقظ الضمير العربي من سباته وغفلته، لمواجهة هذه الهجمة، ويستنهض عقله المقاوم، فان عملية تدمير مُحَقَّقَةٍ لا محالة سوف تلحق بعالمنا العربي.

فالحديث عن الغزو والهجوم والاكتساح لهي أفضل تعبير عما يحدث الآن في العالم. وهكذا فان الحداثة التي باتت مطلبًا ناجزًا في حقل البِنى التحتية، صارت موردَ ابتزاز تُحَقِّقُ التبعية للغرب وتُكَرِّسُ الحاجة إليه، وكل ذلك على حساب ثقافات الشعوب التي هي أساس هُويتها.

إقرأ أيضًا: التعصب عند بعض روُاد النهضة.. مفهومه وسبل مواجهته

هذا الرعب إزاء ثقافة الغرب وما تُمَثِّلِهُ من تهديد للخصوصية الثقافية العربية، هو ما عَبَّرَ عنه جلال أمين في “قضايا التنوير والنهضة في الفكر العربي المعاصر” (مركز دراسات الوحدة العربية ) بقوله:

“كانت هناك حتى في تلك العقود الأولى من هذا القرن، جرعة مؤسفة من التغريب الذي كان المرء يتمنَّى لو لم يحدث، والذي لم يكن ضروريا البتة للسير في طريق النهضة، والأسوأ من ذلك أنه فتح الباب، كي تدخل إلينا رياح التغريب كاملة حتى كادت تقتلع كل شيء”. أما ما يتخوف منه جلال أمين فليس إلا “مطلقات” التنوير الغربية -الحرية، التسامح، العقلانية، الموضوعية- التي “قد لا تكون هي أنسب المعاني لنا، وقد لا تكون حتى جزءًا من أي تنوير، حقيقي عندنا”.

وفي المناخ الفكري ذاته دعا عبد الله النفيسي في “العلمانية والممانعة الإسلامية” لعلي العميم (دار الساقي ) إلى “البحث عن نموذج ثالث تنموي، يُحقق لنا خصوصيتنا واستقلالنا، ويحررنا من تبعيتنا للنموذج الغربي” إذ إن “التغريب هو ضرب من ضروب الغزو الفكري والمسخ الجماعي”.

إن الرابط المركزي بين هذه الأفكار والمواقف هو هاجس تأكيد خصوصية الثقافة العربية إزاء الثقافة الغربية التي تتخذ أكثر فأكثر صفة الشمول والعالمية، والتي بَشَّرَتْ بعض النظريات الغربية مثل: نظرية فوكوياما في “نهاية التاريخ” ونظرية هانتنغتون في “صراع الحضارات” بوجوب تعميمها على العالم أجمع. لكن الأمر يبدو أكثر تعقيدًا عندما يُطبَّقُ المنحى ذاته في مجال حقوق الإنسان، فإذا كان تأكيد الخصوصية في جانب منه ينطوي على رفض أفكار الهيمنة والاستعلاء الغربيين، إلا أن ذلك لا ينطبق على القيم والمبادئ والمُثُل الإنسانية التي هي في الأصل ثمرة نضال إنساني شاقٍّ وطويل كانت للغرب فيها إسهاماته المميزة على رغم كل الانتهاكات لهذه القيم والمبادئ والمُثُل على يدِ الغرب نفسه.

حقوق الإنسان في الشرق الأوسط

لقد حاولت الدول العربية والإسلامية صياغة مواثيق خاصة بها في مجال حقوق الإنسان، بقصد مراعاة الخصوصية الإسلامية والعربية وتأكيد الاستقلال عن الغرب، باعتبار الإعلان العالمي لحقوق الانسان “عولمة مفروضة من قبل حضارة غربية سائدة” يجب رفضها ومقاومتها على ما يزعم دعاة الخصوصية والتميز. لكن ماذا كانت النتيجة بعد أكثر من ثلاثة أرباع القرن على صياغة الميثاق العالمي لقوق الانسان؟

لقد انتظرت الجامعة العربية حتى عام 1970 لكي تُنْشِئ لجنة حقوق الإنسان، وقد كُلِّفَتْ منذ إنشائها بإعداد ميثاق عربي لحقوق الانسان لم تنتهِ منه إلا في عام 1994، أي بعد مؤتمر فيينا لحقوق الانسان عام 1993. وفي رأي محمد فائق، أمين عام المنظمة العربية لحقوق الانسان في “حقوق الانسان العربية” (مركز دراسات الوحدة العربية) أن هذا الميثاق جاء هزيلًا لا يُضيف أي جديد في مجال حقوق النسان على خلاف جميع المواثيق الاقليمية الأخرى. ولم تهتم الجامعة بالمنظمات غير الحكومية، بل إنها لا تعترف إلا بالمنظمات التي تؤيد الحكومات، وكان كل ما يهمها هو المحافظة على الأوضاع القائمة. ومع ذلك، لم يُصَدَّق على هذا الميثاق حتى الآن سوى دولة عربية واحدة.

ويرى فريد هاليداي في “الأمة والدين في الشرق الأوسط ” (دار الساقي) أنه إذا طبقنا مقولتي راولز الرئيستين: في الدولة الليبرالية الحسنة التنظيم، والدولة التراتبية الحسنة التنظيم، على الشرق الأوسط لما تأهلت دولة واحدة من دول المنطقة لضمها إلى أي من الفئتين. وبكلام آخر ما من دولة في الشرق الأوسط يجوز أن تنضم في المجتمع الدولي نظرًا لأوضاع حقوق الانسان الفردية فيها، ناهيك بحقوق الجماعات القومية أو الدينية أو الطائفية.

ومن المؤسف كما يذكر هاليداي أنه في ظل الديكتاتورية القومية اللا ليبرالية الفاسدة من نمط الخمسينيات في مناطق السلطة الفلسطينية، زاد في غضون ثلاث سنوات عدد القتلى الفلسطينيين ومن هم رهن الاعتقال عن العدد الذي بلغه الإسرائيليون في أكثر من عشرين عامًا.

أما إذا اعتمدنا تقرير التنمية البشرية لعام 1998، لتبين لنا أن قيمة مؤشر المساواة بين الذكور والإناث في العالم العربي هي الأسوأ في العالم قياسًا إلى البلدان الصناعية والبلدان النامية والعالم. ما يمكن تفسيره بـ “إجماع عربي” على تنمية بلا نساء “وهو ما لا معادل له في أي منطقة أخرى من العالم وفق تعبير الطاهر لبيب في “المستقبل العربي”.

واستنادًا إلى تقارير التنمية البشرية للأمم المتحدة، فإن ثمة هوة تُباعد في العالم العربي بين الإمكانات الاقتصادية والتنمية البشرية، بين الاقتصاد والبشر وذلك عائدٌ إلى تخلف العرب في مجال حقوق الانسان. فقد أشار تقرير التنمية البشرية إلى أن تسعَ دولٍ من أصل عشرون دولةٍ عربية لم توافق على المواثيق الدولية المتعلقة بإزالة أشكال التمييز ضد المرأة ومقاومة التعذيب، وثُلث الدول العربية أو أكثر لم يُصادق على مواثيق الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومقاومة الإبادة الجماعية وحقوق اللاجئين.

إقرأ أيضًا: المرأة الفلسطينية: تحديات العنف المزدوج والفجوة الجندرية

وإن دلَّ بعض المؤشرات على تقدم محدود في بعض المجالات الاقتصادية والاجتماعية العربية، فإن الإجماع قائم على أن حقوق الانسان المدنية والسياسية، على رغم التفاوت بين البلدان العربية، غير متوافرة في مجموع هذه البلدان، بل أبسطها، في كثير منها مَهْدور، ولو أخذنا الدراسة التي أعدَّها نادر فرجاني عن “نوعية الحياة في الوطن العربي” (مركز دراسات الوحدة العربية) لوجدنا أنَّ “الاشكالية الأساسية التي يواجهها العالم العربي تتمثل في تردي أوضاع حقوق الإنسان، وتوقع تفاقم التردي في المستقبل المنظور من ناحية، وفي ضعف جهد تعزيز الانسان وحماية حقوقه من ناحية أخرى”.

إذا كان هذا ما انتهت إليه الدراسات نهاية القرن الماضي كما أشار إليها نادر فرجاني، فإن واقع حقوق الانسان والمرأة في نهاية الربع الأول من هذا القرن، تعاني أوضاعًا كارثية في ظل التطورات الحاصلة في غير قُطْرٍ عربي، من: فلسطين وسوريا إلى العراق والسودان.

لم يَعُدْ من شكٍّ إذا في أن الترجح العربي ترافق دائمًا مع التحفظ عن مواثيق العالمية لحقوق الانسان ومع تصاعد حديث “الخصوصيات” ما جعل الإنسان العربي يزدادُ بؤسًا وفقرًا وأميةً، على رغم كل المؤشرات الاقتصادية التي دلَّت على ارتفاع الدخل الفردي وازدياد عدد المدارس والجامعات والخريجين. فهناك أكثر من مئة مليون عربي تحت خط الفقر وأكثر من مئة مليون آخرَ أُمييِّن.

إذا كان هذا كله حصيلة التشبث بالخصوصية، ألم يئن الأوان بعد لمراجعة نقدية شاملة للموقف العربي من حقوق الانسان تأخذ في الاعتبار حقائق أساسية، منها:

  • أ- إن تأكيد الخصوصية العربية والخوف الهجاسي على الثقافة العربية إزاء مخاطر العولمة والغزو الثقافي الغربي، ينطويان في جوهرهما ومضمونهما على الإصرار إلى الانتماء إلى القرون الوسطى وعقلها المتخلف. فما يرفضه دعاة “الخصوصية ” ليس الحداثة المادية ومنتجاتها، فهذه يستميتون من أجل تملكها، وهي باتت من واقع حياتهم اليومية، وليس كذلك العلوم البحتة التي أثمرت هذه الحداثة وهذه المنتجات، فهي لا تُهَدِّدُ الاستبداد في أسسه وأصوله، ما يرفضه هؤلاء بالطبع هو عقل الحداثة الليبرالي الذي كانت أعظم تجلياته حقوق الإنسان، حريته وحقه في الانتماء والاعتقاد واختيار نظامه السياسي. وباختصار، حقه في أن يكون هو وَحْدَهُ سيد نفسه ومصيره.
  • ب- إن حقوق الإنسان في الديمقراطية والعدل الاجتماعي والمساواة الإنسانية ليست “هيمنة” غربية و”غزوًا” ثقافيًا، بل هي إرثٌ إنساني عالمي؛ ناضلت الإنسانية كلها من أجله طويلًا، والأجدر بنا، كوننا ورثة حضارة عريقة وممتدة الجذور، أن نُبادر إلى الإسهام في هذا النضال من أجل حقوق الانسان.
  • ج- إن الخصوصيات أيًّا تكن، لم تَعُدْ مما يتلاءم مع الاتجاه العالمي للتطور الذي لا يفتأ يُحَطِّمُ في ثورته كل ما كان يُظَنُّ أنه في منأى ومأمن من رياح التبدل والتحول، ولم يبقَ أمام العرب سوى الاندماج في السياق العالمي المُتوجه أكثر فأكثر نحو الاعتراف بحقوق الإنسان الأساسية والطبيعية، إذ لم يَعُدْ ممكنًا الاعتصام بخصوصية تُكرس عزلتهم عن الحضارة الانسانية وتقلِّصُ دورهم في مسيرتها وإنجازاتها.
  • د- إن الإصرار العربي على تنمية وتقدم من دون المرأة، وفي ظل الانتهاك المتواصل لحقوقها وكرامتها قد ثبت بطلانه. ولا بُدَّ من خطوات ثورية ونوعية في اتجاه تحريرها وإشراكها في البناء والتنمية.

هذه بعض حقائق ومقدمات تُمَهِّدُ في نظرنا للخروج من أسر التخلف والاستبداد والاتجاه وجهة العصر والتطور، فما خوفنا على خصوصيتنا سوى خوف الأسير على قيده أو خوف العاجز من مغامرة النهوض من الهاوية وتَنَشُّقُ هواء الحرية والأمل والسلام.

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete