تكوين
لم تكنْ الدولةُ المملوكية محض نظامِ حكم عسكري نجح في فرض سيطرته على مصر وبلاد الشام لقرابة ثلاثة قرون، بل كانت –في جوهرها– تجرِبةً سياسية مأزومة في إنتاج الشرعية. فقد قامت هذه الدولةُ على يد نخبة عسكرية وافدة، افتقرت إلى الأسس التقليدية التي طالما استندت إليها السلطة في المجال الإسلامي، سواء من ناحية النسب أو الإجماع أو الامتداد السلالي، الأمر الذي جعلها في حاجة دائمة إلى البحث عن مصادر بديلة تمنحها القبول والاستقرار والاستمرارية.
في هذا السياق برز التصوف، لا بوصفه محض تيارٍ رُوحي أو نزعة زهدية، بل بوصفه أحد أهم الحقول التي أعيد من داخلها تكوين العلاقة بين السلطة والمجتمع. فشيوخ الصوفية، بما امتلكوه من رأس مال رمزي واسع، تحولوا إلى فاعلين أساسيين في المجال العام، واستطاعوا أن يؤدوا أدوارًا تتجاوز الوعظ والإرشاد، لتشمل الوساطة، والضغط الأخلاقي، بل وإعادة تعريف مفهوم الشرعية ذاته.
غير أن الأهميةَ الحقيقية للتصوف في العصر المملوكي لا تتجلى فقط في أدواره الواقعية، ولكنْ في حضوره الكثيف داخل المِخيال الشعبي، الذي أعيدت فيه صياغة العلاقة بين السلطان والولي على نحو مغاير، جعل من الأخير مركزًا للسلطة الرمزية، بل ومصدرًا ضمنيًا للشرعية. ومن هنا، فإن دراسةَ هذه العلاقة تفتح الباب لفهم أعمق لطبيعة الوعي السياسي في المجتمع المصري الوسيط، وللكيفية التي تعامل بها مع سلطة قوية عسكريًا، لكنها محدودة القدرة على إنتاج القبول.
السلطة المملوكية وإشكالية الشرعية — من الهيمنة العسكرية إلى الحاجة للوساطة الدينية
مثّلت نشأة الدولة المملوكية في مصر في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي لحظة مفصلية في تاريخ تكوُّن السلطة السياسية في العالم الإسلامي الوسيط، إذ قامت هذه الدولةُ على قاعدة عسكرية صِرفة، اعتمدت على طبقة من المماليك المحرَّرين الذين انتزعوا السلطة بالقوة، دون أن يستندوا إلى شرعية نسبية تقليدية من قبيل النسب القرشي أو الإرث السلالي أو حتى الإجماع السياسي. هذا الوضع البِنيوي الخاص ألقى بظلاله على طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وفتح المجال لظهور أنماط بديلة من الشرعية، كان أبرزها الشرعية الدينية التي تمثلت في العلماء والمتصوفة.
وعلى الرغم من النجاح العسكري اللافت الذي حققه المماليك، سواء في صدّ الخطر المغولي في معركة عين جالوت سنة 658هـ، أو في القضاء على الوجود الصليبي في الشام، فإن هذا التفوقَ لم يُترجم إلى حالة من الاستقرار الاجتماعي أو الرضا الشعبي. فقد اتسمت السياسة المالية المملوكية بقدر كبير من القسوة والابتكار الجبائي، إذ توسعت الدولة في فرض الضرائب والمكوس توسعًا غيرَ مسبوقٍ، في محاولة مستمرة لتمويل جهازها العسكري الضخم ونظامها الإداري المعقد. وقد أفضى ذلك إلى حالة من الاحتقان الاجتماعي، عبّرت عنها المصادر التاريخية بوضوح، ومن ذلك ما أورده تقي الدين المقريزي في كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة” إذ كتب:
“لما دُهي أهل الريف بالمغارم وتنوع المظالم اختلت أحوالهم، وتمزقوا كل مُمَزَّقٍ، وجلوا عن أوطانهم، فقلَّت مجابيَ البلاد ومتحصلها، لقلة ما يزرع بها، ولخلو أهلها ورحيلهم عنها”.
الأمر الذي عبر عنه الدكتور البيومي إسماعيل عندما أكد أن النظامَ الضريبي المملوكي “شمل كل شيء تقريبًا، حتى لم يبقْ إلا الهواء خارج دائرة الجباية” (1).
في هذا السياق، يمكن فهم لجوء العامة إلى البحث عن قوى موازية تحميهم من تغوّل السلطة، وهو ما يُفسر الصعود المتزايد لدور شيوخ الصوفية بوصفهم وسطاء بين المجتمع والدولة. فلم يكنْ التصوفُ في العصر المملوكي محض ظاهرة رُوحية أو زهدية، بل تحوّل إلى بِنية اجتماعية متكاملة، تمتلك شبكات نفوذ واسعة تمتد في الحواضر والأقاليم، وتستند إلى رصيد رمزي هائل من الكرامة والقداسة. وقد أتاح هذا الوضع لشيوخ الصوفية أن يؤدوا أدوارًا تتجاوز المجال الديني، لتشمل التأثير في المجالين الاجتماعي والسياسي.
وتكشف القراءة الدقيقة للمصادر التاريخية عن أن العلاقة بين السلطة المملوكية وهذه القوى الدينية لم تكن علاقة صدام دائم، بقدر ما كانت علاقة جدلية مركبة، تراوحت بين الاحتواء والتوظيف من جهة، والمقاومة الرمزية أو الفعلية من جهة أخرى. فالسلاطين المماليك، بحكم افتقارهم إلى شرعية تقليدية، كانوا في حاجة دائمة إلى دعم العلماء والمتصوفة، سواء لإضفاء المشروعية على قراراتهم، أو لضبط المجال العام واحتواء الاحتجاجات الشعبية. وفي المقابل، وجد بعضُ العلماء والمتصوفة في هذا الوضع فرصة لتعزيز مكانتهم، والتدخل في توجيه السياسات العامة، ولو بصورة غير مباشرة.
ومن بين النماذج المبكرة التي تُجسد هذا التداخل بين الديني والسياسي، يبرز دورُ الفقيه الشافعي عز الدين بن عبد السلام (ت. 660هـ)، الذي يُعد من أبرز الشخصيات التي استطاعت أن تمارس تأثيرًا ملموسًا على السلطة المملوكية في طورها التأسيسي. فقد ارتبط اسمه بموقفه الشهير من مسألة شرعية المماليك أنفسهم، حين أفتى بوجوب بيعهم في سوق النخاسة لتحريرهم قبل أن يتولوا مناصب الحكم، وهو ما اضطر الأمراء إلى دفع أموال طائلة لبيت المال، في واقعة تكشف عن قدرة الخطاب الفقهي على إعادة صناعة قواعد الشرعية السياسية (2). كما برز تأثيره في سياق الاستعداد لمواجهة المغول، إذ لعب دورًا في تعبئة الموارد المالية والبشرية، بما يعكس اندماج الفقيه في الشأن العام، وعدم اقتصار دوره على الإفتاء النظري. وقد أدرك السلطانُ الظاهر بيبرس أهميةَ هذه المكانة، فسعى في التقرب من ابن عبد السلام وإظهار الاحترام له، بل تشير بعض الروايات إلى أنه كان يتحاشى مخالفته علنيًا، إدراكًا منه لما يتمتع به من تأثير واسع في أوساط العامة. بل إن بعض المصادر تذهب إلى أن بيبرس لم يشعر باستقرار ملكه إلا بعد وفاة ابن عبد السلام، وهو ما يعكس حجم النفوذ الذي مارسه هذا الأخير.
ولا يقتصر هذا النموذج على مصر، بل نجد له نظيرًا في بلاد الشام مع الإمام يحيى بن شرف النووي (ت. 676هـ)، الذي اتخذ موقفًا معارضًا من سياسات بيبرس المالية، خصوصًا فيما يتعلق بفرض الضرائب الاستثنائية بحجة الجهاد. وقد عُرف عن النووي صرامته في مواجهة السلطة، ورفضه منح الغطاء الشرعي لما اعتبره تجاوزًا على حقوق الرعية، وهو ما أدى إلى توتر علاقته بالسلطان، بل وتعرضه للنفي بحسب بعض الروايات. وقد وصفته بعض المصادر بأنه “كان يواجه الملوك والظلمة بالإنكار، ويخوفهم بالله تعالى”، في إشارة إلى نمط من المعارضة الأخلاقية التي مارسها العلماء في مواجهة السلطة (3).
تكشف هذه النماذجُ عن أن المجالَ الديني في العصر المملوكي لم يكنْ محض امتداد للسلطة، وإنما كان في بعض الأحيان فضاءً لإنتاج خطاب نقدي قادر على مساءلة الحاكم، ولو ضمن حدود معينة. غير أن هذا الدورَ لم يكنْ دائمًا مؤسسًا على معارضة صريحة أو مشروع سياسي بديل، بل غالبًا ما اتخذ طابع الوساطة الأخلاقية، التي تسعى في تقويم سلوك السلطة دون السعي في إسقاطها. ومن هنا، يمكن القول إن العلاقةَ بين السلطة المملوكية وشيوخ الصوفية والعلماء قد تكوَّنت في إطار معادلة دقيقة: سلطة عسكرية قوية تفتقر إلى الشرعية التقليدية، ومجتمع يعاني من وطأة السياسات الاقتصادية، ونخب دينية تمتلك رأس مال رمزيًا يمكّنها من لعب دور الوسيط والناقد في آن واحد. هذه المعادلةُ ستتطور لاحقًا في المخيال الشعبي، لتنتج صورًا أكثر راديكالية عن تفوق الأولياء على السلاطين، وهو ما سنعالجه في المحور التالي.
المتخيل الصوفي بوصفه خطابَ مقاومة رمزية — إعادة إنتاج السلطة خارج مركز الحكم
إذا كان المجالُ الواقعي قد شَهِدَ نوعًا من التوازن الحذر بين السلطة المملوكية والنخب الدينية، فإن المجالَ الرمزي –وخاصة في المدونات الصوفية والسير الشعبية– قد عرف تحولات أكثر جرأة، تمثلت في إعادة صياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم على نحو يُقوّض الهيمنة السياسية، ولو على مستوى التخييل الجمعي. ففي هذا المجال، لم يَعُدْ السلطانُ هو مركزُ السلطة الوحيد، بل برز الولي الصوفي بوصفه فاعلًا موازيًا، بل ومتفوقًا في كثير من الأحيان.
وقد أسهمت جُملة من العوامل في خَلْق هذا المتخيل، يأتي في مقدمتها اشتداد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على العامة، خصوصًا في الأقاليم البعيدة عن القاهرة، حيث كانت قبضة الدولة أضعف نسبيًا، وحيث ظهرت أنماط متعددة من الاحتجاج والعصيان (4). وفي هذا السياق، اكتسب شيوخُ الصوفية في الريف والمدن الطرفية مكانة خاصة، بوصفهم حماةً للمجتمع المحلي، وممثلين رمزيين لمصالحه في مواجهة السلطة المركزية (5).
وقد رصدت الدراساتُ الحديثة –ومنها دراسة أمينة البنداري– أن الاحتجاجاتِ الاجتماعيةَ في العصر المملوكي كثيرًا ما اتخذت طابعًا محليًا، وكانت أكثر حدة في الأطراف منها في العاصمة، وهو ما انعكس في تضخم صورة الأولياء المرتبطين بهذه المناطق في الوعي الشعبي (6). فالسير الصوفية لم تكتفِ بتوثيق حضور هؤلاء الأولياء، ولكنْ عملت على إعادة إنتاج الجغرافيا الرمزية لمصر، فلم تعد القاهرة وحدها مركز الثِقل، بل أصبحت هناك “مراكزُ بديلة” للقداسة والسلطة، مثل طنطا ودسوق وغيرها.
ويظهر ذلك بوضوح في الروايات المتعلقة بالولي الشهير أحمد البدوي، إذ تُقدَّم قصة انتقاله إلى طنطا بوصفها استجابةً لنداء غيبي يحدد له موقع رسالته (7). فبحسب ما يورده عبد الوهاب الشعراني، فإن البدويَ رأى في منامه أمرًا إلهيًا بالتوجه إلى “مطلع الشمس”، ثم إلى “مغربها”، قبل أن يُؤمر بالاستقرار في طنطا، حيث “يقيم ويربي رجالًا وأبطالًا” (8). هذه الرواية لا تعكس فقط حدثًا شخصيًا، ولكنها تؤسس لفكرة أن الوليَ هو الذي يمنح المكان قيمته، ويحوّله إلى مركز إشعاع رُوحي وسياسي.
ويتكرر النمط ذاته في السيرة المنسوبة إلى إبراهيم الدسوقي، إذ يُصوَّر بوصفه قطبًا صوفيًا يمتلك سلطة رُوحية تتجاوز سلطة السلطان نفسه. فالروايات الصوفية تذهب إلى أنه دخل في صدام مع السلطان الأشرف خليل، وأن هذا الأخيرَ انتهى به الأمر إلى الحضور إلى دسوق وطلب الصفح منه (9). وبغض النظر عن مدى تاريخية هذه الروايات، فإن دلالتَها الرمزية واضحة: السلطة الحقيقية لا تكمن في القلعة، بل في حضرة الولي.
أما التجلي الثاني لهذا المتخيل، فيتمثل في قلب هرم السلطة، فيظهر السلاطين في صورة التابعين الخاضعين للأولياء. ففي كثير من المدونات الصوفية، يُقدَّم السلاطين بوصفهم طلابَ بركة، يسعون في نيل رضا الشيوخ، ويخضعون لتوجيهاتهم، بل ويتبركون بزيارتهم. ومن ذلك ما أورده الشعراني من أن السلطانَ الظاهر بيبرس كان “يعتقد في أحمد البدوي اعتقادًا عظيمًا”، وأنه خرج لاستقباله مع عسكره وأكرمه غاية الإكرام (10). وعلى الرغم من ضعف الشواهد التاريخية التي تؤكد هذه الرواية، فإن حضورَها في المتخيل الشعبي يعكسُ رغبة في إعادة ترتيب العلاقة بين القوة العسكرية والسلطة الرُوحية.
ولا يقتصر الأمر على الخضوع الرمزي، بل يمتد إلى التأثير في العقائد والسلوكيات. فقد أوردت بعض المصادر أن الأميرَ تمربغا تأثر بأفكار بعض المتصوفة القائلين بالاتحاد، حتى نُسب إليه قول عبارات صادمة من قبيل “وماذا على الإنسان إذا قال أنا الله” (11). كما تُنقل روايات عن السلطان برقوق تفيد بأنه كان يجلّ المجاذيب إلى حد قبول الإهانة منهم، ومن ذلك ما ذكره ابن حجر العسقلاني عن أحد المجاذيب الذي كان يبصق في وجهه (12). هذه الصور، وإن بدت مبالغًا فيها، فإنها تعكس تصورًا شعبيًا يرى في الولي قوة قادرة على إخضاع السلطان، لا العكس.
أما التجلي الثالث والأكثر أهمية، فيتمثل في إسناد عملية إنتاج السلطة نفسها إلى الفاعل الصوفي. فالمُتخيل الشعبي لا يكتفي بإظهار تفوق الولي، بل يجعله مصدرًا مباشرًا للشرعية السياسية، بل وصانعًا للملوك. ويظهر ذلك بوضوح في السير الشعبية لسلاطين مثل الظاهر بيبرس وطومان باي، إذ تلعب الشخصيات الصوفية دورًا حاسمًا في التنبؤ بسلطتهم أو تثبيتها.
ففي سيرة بيبرس، تُنسب إلى بعض الأولياء –مثل خضر العدوي– قدرة على التنبؤ بوصوله إلى الحكم، بل والتأثير في مصيره (13). كما تُروى قصص عن تدخل الأولياء في لحظات حاسمة من حياته، سواء بتحذيره أو توجيهه، بما يعزز فكرة أن مسارَ السلطة محكومٌ بإرادة غيبية يمثلها الولي (14). وفي بعض الروايات، يُربط موت بيبرس نفسه بتنبؤ صوفي، في إشارة إلى خضوع السلطان لقوى تتجاوز سلطته الزمنية (15). ويتكرر هذا النمط في سيرة السلطان طومان باي، إذ تُبرز الروايات الشعبية دور الشيخ الصوفي أبي السعود الجارحي في منحه الشرعية، عن طريق تحليف الأمراء على المصحف، وإجبارهم على مبايعته (16). هذه الرواية تُعيد تعريفَ مصدر السلطة، تعريفًا لا يعود قائمًا على القوة العسكرية وحدها، وإنما على قبول جماعي تُجسده سلطة رُوحية تحظى بإجماع المجتمع.
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن المتخيلَ الصوفي في العصر المملوكي لم يكنْ محض انعكاس سلبي للواقع، ولكنْ كان أداةً فاعلة لإعادة تكوينه رمزيًا. فقد أتاح هذا المتخيل للعامة أن يعبروا عن رفضهم للهيمنة السياسية، وأن يعيدوا إنتاج مفهوم السلطة على نحو يمنحهم دورًا ضمنيًا في تحديد مشروعيتها. ومن خلال تعظيم دور الأولياء، لم يكنْ المصريون يُعبّرون فقط عن تدينهم، بل كانوا –في العمق– يصوغون خطابًا بديلًا للسلطة، يقوم على فكرة أن الشرعيةَ لا تُفرض من أعلى، بل تُستمد من قبول المجتمع، ولو عبر وساطة رمزية.
بين الواقع والمتخيل — الصوفية وإعادة تشكيل الوعي السياسي في مصر المملوكية
إذا كان المتخيلُ الصوفي قد قدّم صورةً مقلوبة للعلاقة بين السلطان والولي، فإن الأهميةَ الحقيقية لهذه الظاهرة لا تكمن في مدى مطابقتها للواقع التاريخي، بقدر ما تكمن في دلالاتها العميقة على مستوى الوعي السياسي والاجتماعي. فهذه السرديات، على ما تتضمنه من مبالغات وخوارق، تمثل في جوهرها تعبيرًا عن محاولة المجتمع إعادة تعريف السلطة، في ظل عجزه عن مواجهتها مباشرةً.
لقد افتقر النظام المملوكي كما سبقت الإشارة، إلى أسس شرعية مستقرة، وهو ما جعله يعتمد بدرجة كبيرة على أدوات القهر العسكري والضبط الإداري. غير أن هذه الأدواتِ، رغم فعاليتها في فرض السيطرة، لم تكن كافية لإنتاج قبول حقيقي عند العامة، الأمر الذي أوجد فجوة بين السلطة والمجتمع. وفي هذا السياق، يمكن فهم ازدهار الخطاب الصوفي بوصفه آلية ثقافية لردم هذه الفجوة، أو بالأحرى لإعادة صياغتها في صورة يمكن التعايش معها.
فبدلًا من المواجهة المباشرة، التي كانت مكلفة وغير مضمونة النتائج، لجأ المجتمع إلى إنتاج خطاب رمزي يعيد توزيع مراكز القوة. ففي هذا الخطاب، لا يُلغى السلطان، لكنه يُفرَّغ من جوهره، ويُعاد إدراجه ضمن منظومة أوسع تخضع لسلطة الولي. وبهذا المعنى، يمكن النظرُ إلى الكرامات الصوفية، ليس فقط بوصفها تعبيرًا عن الإيمان بالخارق، وإنما أداةٌ لإعادة التوازن في عالم مختل سياسيًا.
وقد أشار عددٌ من الباحثين المعاصرين إلى أن هذه الظاهرةَ تُمثل أسلوبًا من أساليب “المقاومة الرمزية”، يستخدم فيها المجتمعُ أدواتِ الثقافة والدين لإنتاج خطاب مضاد للهيمنة، دون أنْ يتحولَ ذلك إلى مشروع سياسي صريح (17). فالسير الصوفية، بما تحمله من قصص عن إذلال السلاطين أو خضوعهم للأولياء، لا تهدف بالضرورة إلى تسجيل وقائع تاريخية، بقدر ما تسعى في ترسيخ تصور بديل للسلطة، يقوم على أولوية القيم الأخلاقية والرُوحية على القوة المادية.
ومن اللافت أن هذا الخطابَ لم يكنْ معزولًا عن البِنية الثقافية الأوسع للمجتمع المصري، التي تميل –كما لاحظ بعضُ المفكرين– إلى التوفيق أكثر من الصراع، وإلى احتواء السلطة بدلًا من مواجهتها مواجهةً جذريةً (18). ففي هذا الإطار، يُمكن فهم الصوفية ليس فقط فَهْمَ حركةٍ دينية، وإنما بوصفها آليةً اجتماعية لإعادة امتصاص التوترات، وتفريغها في قوالب رمزية تقلل من حدتها، دون أن تقضي عليها تمامًا.
كما أن هذا المتخيلَ يكشف عن إدراك ضمني عند العامة بأن السلطةَ، رغم مظهرها القاهر، ليست مطلقة، وأنها في حاجة دائمة إلى الاعتراف الاجتماعي، كي تستمر. ومن هنا، فإن إسناد الشرعية إلى الأولياء، أو تصويرهم بوصفهم مانحي السلطة، يعكس وعيًا عميقًا بأن القوةَ الحقيقية لا تكمن فقط في السيف، ولكنْ في القدرة على كسب القلوب والعقول. وفي هذا السياق، تكتسب الرواياتُ المتعلقة بسلاطين مثل الظاهر بيبرس وطومان باي دلالةً خاصة، إذ تُظهرُ كيف يُعاد رسم صورةِ الحاكم في الذاكرة الشعبية، بطريقة يصبح مقبولًا بقدر اقترابه من النموذج الصوفي، ورفضه بقدر ابتعاده عنه. فطومان باي على سبيل المثال، لم يُخلَّد في الوجدان المصري فقط بوصفه آخرَ السلاطين، ولكنْ بوصفه “السلطانَ العادل” القريب من العلماء والمتصوفة، وهو ما منحه نوعًا من الشرعية المتأخرة التي افتقدها غيره (19) (20).
في المقابل، تُستخدم الصورةُ السلبية لبعض السلاطين لتأكيد الفارق بين السلطة العادلة والسلطة الجائرة، وغالبًا ما يُقاس هذا الفارق بمدى علاقتهم بالأولياء. فالحاكم الذي يخضع للولي يُنظر إليه بوصفه أقرب إلى العدل، في حين أن الذي يتجاهل هذه السلطة الرُوحية يُقدَّم في صورة الطاغية. وبهذا المعنى، يتحول التصوف إلى معيار أخلاقي يُقاس به أداء السلطة، حتى وإن لم يكنْ قادرًا على تغييرها فعليًا.
وخلاصة القول، إن: دراسة العلاقة بين السلطة المملوكية والتصوف لا ينبغي أن تقتصرَ على تتبع الوقائع التاريخية المباشرة، بل يجب أنْ تمتدَّ إلى تحليل البِنى الرمزية التي أنتجها المجتمع للتعامل مع هذه السلطة. فالمتخيل الصوفي، بما يحمله من مضامين، يكشف عن مستوى عميق من الوعي السياسي، الذي وإن لم يتخذ شكلًا تنظيميًا أو ثوريًا، فإنه نجح في إعادة تعريف مفاهيم الشرعية والسلطة والعدالة، على نحو يُعبِّر عن تطلعات المجتمع ويعكس خبرته التاريخية.
ختامًا، تكشف قراءة العلاقة بين السلطة المملوكية والتصوف عن مستوى مركب من التفاعل بين الواقع والتخييل، فلم يقتصرْ دور الصوفية على التأثير المباشر في المجال الديني أو الاجتماعي، بل امتد ليشمل إعادة بناء التصورات الجماعية عن السلطة والشرعية. ففي الوقت الذي فرضت فيه الدولة المملوكية هيمنتها بالقوة، عمل المجتمع –عبر وسائطه الثقافية والدينية– على إنتاج خطاب موازٍ يُعيد توزيع مراكز القوة، ويمنح الفاعلين الرمزيين، وعلى رأسهم الأولياء، موقعًا متقدمًا في هرم السلطة. ولم يكنْ هذا الخطابُ محض تعبير عن تدين شعبي، بل كان –في جوهره– محاولةً لإعادة التوازن في عالم سياسي مُختل، تُحتكر فيه القوة المادية من فئة محدودة. وعن طريق تعظيم دور الأولياء، لم يكنْ المصريون يروون قصصًا عن الكرامات بقدر ما كانوا يصوغون تصورًا بديلًا للعدالة والسلطة، يقوم على أولوية القيم الأخلاقية والقبول الاجتماعي على القهر العسكري.
وعلى هذا النحو، يُمكن النظرُ إلى التصوف في العصر المملوكي بوصفه أحد أهم الفضاءات التي تجلت فيها أساليب “المقاومة الصامتة”، حيث لم تُطرح بدائل سياسية مباشرة، ولكنْ جرى تقويض الأسس الرمزية للسلطة القائمة، وإعادة تعريفها من داخل الثقافة ذاتها. وهي سمةٌ ستظل حاضرة –بدرجات متفاوتة– في تاريخ الثقافة السياسية المصرية، يميل المجتمع في كثير من الأحيان، إلى إعادة تكوين السلطة رمزيًا، بدلًا من مواجهتها مواجهة صدامية مباشرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش والمراجع
- النظم المالية في مصر والشام زمن سلاطين المماليك، القاهرة، 1988، ص 145.
- شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج23، ص 48–50.
- المرجع نفسه، ص 52.
- أمينة البنداري، عوام وسلاطين، القاهرة، 1999، ص 75.
- المرجع نفسه، ص 80.
- المرجع نفسه، ص 95.
- عبد الوهاب الشعراني، الطبقات الكبرى، ج1، ص 135.
- المرجع نفسه، ج1، ص 136.
- المرجع نفسه، ج1، ص 210.
- المرجع نفسه، ج1، ص 140.
- أحمد صبحي منصور، العقائد الدينية في مصر المملوكية، ص 120.
- ابن حجر العسقلاني، إنباء الغمر بأبناء العمر، ج1، ص 55.
- عبد الرءوف المناوي، الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية، ج2، ص 45.
- المرجع نفسه، ص 47.
- وردت تفاصيل تلك النبوءة في السيرة الشعبية المحكية عن بطولات الظاهر بيبرس، وملخصها أن بيبرس لمّا أراد أن يفرض بعض الضرائب الإضافية على الرعية، فأنه استفتى الإمام محيي الدين النووي، ولكن الأخير منعه من ذلك ورفض أن يمنحه الفتوى التي طلبها، وأمره أن يأخذ جميع كماليات السلطان والأمراء قبل أن يمد يده إلى أموال الرعية، فغضب بيبرس عندها، وفي إحدى الليالي، رأى نجم الدين أيوب يحدثه قائلاً: “ابن لك بيتاً تأوي إليه من الفانية إلى الباقية” فاستيقظ بيبرس عندها من نومه منزعجًا، وعرف أن في تلك الرؤيا إشارة لاقتراب أجله، فأمر الصنّاع والبنائين لتحضير مدفن له في “دار العقيق” بدمشق، ويُدفن فيها بالفعل بعد وفاته (الباحث).
- ابن إياس الحنفي، بدائع الزهور في وقائع الدهور، ج1، ص 300.
- جمال حمدان، شخصية مصر، ج1، ص 320.
- المرجع نفسه، ص 325.
- ابن إياس، بدائع الزهور، ج5، ص 125.
- من المواقف التي تعبّر بوضوح عن تلك الشرعية ما كتبه المؤرخون في وصف حالة الحزن التي ألمت بالمصريين عقب إعدام طومان باي على يد العثمانيين. على سبيل المثال، يذكر ابن إياس أن المصريين قد أظهروا حزنهم ولوعتهم على السلطان المملوكي الأخير، بمجرد أن فارق الحياة: “فلما شُنق وطلعت رُوحه، صرخت عليه الناس صرخة عظيمة، وكثر عليه الحزن والأسف…”، الشعور ذاته، أثبته المؤرخ ابن زنبل الرمال في كتابه “آخرة المماليك” عندما كتب: “وكان ذلك اليوم -يقصد يوم إعدام السلطان طومان باي- على أهل المملكة، أشأم الأيام، وبكت عليه الأرامل والأيتام”. كذلك، نظم الشعراء المصريون الكثير من المراثي والقصائد في طومان باي، ومن ذلك ما ذكره ابن إياس في كتابه، من قول القاضي أبي الفتح السراجي:
لهفي على سلطان مصر كيف قد… ولى وزال كأنه لن يذكرا
شنقوه ظلماً فوق باب زويلة… ولقد أذاقوه الوبال الأكبر
يا رب فأعف عن عظائم جرمه… واجعل بجنات النعيم له قرا