كتابة السنة ورواة الحديث

منذ وفاة النبي ( ص ) سنة 11هـ وحتى نهاية القرن الأول  لم يدون بشكل رسمي و حقيقي و مكتمل من مصادر التشريع الإسلامي سوى القرآن الكريم.

صحيح أن هناك روايات تفيد بوجود محاولات لكتابة بعض من الأحاديث النبوية في حياة النبي (ص) ، أسفرت تلك المحاولات البسيطة و المحدودة عن صحف اشتهرت بأسماء أصحابها ، و لعل  أبرزها و أشهرها الصحيفة الصادقة التي كتبها عبد الله بن عمرو بن العاص ، وصحيفة علي بن أبي طالب وهي صحيفة صغيرة تشتمل على العقل – أي مقادير الديات – وعلى أحكام فكاك الأسير ، وقد أخرج نبأها الإمام البخاري في صحيحه .. و على العموم فالصحائف التي كتبت في عهد النبي ، قد اندثرت ولم يصلنا شيء منها في هيئة كتاب يمكن الإمساك به و الرجوع إليه كمصدر مبكر و معتمد لأحاديث رسول الله.

و اندثار تلك الصحف ، يثير كثيرا من التساؤلات المشروعة و الواجبة : كيف أهمل الصحابة والتابعون تراثا مهما كهذا ؟ لماذا لم يتم نسخ و نشر و توزيع تلك الصحائف؟ لماذا لم تصلنا الصحيفة الصادقة التي يفترض أنها أقدم كتاب في السنة النبوية وبعض الروايات تقول  أنها تضم ما يقرب من ألف حديث ؟ و هل يعقل أن يتم إهمال تلك المادة النبوية الجاهزة و المضمونة والتي لا يمكن الاستغناء عنها في الأوساط الفقهية والعلمية بوجه عام ، مع العلم أن وجودها كان سيقطع الطريق على أي شك أو نقاش حولها، بل كانت ستلقى قبولا حسنا و تسليما بصحتها و سلامتها لحداثة عهد كاتبها و معاصرته للنبي (ص) وتلقيه منه و نقله عنه دون و سيط ، و بالتالي يوفر هذا على الباحث المسلم كثيرا من الإجهاد و الحيرة و ربما التيه  في عالم الروايات المتشابكة و سلاسل الإسناد الطويلة.

وإذا كانت مدونات عصر النبوة و التي يفترض أنها الأهم و الأوثق  قد اندثرت ، فلماذا لم تندثر أيضا مدونات القرن الثاني و الثالث الهجريين؟ لماذا لما تصلنا الصحيفة الصادقة و غيرها من مدونات الحديث التي كتبت في القرن الأول ، كما وصلنا موطأ الإمام مالك المكتوب في القرن الثالث، و كما وصلتنا كتب الحديث الستة التي  ذاعت وانتشرت في القرن الثالث و إلى الآن؟

كيف ضاعت تلك الصحيفة وهي المكتوبة في زمن كتابة القرآن، و لماذا لم تصلنا منسوخة ومحفوظة و هي الوثيقة التي بلغت من الأهمية و الموثوقية ما جعل الحافظ الذهبي ينقل في  موسوعته (تاريخ الإسلام)  عن بعض العلماء قوله : ” ينبغي أن تكون تلك الصحيفة أصح من كل شيء ، لأنها مما كتبه عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم والكتابة أضبط من حفظ الرجال” ؟

بالفعل الكتابة أضبط من حفظ الرجال ، و هذا يجرنا بشكل تلقائي إلى إشكالية كتابة الحديث النبوي بين المنع و بين الإذن و السماح.

 هل نهى النبي بالفعل عن تدوين السنة ؟ ولماذا كان هذا النهي ؟

كان رسول الله (ص) مبينا ومفسرا للقرآن بقوله و فعله ، أي بالحديث و بالسنة العملية.. و المرجح في هذا الوقت أن  أقواله في هذا البيان و التفسير لم تحفظ  بالكتابة كما حفظ القرآن.. و لو أن الأحاديث  كانت تكتب أولا بأول في حياته صلى الله عليه و سلم ، كما كان يكتب القرآن أولا بأول لما كان هناك مشكلة في المسألة، فكتابة أحاديث النبي في حياته وعلى عينه و جمعها في مصنفات محكمة ، لو تمت بالفعل لحسمت كثيرا من الشغب والجدل من كل الأطراف ، و كان من المحتم أن يتعامل المسلمون عبر الأجيال المتتابعة مع تلك المصنفات على أنها مصنفات للنبي نفسه وليست مصنفات لأحاديث ومرويات عنه.. و الفارق شاسع بين أن تكتب عن نفسك وبين أن يكتب أحد آخر عنك مهما كانت درجة القرب و القربى منك.  وهذا لا يمنع – كما يقول الدكتور مصطفى السباعي – أن يكون قد كتب في عصر الرسول شيء من السنة لا على سبيل التدوين الرسمي كما كان يدون القرآن. و لذا فهو يعتقد أنه ليس هنالك تعارض حقيقي بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن، إذا فهمنا النهي على أنه نهي عن التدوين الرسمي كما حدث في تدوين القرآن، وأما الإذن فهو سماح بتدوين نصوص من السنة لظروف وملابسات خاصة أو سماح لبعض الصحابة الذين كانوا يكتبون السنة لأنفسهم.

الشاهد أن  في مسألة النهي عن كتابة الحديث و الإذن و السماح بكتابته ، روايات متعارضة تصل إلى حد التناقض ، و هي من النقاط المثيرة للجدل و الخلاف ، كانت ولا تزال و ستبقى إلى الأبد .. و الحقيقة أنها تحتاج قراءة هادئة وموضوعية لمحاولة – مجرد محاولة – تفكيك هذا التعارض.

فمن ناحية هناك أمر مباشر و صريح من النبي (ص) بالنهي عن كتابة الحديث النبوي وجمعه وتدوينه في صحف خاصة به.. و أحاديث ذلك النهي كثيرة ، على سبيل المثال ما رواه الإمام  مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: “لا تكتبوا عني شيئاً إلا القرآن، ومن كتب عني شيئاً فليمحه “.

وأخرج الدارمي عن أبي سعيد كذلك: أنهم استأذنوا النبي (ص) في أن يكتبوا عنه فلم يأذن لهم. وراية الترمذي عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد قال: استأذنا النبي (ص) في الكتابة فلم يأذن لنا.

يقول الدكتور محمد الطيب النجار في كتابه ( تدوين السنة)  بعد أن استعرض أحاديث النهي عن الكتابة : ” لا شك أن هذه الأحاديث تدل دلالة واضحة على أن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يكن يجيز كتابة السنة ، و لم يأذن بها لمن استأذنه فيها و أنه فزع حينما رأى بعض أصحابه يكتبون بعض الأحاديث و نهاهم عن ذلك حتى لا ينزلقوا إلى ما تردى فيه غيرهم من الأمم السابقة وهم أولئك الذين كانوا يكتبون الكتب مع كتاب الله فيؤدي ذلك إلى الاختلاط والاضطراب “.

على الناحية الأخرى هناك روايات أخرى تفيد  الإذن بكتابة الحديث وروايته .. روى أبو داود والحاكم وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: ” قلت يا رسول الله: إني أسمع منك الشيء فأكتبه. قال: نعم. قلت: في الغضب والرضا؟ قال: نعم فإني لا أقول فيهما إلا حقاً”.

وروى الترمذي عن أبي هريرة، قال: كان رجل من الأنصار يجلس إلى رسول الله (ص)  يسمع منه الحديث فيعجبه ولا يحفظه – يعني كان سريع النسيان – فقال له النبي: استعن عليه بيمينك، وأومأ بيده إلى الخط”.

وروى البخاري عن أبي هريرة أنه قال:

“لم يكن أحد من أصحاب رسول الله (ص) أكثر حديثاً مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص. فإنه كان يكتب، وأنا لا أكتب”.

وروى  البخاري ومسلم – أن رجلاً من أهل اليمن، اسمه أبو شاه سمع خطبة النبي بمكة عام الفتح، وكان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، فطلب من النبي أن يكتب له شيئاً مما قال. فقال النبي (ص) لأصحابه “اكتبوا لأبي شاه”.

و على فرض التسليم بصحة كل الروايات السابقة .. سواء روايات النهي أو روايات الإذن .. يبقى السؤال المهم :

أيهما كان أسبق أحاديث النهي أم أحاديث الإذن و السماح؟

1 – الأكثرية والاتجاه السائد و الغالب ينتهي موقفهم إلى أن النهي كان أولاً، و يرون أن سبب النهي كان خشية اختلاط الحديث بالقرآن ، و قد برروا تلك الخشية بانتشار الأمية وحداثة العهد بالإسلام.. فكان محتما أن تتوجه عناية المسلمين بالقرآن أولا، لأنه الأصل و الدستور، و مع الوقت ومع تمكن الإسلام من النفوس حدث تمييز كامل بين أسلوب القرآن وأسلوب الحديث النبوي ، و كان من نتيجة هذا التمييز أن ارتفع الحظر، فأذن النبي (ص) برواية أحاديثه وكتابتها.

يضاف إلى ما سبق أن القرآن يجب حفظه وتلاوته على الصورة التي أنزل عليها لفظا ومعنى وتراكيب، فلا يجوز فيه إبدال حرف بحرف، ولا كلمة بكلمة، ولا الإخلال بنظم تراكيبه مهما كان الأمر، وأنه متعبد بتلاوته كما نزل.. أما الحديث النبوي فيجوز عند الضرورة روايته بالمعنى دون اللفظ نطقاً لا كتابه، كما يجوز للراوي إذا نسى لفظا، أو اشتبه عليه الأمر، أن يذكر لفظاً آخر يدل على معنى اللفظ الذي نسيه مع التنبيه على ذلك. لهذا كان من الضروري كتابة القرآن، والاكتفاء في رواية الحديث بالحفظ.

– و يستند القائلون بهذا الرأي تاريخيا  إلى حديث أبي شاه الذي أمر فيه النبي  أصحابه أن يكتبوا له خطبة رسول الله عام الفتح، أي العام التاسع الهجري قبل وفاته بسنتين فقط.

كما يستندون إلى  خبر الصحيفة التي كتب فيها الإمام علي بن أبي طالب بعض أحاديث الأحكام . وهذا بالقطع كان بعد وفاة النبي .. ولو كان حديث النهي عن كتابة الحديث هو الناسخ لأحاديث الإذن ما ساغ للإمام علي أن يحتفظ بتلك الصحيفة التي كان يسميها “الصادقة” لأن احتفاظه بها يكون حينئذ معصية لنهي رسول الله.

2 – موقف القائلون بأن أحاديث  الإذن كانت أولاً. ثم جاءت أحاديث النهي ثانياً فنسخ الإذن في كتابه الأحاديث، وصار النهي هو الموقف النهائي لرسول الله (ص) .

و هؤلاء يستندون إلى جانب أحاديث النهي  إلى أدلة عقلية لها وجاهتها و حيثياتها..

–  فهم يفندون بكل عقلانية حجة الفريق الأول التي تقول أن النبي (ص) نهى عن كتابة حديثه ، لخوفه من اختلاط الحديث بالقرآن، وهو سبب لا يقتنع به عاقل مهما كان حظه من العقل ، ولا يقبله محقق دارس اللهم إلا إذا جعلنا الأحاديث من جنس القرآن في البلاغة وأن أسلوبها في الإعجاز من أسلوبه – وهذا ما لا يقره أحد حتى الذين تحججوا بخشية الاختلاط ، إذ معناه إبطال معجزة القرآن ونسف أصول تلك المعجزة  نسفا تاما ، وصدق ربنا إذ يقول ” قل لئن اجتمعت الإنس و الجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا”.

باختصار شديد بين الحديث والقرآن ولا ريب فروق كثيرة يعرفها أصحاب الذائقة السليمة و الإيمان الفطري العميق و كل من له بصر بالبلاغة وذوق في البيان.

–  وفي كل الأحوال فهذا السبب الذي يحتجون  به قد زال فيما بعد ، حين كتب القرآن في عهد أبي بكر الصديق وبعد أن نسخ في عهد عثمان ووزعت منه نسخ على الأمصار وأصبح من العسير بل من المستحيل أن يزيدوا على القرآن حرفا واحدا… فلماذا استمر الخوف و التحسب من اختلاط الحديث بالقرآن في عهد الخلافة الراشدة وما بعدها لسنوات ليست قليلة ؟

– و يستند هؤلاء أيضا بقوة إلى موقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي فكر في كتابة السنن ثم تراجع عنه..

روى البيهقي وعبد الزراق أن عمر أراد أن يكتب السنن، فاستفتى أصحاب رسول الله صلى الله عليه  وسلم في ذلك، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له. فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا، فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله. وإني لا أشوب كتاب الله بشيء أبدا.

و هنا يمكن أن يقول قائل لو كان منهيا عن التدوين و الكتابة لما فكر به عمر بن الخطاب من الأصل.

– ويرى أصحاب هذا الرأي أنه قد يكون قريبا من الصواب في حكمة نهي النبي عن كتابة حديثه  والممارسة الفعلية للخلفاء الراشدين والصحابة الكبار الذين امتثلوا للنهي و التزموا عدم الكتابة، هو لكي لا تكثر أوامر التشريع ولا تتسع أدلة الأحكام، وهو ما كان يتحاشاه صلى الله عليه و سلم  حتى كان يكره كثرة السؤال ..  أو لأن هناك  أحاديث في أمور خاصة بوقتها ومناسبتها بحيث لا يصح الاستمرار في العمل بها.

إلى هنا لا قلق ولا انزعاج ، إذ يمكن استيعاب الخلاف بين أصحاب الرأيين فلا أحد يستطيع أن يقطع بأنه صاحب الكلمة الأخيرة في المسألة. لكن القلق يأتي و الانزعاج يسيطر حين يتعصب أصحاب الرأي الأول لموقفهم ، فيوجهون سهامهم الطائشة إلى مخالفيهم ممن يرجحون أن أحاديث  الإذن كانت أولاً ثم جاء أمر النهي و المنع ، فيلصقون بهم تهما تكفيرية من نوعية أن هؤلاء أعداء للإسلام منكرين للسنة يريدون هدم الإسلام من قواعده.

و الطريف أن الشيخ محمد رشيد رضا و هو السلفي العتيد و المدافع عن الأحاديث والسنة ،  يعد أبرز من قالوا بهذا الرأي  فقد عرض الأحاديث الممثلة لوجهتي النظر ثم انتهى إلى أن أنه : لو فرضنا أن بين أحاديث النهي عن الكتابة والإذن بها تعارضا يصح أن يكون به أحدها ناسخا للآخر، لكان لنا أن نستدل على كون النهي هو المتأخر بأمرين .. أحدهما استدلال من روى عنهم من الصحابة الامتناع عن الكتابة ومنعها بالنهي عنها، وذلك بعد وفاة النبي  (ص)  وثانيهما عدم تدوين الصحابة الحديث ونشره، ولو دونوا ونشروا لتوافر ما دونوه.

يتبقى هنا أن نشير إلى أن الدولة قد تولت تدوين السنة و الحديث  بالصفة الرسمية بعد أن أفضت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز مع بداية المائة الثانية الهجرية.. أصدر عمر الأمر بجمع الأحاديث و كان الاعتماد في جمعه على الرواية والذاكرة ممن كانوا يحفظونه وقد بحثوا في القواعد والطرق التي يجب اتباعها في جمع الحديث من أفواه الناس ، للتمييز بين الأحاديث الصحيحة والأحاديث الموضوعة أو الضعيفة ، وقد عرفت هذه الأبحاث باسم علوم الحديث.

 تأملات في الجرح و التعديل و رواة الحديث النبوي :

كان من أهم العلوم التي تفرعت عن علم الحديث، علم (الجرح والتعديل)  أو علم ميزان الرجال ، وهو العلم الذي يبحث فیه عن أحوال رواة الحديث من حيث اتصافهم بشرائط قبول رواياتهم أو عدمه وأمانتهم وثقتهم وعدالتهم وضبطهم أو عكس ذلك من كذب أو غفلة أو نسيان.

وبهذا العلم الذي يعرض لنا ما ورد في شأن الرواة من تعديل يزينهم أو تجريح يشينهم ،يتم الحكم على أسانيد الأحاديث التي رووها إذا كانت صحيحة أو حسنة أو ضعيفة أو موضوعة.

والجرح – اصطلاحا – وصف الراوي بما يقتضي رد روايته أو تليينه أو تضعيفه .

والتعديل : وصف الراوي بما يقتضي قبول روايته.

و الحقيقة أن هذا العلم هو ميزة تفردت بها أمة نبينا محمد (ص) على سائر الأمم، وأنه  من أدق العلوم وأجلها قدرا وأعظمها خطرا .. وأن الهدف النبيل من وراء نشأته كان حماية تراث وسنة النبي (ص) من الكذب و الوضع والتحريف.

مع كل ذلك تبقى لنا ملاحظات ، لا ينبغي السكوت عنها أو غض الطرف في مواجهتها ، انطلاقا من نفس الهدف السامي وهو الخوف على ميراث النبي وسنته التي قد لا تكون محمية بالقدر الكافي واللازم حين يتم التركيز فقط على سلسلة الرواة         (سند الرواية)  دون التعمق في قراءة ودراسة المتن المروي.

أول وأهم تلك الملاحظات – من وجهة نظري – تتلخص في هذا السؤال : مَن من البشر يستطيع أن يصدر حكما صحيحا مئة في المئة بعدالة شخص آخر أو عدم عدالته ؟ فمهما كانت العلاقة قوية  بين أبناء المجتمع الواحد ، إلا أن المعلوم من حياة كل شخص يظل أقل بكثير جدا من المكتوم والمخفي من شخصيته وحياته.

والأبعد من ذلك ، كيف يمكن لشخص أن يرصد بدقة  قوة الحفظ وضبط اللفظ  عند شخص آخر ، بحيث يستطيع أن يقرر أن ما يقوله هذه الشخص عن أبيه أو شيخه أو أي أحد آخر – و ربما كان هذا الكلام المنقول قد مر أكثر من  عشرين سنة على صدوره عن صاحبه الأصلي وعلى الموقف الذي قيل فيه – هو هو نفس الكلام بالنص وبالحرف دون تبديل أو تغيير ؟! إن استطعت أن أقطع بأن لصاحبي ضبطا وقوة حفظ لا تشوبها شائبة ، فكيف أستطيع أن أجزم بأن الكلام المروي لنصوص ومواقف مرت عليها سنوات من الزمن ، هو نفس ما وقع في وقته طبق الأصل دون مساس ولو بحرف واحد ، ومعلوم أن الحروف في لغتنا لها قيمة كبرى ، وتغيير حرف قد يؤدي إلى معنى مختلف أو مغاير بالمرة .

ثاني هذه الملاحظات أن عدد الرواة كما تقول كتب علماء الحديث و(الطبقات) و(الجرح والتعديل) ، قد  يصل إلى نصف مليون راو ومحدث ، اعتمد الإمام البخاري في صحيحه من هذا النصف مليون ما يزيد علي الألف بقليل ، وربما كان في ذلك إشارة إلى استبعاده لباقي الرواة لأسباب لها وجاهتها عنده.

ومن ثم فقد  رفض البخاري  أن يروى عن أبي حنيفة وربما كان يرى  أن اشتغال أبي حنيفة في الفقه أكثر منه في الحديث ، الأمر الذي نزل به عن مرتبة الحفظ والإتقان التي حددها البخاري في ” الجامع الصحيح “..وقد ضعف البخاري أبا حنيفة في ترجمته له في كتابه ” التاريخ الكبير ” قائلا بمنتهى اللطف : ” سكتوا عنه ، وعن رأيه ، وعن حديثه ” .

وليس أبو حنيفة وحده ، فقد خلا صحيحا البخاري و مسلم من أي رواية للإمام الشافعي ، وإن كان المانع مختلفا في حالة الشافعي ، وقد لخصه  أبو زرعة الرازي، في كتابه (الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية) لما سئل عن هذا السؤال ، فقال: “إن الشيخين لم يسمعا منه.. أما مسلم فلم يدركه أصلاً، وأما البخاري فأدركه ولكن لم يلقه، وكان صغيراً، مع أنهما أدركا من هو أقدم منه وأعلى رواية، فلو أخرجا حديثه لأخرجاه بواسطة بينهما وبينه، مع أن تلك الأحاديث قد سمعاها ممن هو في درجته، فروايتها عن غيره أعلى بدرجة أو أكثر والعلو أمر مقصود عند المحدثين”.

الملاحظة الثالثة : أن هناك خلاف بين العلماء في اشتراط العدد في الجرح والتعديل ، وللحقيقة فقد فوجئت بهذا الكلام في كتاب (قواعد أصول الحديث ) للدكتور أحمد عمر هاشم حيث يقول :

” ذهب البعض إلى أنه لا يثبت الجرح والتعديل إلا باثنين كما هو الحال في الشهادات ، ولكن الصحيح الذي اختاره أبو بكر الخطيب وغيره أنه يثبت بواحد”.

الملاحظة الرابعة : اختلاف مناهج أهل الجرح والتعديل ، فلم يكونوا جميعا على درجة واحدة في نقد الرجال ، فمنهم المتشدد ومنهم المتساهل ومنهم المعتدل المتوسط في رأيه وتقويمه .

الملاحظة الخامسة: أن أسباب التجريح ليست دائما من المتفق عليه بين الناس ..فالواقع أن الناس يختلفون في أسباب الجرح وعدمه ، وما قد يراه البعض جرحا ، قد لا يكون جرحا عند آخرين غيرهم .

فمثلا عكرمة مولى ابن عباس وإسماعيل بن أويس وعاصم بن علي وعمر بن مرزوق وغيرهم احتج البخاري بهم ، مع انه قد تم تجريحهم جميعا من غير البخاري .

و في تلك الجزئية يقول الإمام المنذري موضحا طبيعة الخلاف في الجرح والتعديل: “اختلاف هؤلاء كاختلاف الفقهاء، كل ذلك يقتضيه الاجتهاد”..  وعلى خلفية هذا الاختلاف وذلك الاجتهاد لم  يكن الأئمة الذين عنوا بهذا الفن على استواء واحد في مقاييس النقد الذي يوجهونه للرواة، بل كان منهم المتشدد ومنهم المتساهل ومنهم المتوسط المعتدل.

و للأمانة  العلمية لا يفوتنا أن نوضح أن الاختلاف في الجرح و التعديل  لا يطال  جميع الرواة، فهناك كثير من الرواة لا خلاف عليهم  ثقات عدول متفق على قبولهم والاحتجاج بهم، كما أن  فيهم مجروحون متفق على جرحهم، مرفوضون و مرفوضة رواياتهم و لا يُحتج بهم بأي حال من الأحوال.

و القارئ لأقوال العلماء و النقاد في كتب الجرح والتعديل ، لابد وأن تستوقفه ظاهرة واضحة لا تخطئها عين ، وهي تعدد أقوالهم المختلفة في الراوي الواحد..

ولذلك لا يكون مستغربا أن تجد في كتب (الجرح والتعديل) عددا كبيرا من الرواة اختلفت فيهم أقوال العديد من أئمة النقد فمرة يعدلونهم أو يوثقونهم، ومرة أخرى  يجرحونهم أو يضعفونهم .. ولعل هذا يفسر في ضوء ما ذكرناه عن صعوبة وربما استحالة تقييم البشر للبشر بشكل قطعي وبأحكام نهائية لا تقبل النقض أو المراجعة.

ولك أن تتأمل آراء الإمام أحمد بن حنبل المتعددة و ربما المتضاربة في أحد الرواة وهو إسماعيل بن زكريا ، فمرة يقول عنه ” حديثه حديث مقارب” ، وثانية يقول ” ” أما الأحاديث المشهورة التي يرويها فهو فيها مقارب الحديث، صالح، ولكنه ليس ينشرح الصدر له” ، وثالثة يقول ” ضعيف الحديث” . ورابعة يصفه بأنه “ما كان به بأس”.

و ختاما ما العمل إذا اختلف العلماء في راو من الرواة، و أيهما الصواب أن نأخذ بقول  من ضعفه أم بقول من وثقه؟

و كالعادة لا إجابة واحدة في ذلك ، فإذا تعارض الجرح والتعديل ولم يمكن الجمع بينهما ، فإن للعلماء في ذلك أربعة أقوال: قول بتقديم الجرح، وقول بتقديم التعديل، وقول بتقديم الأكثر من المعدلين والجارحين، وقول بأنه لا يقدم أحدهما على الآخر إلا بمرجح.

الخلاصة وما تطمئن إليه النفس أن تجريح الرواة وتعديلهم  مسألة في الغالب ليست يقينية بأي حال من الأحوال، بل هي تقديرية قائمة على اجتهاد النقاد، وكل ما رجع إلى الاجتهاد فهو موضوع للنقاش والتوقف والاختلاف.

…………………………….

مصادر ومراجع المقال:

– سير أعلام النبلاء.                                  الذهبي

– تاريخ الإسلام                                         الذهبي

– تهذيب التهذيب                                ابن حجر العسقلاني

– البداية والنهاية                                    ابن كثير

– فتح الباري                                 ابن حجر العسقلاني

– شرف أصحاب الحديث                      الخطيب البغدادي

– السنة قبل التدوين.                            محمد عجاج الخطيب

– تدوين السنة                                    محمد الطيب النجار

– السنة ومكانتها في التشريع                    مصطفى السباعي

– تدوين السنة النبوية .. نشأته وتطوره من القرن الأول إلى نهاية القرن التاسع الهجري

محمد بن مطر الزهراني

 

– الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية ..عرض وتفنيد ونقض

عبد العظيم المطعني

– مجلة المنار                                   المجلد العاشر

–  قواعد أصول الحديث                     أحمد عمر هاشم

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete