تكوين
نلحظ من حولنا كثراً ينصّبون أنفسهم أولياء على الآخرين، يمُسكون بأيديهم مفاتيح التمييز بين الصواب والخطأ، بين ما يصحّ التعبير عنه وما يجب كبتُه والاحتفاظ به في قعر الكيان المقهور. وهناك كثرٌ في المقابل يعتبرون أن الانصياع لسلطة هؤلاء وأوامرهم أمرٌ واجبٌ ومفروضٌ اتباعه، إما لأنهم على حقٍ دائماً وإما لأن الاعتراض على قراراتهم سوف يكلّف ثمناً باهظاً، ليس الجميع على استعدادٍ لتحمّل أعبائه.
نلحظ أنه في المجتمعات القديمة كان التقيّد بمرجعية معرفية ما أمراً مبرّراً نظراً إلى عدّة أمور، لعلّ أبرزها ضيق أفق المعرفة آنذاك، وقلّة مصادرها، وعدم توفّر ما هو مطلوب من أجل انتشارها ووضع ثمارها في متناول الجميع. هذه الحيثيّات كانت تجعل من السهل فرض سلطة معرفيّة معيّنة على أي مجموعة بشرية، فيتمّ الاعتراف بها، والانصياع لأوامرها، من دون أخذ ورد، أو نقاش ومحاججة.
ما يدعو إلى القلق في زمننا هذا يكمن في أن هذا النهج القمعي، الذي يحصر المعرفة ببعضٍ من الأولياء والمتربّعين على عروش السلطة في مختلف تمظهراتها، لا ينتبهون إلى ما يحدث من تغيّرات تفرضها وتيرة التطورات في المجال الإعلاميّ والنشر والتسويق والترويج للأفكار والأقوال والآراء. كما أن ما يقلقنا أيضاً تلهّي الكثير من الناس في تأمين معيشتهم، وحلّ مشاكلهم اليومية المتعدّدة، والبحث عن مخارج مؤقّتة لهمومهم الحياتية، الأمر الذي يلهيهم عن مراجعة مصادرهم المعرفية، والتساؤل حول مصداقيتها وصلاحيّتها في الواقع الراهنّ. وكأن المشهد الحاليّ يظهّر لنا منبراً عاليّاً، ينظر المتربعون عليه إلى باقي البشر وكانهم كائنات منتزعة العقول، ضعيفة النفوس، مستلبة الإرادة، لا يمكنها أن تدير شؤونها بمفردها، كما أنه لا يمكنها أن تتولّى شؤون الفكر والثقافة والتعبير عما يجول في خاطرها بشكل موضوعيّ.
يبدو أن عدوى السيطرة على فكر الآخرين والتحكّم بمنطوقهم لا تنحصر فقط بمجال معيّن من دون آخر، فالرغبة في ضبط ما يُقال وفرض رأيٍ محدّد يُعتبر أنه هو الأصحّ والأفضلُ والأكثر قدرة على مجانبة الصواب، انتقلت إلى مجال اشتغال المثقفين المعاصرين. نجد، هنا وهناك، من يتفرّد بالكلام ويُجبر الآخرين على سماعه، وإن ترك له مجالاً لطرح سؤال فيكون ذلك إما من أجل تحجيمه وإخجاله، وإما من أجل تعظيم رأيه الذي سبق وأعلنه، والإقرار بصوابيّته. نلحظ بوضوح تجلّي نوعاً من العجرفة المعرفية التي تؤدّي، في كثير من الأحيان، إلى أزمة اعتراف حقيقية بالآخر.
ما يلفت الانتباه في معشر الفلاسفة والمفكرين، ليس جميعهم بالتاكيد، هو أن هناك من يفضّل ان يحيط نفسه بأشخاص يعتبرهم أقل شأناً منه، يتابعون أقواله، ومحاضراته بإنصاتٍ عميق وانبهار ظاهر، فيردّدون أفكاره من دون تشكيك أو مراجعة أو تدقيق. هؤلاء يؤدّون خدمة كبيرة لنموذج الفيلسوف المصاب بالعجرفة، أو لمثال اللاهوتي الذي تحجّرت أفكاره ولم يعد يرى ما يستحقّ القراءة سوى ما يتناسب مع نظرياته، أو للأديب الذي يسجن نفسه في أسلوبٍ معيّن يرفض إخضاعَه لأيّ نقدٍ أو مراجعة أو نقاش.
من هنا، نجد كم أن حاملي الشهدات والألقاب الأكاديمية والباحثين معرّضون بمجملهم للإصابة بفيروس قتّال هو الانغلاق على حقائقهم والتمسّك بما توصّلوا إليه باعتباره هو الأصحّ والأدقّ والأكثر قرباً من الحقيقة. إن هذا المرض المنتشر من حولنا يدفع بقوة إلى تخوين الآخر المختلف الذي تسوّله نفسه على أن يتجرّأ ويستخدم عقله، فيعبّر عمّا توصّل إليه نتيجة خباراته المعرفية والحياتيّة.
إن هذا الوضع يزداد تفاقماً في المجال السياسيّ لأن فعل رفض الرأي الآخر يصل إلى حدّ وضعه في خانة التخوين، الأمر الذي يسمح في تسويغ استخدام العنف المادي. هذا العنف الذي قد يصل إلى حدّ إلغاء وجود الآخر وإعدامه معنوياً ومادياً. لذا، الكلام على سهولة إطلاق الأحكام التخوينيّة والتحكّم في رقاب الناس وحياتهم أمرٌ يستحقّ التوقّف عنده والبحث في أسبابه وتداعياته.
من هنا يصبح من الملحّ أن نطرح الأسئلة الآتية:
باسم من؟ وباسم ماذا؟ يُطلِق البعض أحكاماً مصيريّة في ظرفٍ محدّد ضدّ فلان، أو ضدّ هذا التيار أو ذاك، او ضدّ حزبٍ ما، أو جماعةٍ لها معتقدات مغايرة لما يؤمن به هو أو الجماعة التي ينتمي إليها؟ من أين يستقي المصادر الدامغة التي تؤكّد له صوابية أحكامه؟ ومن أوكل إليه مهمّة قياس أفكار الآخرين ووضعها في ميزان معارفه وتقييمها وفقاً لسلّم أولويّاته هو من دون سواه؟
وما يزيد الأمر غرابة وحيرة، في حال راجعنا التاريخ، تاريخ الأفكار والمفكرين، هو ما نلحظه أن كثراً قد تمّ تخوينهم، أو تكفيرهم، من قبل سلطة معيّنة في فترة زمنيّة محدّدة، تبيّن في ما بعد أنهم كانوا على حق، وأن السلطة التي أطلقت الأحكام المجحفة بحقّهم، عادت وتراجعت عن موقفها، لا بل تبنّت الأفكار التي أدانت أصحابها سابقاً. الأمثلة على هذا الوضع كثيرة، إن في مجال الصراع بين العلم والدين، أو بين الفلسفة والدين، أو بين الشعر والسلطة الدينية. ناهيك عن الصراع بين السلطات السياسية وأحزاب المعارضة التي ما أن تستلم بدورها السلطة حتى تعود وتمارس سياسة الإقصاء والتخوين التي كانت تنتقدها من قبل وتعترض عليها بشدّة.
إن ما يزيد الأمور تعقيداً يكمن في ذلك الشعور القاتل بالغربة الذي يعاني منه الباحث الجاد والرصين لأنه لم يتمّ تلقّي أفكاره بموضوعية لا بل تمّ اتهامه بأقسى التّهم التي غالباً ما تأتي جزافاً، إذ إلى أيّ درجة يمكن لمطلقها أن يكون قد تعمّق كما يجب بالنصوص والأفكار التي سبق أن توصّل إليها صاحبها بعد طول بحثٍ وتنقيبٍ وتأمّل. لذا، لا بدّ من أن نسأل: إلى أيّ مدى يمكن له أن يصمد في وجه اليأس؟ إلى أيّ حدّ يمكنه تجاهل كلّ التهديدات التي تحاصره من أجل متابعة عمله الفكري؟ هل يستطيع الاستمرار في متابعة عمله وهو يفقد الشعور بالأمان، لأنه مهدّد في كلّ لحظة؟ هل يستحقّ المشتغلون بالفكر بعامة، وبالفلسفة بخاصة، كلّ هذا العداء، وكلّ هذا التضييق، وكلّ هذه الهجمات التي تعمل على إنهائهم أو خنق أصواتهم أو تحجيمهم في أفضل الأحوال؟
يحضرني هنا ما سبق أن أشار إليه محمد أركون في سياق التحدّث عن كيفية تلقّي مشروعه النقدي، بخصوص الإطار الاجتماعي للمعرفة، وهو ما بات يُعرف أيضاً بـ”سوسيولوجيا التلقّي”. إنه يعتبر
“أن كلّ قارئ أو مستمع لخطاب ما هو ذات مُشكَّلة بوساطة عقائد ومبادئ يقينيّة ومقدّمات إيديولوجيّة ومقاييس موروثة، وكلّها راسخة في العقل والمخيال ومكوِّنة للوجدان وموجّهة ومكيّفة للإدراك. وهذه العوامل المركّبة تكوّن نسقَ الذات (le système du Sujet)”[1].
لذلك، يمكن أن نستنتج أنه كان من الصعب على الذات العارفة العربية الإسلامية أن تقبل مشروع أركون النقدي انطلاقاً من مبادئها اليقينية ومقدّماتها الإيديولوجية، فهذا المشروع مجهّز بمفاهيم غير مألوفة، ومحمّلٌ، كما بات معروفاً، بنظرة للعقل ترتكز على التاريخية وهي لا تلائم ما هو موروث في إطار الفكر الديني والخطاب الذي انبثق عنه.
من هنا جاء كلام محمد أركون على المثلّث الأنتروبولوجي: العنف، المقدّس الحقيقة، في محاولة منه لفهم ظاهرة العنف باسم الدفاع عن الحقيقة في تاريخ المجتمعات البشرية. عمل على الربط بين هذه المفاهيم بخاصة في حال ورود حقيقة جديدة أو كلام غير مألوف أو تعاليم خارجة عن التقليد المعترف به. فالعنف مباح، لا بل مأمور به، لأن ما هو قادمٌ يهدّد ما هو سائد، ويجعل الحقيقة المعترف بها في خطر. لذا كان استخدام العنف أمراً متوقّعاً ومبرّراً لأنه يهدف إلى حماية الحقيقة التي تمّ رفعها إلى مقام التقديس، أو الحقيقة التي تفرض نفسها باعتبارها مقدّسة.
لفتني نصّ معبّر لمحمد أركون يربط فيه بين الخطاب البشري، أيّ خطاب، والرغبة في السيطرة من خلاله على وعي المتلقّي. نجده يقول ما يأتي :
“إن كلٍّ خطاب بشريّ ينطوي في داخله على إرادة القوّة لأنه يهدف إلى إقناع الآخرين به، أي بمعناه. ولا ينجو من ذلك خطابي هذا الذي أكتبه هنا، على الرغم من أنني أحاول احترام الحقيقة والتوصّل إلى الموضوعية. ولكني بمجرّد ان أدخل عالم الفكر والكتابة فإنّي أنافس الآخرين بالضرورة. إني أتعدّى على منطقة المعنى التي يحتلّونها قبلي، وبالتالي سوف ينـزعجون مني. وكلّما كان فكري قوياً وقادراً على احتلال مساحة واسعة من منطقة المعنى كلّما كان ردّ فعلهم عنيفاً لأنهم يخافون على مواقعهم وامتيازاتهم. (…) وإذا حصل وأن وصلتُ في انتقاداتي إلى الدائرة الأسطورية أو الرمزية المقدّسة لحكايات التأسيس (أي تأسيس الدين)، فإن الحرب “المقدّسة” أو “العادلة” أو “الشرعية” سوف تُشنّ ضدّي فوراً. حذار من الاقتراب من هذه المنطقة الحساسة جداً جداً. فقد يدفع المرء الثمن غالياً”[2].
تجدر الإشارة هنا إلى أن هذا النص يتوقّف عند ما جرى مع الخطاب الأركوني ملفتاً الانتباه إلى مصير أيّ مشروعٍ فكريّ يجرؤ على الاقتراب من المقدّسات. ما يهمّنا أن نسلّط الضوء عليه من خلال ما تقدّم، هو أن أكثر الخطابات تجريداً وقرباً من الموضوعية والتي تقدّم نفسها على أنها حياديّة، لا تخلو من الرغبة بإقناع الآخرين بما تحمله هي من معنى، عن طريق إرادة القوة، والسيطرة على وعيهم. فكم بالحريّ هي حال الخطاب الذي يحمل همّاً إصلاحياً أو تغييراً أو نهضوياً أو تربوياً؟
أراد محمد أركون، من خلال مشروعه النقديّ بعامة، والنص المذكور أعلاه بخاصّة، أن يحاول تسليط الضوء على المنافسة بين الأديان إذ إن كلّ دين يحمل خطاباً خاصاً به حول الحقيقة المطلقة. كما أنه أراد أن يشير إلى المنافسة بين الإيديولوجيات المتعدّدة وبين المشاريع النقدية أيضاً من دون أن يسمّيها، وذلك من خلال تقديمه لنفسه كمنافس للآخرين. لقد تعدّى بالفعل على منطقة المعنى التي كان قد احتلّها قبله العديد من المفكّرين، ممّا تسبّب بإزعاجهم، بخاصة وأن منطقة المعنى التي يشغلها ليست بضيّقة. فهو قد تجاسر واقترب من دائرة المقدّس متوقفاً عند دور القصص والرمز والخيال والعجيب المدهش، والساحر الخلاب، كاشفاً عن أهمية هذا المجال، وكيفية التعاطي معه بأسلوب يأخذ بالاعتبار مناهج علوم الإنسان والمجتمع، من دون أن يكتفي بالمعنى الذي قُدّم سابقاً. إن هذه القراءة الجديدة التي اقترحها أركون قد لقيت ردود فعل جمّة تصبّ معظمها في خانة الرفض الشرس الذي لا يترك مجالاً للحوار. من هنا كان يتحدّث عمّا يسمّيه علماء النفس والألسنيون بـ “استراتيجية الرفض”.
إن عبارات مثل: “سوسيولوجيا الفشل”، و”استراتيجيّة الرفض”، التي نعثر عليها في كتابات محمد أركون، بخاصة عندما يدرس كيفيّة تلقّي الخطاب الجديد، إنها تحيل إلى الاهتمام بالأطر الاجتماعية للثقافة في مرحلة ما من تاريخ المجتمعات.
نختم هنا بالتوقّف عند ما حصل مع ابن رشد، وما حلّ بفكره الذي رُفض في مكان وقُبل في مكان آخر. كما بات معلوماً، تمّ تلقّي كتابات ابن رشد في الغرب أكثر منه في الشرق، فأصبح لدينا ابن رشد غربيّ وآخر عربيّ، إن جاز التعبير. أيّ أن الغرب تعاطى مع فكرابن رشد بأسلوب مختلف عن ذلك الذي تلقته فيه بيئته العربية. يعود هذا الاختلاف، برأي أركون، إلى الأطر الاجتماعية للثقافة، أو بصياغة أخرى، إنه مرتبط بقيمة الثقافة داخل مجتمع ما. فالبيئة اللاتينيّة تعاطت مع النص الرشديّ على نحوٍ مغاير من البيئة العربية التي رفضته وأدانته في حينه، وسبّبت له النكبة المعروفة.
لذلك، دعا اركون إلى البحث عميقاً في كيفية تسليط الضوء على فشل الفلسفة في مجتمعٍ ما، ونجاحها في آخر، من خلال دراسة العلاقات التي تربط بين عدّة عوامل، وهي: أشكال السلطة السياسية، والأطر الاجتماعية للمعرفة السائدة، والمكانة الاجتماعية والاقتصادية التي يحتلّها المفكرون والمثقفون، بالإضافة إلى الوظائف المشروعية التي أوكلت إلى الدين. إن التعمّق في العلاقات التي تربط بين مختلف هذه العوامل من شأنه أن يبرز الأسباب التي أدّت إلى فشل الفلسفة في السياق الإسلامي، وازدهارها في سياق آخر. لكن الفترة التي حصل فيها تهميش الفلسفة وانحسارها، وذلك بدءاً من القرن الثاني عشر الميلادي، لا تزال مهملة لا يكترث بها الباحثون لأنها تُنعت بالانحطاط والجمود.
في النهاية، يبقى السؤال عن الحق في التخوين وإطلاق الأحكام المبرمة بشأن محتوى أيّ طرحٍ فكريٍّ حاضراً في الذهن، وهو ينتظر المزيد من البحث والتدقيق والسعي إلى كشف مرتكزات هذا الإصرار على استسهال رفض الفكر المختلف وإدانته وملاحقته واضطهاده بدلاً من محاولة فهمه والرّد عليه ومناقشته بالحجج المنطقيّة؟
________________________________
المصادر:
[1] – محمد أركون. أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟ من فيصل التفرقة إلى فصل المقال، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الساقي، ط 1، 1993، ص XXV.
[2] – محمد أركون، قضايا نقد العقل الديني، كيف نفهم الإسلام اليوم؟ ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الطليعة، ط 1، 1998، ص 165.