قصّة رحمة زوجة النبيّ أيوب

الإسلام واحد أم متعدّد؟ - (2) كاملات العقل والدين

يعرف الجميع قصة أيوب وأنه المثلُ في الصبر والعزاء لكن من الذي يذكرُ زوجته إذ يتحدث عن الصبر والجلد والابتلاء؟ تضرب الأمثال بآلام أيوب، ولكن هل يوجد مثل يضرب بآلام زوجة أيوب؟

هذه إذن قصة في الإسلام المتعدّد المخفيّ في متن النصوص المقدسة، إسلام لم يسلّط عليه الضوء، لأسباب متعدّدة من بينها أن الذين فسروا القرآن أرادوا للزوجة أن تكون في الظلام ولأيوب أن يكون في النور. وليت الأمر وقف عند هذا الحد، بل إن زوجة أيوب في قصص التفسير مثلها مثل حواء أمّها، كتب عليها أن تحملَ على عاتقها ذنوبا وعقابا لم يكتبهُ القرآن ولا حدّث به الوحيُ، ومع ذلك جعلت حواء في الأدبيات سببا لهبوط الإنسان من الجنة وجعلت رحمة في تلك الأدبيات سببا لغضب أيوب وضربه. وها هي قصّة من قصص المسلمين الأولين والآخرين تحدثنا عن إسلام له ألف وجه ونساء يحملن عبر السنوات عبء عقاب ثقافة ذكورية لهن على ذنب لا نعلمه.

اسمها ليا رحمة بنت منشا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم [1]وقد يكون اسمها منشا، قيل أنها ليا ابنة آفرايم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق عليهم السلام، ابنة يعقوب، وقيل أنها ابنة يوسف، وقيل اسمها رحمة، حتى في التوراة لم يتفقوا لها على اسم واحد، ولا ذكرت في سفر أيوب التوراتي سوى مرة واحدة، لتكن حواء أو لتكن زينب أو فاطمة أو آسية أو هاجر، هي في منظورنا رمز لتلك “الموؤدة” المنسية التي نقصّ عليكَ جرحها وألمها.

***

 

سنختار من بين جميع ما سمّاها به المؤرّخون القدامى والمفسّرون للقرآن الكريم “رحمة” فهذا الاسم ينطبق على المسمىّ، وينطبق على آية قرآنية خصّت النبي أيوب[2]، وقد اختار الطبري على الأغلب أن يكون اسمها رحمة[3]، وخلاصة قصتها، أنها فقدت 11 ابنا ومالا وقصورا فقد كانت ابنة أنبياء وذات حسب ونسب، ومع هذا لم يضرب بها المثل في الابتلاء، وعرفت في الكتب بأنها “التي أمر بضربها بالضغث” [4]مع أنها عرفت أيضا بأنها بقيت مع أيوب حين خسر كل شيء وواصلت معه إلى آخر المحنة، وحدث الطبري في تفسيره أن كل الناس الذين كانوا مع أيوب تركوه ولم يبق معه إلا رحمة امرأته التي أنفقت كل ما عندها على زوجها حتى لم يبق لها شيء، وبعد ذلك كانت تتنقل من قرية إلى قرية تطلب الصدقات، فلما عافوها ونهروها باعت آخر ما تملكه شعرها الطويل حتى تطعمه وتعتني به، لكنه توعدها بالجلد حين يشفى.

 

  • رحمة الصابرة الوفية كاملة العقل والقلب والدين:

كانت رحمة زوجة أيوب كما يروي الطبري في تفسيره قد بقيت إلى جانبه حين ابتلاه الله فلم تتركه حين نبذه أهل قريته

وها هي الرواية:

«فانقضّ عدوّ الله جوادا، فوجد أيوب ساجدا، فعجَّل قبل أن يرفع رأسه، فأتاه من قِبَل الأرض في موضع وجهه، فنفخ في منخره نفخه اشتعل منها جسده، فترهل، ونبتت (به): ثآليل مثل أليات الغنم، ووقعت فيه حكة لا يملكها، فحكّ بأظفاره حتى سقطت كلها، ثم حكّ بالعظام، وحكّ بالحجارة الخشنة، وبقطع المُسوح الخشنة، فلم يزل يحكه حتى نَفِد لحمه وتقطع، ولما نَغِلَ جلد أيوب وتغير وأنتن، أخرجه أهل القرية، فجعلوه على تلّ وجعلوا له عريشا، ورفضه خلق الله غير امرأته، فكانت تختلف إليه بما يُصلحه ويلزمه»[5]

لقد أقرت الرواية أعلاه أن زوجته بقيت ترعاه وتلزمه رغم فقدانه قصوره، وماله وفقدانه إيمان الناس به، وفقدانه الأهل وصحة الجسد، وسلامة البدن وانبعاث رائحة عطنة من جروحه وتقطع لحمه وجلده ونتونته حتى نبذ وجعل خارج القرية فها هنا بقيت رحمة في هذه الحالة إلى جواره حين تخلى عنه الجميع.

مع أن القصة وإن بينت آلام أيوب بوضوح فإنها سكتت عن آلام رحمة سكوتا تاما، فحين فقد أيوب ماله وحزن لم تحدثنا القصة أبدا عن حزن رحمة التي ستصبح فقيرة بعد أن كانت عزيزة وذات قصور، وحين فقد أيوب أبناءه واشتد قهره لم تحدثنا القصة عن فقدان رحمة أبناءها وهي التي حملت ووضعت وأرضعت وهي التي فقدت بفقدانهم روحها ونبضها، انظر إلى وصف الراوي على لسان ابليس لبشاعة المشهد:

«فانقضّ عدو الله جوادا، حتى جاء بني أيوب وهم في قصرهم، فلم يزل يزلزل بهم حتى تداعى من قواعده، ثم جعل يناطح الجُدُر بعضها ببعض، ويرميهم بالخشب والجندل، حتى إذا مَثَّل بهم كل مُثْلة، رفع بهم القصر، حتى إذا أقلَّه بهم فصاروا فيه منكَّسين، انطلق إلى أيوب متمثلا بالمعلِّم الذي كان يعلمهم الحكمة، وهو جريح مشدوخ الوجه يسيل دمه ودماغه، متغيرا لا يكاد يُعرف من شدّة التغير، والمُثْلة التي جاء متمثلا فيها، فلما نظر إليه أيوب هاله، وحزن ودمعت عيناه، وقال له: يا أيوب، لو رأيت كيف أفلتّ من حيث أفلت، والذي رمانا به من فوقنا ومن تحتنا، ولو رأيت بنيك كيف عُذّبوا، وكيف مُثِّل بهم، وكيف قُلِبوا فكانوا منكَّسين على رءوسهم، تسيل دماؤهم ودماغهم من أنوفهم وأجوافهم، وتقطر من أشفارهم، ولو رأيت كيف شُقَّتْ بطونهم، فتناثرت أمعاؤهم، ولو رأيت كيف قُذِفوا بالخشب والجندل يشدخ دماغهم، وكيف دقّ الخشب عظامهم، وخرق جلودهم، وقطع عصبهم، ولو رأيت العصب عريانا، ولو رأيت العظام متهشمة في الأجواف، ولو رأيت الوجوه مشدوخة، ولو رأيت الجُدُر تَناطَحُ عليهم، ولو رأيت ما رأيت، قطع قلبك، فلم يزل يقول هذا ونحوه، ولم يزل يرقّقه حتى رقّ أيوب فبكى، وقبض قبضة من تراب، فوضعها على رأسه»[6]

بكى أيوب لما علمه من نهاية أبنائه الحزينة البشعة، لكن رحمة الوالدة التي كانت إلى جواره لم نر لها حزنا ولا ألما، كأنها لا حبلت ولا وضعت. كأن وجودها في القصة مجرد زينة لا أكثر، أو كأن لا قلب لها ولا شعور ولا ألم، كأنها من حجر قد قدت، المهم أن وجيعة رحمة وألمها لم يتم التعبير عنهما في هذه الرواية ولا كانت أحاسيسها مما يستحق الكتابة والعناء.

كل ما يهم في القصة هو اختبار الشيطان لقدرة الرجل الصالح على الصمود، وها قد صمد، ولكن في اللحظة التي فيها وضع التراب على رأسه جزعا وظن ابليس أنه كفر بربه لم نر ماذا فعلت الأم التي ثكلت بعد أن ولدت؟

أي حزن كان يمكن أن يمزق جسدها وقلبها ويفطره؟ لم لم يحدث أحد عن محنها وآلامها رغم أنها لم تفعل شيئا ولم ترتكب جرما، وكل جريرتها أنها زوجة نبي قدر له أن يكون موضع ابتلاء.

رفض خلق الله أيوب حين فاحت نتونة جلده وبرز إلى العيان قيحه ودوده لكن رحمة بقيت ترعاه ولم تكفر به ولم تتخلّ عنه. وحتى أصحابه الثلاثة الذين كانوا على دينه فقد تركوه كما يروي الطبري، بل واتهموه بارتكاب ذنب، لكن رحمة لم تفعل، مع أنها ويا للغرابة معدودة عند بعض المسلمين من ناقصات العقل والدين، لكنّها في القصة بقيت على دينها وبقيت في عقلها رغم أن المحن التي كادت تذهب عقل أيوب وكادت تذهب دينه لم تؤثر فيها ولم تفقدها لا عقلها ولا دينها ولا حبها لزوجها ولا إنسانيتها. كانت رحمة في القصة مثالا للكمال وللصبر: كاملة القلب وكاملة العقل وكاملة الدين.

لم لم تختر ثقافة التفسير أن تكتب هذا عن النّساء؟ لم ركزت تلك الثقافة على الصمت على ألم رحمة وإخلاص رحمة وإصرار رحمة على لزوم زوجها في محنته ولم تر الثقافة الرائجة في رحمة نموذجا في الصبر والدين والعقل؟ ها هي قصة أيوب مع صحبه وقد أعياه الابتلاء وكاد يذهب صبره وحكمته:

«وكان ثلاثة من أصحابه اتبعوه على دينه، فلما رأوا ما ابتلاه الله به رفضوه من غير أن يتركوا دينه واتهموه، يُقال لأحدهم بلدد، وأليفز، وصافر، قال: فانطلق إليه الثلاثة، وهو في بلائه، فبكتوه: فلما سمع منهم أقبل على ربه، فقال أيوب صلى الله عليه وسلم: ربّ لأيّ شيء خلقتني؟ لو كنتَ إذْ كرهتني في الخير تركتني فلم تخلقني، يا ليتني كنت حَيْضة ألقتني أمي، ويا ليتني مِتّ في بطنها، فلم أعرف شيئا ولم تعرفني، ما الذنب الذي أذنبت لم يذنبه أحد غيري، وما العمل الذي عملت فصرفت وجهك الكريم عني، لو كنت أمتني فألحقتني بآبائي، فالموت كان أجمل بي، فأسوة لي بالسلاطين الذي صُفَّت من دونهم الجيوش يضربون عنهم بالسيوف بخلا بهم عن الموت، وحرصا على بقائهم، أصبحوا في القبور جاثمين، حتى ظنوا أنهم سيخلَّدون، وأسوة لي بالملوك الذين كنزوا الكنوز، وطَمروا المطامير، وجمعوا الجموع، وظنوا أنهم سيخلدون، وأسوة لي بالجبارين الذين بنوا المدائن والحصون، وعاشوا فيها المئين من السنين، ثم أصبحت خرابا، مأوى للوحوش، ومثنى للشياطين»[7]

قصة الحوار بين أيوب وأصحابه طويلة يمكن العودة إليها في تفسير الطبري للآية 83 من سورة الأنبياء ويمكن العثور على اتهام الاصحاب الثلاثة لأيوب بارتكاب ذنب ما والتشكيك فيه، ولكن لا يمكن العثور على حوار لفقدان رحمة إيمانها وثقتها بزوجها ولا مجرد التعبير عن ألمها لابتلاء ألمّ بها كما ألمّ به. وممّا قالوه في اتّهامه:

“قال أليفز: عظيم ما تقول يا أيوب، إن الجلود لتقشعرّ من ذكر ما تقول إنما أصابك ما أصابك بغير ذنب أذنبته، مثل هذه الحدّة، وهذا القول أنزلك هذه المنزلة، عظُمت خطيئتك، وكثر طلابك، وَغَصَبْت أهل الأموال على أموالهم، فلبست وهم عراة، وأكلت وهم جياع، وحبست عن الضعيف بابك، وعن الجائع طعامك، وعن المحتاج معروفك، وأسررت ذلك وأخفيته في بيتك، وأظهرت أعمالا كنا نراك تعملها، فظننت أن الله لا يجزيك إلا على ما ظهر منك، وظننت أن الله لا يطلع على ما غيبت في بيتك، وكيف لا يطَّلع على ذلك وهو يعلم ما غيَّبت الأرضون وما تحت الظلمات والهواء؟.

قال أيوب صلى الله عليه وسلم: إن تكلمت لم ينفعني الكلام، وإن سكت لم تعذروني، قد وقع عليّ كَيْدي، وأسخطت ربي بخطيئتي، وأشمتّ أعدائي، وأمكنتهم من عنقي، وجعلتني للبلاء غَرَضا، وجعلتني للفتنة نُصبا، لم تنفسني مع ذلك، ولكن أتبعني ببلاء على إثر بلاء، ألم أكن للغريب دارا، وللمسكين قرارا، ولليتيم وليًّا، وللأرملة قَيِّما؟ ما رأيت غريبا إلا كنت له دارا مكان داره وقرارا مكان قراره، ولا رأيت مسكينا إلا كنت له مالا مكان ماله وأهلا مكان أهله، وما رأيت يتيما إلا كنت له أبا مكان أبيه، وما رأيت أيِّما إلا كنت لها قيِّما ترضّى قيامه، وأنا عبد ذليل، إن أحسنت لم يكن لي كلام بإحسان، لأن المنّ لربي وليس لي، وإن أسأت فبيده عقوبتي، وقد وقع عليّ بلاء لو سلَّطته على جبل ضعف عن حمله، فكيف يحمله ضعفي»[8]

وقال له صافر نفس الشيء تقريبا[9]، واعتبر بلدد أنه من عداد المنافقين[10]، ولم يبق أمام أيوب سوى التضرع والبكاء والشكوى، فقد تخلى عنه الجميع ولم يعد يجيبه غلام ولا صديق، ونبذه الأقربون وطرده من كان يؤويهم ويكسوهم ويعطيهم من بركته وماله وعلمه وحكمته. وبقيت رحمة تلازمه وترعاه حتى فرج الله همه ورفع البلاء.

لقد صرخ أيوب: “ربي إني مسني الضرّ” وعبر بوضوح في الرواية المنقولة أعلاه عن ضعفه وحدوده البشرية. ويقول: “”سكتّ فَعضِضْت على لساني، ووضعت لسوء الخدمة رأسي، لأني علمت أن عقوبته غيرت نور وجهي، وأن قوته نزعت قوّة جسدي، فأنا عبده، ما قضى عليّ أصابني، ولا قوّة لي إلا ما حمل عليّ، لو كانت عظامي من حديد، وجسدي من نُحاس، وقلبي من حجارة، لم أطق هذا الأمر” [11] أما رحمة فما أشدّ إنكار الروايات حقها البشري في أن تكون لها حدود للصبر، وأن تتعب وأن تقول إني تعبت. كأن المنتظر أن تكون حجرا أو أشد قسوة من الحجر. حديدا أو نحاسا أو أشد من الحديد والنحاس، أو كأن من حق أيوب أن يصرخ أنه متألم، وهي أن تخرس وتقتل ألمها فلا تنبس به.

وحين أكل آدم من الشجرة المحرّمة عليه ثم قال كلمات تاب الله عليه وأنزله إلى الأرض نبيّا مكرّما، أعطاه من بخور الجنة، ومن حجرها كعبة يعبدها ومن مائها نبعا يشرب منه من ماء الجنان، ومن عطرها عودا وعطرا وأما حواء فقد شاءت لها الكتب القديمة أن تهبط خطاءة موجوعة كل شهر يدميها الحيض عقابا والحبلُ وأوجاعهُ وسفاهة العقل وقوامة الرجال وهي بمنزلة العبد وهو سيدها. وهكذا هي رحمة أيضا، يبتليها الله في ضناها كما يبتلي أيوب، ويصرخ أيوب شاكيا ألمهُ ويرحمه الله ولا تصرخُ هي ولا يرحمها أيوب فيتوعد بضربها، ويرحمها الله يخفف عنها ألم الجلد بضغث ولا يرحمها المفسرون ولا كتاب السير ولا ناقلوها ولا الثقافة التي لا ترى آلام نسائها ولا تهتم إن كن يشعرن بالعبودية أو بمنزلة دونية فيها ولا يهتم أهل تلك الثقافة إن كانت النساء يعاملن فيها باحتقار أو تضربن تحت مسميات الشريعة الإسلامية، وانظر ما تفرضه عليهن الثقافة من أحجبة واردية تخفي ما يعتقد أنه العورات تر كيف تئد ثقافة باسم الإسلام ألف رحمة ورحمة[12].

  • وإذا المجلودة سئلت بأي ذنب جلدت:

لم ير المفسرون في لزوم رحمة زوجها وإخلاصها ما يستحق العناء، عملت في البيوت بعد أن باعت حليها وكانت أميرة وسيدة فصارت خادمة لأجله، لا فرت ولا هربت ولا استبدلت أيوب برجل أشد قوة ومالا وجمالا، لم تر ثقافتنا العربية فيها تكريما للنساء وعظمة دورهن الحضاري والإنساني ولا ضربت بها الأمثال، فللقصة منطقها وللثقافة الذكورية غاياتها وفي قلب رحى الثقافة الرجلُ وألمه وصبره وقيمه وجبروته فهل تهتم ثقافة كهذه بوجوه محن النساء، وآلامهن، وقيمهن وصبرهن؟

بل انظر ما تخفيه الثقافة لرحمة الصابرة المخلصة الوفية:

«فحدثني محمد بن إسحاق، قال: وكان وهب بن منبه يقول: لبث في ذلك البلاء ثلاث سنين لم يزد يوما واحدا، فلما غلبه أيوب فلم يستطع منه شيئا، اعترض لامرأته في هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والجسم والطول على مركب ليس من مراكب الناس، له عظم وبهاء وجمال ليس لها، فقال لها: أنت صاحبة أيوب هذا الرجل المبتلى؟ قالت نعم، قال: هل تعرفينني؟ قالت لا قال: فأنا إله الأرض، وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت، وذلك أنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني، ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليه وعليك كلّ ما كان لكما من مال وولد، فإنه عندي، ثم أراها إياهم فيما ترى ببطن الوادي الذي لقيها فيه، قال: وقد سمعت أنه إنما قال: لو أن صاحبك أكل طعاما ولم يسمّ عليه لعوفي مما به من البلاء، والله أعلم، وأراد عدوّ الله أن يأتيه من قِبَلها، فرجعت إلى أيوب، فأخبرته بما قال لها وما أراها، قال: أو قد آتاك عدوّ الله ليفتنك عن دينك؟ ثم أقسم إن الله عافاه ليضربنها مئة ضربة»[13]

ها هي قصة ابن إسحاق، تروي عجبا عجابا، تلك المرأة الصابرة التي بقيت تطعم زوجها على نتونة جلده وتطيعه حين لم يبق عنده لا مال ولا جاه، وترافقه حين لم يخلص إليه أي ممن عرفهم، تتعرض للاختبار من ابليس فيزين لها عودة المال والولد ولم تفعل شيئا سوى أنها أخبرت زوجها بما قيل لها ولا اتبعت ابليس ولا سجدت له ولا تمكن منها فأغواها ومع ذلك يجد الزوج العليل والذي ابتلاه ربه فأنتن جسده القوة الكافية ليتوعدها بالضرب حين يشفى. ومن المهم أن نوضح هنا أننا إذ نقول هذا لا ندعي أن هذه الرواية تخبر ما حدث فعلا في الواقع، أو أنها التاريخ النبوي أو أنها حدثت هكذا، فمرة يروى عن وهب هذا ومرة يروى عنه ذنوب أخرى كما سنرى لاحقا، فنحن نتتبع منطق القصة كما رُويت بألف وجه ووجه، نبرز وجوه التعدد وغياب الحقيقة التاريخية الثابتة ولا ندعي أن هذه أقوال أيوب ولا أفعاله، بل نتتبع من خلالها تصورات الثقافة من خلال ما نسجته مخيّلة الرواة لا نزعم أن أيوب النبي فعل هذا أو قاله أو أنه ظلم زوجته أو اعتدى عليها ضربا.  فقد يكون أيوب نفسه ضحية ثقافة حملته من الابتلاء مالا طاقة لرجل به وجعلته هكذا يضرب الإنسانة الوحيدة التي بقيت مخلصة له وبها استطاع أن يحيا.

تعاقب الزوجة على وفائها بالضّرب لمجرّد نقلها ما أخبر به الشيطان، وتسكت القصة عن التفاصيل التي ستسعى روايات أخرى استكمالها وتزيينها بذنوب محتملة. أما في هذه الرواية بالذات فقد تكون الزوجة وقعت في حبائل الشيطان، قد تكون الزوجة حاولت تخليص زوجها من ألمه عبر التنازل للشيطان فتكون بذلك نوت فعل الخير به فنالها شر العقاب، أو قد تكون فعلا لم تفعل سوى إخباره فنالها شر العقاب، في كل الحالات لا يجد المفسرون حرجا أن تضرب رحمة حين يشفى أيوب رغم أنها الشخص الوحيد الذي صبر دون شكوى وحفظ الود والعهد دون شك وخيانة وبقي صامدا حذو زوجه مهما صار له من أحداث.

كأن رحمة لا شيء أو كأنّها لمجرّد كونها امرأة فهي مدانة ومذنبة وتستحق التأديب. سيشفى أيوب وسيجلد امرأته كما لو أنها هي الشيطان الذي بسببه حل به كل ذلك البلاء، أو كأنها هي المسؤولة عما حدث له من تمكين الرب لإبليس ليفعل به ما فعله.  وبما أن الأمر لا يمكن أن يكون بلا منطق فقد أوجد له الرواة قصصا متعددة تحدث بخيالهم وترحالهم بين العجيب والغريب ومواريث الأمم السابقة خاصة الروايات الإسرائيلية التي نقلت إلى متون التفاسير فصارت تمثل جزء من معتقدات المسلمين بها يفسرون القرآن. وقد أوجدت تلك الروايات لزوجة أيوب ذنبا تضرب عليه كما أوجدت لحواء البريئة من هبوط آدم في الأرض ذنبا فحملتها إياه، وها هي قصة تجمع المرأتين معا ففي تفسير الطبري نسخ متعددة كما قلنا للقصة الواحدة وهذه نسخة أخرى من القصة فيها وجوه أخرى من الإسلام في كتب التفسير. فبأي ذنب جلدت رحمة مائة جلدة؟

  • المرأة أصل الشرور جميعا؟

كوني ابنة نبي أو زوجة نبي أو كوني أما له أو أختا، كوني أما للبشرية أو مجرّد امرأة خلقها الله ونفخ فيها من روحه سيبرع الرواة في إيجاد ذنب لك. لأنّ كونك امرأة يكفي.  كوني مسلمة أو مسيحية أو يهودية أو حتى عابدة أوثان لا تهتمي، سيجد لك الرواة ذنبا لان المرأة في هذه الروايات هي أصل كل شرّ وهكذا فإنه قد وجدنا 6 ذنوب ممكنة لرحمة لم يتفق حولها لا المؤرخون ولا المفسرون، ولم يثبت عليها الذنب أحد لا في القرآن ولا حتى الحديث النبوي، ومع ذلك فإليك أيها القارئ الكريم ما جمعوه لها من ذنوب ممكنة:

  • جعلوا لرحمة ذنبا أول: حاولت أن تتقرب للشيطان بقربان:

يروي الطبري:

«فأصابه البلاء بعد البلاء، حتى حمل فوضع على مِزبلة كُناسة لبني إسرائيل، فلم يبق له مال ولا ولد ولا صديق، ولا أحد يقربه غير زوجته، صبرت معه بصدق، وكانت تأتيه بطعام، وتحمد الله معه إذا حمد، وأيوب على ذلك لا يفتر من ذكر الله، والتحميد والثناء على الله والصبر على ما ابتلاه الله، قال الحسن: فصرخ إبليس عدوّ الله صرخة جمع فيها جنوده من أقطار الأرض جزعا من صبر أيوب، فاجتمعوا إليه وقالوا له: جمعتنا، ما خبرك؟ ما أعياك؟ قال: أعياني هذا العبد الذي سألت ربي أن يسلطني على ماله وولده فلم أدع له مالا ولا ولدا، فلم يزدد بذلك إلا صبرا وثناء على الله وتحميدا له، ثم سُلِّطت على جسده فتركته قُرْحة ملقاة على كُناسة بني إسرائيل، لا يقربه إلا امرأته، فقد افتضحت بربي، فاستعنت بكم، فأعينوني عليه، قال: فقالوا له: أين مكرك؟ أين علمك الذي أهلكت به من مضى، قال: بطل ذلك كله في أيوب، فأشيروا عليّ، قالوا: نشير عليك، أرأيت آدم حين أخرجته من الجنة، من أين أتيته؟ قال: من قِبَل امرأته، قالوا: فشأنك بأيوب من قبَل امرأته، فإنه لا يستطيع أن يعصيها، وليس أحد يقربه غيرها، قال: أصبتم، فانطلق حتى أتى امرأته وهي تَصَدَّق، فتمثل لها في صورة رجل، فقال: أين بعلك يا أمة الله؟ قالت: هو ذاك يحك قروحه، ويتردّد الدوابّ في جسده، فلما سمعها طمع أن تكون كلمة جزع، فوقع في صدرها، فوسوس إليها، فذكَّرها ما كانت فيه من النِّعم والمال والدوابّ، وذكَّرها جمال أيوب وشبابه، وما هو فيه من الضرّ، وأن ذلك لا ينقطع عنهم أبدا، قال الحسن: فصرخت، فلما صرخت علم أن قد صرخت وجزعت، أتاها بسُخْلة، فقال: ليذبح هذا إليّ أيوب ويبرأ، قال: فجاءت تصرخ يا أيوب، يا أيوب، حتى متى يعذبك ربك، ألا يرحمك؟ أين الماشية؟ أين المال، أين الولد؟ أين الصديق، أين لونك الحسن؟ قد تغير، وصار مثل الرماد؟ أين جسمك الحسن الذي قد بلي وتردد فيه الدوابّ؟ اذبح هذه السَّخْلة واسترح، قال أيوب: أتاك عدوّ الله، فنفخ فيك، فوجد فيك رفقا، وأجبته! ويلك أرأيت ما تبكين عليه مما تذكرين ما كنا فيه من المال والولد والصحة والشباب؟ من أعطانيه؟ قالت: الله، قال: فكم متَّعنا به؟ قالت: ثمانين سنة، قال: فمذ كم ابتلانا الله بهذا البلاء الذي ابتلانا به؟ قالت: منذ سبع سنين وأشهر، قال: ويلك! والله ما عدلت، ولا أنصفت ربك، ألا صبرت حتى نكون في هذا البلاء الذي ابتلانا ربنا به ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ثمانين سنة؟ والله لئن شفاني الله لأجلدنَّك مئة جلدة، هيه أمرتيني أن أذبح لغير الله، طعامك وشرابك الذي تأتيني به عليّ حرام، وأن أذوق ما تأتيني به بعد، إذ قلت لي هذا فاغرُبي عني فلا أراك، فطردها، فذهبت، فقال الشيطان: هذا قد وطَّن نفسه ثمانين سنة على هذا البلاء الذي هو فيه، فباء بالغلبة ورفضه، ونظر أيوب إلى امرأته وقد طردها، وليس عنده طعام ولا شراب، ولا صديق. قال الحسن: ومرّ به رجلان وهو على تلك الحال، ولا والله ما على ظهر الأرض يومئذ أكرم على الله من أيوب، فقال أحد الرجلين لصاحبه: لو كان لله في هذا حاجة، ما بلغ به هذا، فلم يسمع أيوب شيئا كان أشدّ عليه من هذه الكلمة»[14]

في هذه القصة نرى زوجة أيوب تبتلى كما يبتلى وتضعف فتصرخ، ومجرد الصراخ من الألم يعتبر علامة على الجزع والاحتجاج، فيسعد قلب ابليس ويسرع بإقناعها بتقديم الذبائح له ليرفع عن زوجها البلاء، ومع أن مجاراة منطق هذه القصة يبين أن نية الزوجة هو مساعدة أيوب ومع أنها كانت هي أيضا ضحية نفس الابتلاء والأقدار إلا أن القصة تصور أيوب بطلا وتحدث أنه قادر على الصمود حتى حين يبتلى في زوجته التي أعياها الصبر ويقرر أن يمنع نفسه عن طعامها وشرابها الذي بقيت تكد لتجلبه إليه. حتى شكواه لربه المثبتة في القرآن الكريم وجد لها المفسرون مخرجا أنها لا تناقض الصبر وليست بجزع، وبطبيعة الحال صرخة رحمة تمسي كبيرة من الكبائر وذنبا لا يغتفر[15].

هذه إذن قصة شبيهة بقصص تحميل حواء سبب الخطيئة رغم عدم ذكر ذلك في النص القرآني والنتائج المترتبة عن جزع الزوجة شبيهة بنتائج تحميل حواء المسؤولية عن هبوط آدم من الجنة إلى الأرض، لقد عاقبت الثقافة حواء ولم تسامحها رغم أن الله تاب عن آدم في النص القرآني وكذلك عاقبت الرواية هنا الزوجة ولم تسامحها رغم أن أيوب جزع وعبر عن ذلك في حواره مع صحبه الثلاث، ورغم أن زوجته بقيت إلى جانبه ترعاه بل ربما إن سايرنا الرواية اقترحت عليه الذبيحة لنيّة محاولة شفائه، إلا أن العقاب كان إجابة زوجها العليل. بل إن للقصّة بقية تثبت إخلاص رحمه وحبها وشفقتها عليه فحين طردها هذا ما قالت رحمة وهذا ما فعلت:

«ثم إن امرأته قالت: أرأيت إن كان طردني إلى من أكله؟ أدعه يموت جوعا أو يضيع فتأكله السباع؟ لأرجعنّ إليه فرجعت، فلا كُناسة ترى، ولا من تلك الحال التي كانت، وإذا الأمور قد تغيرت، فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي، وذلك بعين أيوب، قالت: وهابت صاحب الحُلة أن تأتيه فتسأل عنه، فأرسل إليها أيوب فدعاها، فقال: ما تريدين يا أمة الله؟ فبكت وقالت: أردت ذلك المبتَلى الذي كان منبوذا على الكُناسة، لا أدري أضاع أم ما فعل؟ قال لها أيوب: ما كان منك؟ فبكت وقالت: بعلي، فهل رأيته؟ وهي تبكي إنه قد كان هاهنا؟ قال: وهل تعرفينه إذا رأيتيه؟ قالت: وهل يخفى على أحد رآه؟ ثم جعلت تنظر إليه وهي تهابه، ثم قالت: أما إنه كان أشبه خلق الله بك إذ كان صحيحا، قال: فإني أنا أيوب الذي أمرتيني أن أذبح للشيطان، وإني أطعت الله وعصيت الشيطان، فدعوت الله فردّ علي ما ترين، قال الحسن: ثم إن الله رحمها بصبرها معه على البلاء أن أمره تخفيفا عنها أن يأخذ جماعة من الشجر فيضربها ضربة واحدة تخفيفا عنها بصبرها معه»[16]

انظر كيف فكرت رحمة حسب منطق الرواية في العودة لتبقى حذوه في الضراء كما كانت معه في السراء، وكيف عادت إليه، وجازتها القصة بأن وجدته قد شفي وعادت إليه صحته لكنها لم تعقله وسألت عنه لتفي إليه ومع هذا كان أول مارد به الزوج الجميل أن ضربها ليبر بعهده مع أنها كانت رحمة، وكانت رحمة له وكانت به رحيمة، ورحمها الله حسب القصة بأن أمره بتأديبها بضربة واحدة بجذع الشجرة ذات الاغصان المائة وكيف لا يفعل بعد أن عاهد الله على تأديبها إن شفي واعتبر ذلك في منطق القصة رحمة بها وإشفاقا لصبرها معه.

وخلاصة القول هنا أن رحمة التي تستحق هي أيضا أن يضرب بها المثل في الصبر نُسيت وأنها جوزيت بالضرب أول شفاء زوجها وأنها حتى إن كانت الضربة مجرد بر بالعهد فإنها رمزيا أدبت بالضرب وتستحقه. فلزوجها أن يؤدبها على جريرة اقترفتها لا في حقه هو، بل في حق نفسها.

فلنفكك ذلك: لو افترضنا أن رحمة كفرت برب أيوب وأشفقت عليه فأقنعته أن يذبح للشيطان الذي جاءها في هيئة غير هيئة الشيطان فغالطها فهي هنا أولا وقعت ضحية المغالطة ولم تختر بعقلها أن تتبع الشيطان. ثانيا لقد وقع أيوب أيضا ضحية الجزع حين رفع عقيرته بالشكوى والتضرع وفي احدى الروايات وضع التراب على رأسه ، وفي أخرى احتج على ربه  متهما إياه بمجازاة الفراعنة المستبدين المشركين خيرا ومجازاته الرجل الصالح العابد شرا، ولكن لم يضرب نفسه بسبب فعله ذلك[17]، وثالثا إن أيوب نبي وفي القصة لم يمكن الله الشيطان من عقله بمعنى أنه بقي على بصيرته وكونه معصوما في عقله يجعله مميزا في الابتلاء على زوجته المرأة العادية التي هي غير مكلفة بنبوة ولا بابتلاء ولا كانت موضع الاختبار الأصلي فهي إذن الضحية في القصة لرفع نبوة أيوب ولتحدي ابليس ولإثبات ألوهية الله.

  • الذنب الممكن الثاني لرحمة روي عن الحسن البصري أن الشيطان جاء أيوب من قبل امرأته، فلما أغضبت زوجها بإخباره ما أخبرها الشيطان إياه طردها” فلما نظر أيوب في شأنه وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق وقد ذهبت امرأته خر ساجدا” وقال ما قاله. وهذا ذنب يشبه السابق وإن كان أخف منه إذ لا تطلب رحمة شيئا من أيوب وإنما فقط تنقل إليه خبرا.
  • الذنب الثالث الممكن لرحمة روي عن الضحاك ومقاتل أن الشيطان أخبر امرأة أيوب بأنه إله الأرض فلما أخبرت زوجها أقسم لئن: “عافاني الله لأجلدنك مائة جلدة وقال عند ذلك مسني الضر”.
  • الذنب الرابع الممكن لرحمة روي عن وهب بن منبه أن المرأة جزت قرنا من رأسها فباعته برغيف فلما علم أيوب ذلك قال: “مسني الضر”. وفي هذا الذنب حكايات من بينها أن أيوب غضب لأنه كان يمسك ذلك القرن حين يريد الجلوس للغذاء فلما قصته لتأتيه بطعام لم يعد قادرا أن يمسك به ليجلس وكان ذلك مصدرا لغضبه وسخطه عاقبها عليه. ولو صحت هذه الرواية فأي سخف هذا يدفع رجلا ليعاقب امرأة باعت ضفيرتها لتطعمه؟ وأي خيال خلاق تصور هذه القصة وأجازها على نبي من أنبياء الله؟
  • الذنب الخامس الممكن روي عن السديّ أن أيوب قال مسني الضر لأشياء ثلاثة منها قطع امرأته الذؤابة.
  • الذنب السادس الممكن روي عن السديّ أن أيوب قال مسني الضرّ لأشياء ثلاثة منها قالت له امرأته أن الناس سئموها.
  • كل هذه الذنوب المتقدمة أعلاه ذكرها الرازي وهو يجمع حصيلة ما استقر من تفاسير قبله بقرون[18]، ولم يذكر عن الرسول سوى قوله: «فعن الرسول أن الضر هو اتهام صحبه له بكونه “قد أذنب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين””[19]. فإذا كان القرآن لم يذكر ذنبا لرحمة ولا لأيوب وإذا كان الرسول لم يذكر ذنبا لرحمة ولا لأيوب فلماذا تصرّ الثقافة المنتجة حول النصّ القرآني المقدس أن تختلق ذنوبا تلصقها بزوجة أيوب كما ألحت وأصرت أن تلصق بأمها حواء ذنوبا من قبل وكما تلح وتصرّ على أن تلصق بكل “أنثى” ذنوبا، فتعاديهنّ وهن أجنّة في أرحام أمهاتهن.
  • الاتجاه العقلي المهزوم:

وجدت أصوات مشكّكة في هذه الروايات من داخل التراث نفسه لكنها لم تبرز للعيان، لأنها أحرجت التصورات الأشعرية الشائعة من ذلك ما رواه الرازي: “قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَنْصَارِيُّ رحمه الله، وَفِي جُمْلَةِ هَذَا الْكَلَامِ: لَيْتَكَ لَوْ كَرِهْتَنِي لَمْ تَخْلُقْنِي، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا لَاغْتَنَمَهُ إِبْلِيسُ، فَإِنَّ قَصْدَهُ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى الشَّكْوَى، وَأَنْ يُخْرِجَهُ عَنْ حِلْيَةِ الصَّابِرِينَ، واللَّه تَعَالَى لَمْ يُخْبِرْ عَنْهُ إِلَّا قَوْلَهُ: أَنِّي ‌مَسَّنِيَ ‌الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ” انظر المصدر نفسه. لقد رفض المفسرون المتأخرون تفاصيل كثيرة تحدث عن آلامه وأسقامه ورأوا أن “انتهاء ذلك المرض إلى حد التنفير عنه غير جائز، لأن الأمراض المنفرة من القبول غير جائزة على الأنبياء”[20].  وكرر سيد قطب في ظلاله ذلك الرأي[21]، ولقد بلغت ذروة الرفض مع الزمخشري الذي اختزل الروايات جميعا في هذه الفقرة:

” كان أيوب عليه السلام رومياً من ولد إسحاق بن يعقوب عليهم السلام، وقد استنبأه الله وبسط عليه الدنيا وكثر أهله وماله: كان له سبعة بنين وسبع بنات، وله أصناف البهائم، وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد ونخيل، فابتلاه الله بذهاب ولده – انهدم عليهم البيت فهلكوا – وبذهاب ماله، وبالمرض في بدنه ثماني عشرة سنة. وعن قتادة: ثلاث عشرة سنة. وعن مقاتل: سبعا وسبعة أشهر وسبع ساعات، وقالت له امرأته يوماً: لو دعوت الله، فقال لها: كم كانت مدة الرخاء فقالت ثمانين سنة، فقال: أنا أستحي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي فلما كشف الله عنه أحيا ولده ورزقه مثلهم ونوافل منهم. وروي: أن امرأته ولدت بعدُ ستة وعشرين ابنا، أي: لرحمتنا العابدين وأنا نذكرهم بالإحسان لا ننساهم أو رحمة منا لأيوب وتذكرة لغيره من العابدين، ليصبروا كما صبر حتى يثابوا كما أثيب في الدنيا والآخرة”[22]

فالثقافة الإسلامية لم تكن جامدة ميتة، عرفت قبسا من نور العقل ولكن تلك النزعة العقلية والمساواتية لم تنتشر وسيطر اتجاه حرفي يصدق خرافات الأولين ويتوسع في تحميل الذنب للنساء. فخسرنا إمكانية من إمكانيات الإسلام المشرقة أن تفوز رواية الزمخشري المبسطة الخالية من العقد العميقة في كراهية الأنثى، وفازت التفاسير الشعبية والأشعرية لأن فيها زينة العجيب والغريب الممتع والمدهش والخلاب. وبهذا السعي المحموم لإدانة رحمة تكون قد شهدت على كل فواعل قصّتها جميعا: شهدت على نبوة زوجها دون أن تكون نبية، وشهدت على شر ابليس دون أن تكون ملاكا، وشهدت على ألوهية الله لأنها التي حافظت على أيوب حيا يرزق ولولا إطعامها إياه لما بقي حيا، لكن لا أحد يذكر رحمة التي حافظت على القصة لتكون قصة/ ولا ينتبه الناس إليها وكونها القربان هنا، ذلك الذي يعطي ولا يأخذ شيئا، حتى أنها في النسخة التوراتية الربانيّة من القصة ستموت، وسينجو أيوب ويرزق بزوجة جديدة أجمل وأبهى.  كقصص شهريار تقتل كل ليلة أنثى، وفي الصباح ضحية جديدة، حتى تأتي التي بيدها تكتبُ قصة نجاتها: شهرزاد.

الخاتمة: لقصة رحمة بقية تُروى

رحمة هي رحم القصة والحياة والصبر لكنها تنسى، ورحمة هي الام الوالدة التي توضع في مرتبة دونية، ورحمة هي كل امرأة ينظر إليها أنها عدوة الحياة وهي التي تهب الحياة. رحمة هي الشهيدة الصابرة على مرارة الثقافة الذكورية لكن كيف للمنظور الذكوري أن يرى رحمة؟ وكيف لا يستغرب أحد كيف تجازى صابرة كهذه بالضرب بعد كل ما فعلته لأجل الزوج المعذب والله الذي يحتاج في قصتنا هذه ليظهر ربوبيته وابليس الذي يبحث عن الفوز وإظهار شره وسطوته؟ الجميع يريد أن يبرز شيئا ما ورحمة كانت في كل مرة خاضعة مطيعة محيية وشاهدة على النبي والرب والشيطان، وعاد لأيوب القصور والابناء والنساء وعاد ابليس لحجمه الأصلي كونه ابليسا، وعاد الرب رحيما عفوا عظيما بعد الاختبار وشك النبي في عدالته وأما رحمة فكان جزاؤها مئة ضربة في القصة والنسيان في ثقافة الوأد.

قصة رحمة هي الوجه الآخر من قصة أيوب[23]، ولقد حاولنا أن نسلط على هذا الآخر المتروك ضوء الكتابة، لأجل ذكرى الضحية ولأجل فهم أن لكل قصة من قصص القرآن وجها آخر ووجوها أخرى لم تكتب بعدُ. فقصّة رحمة في كتب التفسير تظهر للإسلام وجوها متعددة بلا شك، شرحنا بعضها هنا ولا تزال بحاجة إلى شرح طويل ومفصّل، ذلك أن بعض الروايات التي لم نذكرها هنا لا تزال تحمل مفاجآت عديدة تخص أمورا إشكالية متعددة: من هي رحمة؟ ما هي علاقتها بزوجها؟ هل بقيت لأنها فعلت بدافع الحب؟ هل بقيت لأنها مقدور عليها ذلك؟ هل ضربت ظلما؟ هل من عدالة الله أن تعاقب على وضع مأساوي كانت فيه رحمة حقا: اسمى ومسمى؟ لماذا تقسو عليها الثقافة وهي تنقل مأساتها من اليونان إلى الاغريق إلى الشعوب السامية يهودا وعربا؟ ما هو سرّ هذا الأصل الذي تربطه هذه الثقافات جميعا بين الشر والأنوثة؟ لم يقبل المفسرون نقل هذا الميراث السابق لهم وترك رحمة رمزا لامرأة خاضعة ومطيعة ومسحوقة الإرادة ومجازاة بالتأديب؟ إلى أي حد تشبه رحمة كل تصورات النساء عند المسلمين؟ إلى متى الصمت على آلام رحمة ومأساتها؟ لماذا لم تنج رحمة بنفسها من كل هذا الجحود والنكران؟ لم لم تستطع رحمة أن تحرر نفسها في الوقت الذي حرر أهل القرية والأصحاب أنفسهم من صلتهم بأيوب؟ هل يمكن أن نقرأ قصة رحمة بغير المنظور الذكوري والحرفي الذي قرأه بها المفسرون القدامى؟

إن لقصة رحمة بقية تروى.

 

المراجع:

 

ابن كثير أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (ت ٧٧٤ هـ)، البداية والنهاية، مطبعة السعادة، القاهرة. 774ه.

أبو القاسم علي بن الحسن ابن هبة الله بن عبد الله الشافعي المعروف بابن عساكر (٤٩٩ هـ – ٥٧١ هـ) تاريخ مدينة دمشق، وذكر فضلها وتسمية من حلها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها، دراسة وتحقيق: محب الدين أبو سعيد عمر بن غرامة العمروي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤١٥ هـ – ١٩٩٥ م

الرازي فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي التميمي البكري الرازي، التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ط3، 1420ه.

الزمخشري جار الله أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، 4ج، بيروت، دار المعرفة، د. ت،

زينب التّوجاني، هل الإسلام واحد أم متعدّد، قصّة أيوب النبي مثالا؟ موقع مؤسسة تكوين، عوين يوم 1/03/ 2024.

سفر أيوب، الكتاب المقدس، القاهرة، كتب العهد القديم والعهد الجديد، ط6، 1995.

سيد قطب، في ظلال القرآن، بيروت/ القاهرة، دار الشروق، 1978، ط7،

الطبري أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي (٢٢٤ – ٣١٠هـ)، جامع البيان في تأويل آي القرآن، 24ج، دار التربية والتراث – مكة المكرمة، دت، 24 ج

الطبري أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي (٢٢٤ – ٣١٠هـ)، تاريخ الرسل والملوك، دار المعارف، مصر، 1967.

القرآن الكريم، برواية ورش عن الإمام نافع، مجمع الملك فهد لرواية المصحف الشريف.

Jean Levêque, Job et Son Dieu, Essai D’Exégèse et De Théologie Biblique, Paris, J. Gabalda & Cie Editeurs, 1970.T2, pp119- 131.

 

 

[1] “قيل اسمها ليا بنت يعقوب وقيل رحمة بنت أفرائيم. وقيل منشا بن يوسف بن يعقوب” ابن كثير، البداية والنهاية، مطبعة السعادة، القاهرة، مج1، ص221. انظر تاريخ الطبري كذلك: مج1، ص322. (دار المعارف بمصر-الطبعة: الثانية ١٣٨٧ هـ – ١٩٦٧ م)

[2] ” وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ * فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ ‌رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ” الأنبياء 83-84

[3] انظر تاريخ الطبري: مج1، ص322.

[4] المرجع نفسه، الصفحة نفسها

[5]  الطبري، جامع البيان، دار التربية والتراث، مكة، مج18، ص487.

 

[6]  الطبري، جامع البيان، مج18، ص486.

 

[7]المصدر نفسه، ص487.

[8] المصدر نفسه، ص490.

[9] المصدر نفسه، الصفحة نفسها

[10] المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[11] 18المصدر نفسه، ص484

[12] منذ أيام قليلة انتشر مقطع فيديو لفتاة من سوريا تتعرض للضرب المبرح على أيدي أهلها وهي تصرخ”بنية والله بنية” انظر مقدار العنف الذي تتعرض له النساء باسم التقاليد والدين على الرابط: https://www.egypttelegraph.com/article/18555/صرخة-أنا-عذراء-السوريات-فريسة-لعنف-ذكوري

[13]الطبري، جامع البيان، مج18، 498.

 

[14]الطبري، جامع البيان، مج18، ص503.

 

[15]«فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ الشَّكْوَى تقدح في كونه صابرا. والجواب: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ رحمه الله مَنْ شَكَا إِلَى اللَّه تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ ذَلِكَ جَزَعًا إِذَا كَانَ فِي شَكْوَاهُ رَاضِيًا بقضاء اللَّه تعالى إِذْ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الصَّبْرِ اسْتِحْلَاءُ الْبَلَاءِ، ألم تسمع قول يعقوب عليه السلام: نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ” الرازي، مفاتيح الغيب، ج22، 185.

[16] الطبري، جامع البيان، مج18، ص505.

[17] فقال: “رب لأي شيء خلقتني لو كنت إذ كرهتني في الخير تركتني فلم تخلقني يا ليتني كنت حيضة ألقت بي أمي ويا ليتني مت في بطنها فلم أعرف شيئا ولم تعرفني ما الذنب الذي أذنبته ولم يذنبه أحد غيري؟ وما العمل الذي عملت فصرفت وجهك الكريم عني؟ لوكنت أمتني فألحقتني بآبائي فالموت كان أجمل بي، فأسوة لي بالسلاطين الذي صُفَّت من دونهم الجيوش، يضربون عنهم بالسيوف بخلا بهم عن الموت، وحرصا على بقائهم، أصبحوا في القبور جاثمين، حتى ظنوا أنهم سيخلَّدون، وأسوة لي بالملوك الذين كنزوا الكنوز، وطَمروا المطامير، وجمعوا الجموع، وظنوا أنهم سيخلدون، وأسوة لي بالجبارين الذين بنوا المدائن والحصون، وعاشوا فيها المئين من السنين، ثم أصبحت خرابا، مأوى للوحوش ومثنى للشياطين”

[18] الرازي، مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج22، تفسير الآيات 83- 84 من الأنبياء، ص 181 وما بعدها.

[19] الرازي، مفاتيح الغيب، ج 22، ص183.

[20] الرازي، مفاتيح الغيب، ج22، ص 181

[21] انظر: في ظلال القرآن، بيروت/ القاهرة، دار الشروق، 1978، ط7، مج4، ص 2392.

[22] الزمخشري، الكشاف، ج 3، ص18.

[23] انظر حول الوجوه المتعددة لقصة أيوب مقالنا في: https://taqueen.com/هل-الإسلام-واحد-أم-متعدّد؟

 

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete