تكوين
مَنْسِيَّات
“السلطة كطاحونة الرحى؛ إن لم تكن حبةَ قمحٍ قوية، صرتَ دقيقًا منثورًا.”[1]
تحضر الفلسفة في تناول الحروب من خلال فرعي السياسة والأخلاق حضورًا كثيفًا؛ إذ تعمل الفلسفة السياسية على تحليل الوضع السياسي وفهم وتشريح الأسباب والتداعيات التي تؤدي إلى قيام الحروب واندلاعها، بينما تطرح فلسفة الأخلاق مسألة أخلاقيات الحروب ومشروعية قيامها، وتتطرق إلى السياسة الأخلاقية التي ينبغي أن تلتزم بها الأطراف المتصارعة، والتي تتقاطع في أغلبها مع ما يُعرف بقواعد القانون الدولي. ومع ذلك، نرى أن الفلسفة التقليدية للحرب، سواء السياسية أو الأخلاقية، قد أغفلت “الإنسان” في حضوره الحي، وركّزت على الدولة والمؤسسات والشرعية والقيم المجردة؛ فلا يظهر الإنسان هنا إلا بوصفه قتيلًا أو جريحًا، بل وحتى بوصفه “قتيلًا” أو “شهيدًا”، وهذه إشكالية أخرى.
من هنا، نحاول أن نتساءل: كيف يمكن للفلسفة أن تعيد الإنسان إلى مركز الاهتمام في ظل واقع يَمُورُ بالاضطرابات، بينما ينصرف الخطاب إلى الدول والمؤسسات؟
ثم نأتي إلى أكثر أطراف المعادلة خفاءً، رغم حضورها الكثيف في ساحة التدمير، لكنها تُهمَل بشكل لافت أو تُذكر على الهامش: إنها “الطبيعة” وهنا حدث ولا حرج؛ فهي الأكثر تضررًا والأشد تعرضًا للعدوان، ومع ذلك ورغم طغيان الحرب على الشجر والحجر، إلا إنها لا تحظى بمساحة ملائمة من الاهتمام البشري. وهذه إشكالية أخرى تكشف عن أنانية الإنسان وفرديته؛ فهو الخصم والحكم معًا، فكيف يعدل؟
فحينما يسقط صاروخٌ، تتناول الأنباء عدد القتلى والجرحى، والمباني والخسائر المادية والتداعيات الاقتصادية، ولكن هل سمعنا يومًا أن صاروخًا سقط في مكان ما، فخلّف دمارًا للشجر والحجر، وأدى إلى سقوط “قتلى” في الطيور، أو “شهداء” كما البشر؟ هل تُذيع وكالات الأنباء عن هدم أعشاش الطيور وتشريد صغارها، وحرق الأشجار وتدمير التربة وتلويث مصادر المياه، وتهديد الحياة الحيوانية في البقعة المستهدفة؟ هل تأتينا الأنباء بعد القصف لتقول: هناك عشرون عصفورًا جريحًا، ومائة غراب طريحًا، وخمسون نملة دُكّت بها الأرض؟
أليس في الأمر ما يثير الغرابة والدهشة، إذا تأملناه بعمق وضمير يقظ؟ وكيف لا يُغفَل ذلك، والأمر من مبدئه يفتقر إلى الحق والضمير؟ وهذا السؤال رغم طابعه البلاغي، إلا إنه يحمل أبعادًا فلسفية عميقة تنتظر منا التحليل.
والآن، لنعود مرة أخرى إلى الإنسان ونتساءل: هل يقتصر الألم في الحروب على من يقعون داخل رقعة الصراع، أم يمتد ليشمل الجميع؟ فالتداعيات الاقتصادية الخطيرة لا تترك أحدًا، في واقع يَمُورُ أصلًا بالمشكلات الاقتصادية، فضلًا عن الاضطرابات الاجتماعية والنفسية الناتجة عن نمط الحياة المعاصر، وكأننا كنا نفتقر إلى حرب أخرى؛ فهل يُلتفت إلى الضغوط والتوترات التي تصيب الإنسان نتيجة ما يحدث حوله؟ غالبًا لا؛ إذ يُختزل الأمر في عبارة باردة برودة الثلج: “التداعيات الاقتصادية للحرب“.
وكأن الطين كان ينقصه طينًا. فحتى في الخراب، يحضر الاقتصاد الرأسمالي ليزيد الأمر سوءًا؛ فلا يكتفي بتحويلنا إلى أرقام وخسائر مادية، بل ويتجاهل مشاعر الألم والحزن والحسرة، ويتجاهل أيضا إنسانيتنا الضائعة وأوجاعنا المؤلمة؛ فالاقتصاد لا يعنيه كيف مات الإنسان، ولماذا؟ بل ما يعنيه حقًا هو سرعة دفنه؛ لتعود عجلة الحياة إلى الدوران.
وهناك أيضا إشكالية واضحة، لكنها لا تُثار ولا تُناقش، وكأن التعتيم عليها مقصود، وهي: من يتخذ قرار الحرب؟ في الواقع إنها قلة تمتلك السياسة والاقتصاد، حيث يتضافر الاثنان معًا؛ إذ يعتمد الاقتصاد على السياسة بما توفره من قوة تحمي مصالحه وتوفر له دقة المعلومة، بينما تعتمد السياسة على الاقتصاد بما يمنحها من أدوات للسيطرة. غير أن السؤال المنسي يظل قائمًا، إذا كانت هذه القلة لا تتحمل في الغالب تداعيات الحرب، فلماذا تزج الشعوب في أتون الدمار؟ لماذا تدفع الشعوب وحدها الثمن، فتموت وتتألم، بينما تظل تلك القلة سالمة؟ أليس هذا يثير السخط؟!
لذا، نحاول هنا أن نلقي الضوء على ما غفلت عنه فلسفة الحرب والاقتصاد معًا، وأن نعيد رسم حدود المعادلة: الإنسان والطبيعة، دون تمييز بين شجر أو حجر أو نبات أو حيوان؛ فنحن شركاء على هذا الكوكب.
فإذا فُقِدَ النباتُ فَنِيَ الحيوانُ، وإذا فُقد الحيوان والنبات فني الإنسان، غير أن ما نخشاه حقًا، أن الطرف الوحيد الذي قد لا يؤدي غيابه إلى خلل هو الإنسان ذاته؛ بل إن إقصاءه قد يؤدي إلى استقرار المعادلة، ويعيد الهدوء إلى الكوكب؛ فهذا الكائن الذي أفسد الأرض، ورفع السفهاء إلى مواقع القرار، وأخضع العالم لهيمنة اقتصادٍ رأسماليٍّ جَرَّدَ الإنسانَ من كرامته وربط مصيره بلقمة العيش، هو ذاته من سمح بتخريب الكوكب خدمةً لقلةٍ لا ترى ولا تسمع إلا بلغة المال، ولا تدرك الحقيقة البسيطة التي تقول: بأن النقود لن يكون لها أي معنى إذا انتهى العالم.
ومع ذلك، ورغم هذا الخلل البادي في أطراف المعادلة، يظل هناك طرف رابح في النهاية، وهو الطبيعة، تلك التي تملك القدرة على إنهاء المعادلة ببساطة، من خلال القضاء على العنصر المُخرِّب فيها؛ فإما أن نعي أننا نحن هذا العنصر فنكف، وإما أن نتمادى فنفنى.
1- آرنت وتفاهة الشر
تناولت حنّة آرنت في كتابها “أيخمان في القدس” (1963) إشكالية “تفاهة الشر”، في محاولة لفهم طبيعة الشخصية التي شاركت في تنفيذ إبادة اليهود آنذاك، أي المحرقة؛ فعلى الرغم من أن أوامر الإبادة الجماعية صدرت عبر سلسلةٍ قيادية، وأن هتلر قد وضع التوجيهات العامة، فإن أيخمان لم يكن سوى حلقة في منظومة بيروقراطية طويلة، يتلقى أوامره من رؤسائه في جهاز الأمن النازي، الذين كانوا بدورهم ينفذون الإرادة التدميرية لهتلر.
تتجلى الإشكالية هنا في أن الصعوبة الأكبر لا تكمن في صانع القرار، بقدر ما تكمن في منفّذه؛ إذ قد تُتخذ القرارات ببرود أحيانًا، لأننا لا نرى الفعل ولا نلمس نتائجه مباشرة. أما منفّذ الفعل؛ فعلى النقيض من ذلك، يُفترض أن تتحرك إنسانيته لرفض ارتكاب العدوان. غير أن هذا لم يحدث مع أدولف أيخمان، الذي امتثل لأوامر رؤسائه ونفّذ الإبادة. لذلك نظرت إليه آرنت لا بوصفه وحشًا استثنائيًا، بل باعتباره مجرد بيروقراطي يطيع الأوامر، وأداةً تنفّذ ما يُطلب منها دون مساءلة. فقد كان يرى أن الصواب يكمن في طاعة رؤسائه، بغض النظر عن بشاعة الأفعال التي يُؤمر بها.
ومن هنا، تكشف آرنت مفارقة صادمة، أن من ارتكب أفعالًا بالغة القسوة لم يكن شيطانًا خارقًا، بل إنسانًا عاديًا، تخلى عن التفكير، واكتفى بالامتثال. لم يكن الشر في حالته نابعًا من نزعة شيطانية واعية، بل من فراغ داخلي عميق، ومن غياب للضمير والحس الأخلاقي الفردي، وعجز عن التفكير بوصفه كائنًا مسؤولًا. ولذلك وصفت آرنت هذه الحالة بـ”تفاهة الشر”، فهو شر يُمارَس بلا عمق، وبلا وعي، وبلا مقاومة داخلية من الأساس. وسواء أكان توصيف آرنت دقيقًا من الناحية التاريخية أم لا، فإن ما يعنينا هنا هو أن النموذج الفكري الذي طرحته، والقائم على فصل الفعل عن التفكير الأخلاقي، بات يُمارَس اليوم ببساطة عبر التقنية.
وهنا تحضر إشكاليتان في الحروب المعاصرة:
- أولاهما: أن “تفاهة الشر” ما تزال قائمة، ولكن في صور جديدة؛ إذ نرى أفرادًا—وأحيانًا جنودًا مرتزقة— يؤدُّون أدوارهم ببرود، ويشاركون في العنف وهم يعتقدون أنهم على صواب، لمجرد أنهم يطيعون الأوامر أو يتقاضون أجرًا. وهنا يبرز السؤال: أين ضمير الإنسان وحسّه الأخلاقي؟ كيف يمكن لقطعٍ من الورق أن تتحول إلى مبرر لكل هذا الخراب الداخلي؟ وهل يظن هؤلاء أن المال الذي يُجمع على حساب دماء الأبرياء يمكن أن يكون مصدرًا للطمأنينة أو جالبًا السعادة؟ إن هذا الوهم لا يقل تفاهة عن سابقه؛ فمثل هذه الأموال، حتى وإن بدت مغرية، لا تنفصل عن آثارها النفسية العميقة. فثمة خراب داخلي يتسلل بصمت، يجرّد الإنسان من إنسانيته، ويزيده قسوة وتوحشًا. فيفقد إنسانيته ويخسر ذاته، وهل هناك ثمن أفدح من ذلك؟
- وثانيهما: تتمثل في “التحول التقني” في أنماط القتال، فلم يعد الفاعل يرى أثر فعله رؤية مباشرة؛ إذ يمكن تنفيذ الضربات عن بُعد بضغطة زر، دون احتكاك حقيقي بالضحية، ودون إدراك حسي للدمار. لم يعد القاتل يرى: هل الهدف إنسانٌ أم حيوانٌ أم شجرٌ؟ هذا الانفصال يُضعف التعاطف، ويُخَدِّر الإحساس الأخلاقي، ويحوّل الفعل إلى إجراء تقني بارد.
وهكذا، لا تكتفي التقنية بتسهيل الفعل، بل تسهم في إعادة تشكيل الوعي به؛ إذ تجعل الشر أكثر “تفاهة”، وأقل إثارة للقلق الداخلي؛ فحين يغيب التماس المباشر مع الألم، يسهل تبرير الفعل، ويبهت الإحساس بالمسؤولية. ومن ثم، يمكن القول إن التقنية الحديثة لا تُنتج الشر فحسب، بل تُعيد إنتاج “تفاهته” في صورة أكثر اتساعًا وخفاءً.
وهكذا، أصبحنا نرى الحروب تُدار ببساطة؛ فلم تعد تحتاج إلى شياطين يرتكبون أبشع الأفعال، بل يكفي تقنيون بارعون يضغطون على أزرار، ومرتزقة لا يسألون بل يعملون من أجل المال وحده، بلا أخلاق ولا مبادئ، وإعلام يُخدّر الضمائر ويتلاعب بالعقول وينسف المنطق. فـ”تفاهة الشر” لم تمت، بل تغيّرت أدواتها فحسب.
2– مفارقة القتيل والشهيد في زمن الحرب
نأتي إلى نقطة بالغة الأهمية من الناحية الفلسفية، وهي: لماذا يُوصَف الضحايا أحيانًا بـ”القتلى“، وأحيانًا أخرى بـ”الشهداء“؟ إذا كان الأساس الإنساني المشترك هو أن هناك فردًا إنسانيًا أُهدرت حياته، فلماذا يُمنح هذا الوصف دلالة سلبية، وذاك دلالة إيجابية؟ فالأولى تشير في أحد معانيها، إلى أن الإنسان قُتل هدرًا، بينما الثانية تُكسبه مكانة رمزية تمتد بين الحياة والموت. وهنا يبرز تساؤل فلسفي ملحّ: كيف، رغم ثبات الحدث في جوهره—وهو فقدان إنسان لحياته وتدمير جسده—نُضفي على هذا الفقد معاني متباينة إلى هذا الحد؟
لذا، فمفارقة القتل والشهادة هنا تكتسب دلالة خاصة في زمن الحرب وتحتاج إلى تفكيك، فنحن أمام أزمة معنى في موت الإنسان، وتصنيف جرى فقط على أساس الانتماء الجغرافي، ولكي نقترب من الإشكالية بوضوح، علينا أن نضع فئة الجنود جانبًا، وننظر إلى المدنيين من الطرفين المتصارعين، فهؤلاء في الغالب لم يفعلوا شيئًا سوى أنهم وُجدوا داخل نطاق جغرافي بعينه؛ فهم لم يختاروا الصراع، ولم يوافقوا عليه على الأغلب. وكذلك الأطفال لا يملكون وعيًا سياسيًا أو أيديولوجيًا أصلًا؛ إنهم فقط يمارسون حقهم الطبيعي في العيش. فلم يختاروا مذهبًا، ولا مبدأً، ولا دولة، ومع ذلك يتحولون بحكم الانتماء الجغرافي وحده إلى أطراف في معادلة لا يعرفون عنها شيئًا، وتزهق أرواحهم عبثًا.
وهنا تتكثف الإشكالية: لماذا نُصرّ على وصف بعض هؤلاء بـ”القتلى” وبعضهم بـ”الشهداء”؟ إن هذا التمييز يمكن تبريره في حالة الجنود، بوصفه ناتجًا عن اختيارهم الانخراط في الصراع، رغم ما يحيط بهذا “الاختيار” نفسه من إشكالات تتعلق بالحرية والوعي خصوصًا في أنظمة التجنيد الإجباري، إلا أننا نضعه جانبًا مؤقتًا لنركز على المدنيين الذين لا يتاح لهم أي خيارات على الإطلاق. وهنا ينشأ تساؤل مهم: ماذا عن المدنيين؟ تلك الفئة الأوسع والأشد تضررًا، التي تتلقى الخسائر دون أن يكون لها يد في صناعتها؟
أليست هذه مفارقة تستحق التأمل؟ بل أليست دليلًا إضافيًا على الإشكالية الأعمق: أن الإنسان بوصفه فردًا حيًا، قد غاب عن مركز المعادلة، لصالح تصنيفات رمزية وسياسية لا تعكس حقيقة معاناته؟ لقد أصبح الإنسان في كثير من الأحيان يكتسب قيمته لا من وجوده الإنساني في ذاته، بل من موقعه داخل بنية الصراع، إما منتميًا إلى سلطة، أو داخل إطار أيديولوجي يمنحه معنى، أما الإنسان العادي، فيُختزل إلى “خسارة” تُضاف إلى الهامش.
ومن ثم، لا يعود الأمر مجرد مثال على “تفاهة الشر” كما حللته آرنت، بل يبدو وكأنه تجاوز هذا الإطار؛ إذ لم تعد المشكلة في غياب التفكير الفردي فحسب، بل في بنية كاملة تُعيد إنتاج المعنى على نحو يجعل الإنسان نفسه قابلًا للتصنيف والتأويل بعد موته. وهكذا، لا نكون أمام خلل في أحد أطراف المعادلة، بل أمام فوضى أعمق، تضرب المعادلة في أساسها، وتكشف عن انهيار المعايير التي يُفترض أنها تمنح الفعل الإنساني معناه.
ونحن هنا نتناول فلسفة الحرب في عموم أفكارها، ولا نقلل أبدًا من قيمة الشهادة والشهداء؛ فيكفيهم قول الحق: “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ”[2] وبالطبع لا نقلّل من قيمة المقاومة التي تُوصَف بالإرهاب لمجرد صدورها عن الطرف الأضعف في المعادلة، والتي في حقيقتها تعبيرًا عن الشرف والمسؤولية والحس الأخلاقي العميق، لكننا نتساءل، من زاوية فلسفية، وببراءة حقيقية: ماذا لو كنتَ مدنيًا عاديًا لا يعنيه من أمر الدولة شيء، ولا يملك وسيلة للتغيير، وربما حتى للتعبير؟ وهذا بالمناسبة سائد في العالم؛ إذ تَفرض الإرادة السياسية اختياراتها على الجميع، ولا تضع في اعتبارها إلا ما تريده. ولدينا مثال بارز هنا: فعلى الرغم من خروج ملايين الأفراد في مظاهرات ضد سياسات دونالد ترامب لوقف الحرب على إيران، وهي المظاهرات التي عرفت بـلا للملوك (No Kings)، إلا إن مسار الحرب استمر كما يريده الساسة، ولم يستطع الفرد أن يفعل شيئًا، حتى في أكثر الدول ادعاءً للحرية والديمقراطية وتمكين الأفراد؛ فكيف بغيرها؟
ما نريده هنا هو أن نتأمل الأمر بهدوء، انطلاقًا من فلسفة الحياة وغايتها الكبرى في أن يعيش الإنسان، ويكتشف، ويتعلّم؛ لا أن يقتل ويخرّب ويدمّر، ولا أن تُهدَر حياته لأسباب واهية.
ما نودّ قوله بعيدًا عن التصنيفات والرموز، هو أن ننحاز إلى روح الإنسان وضميره في المقام الأول، فالشهداء ضحايا اعتداء في بقعة صراع، والمقاومة – في أحد وجوهها – تعبير عن شرفٍ وضميرٍ يقظٍ يحاول الدفاع عن وجودٍ مهدَّد. غير أن ما يعنينا حقا وقبل كل شيء، هو التساؤل عمّا جعل وجود الجميع هشًّا ومهدَّدًا من الأساس.
3- صناعة الرمز/الوهم
الحروب اليوم لا تخوضها الصواريخ وحدها كما قد يبدو، بل يشُعل فتيلها أيضًا عالم من المفاهيم والرموز، مفاهيم مثل “الأمن القومي”، و“محور الشر”، و“حق الوجود” حيث تتحول من مجرد تصورات إلى قناعات جماعية عبر الإعلام والثقافة، فتُنتج فكرًا يقبل تفاهة الشر ويبررها، ويختزل تعقيدات الواقع. لذا يُستَخدم الوعي الجمعي للشعوب وتُشكَّل ملامحه لتقبُّل أفكار مصنوعة تخلق وهمًا لدى العامة. ولدينا مثال بارز فيما تفعله إسرائيل والولايات المتحدة؛ فالأولى تتخفى وراء ستار ديني يمنح أفكارها هيبة زائفة، وتطرح حججًا وأوهامًا واهية تفرضها على العالم مستندة إلى هذا الغطاء، أما الثانية فهي مهووسة بخطاب نشر الديمقراطية وإلغاء التمييز والحفاظ على الأمن القومي، في حين أنه لم يعد خافيًا على أحد أن السبب الحقيقي هو “النفط” و”الاقتصاد” باعتراف رئيس الولايات المتحدة نفسه في وسائل الإعلام، وليس ارتباطها بحقيقة هذه الشعارات. وهنا يظل السؤال الفلسفي مطروحًا: هل يقاتل البشر من أجل أرض وحقوق، أم من أجل استمرارية هذه الرموز التي تمنح هوياتهم معناها؟
الإنسان العادي يريد أن يحيا فقط، وأن تتوفر له مقومات العيش المريحة. وإلا، فلماذا يهاجر الكثيرون من أوطانهم إلى بلدان أخرى توفر لهم فرص العمل والحياة الكريمة؟ لا أحد يرغب في القتال أو الحرب ليفقد راحته، أو تُدمَّر أسرته، أو يُقتل أطفاله. لكن السياسات المتسارعة تصنع إطارًا أو خلفية لتبرير تهديد وجود الإنسان، فتُنتَج الأوهام وتُبث حتى تتحول إلى رموز تكتسب مشروعية، وإن كانت في حقيقتها مشروعية واهية. والجميع يعلم الآن أن ما يدير الحروب هو القوة والرغبة في الهيمنة والسيطرة، من أطراف بعينها تصنع الوهم وتُصدّره. وقبل أن يتمكن الإنسان من التفكير أو التأمل في ثقافة الوهم التي تُبث إليه، يكون القرار قد طُبّق دون وعي منه، وكأنما يُقال له: عليك أن تعاني وتحارب وتفقد من أجل هذا الرمز وحسب. ولو تأملنا قليلًا لوجدنا أن هناك أطرافًا تَعتدي، وأخرى يُعتدى عليها، فقط لأنها تمتلك ما يريده الاقتصاد أو تسعى إليه السياسة.
والمؤسف حقًا هو ما حدث مع تطور الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي في عمليات الاستهداف، حيث يبرز سؤال: أين تقع المسؤولية الأخلاقية عندما تصبح الحرب عن بُعد؟ هل تقل وطأة العنف عندما لا يرى الجندي وجهَ من يقتلُه؟ وهل تتحول الحرب إلى ما يشبه لعبة فيديو تفقد فيها قيمتها الإنسانية؟
في السياق الفلسفي، يبرز سؤال قديم متجدّد: هل يمكن أن يكون العنف محرِّرًا؟ تختلف الإجابة جذريًا بين التيارات الفكرية؛ فثمة من يرى أن المقاومة المسلحة حقٌّ طبيعي في مواجهة الاحتلال، في حين يرى آخرون أن أي عنف، مهما كانت مبرراته، لا يفعل سوى إعادة إنتاج منطق الهيمنة وتأجيل الحلّ السياسي الحقيقي.
وهنا يحضرنا غاندي ودعوته إلى اللاعنف: ماذا لو كان غاندي حاضرًا اليوم؟ هل كان سيظلّ متمسّكًا باللاعنف في عالمٍ لا يبدو أنه يفهم إلا لغة القوة والسيطرة؟ حيث تتعقّد الأمور لتصبح في صالح القوة فقط، فإن كنت قويًا بما يكفي، صار لكلامك وزنٌ يردع خصمك، وإن لم تكن كذلك، انهالت عليك شعاراتٌ تُبرّر انتهاك دمك وتبدد وجودك.
وإذا كانت غاية اللاعنف في جوهرها، فتح أفقٍ للحلول السياسية والدبلوماسية الرشيدة. لأنها تفتح بابًا لمناقشة بدائل العنف، لكن كيف يتم ذلك في عالم لا يفهم إلا لغة القوة؟ أن عالم اليوم يطرح مفارقة واضحة؛ إذ يبدو أن امتلاك أدوات الردع والسلاح النووي، هو ما يفرض هذا الأفق ويجعل تلك الحلول ممكنة، وليس اللاعنف كما كان يطُرح سابقًا.
إنّ الوضع الراهن الذي نعيشه ونلمسه يؤكّد أن المنطق الغالب هو منطق القوّة؛ فلم يعد هناك مجالٌ حقيقي للحلول السياسية والدبلوماسية المزعومة. والمفارقة أن هذا ما أكّده هوبز حين قال: “المواثيق في غياب السيف، ليست أكثر من كلمات” [3] ويمكننا أن نربط مقولته هذه بما طرحته حنّة آرنت في تحليلها للعنف. والواقع المعاصر يؤكد ذلك؛ فلا مواثيق تُحترم وتُطبَّق إلا إذا كان الطرف ضعيفًا. أما القوي فلا تُفرض عليه القوانين، لأنه ببساطة هو من وضعها لإخضاع غيره.
ويمكننا هنا أن نجد متسعًا للتأمّل في ما يكشفه الواقع الراهن من توتّرات بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل؛ إذ تبدو قرارات مجلس الأمن الدولي ملزِمة وقوية حين يكون الطرف ضعيفًا، بينما لا يهابها من يملك القوة، ولا تطاله حتى سلطة القانون. فهذه القرارات تكتسب فاعليتها في الردع والمواجهة مع الأطراف الأضعف، أما مع القوى الكبرى فتكتفي بالشجب والإدانة والإعراب عن القلق، وتتحوّل الإجراءات المتخذة إلى مجرد صيغ شكلية تحفظ ماء وجه المؤسسات، فيما يظلّ الواقع نفسه مثيرًا للغثيان.
لذلك، يبدو من الضروري البحث عن منطق جديد في التفكير، يتجاوز الأطر التقليدية التي اعتدنا من خلالها فهم العالم.
4- فخ التفكير
يمكن لأي ملاحظ من الوهلة الأولى، أن يدرك أن منطق التفكير، وكذلك المنطق الذي يحكم الخطابات السياسية المعاصرة لدى الدول المهيمنة، يقوم على التلاعب بالعقول والمنطق معًا؛ فهو، أولًا، يخلو من أي منطق مألوف عرفناه، وثانيًا، يُصدِّر البلاهه ويمنح التناقض قيمة، حتى يبدو العاقل منا وكأنه هو المخطئ. فيشعر الإنسان بالغباء، لأنه يستمع إلى خطاب متناقض ومتهالك، يصدر عن شخص مسؤول ومن جهة مسؤولة، ومع ذلك يلقى قبولًا لمجرد انتمائه إلى هذه الجهة أو ذاك الشخص، فيُخيَّل إلينا أن الخلل فينا لا في تفاهة هذا الخطاب واضطرابه، وهذا يبدو طبيعيًا ما دامت السلطة تقف في صفه.
يمكنك أن تكتفي بالاستماع إلى خطابات الرئيس الأمريكي الحالي، أو بقراءة منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي الموجّهة إلى الجماهير، لتدرك حجم التناقض والتفكير الأعوج الذي يطغى على هذا الخطاب، والذي يُصفَّق له داخل البيت الأبيض. تخيّل مثلًا، أنه يبرّر استخدامه للعنف والقتل في هجومه على فنزويلا، بأنه واجه مقاومة، فاضطر إلى استخدام القوة وقتل من قاوموه!
ولتقريب الصورة: تخيّل أن لصًّا اقتحم منزلك؛ ماذا كنت ستفعل؟ وفق هذا المنطق، يُفترض بك أن تدعه يسرق ويخطف ويفعل ما يشاء، ثم تذهب إلى الشرطة لتقديم شكوى، من دون أن تدافع عن نفسك أو ممتلكاتك، لأن ذلك – في نظرهم – لن يُعدّ سلوكًا حضاريًا. وإذا فعلت وواجهت المعتدي، وُصِفتَ بالعنف والإرهاب. أليس في هذا قدرًا عضيمًا من الجنون؟
غير أن السؤال الفلسفي لا ينشغل بالجنون في ذاته، بل بشروط إمكان قبوله بوصفه منطقًا طبيعيًا. إذ كيف يغدو هذا التصوّر مقبولًا، بل ومروَّجًا له تحت غطاء العقلانية؟ فهل يُفترض مثلا بالمعتدى عليه أن يستسلم من دون مقاومة؟ وهل يصبح التخلي عن الدفاع عن النفس والوطن هو السلوك “الطبيعي”؟ إن المنطق الأعوج الذي يُصدَّر لنا اليوم يسعى إلى ترسيخ هذه الإجابة.
ويُصدَّر إلينا خطاب مفاده أنه إذا تم الاعتداء عليك، فلا تقاوم، بل اذهب واشتَكِ إلى صاحب السلطة ليأخذ لك حقك، ويُبرَّر ذلك بأنه درء للعنف. غير أن الواقع يكشف أنه وسيلة للخنوع لا لتجنب العنف؛ إذ يُراد إخماد أي مقاومة عبر وصمها بالعدوان. وهكذا يُطلب منا أن نصبر على الاعتداء والاستعباد، ثم نسلك طريقًا يُسمى حضاريًا، وهو اللجوء إلى القوانين الدولية التي يُفترض أنها تحفظ الحقوق، بينما هي في الحقيقة وُضعت من قبل الطرف المهيمن لإخضاع الطرف الأضعف. والدليل على ذلك أنها لا تُطبَّق عليهم، وإن طُبِّقت، كانت تطبيقات شكلية.
يرتفع الآن حول العالم شعار أحمق مفاده: “أن الدفاع عن النفس يُوصف بالإرهاب، بينما الاعتداء يصفونه بنشر الديمقراطية”، في قلب واضح للمنطق واعوجاج للتفكير، لذا، لم تعد المشكلة الحقيقية مقتصرة على قلب المنطق وتزييف الحقائق فحسب، بل امتدّت إلى تشتيت الإنسان ذاته، عبر تقويض طرائقه الطبيعية في التفكير، حيث تُقلَب الحقائق وتُصاغ بمنطقٍ زائف يجعل العاقل يبدو مجنونًا. والإشكالية الكبرى اليوم هي: كيف نحافظ على سلامة تفكيرنا، وكيف نمنع انتشار مثل هذا المنطق الأعوج؟ إذ تُسوَّق التفاهة باسم الحرية، وتُبدَّد القيم باسم الانفتاح، بل يصل الأمر إلى قلب منطق التفكير ذاته. إننا أمام تخريبٍ لروح الإنسان وضميره؛ إنها حرب على الوجود، لا مجرد صراع بين أطراف متنازعة.
ولنا مثالٌ بارز في إعلان وقف إطلاق النار المتعلق بإيران، الذي تضمّن – بحسب ما أُعلن – إنهاء القتال في مختلف محاور الشرق الأوسط. غير أن الرد الإسرائيلي تمثل بضرب لبنان بعنف، حتى بعد إبرام الاتفاق. وقد برّرت الولايات المتحدة ذلك تبريرًا واهيًا بأن لبنان لم يكن ضمن بنود الاتفاق، وأن الجانب الإيراني “أساء الفهم“. وعلى الرغم من انكشاف التناقض، وظهور ما ينقض هذا الادعاء – خصوصًا مع تصريح باكستان التي جرت المفاوضات على أرضها، بأن لبنان كان مُدرجًا منذ البداية – فإن الخطاب السياسي والإعلامي لم يتجه إلى إدانة خرق الهدنة، بل انصرف إلى اتهام الطرف الإيراني بسوء الفهم، بدلًا من توبيخ الطرف الذي انتهك الاتفاق من البداية.
ونلاحظ هنا كيف تُحوَّل بوصلة التفكير عن مسارها الطبيعي؛ فيُبرَّر الفعل الخاطئ، ولا يُكتفى بذلك، بل يُعاد توجيه الوعي نحو مساراتٍ بديلة. يُحرَّف المنطق الذي يقضي بأن خرق الاتفاق كان واضحًا ومتعمدًا، ليصبح الجدل منصبًّا على ما إذا كان الطرف الآخر قد أساء الفهم. لم نسمع خطابًا واضحًا يُدين الفعل بقدر ما سمعنا تفسيرات تعيد صياغة الواقع.
إنها عملية تلاعب بالعقول، وتحريف للبوصلة عن الحقيقة، حتى يغدو التفكير الأعوج هو السائد والمقبول، بينما يُقصى المنطق الإنساني السليم، بل ويُدان من يتمسّك به. وهنا لا تبدو الأزمة سياسية فحسب، بل أزمة وجودية تمسّ الإنسان في عمقه. فكيف يمكن للبشرية أن تستمر في ظل هذا المنطق المقلوب؟ ومن يجرؤ على التفكير بوضوح والتعبير عنه؟ يبدو من قراءة الواقع، أننا نقترب من حافة الهاوية.
لقد تجاوز الخطر حدود الصراع بين أطراف متنازعة، ليطال بنية التفكير ذاتها؛ فلم تعد القضية في وقوع الظلم فقط، بل في الاعتياد عليه وتبريره بمنطقٍ مشوَّه. فالمنطق الإنساني يُستهدف في الخفاء، حتى نصبح – مع التكرار والاعتياد – منقادين كما تُقاد الأغنام، لا لأننا عاجزون، بل لأنه تم أقناعنا بأن ما يُقدَّم لنا هو الحقيقة. ويزداد الخطر حين يُزيَّن السقوط ذاته، فيُصوَّر الهاوية على أنها خلاص، ويُعاد تشكيل وعينا ليقبل ذلك دون مقاومة.
فمن ينقذ الفكر الإنساني اليوم؟ ومن يحمي الإنسان من حربٍ تستهدف وجوده وضميره وحسّه الأخلاقي، لتُحوّله إلى آلةٍ تُطيع ولا تفكّر؟ إن الأمر أخطر من مجرد مواجهة بين طرفين؛ إنه نموذج يكشف حجم الهاوية التي يُدفع إليها العالم.
أما على المستوى الفردي، فثمّة ما يمكن فعله: أن نرفض الانصياع الأعمى، وأن نقاوم هذا التشويه، وأن نثق بعقولنا مهما تم التشكيك فيها. أن نُحيي الحسّ الأخلاقي، ونُفعّل مشاعرنا الإنسانية إلى أقصى حد، وأن نتمسّك بوعينا في مواجهة هذا الطمس المنهجي. فالدفاع عن المنطق اليوم هو دفاع عن إنسانيتنا ذاتها.
5- من التدمير إلى التعايش: نحو فلسفة للأمل
لم يكن هدف هذه الرحلة الفلسفية إصدار حكمٍ نهائي على فلسفة الحروب، ولا تقديم وصفةٍ سحرية تُنهي إشكالاتها، بما يوهم بالإحاطة بكل جوانب الظاهرة. بل سعينا، وعلى العكس من ذلك إلى الكشف عمّا أغفلته الفلسفة التقليدية: الإنسان في حضوره الحي، كما أشرنا في البداية، والطبيعة التي يُعتدى عليها ويُنتظر منها الصمت، فضلًا عن أزمة المعنى في حياة الإنسان ومعايشته لها، بل وحتى في موته، حين يُختزل في رموز قد تكون أوهامًا صنعتها السلطة وغذّاها الاقتصاد الرأسمالي.
إن إعادة الإنسان إلى مركز معادلة الحرب لا تعني الانشغال به بوصفه فردًا معزولًا، ولا إغفال الكائنات الأخرى، بل تعني إدراك أن حياة الإنسان متشابكة مع حياة الشجر والحجر والحيوان. فكل قنبلة تسقط على مدينة، إنما تسقط كذلك على نظامٍ بيئي كامل. لقد رأينا الصواريخ تنطلق في السماء وتخترق السحب في مشهدٍ سرياليٍّ يبدو للوهلة الأولى بديعًا، ثم تتصادم أو تُعترَض فتتفجّر في الجو، فتلوّث الهواء وتنتهك صفاءه، وتتساقط شظاياها لتُحدِث دمارًا على الأرض وتفتك بالبشر. ولك أن تتأمل مشهد السماء الزرقاء والسحب المتناثرة في هدوئها، ثم كيف يشقّ هذا الصفاء صاروخان متصادمان، فيخلّفان انفجارًا يبدو وكأنه ثقبٌ قبيح في لوحةٍ جميلة. إننا نعتدي على السماء ذاتها، ونفقدها توازنها، بدافع وهم امتلاكنا لها، ووهم كوننا الكائن الأهم والأقوى على هذا الكوكب؛ وهي مجازفةٌ ساذجة العواقب.
فماذا لو ردّت الطبيعة؟ ماذا لو اختلّ توازن الهواء الذي نتنفسه فصار سامًا، أو هطلت أمطارًا حارقة تُهلك الأرض والزرع؟ ماذا ستغني حينها التقنية والعلم؟ لن يكون هناك وقتٌ للردّ أو للدراسة؛ سنكون أمام مأساةٍ مكتملة.
لقد رأينا كيف يمكن للشر أن يكون “تافهًا”، كما حلّلت آرنت، وكيف يمكن للتقنية أن تتحوّل إلى أداةٍ لتفريغ الفعل من معناه الإنساني، وإخماد الحسّ الأخلاقي لدى الفرد، وإبعاده عن صراعه الداخلي. فصانع القرار يرسم خططه على خرائط جامدة لا حياة فيها، بلا حيواناتٍ تتحرّك، ولا أشجارٍ تتمايل، ولا عصافير تُغرّد؛ مجرد نقاطٍ على ورقٍ بارد. ومن ينفّذ الفعل العنيف قد لا يراه عنيفًا، لأنه يمارسه عبر شاشةٍ مضيئة، يظهر عليها الإنسان الآخر كنقطةٍ مجرّدة، لا كروحٍ تُزهَق ولا كجسدٍ يتمزّق. وهكذا يُعاد إنتاج المعنى حتى بعد الموت، ليخدم هوياتٍ لا صلة لها ببراءة الأطفال أو أحلام المدنيين البسطاء الذين يغادرون بيوتهم صباحًا إلى أعمالهم، ويودّعون أبناءهم إلى مدارسهم، إلى أن يعودوا فيجدوا أن كل شيء قد سُوّي بالأرض.
ورأينا أيضًا كيف تُصنَع الرموز لتبرير الهيمنة وتكريسها، وكيف يُقلَب المنطق حتى يغدو المعتدي ضحية، والمقاوم إرهابيًا، والطفل البريء هدفًا لمجرد وجوده في بقعةٍ جغرافية لم يخترها.
غير أن السؤال الفلسفي الأعمق اليوم هو: ماذا بعد الوعي؟ ماذا بعد أن نفهم وندرك؟ من يمتلك الفعل؟ هنا تتجلّى العقبة الكبرى؛ إذ إن من يمتلك الفعل هو ذاته من يحتكر السلطة ويتغذّى على منظومةٍ اقتصادية تدعمه. فهل نكتفي بالنقد، أم نسعى إلى بناء بدائل؟
على المستوى الفلسفي، قد تكون البداية في إعادة تعريفنا “للنصر” ذاته؛ فلا يكون معناه هزيمة الآخر، بل القدرة على العيش معًا على كوكبٍ واحد، في انسجامٍ مع سائر الكائنات، داخل طبيعةٍ تحتضن الجميع. إن فلسفة الحرب التي نستدعيها هنا ليست فلسفة تبريرٍ أو وصفٍ وتحليلٍ فحسب، بل فلسفة فعلٍ أيضًا، قوامها الحدّ من العنف وتقليص التجريد.
إنها دعوةٌ صريحة إلى أن نكون “حبّات قمحٍ قوية”، وألا نتحوّل بسهولة إلى دقيقٍ منثور، وأن نقاوم رحى السلطة، وألا نسمح لها بأن تسحقنا. وهذه الرحى إنما تتغذّى من اقتصادٍ صنعناه نحن ونقوّيه كل يوم. نحن بحاجةٍ إلى حبات قمحٍ قادرة على أن تُزرَع في تربة التضامن الإنساني الحقيقي والوعي البيئي الفعال. وعندها فقط قد تصبح المواثيق أكثر من مجرد كلمات، كما أشار هوبز، وقد تنحسر تفاهة الشر كما حلّلت آرنت، وقد تغدو الفلسفة أكثر من مجرد تأمّلٍ في الخراب، لتصبح طريقًا مضيئًا نحو الأمل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
- إيمانويل كانط ، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق،(2014)، ترجمة: عبد الغفار مكاوي، مراجعة: عبد الرحمن بدوي، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، مصر.
- جون ستيورات ميل، عن الحرية، (2007)، ترجمة: هيثم كامل الزبيدي، مراجعة وتدقيق: فادي حدادين، الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، الاردن.
- حنة آرنت، أيخمان في القدس: تفاهة الشر، (2018)، ترجمة: أحمد زعزع، دار الساقي، بيروت.
- حنة آرنت، في العنف، (1992)، ترجمة: إبراهيم العريس، دار الساقي، بيروت.
- مهنداس كارامشاند غاندي، قصة تجاربي مع الحقيقة، (2021)، ترجمة محمد إبراهيم السيد، هنداوي للطباعة والنشر، مصر.
- نلسون منديلا، رحلتي الطويلة نحو الحرية،( 1998)، ترجمة:عاشور الشلمس، جمعية نشر اللغة العربية.
- De Beauvoir, S. (1948). The ethics of ambiguity. Philosophical Library.
- Niebuhr, R. (1932). Moral man and immoral society. Charles Scribner’s Sons.
- Adorno, T. W., Frenkel-Brunswik, E., Levinson, D. J., & Sanford, N. (1950). The authoritarian personality. Harper & Brothers.
- Chomsky, N. (1967). The responsibility of intellectuals. The New York Review of Books.
[1] عبارة منسوبة لجحا.
[2] سورة آل عمران الآية:(169)
[3] حنة أرندت، في العنف، ترجمة إبراهيم العريس، دار الساقي، ص7.