قصّة موسى والراعي … كيف يتكلّم البشر مع الله؟

في مقدّمته للحوار في مجال الفكر الدّينيّ، يذكّرنا أحمد جلاليّ بمناهج التّعليم في المدرسة الابتدائيّة التي تعلّم فيها، فقد كان كتاب الأدب الفارسيّ يضمّ قصّة من قصص المثنويّ، تتحدّث عن راعي غنم مجهول ونبيّ من أنبياء الله هو موسى عليه السّلام. قرأ القصّة كما يروي لنا وهو ابن تسعة أعوام كما قرأها غيره من تلاميذ المدرسة، وتعلّم فهمَ الدّين من خلالها، ففي كلّ محاورة علينا أن نتدبّر أحد أشعّة الحقيقة لعرضها على الآخرين، وكذلك نتعلّم إسهام ذلك الآخر في الحقيقة، وإلّا أصبح الحوار بين البشر بلا فائدة [أحمد جلالي، مقدمة للحوار في مجال الفكر الدّيني، ص 168].

تذكر القصّة أنّ موسى شاهد راعيًا في الطّريق وهو يتضرّع إلى الله قائلًا: “إلهي، يا من تصطفي من تشاء، أين أنت حتّى أصبح خادمًا لك، فأصلح نعليك وأمشّط رأسك! وأغسل ثيابك وأقتل ما بها من القمل وأحمل الحليب إليك، أيّها العظيم! وأقبّل يدك اللّطيفة وأمسح قدمك الرّقيق، وأنظّف مخدعك حين يجيء وقت المنام. يا من فداؤك كلّ أغنامي! ويا من لذكرك حنيني وهيامي! “.

لقد قدّم الرّاعي من كلّ قلبه أفضل ما يمتلكه، إنّ الماعز كلّ مقتنياته، وكلماته البسيطة ناقلة لمشاعره. إنّ كثيرًا من كلماته قد تبدو حمقاء، يخالف بها كلّ الأنماط العقائديّة المسموح بها عند مخاطبة (الله) حيث نحّى جانبًا كلّ صفات القداسة الإلهيّة المفروضة دينيًّا، ولم يراع كل التّرتيبات الكهنوتيّة المستقرّة حول صورة الله العظيم. علّق النبيّ موسى على الرّاعي باعتباره حاميًا كبيرًا للشّريعة ومفوّضًا لتفسير الدّين ومدافعًا عن الإيمان: “يا أيّها الرّجل، من تخاطب بهذه الكلمات الحمقاء؟” أجاب الرّاعي: “ذلك الشّخص الذي خلقنا، الذي ظهرت بقدرته هذه الأرض وتلك السماوات! “.

فقال له موسى: “حذار! إنّك قد أوغلت في إدبارك، وما غدوت بقولك هذا مسلمًا بل صرتَ من الكافرين. ما هذا العبث وما هذا الكفر والهذيان؟ ألا فلتحشُ فمك بقطعة من القطن. إنّ نتن كفرك قد جعل العالم كلّه منتناً! بل إن كفرك قد مزّق ديباجة الدّين! إن النّعل والجورب يليقان بك. ولكن متى كان مثل هذين يليقان بالشمس؟ فإن لم تغلق حلقك عن مثل هذا الكلام، فإن نارًا سوف تندلع وتلتهم الخلق! وإن لم تكن النّار قد اندلعت فما هذا الدخّان؟ ولماذا أصبحت نفسك مسودّة وروحك مردودًا؟ وإن كنت تعلم أن الله هو الحاكم، فكيف اعتقدت بمثل هذا السّفه والوقاحة؟ إن صداقة الحمق هي عين العداوة. وما أغنى الحقّ تعالى عن مثل هذه العبادة! فمع من تتحدّث؟ أمع العمّ أم الخال؟ وهل الجسم والحاجة من صفات ذي الجلال؟ إنّ الحليب يشربه من يكون قابلاً للنّشأة والنّماء، والنّعل يلبسه من هو بحاجة إلى القدم. وحتى لو كان من القيل والقال موجّها لعبد الله الذي قال عنه الحق: “إنه ذاتي وأنا ذاته” هذا العبد الذي هو مغزى حديث الحق: “مرضت فلم تعدني. لقد غدوت مريضًا، وليس عبدي وحده هو الذي مرض”.

وطبقًا لرواية الروميّ للقصّة فقد استمرّ النبيّ موسى في نقده القاسي وإدانته للرّاعي، شارحًا وموضّحًا له ما ارتكبه من خطايا بأسلوب بَدَا معقّدًا لهذا الرّاعي البسيط. فمزّق الرّاعي ثوبه وتأوّه ثمّ انطلق مسرعًا إلى الصّحراء، ومضى قائلًا بإحساس الصّدمة وبتعبير من البساطة والبراءة: “لقد أغلقت فمي أيّها الرّجل، كما أحرقت روحي في سعيها إلى التّوبة”.

وتستمر القصّة ليحكي لنا مولانا جلال الدّين أنّه بعد تلك المحادثة ظهر التجلّي الإلهيّ للنّبيّ موسى، وجاءته هذه الكلمات: “لقد أبعدت عنّي واحدًا من عبادي! فهل أتيت لعقد أواصر الوصل، أم أنّك جئت لإيقاع الفراق؟ فما استطعت لا تخط خطوة نحو إيقاع الفراق، فأبغض الحلال عندي هو الطّلاق! لقد وضعتُ لكلّ إنسان سيرة، ووهبت كلَّ رجلٍ مصطلحًا للتعبير، يكون في اعتباره مدحًا، على حين أنه في اعتبارك ذمّ. ويكون في مذاقه شهدًا وهو في مذاقك سمّ! إنّني منزّه عن كلّ طهرٍ وتلوّث، وعن كلّ روح ثقلت في عبادتي أو خفّت. والتكليف من جانبي لم يكن لربح أنشده، لكنّ ذلك كان لكي أنعم على عبادي. فأهل الهند لهم أسلوبهم في المديح. ولأهل السّند كذلك أسلوبهم. ولست أغدو طاهرًا بتسبيحهم، بل هم المتطهّرون بذلك، الناثرون الدرَّ. ولسنا ننظر إلى اللّسان والقال، بل نحن ننظر إلى الباطن والحال. فنظرنا إنما هو لخشوع القلب، حتى لو جاء اللّسان مجرّدًا من الخشوع.

فالقلب يكون هو الجوهر، أما الكلامُ فعَرضٌ. والعرضُ يأتي كالطّفيلي أما الجوهر فهو المقصد والغرض. فإلى متى هذه الألفاظ وذلك الإضمار والمجاز؟ إني أطلب لهيب الحبّ، فاحترق، وتقرّب بهذا الاحتراق! أشعل في روحك نارًا من العشق، ثمّ أحرق بها كلّ فكر وكلّ عبارة!

يا موسى! إنّ العارفين بالآداب نوعٌ من النّاس، والذين تحترق نفوسهم وأرواحهم نوع آخر. إنّ للعشاق احتراقًا في كلّ لحظة! وليس يفرض العشر والخراج على قرية خربة! فلو أنّه أخطأ في القول فلا تسمّه خاطئًا. وإن كان مجلّلًا بالدّماء، فلا تغسل الشّهداء. فالدّم أولى بالشّهداء من الماء! وخطأ المحبّ خير من مائة صواب!

فليس في داخل الكعبة رسم للقبلة. وأي ضرر يحيق بالغوّاص إن لم يلبس النّعل الواقي من الغوص في الثّلوج؟ فلا تلتمس الهداية عند السّكارى. وكيف تطلب من تهلهلت ثيابهم رفو تلك الثّياب؟ إنّ ملّة العشق قد انفصلت عن كافّة الأديان. فمذهب العشّاق وملّتهم هو الله“.

وطبقًا لما يذكره مولانا جلال الدّين، فإنّه بعد هذا الحديث يضع الله في صميم قلب النبيّ موسى خوارق لا تُعبّر عنها الكلمات، وقد صبّت الكلمات في قلبه، أمّا البصر والكلام، فقد اختلطا سويّة، ويستمرّ الرّومي قائلًا: “فلو أنّني شرحت أكثر من هذا لكان من البلاهة. ذلك لأنّ شرح هذا يتجاوز علمنا. ولو أنّني ذكرته لاقتلعت العقول! ولو أنّني كتبته لانشقّ كثير من الأقلام! “.

وتخبرنا القصّة أنّه عندما سمع موسى هذا العتاب من الحقّ، هرع وراء الرّاعي. وانطلق مقتفيًا آثار قدمي ذلك الحيران. فكان ينثر الغبار من أذيال الصحراء. وإنّ خطوة قدم الإنسان الموله لهي متميّزة عن خطى الآخرين. فتارة يمضي مستقيمًا كالرّخ من القمّة نحو القرار، وتارة يمضي بخطى متقاطعة مثل الفيل، وتارة يمضي كالموج متطاولًا رافعًا علمه، وتارة يمضي زاحفًا فوق بطنه كالسّمكة، وتارة يخطّ وصف حاله فوق التّراب، كالرّمّال الذي يضرب الرّمال”.

وفي النّهاية أدرك موسى الراعي ورآه، وقال البشير للرّاعي: “إنّ الإذن قد جاء! فلا تلتمس آدابًا ولا ترتيبًا، وانطق بكلّ ما يبتغيه قلبك الشّجيّ! إن كفرك دينٌ، ودينك نور للروح! وإنّك لآمنٌ، والعالم بك في أمان! أيّها المعافى! إنّ الله يفعل ما يشاء. فاذهب، وأطلق لسانك بدون محاباة”.

فقال الراعي: “يا موسى. إنّي قد تجاوزت ذلك. إنّني الآن مجلّل بدماء قلبي! لقد تجاوزت سدرة المنتهى. وخطوت مائة ألف عام في ذلك الجانب! إنّك قد أعملت سوطك، فدار حصاني، فبلغ قبّة السّماء، ثمّ تجاوز الآفاق! فعسى الله أن يجعل جوهرنا الإنساني نجيّ سرّ لاهوته. وليبارك الله لك يدك وساعدك! فالآن قد تجاوز حالي نطاق القول. فهذا الذي أقوله ليس حقيقة حالي”. [المثنوي، مج 2/ 154-166].

ترى لِيلي أنفار “أنّ في قصّة موسى والرّاعي خمس شخصيات رئيسية (الرّاعي – موسى – جلال الدّين الرّوميّ – الله – القارئ)، وتعدّ شخصية موسى من الشخصيات المستدعاة كثيرًا في كتابات مولانا حيث يمثّل في المثنوي الشّخصية الغاضبة التي تحب تنفيذ الأوامر بصرامة، لكنّه يتميّز أيضًا بكونه شخصيّة صادقة، وإن بدت تصرّفاته صادمة! [Intervention de Leili Anvar – Rumi, Moïse et le berger ou les vertus transformantes du Verbe].

تتحدّث أنفار عن تأثير الكلام إيجابًا وسلبًا على العالم من خلال التفاتها إلى كلمة موسى مخاطبًا الرّاعي أن كلامه لوّث العالم، وتشير إلى أنّ موسى هنا مسلم ينطق بكلام الوحي الإلهي المرسل به النّبي محمّد، وتشير إلى إيمان مولانا بأزليّة الكلام الإلهيّ وقِدم القرآن.

ربما يحمل كلام الرومي ما تشير إليه أنفار، لكنّا نلاحظ أيضًا حرص الرّوميّ على مبدأ التوحيد كتنقية للعالم مما شابه من كفرٍ ووثنية، فالرّوميّ على لسان نبيّ مرسل يتحدث عن رسالة، لكنّه في الوقت نفسه يحرص على تذكرينا عبر كلام الرّاعي وعبر خطاب الله لموسى أنّ (التوحيد الإسلاميّ) لون من ألوان التّنزيه لله، ولا يعني إيماننا به واعتقادنا فيه أنّه وحده التّنزيه الذي ينبغي أن نفرضه على العباد جميعًا. وهنا نتذكّر من آيات الذّكر الحكيم: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) [الحجّ:40]، (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ) [البقرة:251].

تُلفتُ قصّة موسى والراعي نظرنا إلى ما يركّز عليه مولانا من أهمية الترّكيز والعناية في الخطاب الموجّه إلى العباد، ونتذكّر من دروس الرّوميّ وتوجيهاته لتلاميذه أنّ التهكّم على المختلف مرفوض، وأنّ تصوّرنا أنّنا وحدنا الواعون الفاهمون للكلام الإلهيّ مرفوض.

يُروى أنّه كان بعض المسيحيين في مجلس جلال الدّين الرّومي يستمعون إليه، ورغم عدم معرفتهم باللّغة التي يتحدّث بها إلّا أنهم كانوا يحزنون ويفرحون ويبكون حسب جوّ المجلس. في إحدى المرّات قال أحد المسلمين في المجلس باستخفاف، ما بالُ هؤلاء يبكون، مع أنّ المسلمين أنفسهم لا يصِلون إلى فهم مُعظم ما يُقال في هذه المجالس ويدركونه؟! فسمعه جلال الدّين الرّومي، فعلّق قائلاً:

“ليس من المهمّ أن يفهموا الكلمات، هم يفهمون لُبّ الكلمات، هم يدركون أنّ ما يدور في هذا المجلس هو عن الله وعن كونه رزّاقًا عفوًا غفورًا رحيمًا جميلاً قادرًا حكيمًا، مُثيبًا مُعاقبًا، وهم يشمّون من هذه الكلمة رائحة أحبابهم، لذا يتأثّرون وتثور عواطفهم. كــلُّ إنــــســـانٍ يحبُّ الله من قلبه ويتضرّع إليه إذ ليس بوسعنا أن نضع اسمًا لهذا الإيمان القاطن في القلب، وعندما يسيل هذا الإيمان إلى مجرى الكلام وقالبه يتشكّل ويُكتب اسم له”.

ورغم وجود أنظمة التعليم المتقدّمة حاليًا، وكذلك القفزات الهائلة في تكنولوجيا الاتّصال والمعلومات في جميع أرجاء العالم، فما زال الملايين من البشر محاصرين في غياهب الرّيبة والظّنون والكراهيّة المتبادلة، ويفشلون في تقدير مدى فاعلية ثقافة الحوار في تحقيق التّسامح والتّفاهم، وتقدير روعة التنوّع الخلاّق. إنّنا نعيش ونرى مدى الدّمار الناتج عن هذا الفشل.

أشاع مولانا جلال الدّين الرّومي روح التّسامح والتّعايش السلميّ مع المخالفين وحضّ على الأفكار الإيجابيّة والآثار النّافعة للإنسان، وثمّن الرؤى التي يطرحها أنصار هذا الاتّجاه من خلال الشّواهد القرآنيّة والأحاديث النبويّة والتّعاليم المذهبيّة والاجتماعيّة والنّفسيّة، وعمل عبر الاستدلال على ضرورة توطيد عرى وقواعد هذه الرّؤية.

فعلى سبيل المثال، لم يعتمد مولانا الرّوميّ عند تقييم مقولات ومعتقدات نظرائه على مجرد السّماع عنهم، ولم ينظر للآخرين على أنّهم أعداء، معتمدًا مقولات الخصوم المذهبيّين، وبثّ في كتابه المثنوي قواعد ومبادئ التعامل مع الآخر، وتؤكد لنا الأبيات التّالية ذلك:

“إن نظرت بالعين الحولاء رأيت قرص القمر قرصين، وهذه النّظرة الـمشتبهة مثل السؤال في الشُّبهةِ. فاجعل العين مستقيمةً في ضوء القمر، حتّى ترى قمرًا واحدًا، هذا هو الجوابُ. وسدّد فكرَك وانظر جيدًا، حينذاك يكون لك نورُ ذلك الجوهرِ وشعاعه. وكلُّ جواب يتأتّى من الأذن إلى القلب، تقول العين: اسمع منّي واترك هذا. والأُذن دلالةٌ والعينُ أهلٌ للوصالِ، والعينُ من أصحاب الحالِ والأذنُ من أصحاب الـمقالِ. وفي سمع الأذن تبديلٌ للصفات، وفي عيان الأبصارِ تبديلٌ للذاتِ. وإذا صار علمك بالنّار عن طريق الكلام فقد وصلت إلى علم اليقين، فاطلب النّضج ولا تتوقّف عند اليقين. وما لم تحترق، فليس هذا عين اليقين، وإذا أردت هذا اليقين فادخل في النارِ. وعندما تصير الأذُن نافذةً تصير عينًا، وإلا لبقِيت الأقوالُ في الأذن فحسب. وهذا الكلام لا نهاية له!” [المثنوي، مج 2/91].

أكّد مولانا الرّومي في دروسه على ضرورة الابتعاد عن ازدراء الأديان والإساءة للمقدّسات واعتماد الّصفح والتّسامح والخلق الرفيع مع الأعداء قبل الأصدقاء، كما هو منهج القرآن الكريم، لأنّنا إنْ فعلنا ذلك سنحدُّ من العداوة المنتشرة بين الناس، ونحيل كلّ المشاعر العدائيّة إلى محبّة وصلات إنسانيّة مفيدة للمجتمع، يقول الروميّ موضّحًا ذلك:

“اعتبر صلة رفاق الطريق أمرًا لازمًا، مهما يكن راجلًا أو فارسًا. وإن كان عدوًّا فالإحسان إليه طيّب، فرُبَّ عدوٍّ انقلب بالإحسان إلى صديق. وإن لم ينقلب إلى صديق فإن حقده يقل، ذلك أنّ الإحسان مرهم للحقد. وهناك فوائد كثيرة غير هذه، لكنّي أخاف التّطويل أيُّها الرفيق.

والخلاصة أقولها لك: كُنْ رفيقًا للجميع، وكُنْ كالنَّحّات، انحتْ من الحجر رفيقًا. ذلك أنّ الجماعة وكثرة القافلة تكسر من قطّاع الطّرق ظهورهم وسنانهم”[المثنوي، مج 2/188].

يؤدي التصالح والتعايش السلميّ مع الآخرين إلى نتائج إيجابيّة في المجتمع، ويؤثّر تأثيرًا عميقًا في تهذيب النفس وتزكيتها. يقول جلال الدّين الرّومي في ذلك:

“عندما ترى مأذونًا له، تحدّث عن سرّ الرّوح، وعندما ترى الورد، غرّد كالبلابل، وعندما ترى القربة مليئة بالمكر والمجاز، ضمّ شفتيك واجعل نفسك دِنًّا. إنّه عدو للماء فلا تتحرك أمامه، وإلا كسرَت حجارةً جهله الدِّن! واصبر على العقوبات التي ينزلها بك الجاهل […] والصّبر يصفّي القلب في كلّ موضع. ونار النّمرود كانت لإبراهيم في صقلها كصفاء المرآة. وجور كفر قوم نوح وصبر نوح، صار لنوح جلاءً لمرآة الروح”. [المثنوي، مج 6/192-193].

كذلك يعتقد الرّومي أنّ السبب الرئيس للحروب والنزاعات بين أهل الأديان والمذاهب هو الجهل والغفلة عن الحقيقة، وضيق الأفق عند أهل الخلاف والنزاع، فكثيرًا ما يعتمد المتصارعون على الظنّ والوهم والخيال. ويرى أنّ التّعامل بلطف ورقّة ورحمة مع الآخرين من النّعوت والسجايا الإلهيّة.

وخلاصة القول أنّ مولانا جلال الدين الرّوميّ يعتمد منهج الصّفح والتّسامح وغضّ الطّرف عن زلّات الآخرين، ويستنكر العنف والغلظة والكلام البذيء عند محاورته للآخرين، مهتديًا في ذلك بالمنهج القرآني: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ) [طه: 44]. وقد نُقل عنه أنّه حينما سمع أحدهم يقول لآخر: “لو شتمتني مرّة أشتمك ألف مرّة! “. فقال له: “تعال وخاطبني، فلو شتمتني ألف مرّة لم أجب على أيّ واحدةٍ منها” [الأفلاكي، مناقب العارفين، ص105].

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete