قضية الدلالة و السياق في التعامل مع الحديث النبوي

في مقالين سابقين حول السنة النبوية، عرضنا خلالهما لبعض المباحث و الإشكاليات المتعلقة بالمصدر الثاني للتشريع الإسلامي ، و أكدنا أن مناقشة هذه المباحث و تفكيك تلك الإشكاليات، ينطلق من تسليمنا و إقرارنا بحجية السنة في عمومها كمرجعية تشريعية تالية للقرآن الكريم ، لكن هذا التسليم لا ينفي – بل يقتضي من باب الحرص على السنة – وجود عدد من المباحث و القضايا ، يتحتم على العقل المسلم معالجتها و إعادة التدقيق  فيها وتقليب وجهات النظر المختلفة حيالها، بكل هدوء و موضوعية و بعيدا عن الهجوم العشوائي المنفلت جهلا أو رغبة في هدم هذا المصدر المكمل لبناء الإسلام ، و دون الخضوع لمسايرة الجماعة و إن خالفت القناعة  و السير مع الركب رهبة و تجنبا لاتهامات مضادة بالفسق و الزندقة والمروق من الدين و معاداة السنة.

و في هذا المقال نواصل سيرنا الذي بدأناه ، مقتصرين فيه على مبحث واحد في غاية الأهمية و الخطورة ، نتناول فيه قضية الدلالة والسياق اللفظي و الزماني في فهم الحديث النبوي.

 

– الدلالة والسياق في فهم الحديث النبوي :

الدلالة: الدلالة لغة: من الفعل (دل)، وهي الإبانة بأمارة حاصلة بالعلم، كالدلالة على الطريق، والدليل هو: الأمارة، والهيئة.

أما الدلالة في الاصطلاح: قد يكون أدق و أيسر تعريف لها ما ذكره الشريف الجرجاني في (كتاب التعريفات) إذ يراها: “كون الشيء بحالة يلزم من العلم بها العلم بشيء آخر، والشيء الأول هو الدال، والثاني هو المدلول”.. وهذا التعريف يشمل كل دلالة في علاقة (اللفظ ) ب (المعنى) .. وكيفية دلالة اللفظ على المعنى باصطلاح علماء الأصول محصورة في عبارة النص، وإشارة النص، ودلالة النص، واقتضاء النص.

بالنسبة للسنة النبوية ، فمعلوم بالضرورة أن أكثرها ظني الثبوت ظني الدلالة .. صحيح أن فيها ما هو قطعي الدلالة لا يحتمل إلا معنى واحدا، إلا أن أغلب نصوصها يحتمل أكثر من معنى.

و الباحث في نصوص و معاني وتأويلات نصوص المدونة الحديثية، يكتشف بسهولة أن المشكلة لا تكون  دائما في الاتفاق أو الاختلاف حول  ثبوت النص أو الحديث ، لكن تكمن المشكلة في إجادة وحسن التعامل مع هذا النص النبوي، وفهمه وفق دلالات اللغة، وفي ضوء السياق الزماني للحديث و الظروف والملابسات والأجواء التي قيل فيها ، و كذلك سبب وروده، و موقعه من النصوص القرآنية والنبوية الأخرى ،و في إطار المبادئ العامة، والمقاصد الكلية للإسلام.

و كما أن هناك أسباب للنزول في كثير من آيات القرآن الكريم  ، تساعد على فهم حقيقة تلك الآيات و تعين على معرفة الحكمة أو الحكم مما شرعه الله تعالى في كتابه ، فإن  معرفة قصة و سبب  وظروف ورود الحديث تساعد على سلامة فهمه وتفسيره و الوصول إلى حقيقة مراده ومعناه.

فبيان السبب – كما يقول ابن دقيق العيد- طريق قوي في فهم معاني الكتاب والسنة ، وعلى حد تعبير ابن تيمية فمعرفة السبب تعين على فهم الحديث والآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب.

لنأخذ مثلا على ذلك الحديث الشهير ” لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة”، و هو  حديث صحيح  أورده البخاري و غيره مرويا عن أبي بكرة رضي الله عنه، قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس ملكوا عليهم بنت كسرى قال: “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة”.

وقد تلقى علماء المسلمين هذا الحديث بالقبول وبنوا عليه حكمهم بأن المرأة لا تلي على الرجال ولاية عامة كالخلافة و الإمامة ورئاسة الدولة .. و ليت الأمر توقف عند هذا الحد ، بل صدرت بناء على هذا الحديث فتاوى كثيرة و متنوعة  في تحريم تولي المرأة المناصب القيادية عامة ومنصب القضاء خاصة، و كذلك منعها من أن تكون ناخبة – مجرد ناخبة –  أو عضوا في مجلس نيابي!

كل هؤلاء أخذوا بظاهر الحديث و تعاملوا معه كنص مباشر المعنى و الدلالة ، لكن هناك قراءات أخرى للحديث جديرة بالنظر والتأمل ، أولا لأنها توافق صريح القرآن حين عرض لقصة بلقيس ملكة سبأ التي قادت قومها إلى الفلاح و الإيمان ، و ثانيا لأنها توافق كثيرا من وقائع التاريخ فيما يتصل بكفاءة المرأة السياسية وجدارتها بقيادة الأمور وحكم البلاد.

و مفاد تلك القراءة المغايرة أن النبي (ص) قال كلامه هذا ” لن يفلح قوما ولوا أمرهم امرأة” في سياق ظرف معين وواقعة محددة، تعليقا على خبر وصله  أن  بلاد فارس بنظامهم الذي لا يقر الشورى ولا يعترف بها ، وعملا بمبدأ توريث الحكم المتبع هناك، اضطروا لتولية امرأة الحكم وهي معدومة التأهيل و الكفاءة وكل مميزاتها أنها ابنة الإمبراطور السابق .. فكأن النبي هنا يوجه نقدا صريحا للوضع العام في فارس و لنظام الحكم الوراثي الذي يتجاهل تماما أي قيادة أو كفاءة حقيقية طالما كانت خارج نطاق الأسرة الحاكمة.

و بالفعل أثبت التاريخ  صدق حكم النبي ونبوءته في تلك الواقعة فتهاوت فارس، لكن هذا لا يمنع أن التاريخ نفسه عبر مراحله المختلفة قدم لنا نماذج لسيدات حكمن بلادهن و حققن درجات عالية من النجاح والازدهار و الاستقرار السياسي  بجدارة تضاهي أو تفوق جدارة الرجال ، وفيما يلي بعض هؤلاء الشهيرات المقتدرات : حتشبسوت (ملكة مصر 1486-1468ق.م) ، بلقيس ملكة سبأ التي خلد القرآن ذكرها في سورة النمل ( حوالي عام 945ق.م) ، سميراميس (ملكة آشور حوالي عام 800ق.م) ، شجرة الدر أم خليل ( ملكة مصر التي حكمتها ثمانين يوما 1250م)، و كذلك الملكة كاترين الثانية في روسيا التي لقبت بكاترين العظمى ، و الملكة إليزابيث الأولى في بريطانيا ، و أنديرا غاندي في الهند ، وغيرهن كثيرات..

تلك النماذج التاريخية تثبت أن حديث ” لن يفلح قوما ولوا أمرهم امرأة ” خاص وليس عاما، وأن النبي لم يكن يقرر حكما شرعيا  وإنما كان يعلق على موقف سياسي معين وحالة بعينها.

في كتابه المهم ( السنة النبوية بين أهل الفقه و أهل الحديث)، وحول هذا الحديث ، يقول الشيخ محمد الغزالي  :” كل ما أبغى هو منع التناقض بين الكتاب والآثار الواردة، وبين الحديث والواقع التاريخي، إن إنجلترا بلغت عصرها الذهبي أيام الملكة فيكتوريا وهى الآن بقيادة ملكة ورئيسة وزراء – يقصد وقتها مارجريت تاتشر – وتعد فى قمة الازدهار الاقتصادي والاستقرار السياسي، فأين الخيبة المتوقعة لمن اختار هؤلاء النسوة؟!

و في موضع آخر من نفس الكتاب ، يقول الغزالي :” أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الناس في مكة سورة النمل، وقص عليهم في هذه السورة قصة ملكة سبأ، التي قادت قومها إلى الإيمان و الفلاح  بحكمتها وذكائها، ويستحيل أن يرسل حكماً في حديث يناقض ما نزل عليه من وحي”!  ثم يتساءل متعجبا : “هل خاب قوم ولو أمرهم امرأة من هذا الصنف النفيس”؟

  – أحاديث التداوي من الأمراض:

اختلف أهل العلم في حكم التداوي من الأمراض على أقوال:

القول الأول: يباح التداوي، وهو مذهب الجمهور : الحنفية والمالكية، والحنابلة.. و دليلهم حديث :”ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء”، وحديث ” لكل داء دواء، فإذا أصاب دواء الداء، برئ بإذن الله عز وجل”.

القول الثاني: وجوب التداوي.. وذهب إلى ذلك جماعة من أصحاب الشافعي وبعض الحنابلة، لكنهم اشترطوا أن يكون هذا الدواء نافعا. والذين اعتمدوا هذا الرأي استندوا لحديث رسول الله ﷺ: “تداووا عباد الله” ، فحملوا الأمر على الوجوب، ومن خالفهم حمله على الندب أو الإباحة.

القول الثالث :  ترك التداوي .. و أصحاب هذا الموقف قد انطلقوا في موقفهم هذا من أن المؤمن يجب عليه أن يترك التداوي «اعتصاما بالله تعالى، وتوكلا عليه، وثقة به، وانقطاعا إليه، وعلما بأن الرقية لا تنفعه، وأن تركها لا يضره. إذ قد علم الله أيام المرض وأيام الصحة وزمن الداء”.

تخيل معي الاختلاف الحاصل بين هذه المواقف الثلاثة في مسألة يبدو حسمها لنا الآن سهلا و بسيطا بانحيازنا جميعا إلى ضرورة التماس العلاج من الأمراض بل و إحالة الأمر برمته إلى المختصين من أهل الطب ؟! لكن أهل العلم من الفقهاء رغم اتفاقهم على صحة الأدلة وهي نصوص الأحاديث النبوية ، فإنهم اختلفوا في التعامل مع تلك النصوص و وجوه دلالتها وإلى ماذا تشير.

– حديث الولد للفراش:

–  في الحديث المتفق عليه عن عائشة أنها قالت اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام فقال سعد هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه وقال عبد بن زمعة هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى شبهه فرأى شبها بينا بعتبة فقال هو لك يا عبد” وفي رواية أخرى نجد نفس التفاصيل مع إضافة قول النبي لزوجته سودة بنت زمعة: ” احتجبي منه ( أي من الغلام) ، لما رأى من شبهه بعتبة، فما رآها حتى لقي الله تعالى”.

قصة الحديث واضحة ، نزاع على غلام ، ادعى فيه سعد بن أبي وقاص أنه ابن أخيه عتبة – والأشهر أنه مات كافرا – ، و كان عتبة قد حكى لأخيه سعد أنه عاشر جارية زمعة بن قيس والد سودة زوج النبي صلى الله عليه و سلم ، فأنتجت تلك المعاشرة ولدا اسمه عبد الرحمن ، وقد أوصى عتبة أخيه سعدا أن يضم هذا الغلام إليه و يرعاه.. فلما جاء عام الفتح 8 هجرية أخذ سعد الولد وقال هو ابن أخي ، فقام عبد بن زمعة وقال : هو أخي وابن جارية أبي و ولد على فراشه.

حدث تنازع وتخاصم بين سعد و عبد  في الولد، وذهبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحكيا إليه، فقال النبي : “الولد لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش” أي أن الولد تابع لصاحب الفراش، زوجا كان أو سيدا.. ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم زوجته سودة بنت زمعة أن تمتنع من عبد الرحمن بن زمعة المتنازع فيه فلا يراها ولا تراه. وهذا يبدو مستغربا لأنه في ظاهر الشرع أخوها؛ لأنه ألحق بأبيها، لكن لما رأى النبي الشبه البين بعتبة بن أبي وقاص خشي أن يكون من مائه، فيكون أجنبيا منها، فأمرها بالاحتجاب منه من باب الاحتياط، فما رآها حتى لقي الله عز وجل ومات.

و هنا استنتج الفقهاء أن الأحكام تجري على الظاهر الثابت، مع  الأخذ بالاحتياط عند وقوع الشبهات.

انتهت القصة، لكن يظل هناك تساؤل افتراضي : لو كانت تلك الواقعة في عصرنا الحالي ، و كان النبي لا يزال حيا بيننا ، هل كان سيقضي بنفس الحكم ؟ أم أنه سيلجأ لمعطيات العلم الحديث و ما قدمه لنا في هذا السياق من قرينة حاسمة لا تقبل الشك و هي البصمة الوراثية (DNA) التي يمكنها أن تقول لنا من هو الأب الحقيقي للولد ، فيتحقق بذلك مقصدا تشريعيا وإنسانيا عظيما و هو حفظ الأنساب و حمايتها من الشكوك و الظنون والاحتمالات ؟

  – هل يجوز للرجل أن يتزوج بابنته من الزنا؟

الكلام السابق، يجرنا لسؤال شديد الحساسية: ماذا لو زنى رجل بامرأة متزوجة ، فأنتج هذا الزنا بنتا، فهل له فيما بعد أن يتزوج بهذه البنت؟

المدهش أن الفقهاء اختلفوا في تلك المسألة: الجمهور قالوا لا يجوز له أن يتزوجها ، لأنها من مائه.

أما الشافعية فقالوا: يجوز أن يتزوج بها ، لأن الحرام لا يحرم حلالا، وهي ليست ببنته أصلا بل هي للفراش ، و استندوا في ذلك إلى أن ماء الزنا لا يحرم كما يحرم ماء النكاح ، كما استندوا لحديث:” الولد للفراش”.

– حديث “ لا تنكح البكر حتى تستأذن. قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت”.

الحديث متفق عليه، وقد جاء بصيغ مختلفة وتغييرات لغوية طفيفة ، و النص يقول بوضوح كامل أن البكر البالغة لا تنكح حتى يؤخذ إذنها في ذلك ، إلا أن آراء الفقهاء اختلفت في تفسير دلالة هذا الإذن، فهناك من فسره بأنه على الاستحباب، وبالتالي  فإذا زوجها وليها بلا إذن منها فالنكاح صحيح! جاء في ( نيل الأوطار) للشوكاني : ذهب مالك والشافعي والليث وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق إلى أنه يجوز للأب أن يزوجها بغير استئذان”.

و في نفس المصدر نجد: ” أن البكر البالغة إذا زوجت بغير إذنها لم يصح العقد، وإليه ذهب الأوزاعي والثوري والعترة والحنفية، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم”.

و تفصيل رأي الأحناف في ذلك، أنهم  قطعوا بأن تزويج الولي للبكر دون أن يستأذنها باطل إلا إذا رضيت بهذا الزواج، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “والبكر تستأذن، وإذنها صماتها( أي سكوتها)”  فشرط النبي إذن المرأة البكر حتى يصح النكاح.

و استدلوا كذلك – هم وغيرهم- بالحديث الصحيح الذي تفيد روايته أن فتاة قد جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم و قالت له إن أباها قد زوجها بابن أخيه دون رضاها، فقال لها النبي : الأمر إليك ، أي أنه جعل لها مطلق الحرية في استمرار هذا العقد أو فسخه ، و لما اطمأنت تلك الفتاة الذكية إلى أنها قد حصلت من النبي على حكم عام في المسالة ، قالت: فإني قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء.

– حديث “يا غلام سم الله وكل بيمينك “:

هذا الحديث من أشهر الأحاديث النبوية على الإطلاق، وهو من أوائل ما يتعلمه الطفل المسلم في كل الدنيا منذ سنواته الأولى في البيت ثم في دور الحضانة و المدارس الابتدائية.

بساطة النص و عذوبته و نصاعة المعنى ، تجعل الصغير والكبير يمتثل للمضمون دون أسئلة أو استجوابات حول دلالة تلك “التسمية” عند الأكل، و التي هي عند الجمهور على الاستحباب وبالتالي فتاركها لا يأثم ، أما أهل الظاهر فقالوا: هي على الوجوب، واستدلوا في ذلك بصيغة الأمر التي خاطب به النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن سلمة:    (يا غلام! سم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك).. وظاهر الأمر الوجوب ، ومن ثم فتارك التسمية آثم ما لم يكن ناسيا.

– حديث “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين”:

في الجزء الخامس والعشرين من مجموع فتاواه ينقل لنا الشيخ ابن تيمية كلاما مؤداه أنه معلوم من الدين بالضرورة أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب أنه يرى أو لا يرى لا يجوز، والنصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كثيرة، وقد أجمع المسلمون عليه، ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلا، ولا خلاف حديث.

إذن و بحسب ابن تيميه فهناك إجماع قديم على عدم جواز الاعتماد على الحسابات الفلكية في استطلاع هلال رمضان .. و من الواضح أن هذا الإجماع قد وقف على ظاهر الحديث، وتمسك أصحابه بالرؤية البصرية، على اعتبار أن المسلمين متعبدون بها.

لكن ماذا عن المقصد والمراد في هذه المسألة؟ وماذا عن ربط الوسيلة بالنص و الحكم ؟ دعونا نسأل بشكل آخر اكثر مباشرة : ما هو الهدف من رؤية الهلال، وهل هي وسيلة أم غاية؟          الإجابة بكل سهولة أن الرؤية وسيلة ، الهدف منها صيام شهر رمضان كاملا دون زيادة أو نقصان، فإذا اتفقنا على ذلك فما المانع من اعتماد وسيلة تحقق لنا رؤية الهلال بدقة بالغة يصبح معها الخطأ غير وارد و لا محتمل ؟

ما ذنبنا نحن الآن ؟ ولماذا يتحتم علينا أن نقلد الفقهاء القدامى في رفضهم الاعتماد على علم الفلك في حساب الشهور، و هو رفض له ما يبرره في وقته حيث كان هذا العلم متداخلا أشد ما يكون التداخل مع التنجيم المحرم و الشعوذة، هذا فضلا عن كونه في الماضي يعتمد على الحدس والتخمين، أي أنه يدور في مجال الظن و احتمالات الخطأ و الصواب، و هذا مالم يعد متوفرا في علم الفلك الذي نعرفه الآن.

في كتابه ( العقل والفقه في فهم الحديث النبوي) يقول الشيخ مصطفى الزرقا يتوقف باهتمام كبير أمام  حديث: “إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا” يعني مرة تسعة وعشرين  ومرة ثلاثين.

ويرى الزرقا أن النبي  صلى الله عليه وسلم قد علل أمره باعتماد الرؤية البصرية بكون الأمة حينذاك أمية ، مع عدم توفر علم بالنظام الفلكي المحكم ، و على هذا فرؤية الهلال هنا هي الوسيلة الممكنة الميسورة في هذا الوقت ، مع العلم أنها ليست عبادة بحد ذاتها، وما دامت قد انتفت علة اعتماد الرؤية وهي الأمية، فما الذي يمنع أن نعتمد الحساب الفلكي اليقيني، الذي يعرفنا مسبقاً بموعد حلول الشهر الجديد، ولا يمكن أن يحجب علمنا حينئذ غيم ولا ضباب إلا ضباب العقول؟!

– كفارة الجماع في نهار رمضان للرجل و المرأة:

الراجح أن من أفطر يوما في رمضان عامدا ، فأكل و شرب بغير عذر شرعي، فلا شيء عليه سوى قضاء ذلك اليوم دون أن يكون عليه كفارة.

أما الإفطار بالجماع  فله حكم آخر مشدد ، وهذا الحكم مستمد من الحديث الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة أنه قال: ” بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت، قال :”مالك؟” قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال صلى الله عليه وسلم :”هل تجد رقبة تعتقها ؟ ” قال: لا ، قال:” فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟” قال : لا، فقال:” فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟”، قال: لا ، قال : فمكث النبي صلى الله عليه وسلم فبينما نحن على ذلك أتي النبي صلى الله عليه بعرق فيه تمر ـ والعرق المكتل ـ فقال: “أين السائل؟” فقال: أنا، فقال:” خذه فتصدق به”… إلى آخر الحديث.

نص الحديث يفيد أن كفارة الجماع في نهار رمضان هي عتق رقبة مؤمنة ،أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا.

وقد اختلف العلماء في دلالة تلك الكفارة ، وهل على الترتيب أم على التخيير؟

الجمهور يرون أنها على الترتيب، بمعنى أن من جامع زوجته في نهار رمضان فعليه أن يعتق رقبة مؤمنة ، فإن لم يقدر على ذلك فليصم شهرين متتابعين ، فان عجز عن ذلك فليطعم ستين مسكيناً، و الأمر هنا على الترتيب ، بحيث لا ينتقل  المكفر من خطوة من هذه الخطوات المحددة إلى الخطوة التي تليها إلا عند العجز عن السابقة.

أما المالكية فيرون أنها على التخيير، ودليل التخيير أنه قال في بعض الروايات: (أطعم أو صم أو أعتق) فـتكون (أو) هنا للتخيير.

وكما اختلفوا في ثنائية الترتيب أو التخيير، اختلفوا في  وجوب كفارة الجماع على المرأة التي طاوعت زوجها في نهار رمضان.     فذهب الأحناف والمالكية وأحد القولين عند الشافعية  إلى أنه تجب عليها الكفارة قياسا على الرجل، لأنه لا فارق بين المرأة والرجل.

وهناك من قالوا بأنه  ليس على المرأة كفارة، واستندوا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه الرجل مصرحا بأنه قد جامع امرأته في نهار رمضان ، قال له  افعل كذا وافعل كذا وافعل كذا، فكأنه يقول: أنت وحدك من تجب عليه الكفارة، ولم يسأله عن المرأة، ولم يلزمها   بالكفارة.

و اختلفوا كذلك في ما إذا تكرر الجماع  أكثر من مرة على مدار أيام عديدة ، كثير من الفقهاء أفتوا بكفارات بعدد مرات الأيام التي أفسدها بالجماع، وهناك من قالوا بأنه لا يجب عليه سوى كفارة واحدة.

تبقى ملاحظة مهمة أن كفارة الجماع هي في حق من صام وأفطر عمدا في صيامه، فجُعلت هذه الكفارة تطهيرا له. أما من لم يصم أصلا لمرض أو سفر ثم جامع زوجته ، فهذا لا كفارة له.

– دلالة ترخيص النبي لهند بنت عتبة الأخذ من مال زوجها أبي سفيان بدون علمه:

جاءت هند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني ما يكفيني  و ولدي، إلا ما أخذت من ماله، وهو لا يعلم، فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف.

طبقا لنص هذا الحديث الصحيح ، فإن هند بنت عتبة قد جاءت للنبي شاكية من بخل و حرص زوجها أبي سفيان الذي لا يعطيها من المال ما يكفيها هي و ولدها ، وهذا يضطرها إلى الأخذ من ماله بدون علمه كي تفي باحتياجاتها، فرخص لها النبي أن تأخذ مقدار ما يكفيها بالمعروف دون تجاوز أو شطط.

و هنا تنازع الأئمة و الفقهاء في دلالة ذلك الترخيص الصادر عن النبي، هل كان على سبيل الإفتاء أم على سبيل القضاء ؟ والفرق بينهما شاسع وكبير ، فتصرفه صلى الله عليه و سلم بالفتيا حكمه عام على الناس جميعا وعلى الدوام ،أما تصرفه بالقضاء  كفصله بين الناس في الدعاوى المتعلقة بالأموال والأبدان وغيرها فلا يعتبر حكما عاما. وعلى ذلك فلو كان الإذن الذي منحه النبي لهند في الحديث المذكور إفتاءً لجاز لها ولغيرها من الحالات المشابهة  الأخذ من مال الزوج البخيل بغير إذن ، وإن كانت قضاءً فلا يجوز الأخذ إلا  بحكم و بإذن القاضي.

– هل يجوز للرجل أن يميز بين أبنائه في الهبة و العطية؟

في الحديث المتفق عليه ، روى الشيخان عن النعمان بن بشير:   “أن والده أعطاه عطية فقالت امرأته: لا، حتى تشهد على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهد على هذا غيري فإني لا أشهد على جور”.

كالعادة اختلف العلماء والفقهاء في دلالة الحديث، ففهم البعض منه كراهة الهبة لولد دون آخر ، و البعض الآخر قالوا بحرمة تلك الهبة ، وهناك من أباحها لمبررات و أسباب معينة  كأن يكون أحد الأبناء شديد الفقر ، أو مريضا، و غير ذلك من الأسباب التي يقدرها الأب بمصداقية  دون أن يكون القصد منه انتقاص أو حرمان بعض الورثة من الميراث.

و على العموم فالجمهور ذهبوا إلى أن التسوية بين الأولاد في  الهبة أو العطية مستحبة وليست واجبة، و أن التمييز فيها  مكروه. و عند الحنابلة و الظاهرية  فالتسوية بين الأولاد في الهبة واجبة، والمفاضلة حرام.

و هناك من ذهبوا إلى أنه لو وهب الأب لولد دون آخر وأشهد على ذلك أي أحد ، جاز ذلك العقد، و من ثم يجوز للابن تملك هذه الهبة أو هذه العطية.

الجمهور يرون أن  قول النبي “أشهد على هذا غيري”، زجر وليست إحالة ، وعلى حد تعبير ابن القيم هي تهديد وليست إباحة ، يعني لا أوافق على هذا العقد، فأشهد على ذلك غيري.

أما من خالفهم فقد فهموا من قوله صلى الله عليه و سلم “أشهد على هذا غيري”، أنه لا يليق بالنبي أن يفعل ذلك لأنه مخالف للأولى ، أما آحاد الناس فلهم أن يفعلوا هذا.

– تحريم أكل لحم الحمار الأهلي:

عن علي بن أبي طالب ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية”.. الحديث في صحيح مسلم ، و المعنى واضح بتحريم زواج المتعة و أكل لحوم الحمر الأهلية.

و ما يعنينا هنا هو الشق الثاني الخاص بتحريم لحوم الحمر( جمع حمار) الإنسية و يقال لها أيضا الأهلية ، وهي المستأنسة التي تعيش بين الناس وتحمل أثقالهم. و هي خلاف الحمر الوحشية التي أكلها جائز ومباح.

و رغم أن تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية ظاهر في النص بشكل قطعي – وقد كانت مباحة من قبل – ، فإن العلماء اختلفوا في المسألة : الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم قالوا بتحريم لحومها إلى الأبد بناءً على هذا الحديث ، وقال ابن عباس : ليست بحرام ، وعن مالك ثلاث روايات : أشهرها أنها مكروهة كراهية تنزيه شديدة ، والثانية : حرام ، والثالثة : مباحة.

لو توقفنا هنا أمام رأي ابن عباس – رغم عدم صوابه من وجهة نظرنا- لوجدنا دلالة في غاية الأهمية، إذ أنه لم ينكر نص التحريم ، ولكنه حمله على أن المراد منه مصلحة معينة في الوقت الذي صدر فيه ، و المصلحة بالتحديد هي حماية الحمر من الفناء إذا استمر توسع الناس في ذبحها و أكلها، مع حاجتهم لظهرها لركوبها، وعليه فقد فهم ابن عباس النهي هنا على أنه قرار مؤقت صادر من النبي بحكم الرئاسة والقيادة لتحقيق مصلحة للناس، و  ليس نهيا عاما أو حكما مؤبدا.

و أخيرا فهذه كانت مجرد نماذج منتقاة ، وضعناها بين يديك عزيزي القاريء، إثباتا لما قررناه في بداية المقال بنسبية الدلالة في كثير من ألفاظ الأحاديث النبوية ، و كذلك أهمية مراعاة السياق الزماني و الاجتماعي في فهم النصوص الحديثية حتى لا تُفهم على غير حقيقتها و حتى لا نحملها من المعاني والتفسيرات ما لا تحتمل.

………………………………………………………………..

 المصادر و المراجع :

– صحيح البخاري                                         البخاري      

– صحيح مسلم                                              مسلم       

– اللؤلؤ و المرجان فيما اتفق عليه الشيخان       محمد فؤاد عبد الباقي

– سنن ابن ماجة                                              ابن ماجة

– فتح الباري                                        ابن حجر العسقلاني

– شرح صحيح مسلم                                          النووي

– المغني                                                        ابن قدامة

– الفقه على المذاهب الأربعة                              الجزيري

– فقه السنة                                                 سيد سابق

– نيل الأوطار                                                 الشوكاني

– التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد           ابن عبد البر

– المبسوط                                                   السرخسي

-السنة النبوية بين أهل الفقه و أهل الحديث             محمد الغزالي

-العقل والفقه في فهم الحديث النبوي                  مصطفى الزرقا

– تحفة المودود بأحكام المولود                             ابن القيم

–  فيض القدير                                                   المناوي

– السنة مصدرا للمعرفة و الحضارة                   يوسف القرضاوي

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete