تكوين
- جرحٌ نرجسي أم ماذا؟
في مواجهة المعضلات الثقافية والفكرية التي تتحدى عالمنا العربي والإسلامي، يمكننا الجزم بأن الأصولية الدينية الإسلامية تشكل ولا تزال إحدى الجروح النرجسية التي تستنزف واقعنا، وتؤخر تقدمنا، وتديم أزماتنا بشكل يتمَتْرَس خلف الدين، في حين أنه الخطر الأكبر. وما دمنا لم نستطع بعد أن نفصل بين الدين والتاريخ، وبين المقدَّس والمدنّس، وبين النسبية الإنسانية والمطلق الإلهي، فستستمر أزماتنا إلى أجل غير مسمًّى، تنضج فيه شروط الإصلاح، وتصير فيه إمكانية التغيير أو تجديد العقل أمرا ممكنا بعد أن استحالَتْ في واقع عصيٍّ على الاختراق والتعريف.
ليست مبالغة، أو تجاوزا لحدود العقل والتعقل، أو ضرورات البحث أنْ نعتبر بأنّ الأصولية جزءٌ أساسي من واقع متردٍّ يرى في الأصل الأول، ونقطة البداية هي منتهى كل شيء، ولحظة الصفاء والنقاء المطلَق، ومن ثمة لا بد من العودة إلى شروط هذا الأصل، ومنطلقاته، دون الالتفات إلى صيرورة الاجتماع البشري، والواقع الإنساني المتغير، وأبجديات البحث في الظاهرة الإنسانية المتجدّدة عبر تاريخها الطويل. هذه الذهنية لا زالت تواصل هيمنتها على الفضاء العام، والنقاش البحثي داخل جامعاتنا، ومدارسنا، وفضاءات التواصل الاجتماعي، وقنوات التّأثير الرقمي، دون أن يكون لها ما يُقابِلها من الإمكانيات الضخمة، التي توفِّرها مؤسساتٌ ومراكز ومعاهد، تدير اللعبة الأصولية بطريقة تكشف عن جرح نرجسي عميق في الذات العربية الإسلامية. كأنّنا أمام واقع صريح يقول لنا بوضوح
“لا يصلُحُ حال هذه الأمة إلا بما صلُحَ به أسلافُها “.
لكن قبل أن نستخلص ما ترمي إليه هذه العبارة الأخيرة من معانٍ ودلالات، يحسُنُ بنا أن نذكِّر هنا بأنها عبارةٌ تختزِل ما أشرنا إليه سابقاً، أيْ جُرحًا نرجسيا عميقا في الذاكرة الجمعية للإنسان المسلم، الذي يرى بأن ما عاشه أسلافُه قبل أربعة عشر قرنًا، هو أفضَل وأمجَد وأحسَن مما يعيشه في حاضره، مُعرِضا عما راكمَته الإنسانية من اكتشافات علمية، وبحثية، تنذِرُ بأننا أمام حالة تُشبِه تلك التي أشار إليها داريوش شايغان[1]، وسماها الصدمات الثلاث الكوسمولوجية والبيولوجية والسيكولوجية، أي تلك الاكتشافات العلمية الكبرى، أو الثورات المعرفية التي صدمت الإنسان الحديث، وأفقَدتْه نرجسيته، وشعوره بالتفوّق على كل مكونات الكون الذي يعيش فيه، ويحيى ضِمنَه.
يُخبرنا داريوش شايغان بأن هذه الصدمات الثلاث جعلَتْ الإنسان يفقِد مكانته المزعومة داخل نظام كوني يفُوقُ توقُّعاته وأمانيه، لأن العالم نفسه لم يعُدْ كما كان ثابتًا، ممرْكَزًا، وذو هوية أحادية. بل صار صيرورة تاريخيةً وروحية واجتماعية واقتصادية متعدّدة الأبعاد، وعِوَضًا أن ينفتح الإنسان عموديا على الدّوائر العُلوية السماوية، فإنه يصطدِم في الوقت الحاضر بالمستوى الأفقي للصيرورة الخطِّية، هذا ما أحدثَتْهُ الثورة الكوبرنيكية. أمّا داروين فقد صدَم الإنسانية بيولوجيًا، فعلى الرغم من أن الإنسان وصل في تطوُّره إلى مرحلة بدَتْ للكثيرين ولا تزال على أنها نوعٌ من الهيمنة والسيطرة على الطبيعة، إلا أنّ النهاية الداروينية إن صحّ التعبير حملَتْهُ إلى وجْهةٍ مغايرة ومختلفة، حيث أدرك أن شجرة نسَبِه لم تعُدْ ترجع إلى الأنبياء، وآلهة الأزمنة الأولى، ولكنّهُ ينحدِر من نفس الجذر الذي تنحدر منه كائناتٌ أخرى تشبِهُه كالقردة العليا. أمّا الصدمةُ السيكولوجية فقد تكلَّف بها فرويد؛ حيث اكتشف الإنسان أن ذاته لم تعُدْ سيّدةَ حِماها الخاص، حيث يتربَّع الإنسان فوق أوقيانوسْ من القِوى اللاواعية واللاعقلية[2].
إذا كانت هذه الجروح النرجسية قد حملَتْ الإنسان إلى وِجهةٍ يعيدُ فيها النظر إلى ذاتيته ومركزيته وهويته، فإن من شأن ما يمكن أنْ نسمِّيَه أيضا ب“الجرح الأصولي” في الذهنية الإسلامية، أن ينقل الإنسان المسلم من التمركُز حول الذات، وإعادة قراءة تاريخه وِفقَ النسبية البشرية، وقواعد السياسة، ومُحدّدات الاجتماع البشري، وهذا ما لا يريده العقل الأصولي تحديدا من خلال المَقولاتِ الجاهزة التي تعَبِّرُ على عمْقِ هذا الجرح، وعلى مدى امتداداته في الذّاكرة الجمعية للإنسان العربي المسلم إلى حدود اللّحظة الآنِية، التي ما زالت تُدارُ بعقليةِ المقولة المشهورة المنسوبة للإمام مالكْ:
” لن يصلح آخِر هذه الأمّة إلا بما صلُح به أوّلُها “.
فماذا نستفيد من ذلك؟
نحن أمام مقولة تبدو في ظاهرها أنها دعوةٌ مُحايدةٌ وبريئة وموضوعية، تَقْرِنُ الواقع الحالي والمعاصر، بما عاشه الأوائل من مظاهر الازدهار، والتطور، والالتزام الديني، والرجوع إلى الأصل، بينما هي تحمِلُ بذور تناقُضها، حين تضفي معاني الكمال والجمال على مرحلة من التاريخ الإنساني، متناسيةً أو متجاهلة لمعنى الوجود الإنساني، فأينما وُجِدَ الإنسان، وُجِد النقص، والخطأ، والنسبية البشرية، والدوافع والمطامع السياسية. وبالتالي فإن المقولة التي تقول: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها» وإن كانت تحمل في طياتها رؤية تربوية واجتماعية وثقافية متجذّرة في فهْمِ العلاقة بين الأصل والفرع، وبين الماضي والحاضر، وبين الأسس والقيم الراسخة وبين النتائج والمآلات. فإنها قد أخفَقتْ في التعاطي مع الظاهرة البشرية من منطلقات مثالية ومتعاليةٍ على الزمان والمكان، وشروط الاجتماع الإنساني.
لكن إذا أردنا أن نفهم المقولة بشكل أوضح يُمكننا أن نستذكِر في هذا المقام ما قاله علي مبروك في كتابه ” ما وراء تأسيس الأصول”[3]، عن فكرة الأصل، فالاتباعية أو التبعية حسب مبروك تقوم على فرضية وجود أصلٍ سابق يُتَّبع، غير أنّ حضور الأصل لا يُنتج الاتباعية بالضرورة؛ إذ يمكن أن يوجد الأصل دون أن يُتّبع، بينما لا يمكن لاتباعية أن تقوم من غير أصل. فالأصل لا يفرِض نفسه، بل يُفرَض بفاعلية ثقافية تتجاوز النصوص إلى البِنية الأنثروبولوجية الأعمق للمجتمع. ومن ثمّ، فإن الاتباعية ليست نتاجًا للأصل في ذاته، بل لِـكيفية حضور الأصل داخل الثقافة وطريقة التعامل معه. ويزيد علي مبروك توضيحاً لحضور فكرة الأصل داخل الثقافة الإسلامية، فيقول بأنّ هذه الثقافة لم تصِرْ اتباعية لأنّ القرآن فرَضَ نفسه أصلًا، بل لأنّ الثقافة التي وُضع فيها القرآن كانت تحمِلُ قابليةً اتباعيةً كامنة سبقَتْ ظُهورَه. لقد جعلت هذه الثقافة من «الأصل» مركزها المعرفي، فانبنَتْ علومها الكبرى حوله كأصول الفقه وأصول الدين، بما جعل العقل الإسلامي عقلًا مؤسَّسًا على التفكير بالأصل، أي عقلًا يشتغل داخل سلطة النص لا خارجه.
إنها حقيقة تجسَّدَت في الكثير من الكتابات خاصة مع ما كرَّسهُ كلٌّ من الشافعي والأشعري في كتاباتهم، حين تحوّل معهما النص إلى أصل يعلو ولا يُعلى عليه، ضمن نسقٍ مغلق يرفُض الاجتهاد والتجديد، بعيدا عن سلطة النص المطلقة. فتمّ استبدال حرية الاجتهاد بآلية «التفكير بالنصّ أو التفكير من خلال النص»، التي اشتغلَتْ في جوهرها بالمنطق الأبوي السّلطوي القائم على الطاعة والانصياع. فتحوّل النصُّ من فضاءٍ لتكريس الإبداع والخلْق والانفتاح، إلى مجالٍ مُغلقٍ لا يتيح للإنسان التفكير خارج دائرة الأصل، وسلْطتهِ المُطلقة. ولا شك أن هذا الأمر انعكس أيضا حتى على العقل العربي في صيغته الحداثية أو الحديثة، حيث ظلّ أسيرَ هذه الآلية نفسِها، إذ يتعامل مع الحداثة بوصفها نموذجا جاهزا يُحتذى كالأصل القديم، لا كمجالٍ للإبداع الحرّ. ومن ثمّ، فإنّ تجاوز المأزق الاتباعي لا يتحقّق إلا بالارتداد من المتعالي إلى الإنساني، أيْ بإعادة تأسيس التفكير على شرْطِهِ التاريخي والاجتماعي، وتحرير آلية التفكير من سلطة الأصل نحو فاعلية العقل الحرّ المنتِج للمعنى كما يرى علي مبروك.
-
لكن كيف صار الأصل مقدّسا داخل الثقافة الإسلامية؟
هنا سنواصل الكشف عن جوانب هذا السؤال من خلال الطرح السابق لعلي مبروك، وهو طرْحٌ متأصّل يجدُ أهميته في البحث عما وراء التأسيس للأصول، أو الحفر بالطريقة ذاتها التي اختبَرَها نيتشه في كتاباته عن الخلفيات المُحرِّكة للتفكير الأصولي الإسلامي، رغم أن القداسة هي منتوجٌ إنسانيٌ بامتياز، وليس استثناءً في الثقافة الإسلامية.
لقد اقترَن المُقدّس دوماً حسب هذا الطرح الفكري، بالمتعالي في الزمان والمكان، ومنه استمدّ قداسته ومكانته داخل المخيلة الجمعية للإنسانية. وبالتالي فالمجال الوحيد العابر للثقافات الإنسانية هو هذا المجال المُحاط بهالة من التقدير والتبجيل، وهو ما شاهدناه وقرأناه في مختلف مراحل تطوُّرِ الثقافات التي لم تكُفَّ يوماً عن إنتاج أنماطٍ من التقديس تصنَعُ هي ذاتها ما يُصبح مقدَّسًا. بحيث اخترق مجال المقدَّس كل الأشياء بما في ذلك الأفكار والأشخاص والأشياء، وكل ما يمْكنُه أن يصير مجالاً للتقديس، أو الوضع خارج حدود التفكير والنقد والمُساءلة. وبالتالي صار المُقدّس هو القوة المهيمنة على العقل الإنساني، ومصْدرًا من مصادر التوجيه والإرشاد، والمنع والتحريم كما أشارت الكتابات التي تناولت المقدَّس بالبحث من الناحية الأنثروبولوجية كما فعل ذلك فرويد ودوركايم وغيرهما.
إن ما يميّزُ المقدَّس حسب علي مبروك[4] مستوييْن اثنيْن: أحدُهما «نازلٌ من الأعلى» يسبِغ فيه المتعالي والمقدّس طابع الإطلاق على كتبه وأنبيائه وأشيائه، والآخر «صاعدٌ من الأدنى» وهو دورٌ تقوم به الثقافة في شكلها الإنساني، حين تلتبِسُ مع الدين، أو مع الشكل الأوّل من المُقدّس، فتمنَحُ القدسية على أفكارٍ أو أشخاصٍ فتخرِجُهم من حدود البشرية، إلى حيث يكونونَ مُحصَّنينَ من التغيير والنّقد والمُساءلة الفكرية. وهذا النوع الثاني هو ما أصيبتْ به الثقافة الإسلامية، التي لم تعُدْ تميِّزُ بين النسبي والمطلَق، بين الإنساني والإلهي، وبين التاريخي والواقعي، حيث تحوّل المنتوج البشري من نصوص وعلوم وأدبيات إلى مُطلَقاتٍ تكرِّرها الذاكرةُ دون القدرة على المساس بها أو مُساءلتِها علميا وفكريا. كأننا بهذا المعنى الذي يشير إليه علي مبروك صِرْنا أمام أداة مركزية، ووسيلة للهيمنة والسيطرة الثقافية بعنوان التقديس، حيث يصير الخطاب والفكر والإيديولوجيا أدواتٌ لديمومة التسلط باسم القداسة المزعومة، وذلك عن طريق التمييز بين الأنا المقدّسة، والآخر المدنّس، سواء كان أشخاصا أو أفكارا. والمُفارقة هنا أيضا أنّ الخطاب المعارِض لبِسَ نفس الجُبّة، وبدأ في تكرار لعبة القداسة نفسها، حين يواجه الخطاب السائد، فهو إذ يقوم بمهاجمته ونقده ومساءلة بديهياته، يعيدُ إنتاج الصورة نفسها على معارَضته، ويدخِلنا في دوامة من إنتاج المقدس بصيغ تختلف في الشكل، وتتفق في المضمون.
لهذا نتفق مع ما ذهب إليه علي مبروك الذي حاول أن يربط بين التقديس والهيمنة، خاصة ما يسميه بـ«الخطاب الشافعي». فهذا الأخير من خلال كتابه الرسالة تحديدا قد صاغ تداخلاً بين الفقهي والعقدي منذ نهاية القرن الثاني الهجري، وتبِعهُ في ذلك من أتى بعده من العلماء الشافعيين كالغزالي والرازي وغيرهم، أولئك الذين جعلوا من التفكير الفقهي والعقدي قواعد تنَظِّمُ للإنسان المجالات المُفكَّر فيها، واللامُفكَّرِ فيها. وبالتالي صار هذا النوع من الخطاب والتفكير عبارة عن آليات لتوليدِ وإنتاج القداسة من خلال النصوص، والأشخاص، والقواعد، وبدأ التقديس يختفي ويلتبِسُ خلف قناعٍ معرفي، يُقدّم سلطة «الأصل» بوصفها معيارا للتمييز بين الحق والباطل، بين الحقيقة والوهم، وبين الدين والمنتوج البشري. متناسيًا عن قصدٍ أو دونه بأن هذا القناع المعرفي يخفي بدوره سلطةً سياسية هي سلطة الحاكم المستبدِّ الذي يُعيِّنُ حدود القول والفعل، وكأننا نستحضر تلك المقولة الصريحة التي ذكرها علي حرب[5] في كتابه نقد النص والتي سماها آليات الحجب، أو الخطاب حجاب، وهي أحد المقولات المركزية في المشروع الفكري لعلي حرب، والتي يتقاطع فيها مع علي مبروك، باعتبارهما يجسّدان مشروع التفكيك للبنية الفكرية العربية الإسلامية.
كي نفهم هذا البُعد النقدي لدى علي حرب يلزمُنا أن نقف عند عبارة “الخطاب حجاب“ باعتبارها مفتاحا في المشروع النقدي والفكري له، فالمقصود من هذه العبارة أن الخطاب لا يجب أن ننظر إليه باعتباره آلية لغوية للكشف والإيضاح والبيان، وإنما هو أيضا وسيلة للإخفاء والحجب. فاللغة من هذا المنظور، لا تنقل الحقيقة كما هي، بل تصُوغها وفق مصالح ومواقع وأوهام المتكلم. ومن تمّة بدَل أن يكون الخطاب نافذةً على الواقع، يصير حجابًا يحُول بين الإنسان وبين إدراكه لما هو قائم فعْلاً. كأن الإنسان من خلال هذا الطرح الفكري لعلي حرب وغيره من التفكيكيين، لا يعيش الحقيقة مباشرة، بل يعيشها من خلال ما يُقال عنها. فكل خطاب مهْما تعدَّدتْ مجالاته وأساليبه، يُقدِّم رؤية محدّدةً للعالم، وفق تصوُّرٍ مشروط بثقافة صاحبه، وبنيتِه الذهنية، وموقِعه في منظومة السلطة والمعنى. ولهذا يرى علي حرب أنّ الخطر الأكبر يكمُن في اعتقاد الناس أنّ خطابهم يعبِّر عن الحقيقة المُطلَقة، بينما هو في الواقع لا يعدو أن يكون بناءً لغويًّا يُضمِرُ مصالح وأوهامًا أكثر.
وإذا عدنا إلى النقطة المركزية التي انطلقنا منها والخاصة بتصوُّر علي مبروك لفكرة الأصل، يتبين أنّ تحوُّل «الأصل» من منطلقٍ للمعرفة إلى موضوعٍ للتقديس كان رهينا بمجموعة من العوامل تتداخل لتُرسِّخ فكرة القداسة، لعل أهمَّها عامل الزمن. وهكذا تتجلّى سيرورة التقديس في انتقالها من السّياسي إلى المعرفي عبْر الوسيط الديني، بحيث لا يعمل أيّ من هذه الحقول بمعزلٍ عن الآخر. فالديني يمنَحُ الشرعية، والسياسي يُرسّخ السلطة، والمعرفي يُنظّرُ ويؤبّدها. ومن هنا، يبدو أنّ المجال السياسي كان نقطة البداية في إنتاج التقديس، بينما صار المجال المعرفي هو حقله الدائم الذي يعيد إنتاجه بلا انقطاع.
ما يثيره هنا علي مبروك له جذور أنثروبولوجية عميقة في قراءة فكرة الأصل، وفكرة تحوُّله إلى شيء مقدَّس، وهي فكرة انبرى العديد من الباحثين للدفاع عنها خاصة الأنثروبولوجيون الفرنسيون وفي مقدِّمتهم روجيه كايواه من خلال كتابه الإنسان والمقدَّس. ولفهم هذه الفكرة يُبرزُ لنا كايواه قضية العلاقة بين المقدّس والدنيوي، بحيث يثبت بأنها ليست علاقة قطيعة مُطلَقة كما قد يوحي بها المنطق الديني الظاهر، بل هي علاقة توتُّرٍ وتبادُلٍ ضروريٍّ يُعبّر عن البنية العميقة للوجود الإنساني، فهو يقول:
” إن أي تصور ديني للعالم يفترض التمييز بين المقدَّس sacré والمدنَّس profane “.[6]
من خلال هذا المنظور الذي يقترحه كايواه يتبين بأن المقدّس ليس مجرد كيانٍ مفارق أو متعالٍ أو قوة خارجية تفرِض نفسها على الإنسان من خارج حدود ذاته، بل هو تجربة إنسانية تنشأ داخل حدود الجماعة، وتُعبِّر عن رؤية الإنسان إلى الكون والمحيط والذات، وعن حاجته إلى النظام والانفصال، إلى الحظر والاحتفال، إلى الخوف والانجذاب في آنٍ واحد. لذلك فكل مجتمع يحتاج إلى أن يضع حدودًا تَفصِلُ بين ما هو دنيوي عاديّ وما هو مقدّس استثنائيّ، لكنّه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يعيش دون أن يخترق تلك الحدود بشكلٍ دوريٍّ من خلال الطقوس التي تتيح له ملامسة المقدّس والتنفيس عن توتُّره.
المقدّس في تصوّر كايواه طاقةٌ مزدوجة، فهو مدمّر وخلاّق، خطرٌ ومصدر حياة. مخيف وجاذب، مجهول لكنه مصدر المعنى والشرعية لما هو دنيوي. من هنا تصبح وظيفة المقدّس هي تنظيم الحياة الاجتماعية عبر إقامة المحرَّمات والممنوعات، لأنّ ما هو دنيوي لا يكتسب توازنه إلا من وجود ما يفُوقُه ويحُدُّه. فهو ليس فكرة ميتافيزيقية بقدْرِ ما هو بنيةٌ أنثروبولوجية تُنتج النظام الاجتماعي ذاته.
من هنا يمكننا القول بأن ما قاله علي مبروك بخصوص تقديس فكرة الأصل، يتقاطَع إلى حدٍّ بعيد مع ما يؤكِّد عليه كايواه في كتابه الإنسان والمقدَّس، ولعل وجْهَ التقاطع بالتحديد، هو أنّ وراء كل قداسة تاريخ من الفكر الإنساني يسعى إلى خلْقِ النظام والمعنى من الأشياء وفيها. مع أن العلاقة بين المقدّس والدنيوي ليست شيئًا ثابتًا وماهويا، بقدْر ما هي حركةٌ مستمرة من التغيير والتجديد المتَّصل. ومع ذلك فإنّ خطورة المقدّس تكمُن في قابليته للانزلاق إلى العنف أو الجنون أو السلطة المُطلَقة. فما لم يدرك المجتمع حدود التّماسّْ والتبادُل والتقاطُع بين المُقدّس والدنيوي، يتحوّل المُقدّسُ إلى مُطلقٍ مغلقٍ يبتلِع الدنيوي، ويتحوَّل إلى أداةِ قمْعٍ وهيمنة. وفي المقابل، حين يتم إلغاء المقدّس تمامًا باسم العقل، يفقِدُ العالم معناه ويغدو الإنسان بلا أفُقٍ رمزيٍّ أو روحٍ جامعة.
التقديس من الديني إلى السياسي:
كثيرة هي الكتابات التي حاولت أن تنزع عن الإسلام طابعه السياسي، غير أن الواقع التاريخي يؤكد بما لا مجال للشك فيه على أن حضور السياسي في البنية الدينية الإسلامية هو حضور مركزي، على الأقل في الفترة التي سبقَتْ وفاة النبي محمد وما تلاها من أحداث تركَتْ بصمتها السياسية إلى حدود اللحظة الراهنة، ولا زالت تداعياتها وامتداداتها تلقي بظلالها على الساحة الفكرية والثقافة الإسلامية. هنا نريد أن نقف أيضا مع علي مبروك[7] من خلال إشاراته إلى حضور السياسي داخل حقل المجال الديني، وهو حضور مكثَّفٌ وقوي لمفاهيم سياسية طغَت على بنية العقل السياسي العربي. وهذا ما أراد أن يكشف عنه علي مبروك حيث أكّد على أن الممارسة السياسية منذ وفاة النبي ﷺ لم تنفصل عن حضورٍ خفيٍّ للمقدَّس. فقد نشأ الحقل السياسي تحت تأثير قَدَاسَتَين متداخلتين: قداسة الدِّين وقداسة القبيلة. وفي البداية تماهى الاثنان، ثم مع الزمن صار أحدهما يتخفَّى وراء الآخر دون أن يزول حضوره.
الفكرة نفسها هي ما حاول أيضا الجابري أن يرسخها في كتابه العقل السياسي العربي[8] حين درس مفهوم القبيلة باعتباره مكوِّنا أساسيا في بنية العقل السياسي العربي، والمقصود هنا بالقبيلة هو دورها في الممارسة السياسية التي مارَستْها الجماعة المسلمة منذ قيامها إلى أن تحوّلت إلى سلطة سياسية، أي أن مجال الدراسة سيجمع بين مرحلتين أساسيتين في بناء الدولة الإسلامية، المرحلة المكية ثم المرحلة المدنية.
كان تصور الجابري للقبيلة كما تم وضعه في الكتاب الذي أشرنا إليه سابقا، يتجاوز مجرد وحدة اجتماعية تقوم على القرابة والدم كما يتصور البعض، وهو المفهوم الكلاسيكي للقبيلة إن صح التعبير، بل كانت نظامًا ثقافيًا ومعرفيًا يترتب عنه مجموعة من القيم والأعراف والتقاليد السياسية المرتبطة بالجماعة. من هنا كانت القبيلة تنظيماً متكاملاً يضمن الحماية والانتماء، ويوفّر الأمن والشرعية. فقد شكّلت البيئة الحاضنة الأولى للعقل السياسي العربي، حيث كانت السلطة تقوم على العصبية، والطاعة تُمنح للشيخ أو كبير العشيرة، والولاء يكون للجماعة لا للفكرة.
هذا التصور من منظور الجابري لم ينجح الإسلام في القضاء عليه، بل سعى إلى إعادة تشكيله، وصياغته بما يَضمَن له الحضور الكامل حينذاك. فبالرغم من أن الإسلام حاول أن يعطي لمفهوم الأمّة مفهوما يتجاوز به منطق القبيلة والعصبيات، غير أنه لم يستطع الانفكاك من الحضور القوي والمكثف لمفهوم القبيلة داخل النسق السياسي للعقل العربي وقتذاك. خاصة أن الدولة الإسلامية التي قامت بعد وفاة الرسول ﷺ لم تستطع التخلص من منطق القبيلة، بل استعادَتْ حضورها في شكل عصبية قريش أو ولاءات قبلية أعيدت صياغتها تحت غطاء ديني أو سياسي. وذلك ما يكشف عن استمرار هذا البعد القبلي العصبي في الوعي السياسي العربي. كأن القبيلة انتقلت من كوْنِها بنية اجتماعية ملموسة في حدود عصبيات ضيقة، إلى بنية ذهنية وثقافية لها التأثير القوي على المسار التاريخي للدولة الإسلامية في مختلف مراحلها اللاحقة.
وإذا أقررنا مع الجابري بحضور هذا البعد العصبي القبلي في بنية العقل العربي الإسلامي سواء في صيغته القديمة، أو في امتداداته اللاحقة، فإننا نرى بأن العقل السياسي العربي ظل وما يزال محكوما بمنطق القبيلة، لأنه لم ينجح في بناء مفهوم جديد للشرعية يقوم على المواطنة والقانون، بدل العصبية والولاء الشخصي. ولذلك، فإن الدولة العربية المعاصرة – في كثير من تجلياتها – ما زالت تُدار بمنطق قبَلي: الزعيم مكان الشيخ، والحزب مكان العشيرة، والغنيمة السياسية مكان الغنيمة الحربية. وهو وضعٌ يحتاج إلى تشريح وفهْمٍ مسبَق بطبيعة ما نحن بصدد الحديث عنه، أي أن هذا المنطق القبَلي لا يمكن الانعتاق منه إلا من خلال تحرير الوعي السياسي العربي من البنية القبَلية التي تُسيطرُ عليه منذ قرون. فالمشكل ليس في القبيلة بوصفِها جماعة إنسانية تربطها روابط الدم والقرابة والولاء، بل في استمرار منطِقها وذهنيتِها المتعارضة مع منطق الدولة الحديث، أو مقتضيات الاجتماع البشري البعيد عن منطق الولاءات والعصبيات. مما يعني أنّ التحديث السياسي الحقيقي يحتاج إلى مجهود مضاعَفٍ لتفكيك هذه البنية القبَلية المغلقة التي تجعل من الولاء للقبيلة والعشيرة أكبر وأفضَل من الولاء للوطن.
هنا تتقاطع الأطروحتان أو الفكرتان، فكرة الجابري من جهة الحضور المكثف والقوي للقبيلة في البنية السياسية العربية، وفكرة علي مبروك في حضور المقدَّس في السياسة، فحسب هذا الأخير قد واجه عمر بن الخطاب طموح بني هاشم للخلافة بقوله:
” إن الناس قد كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة “
فكان المقصود بالناس قريش، أي القبيلة. لكن الروايات اللاحقة بدّلت “الناس” بـ“الله”، لتُحوِّل إرادة القبيلة إلى مشيئةٍ إلهية، وبذلك بدأت عملية “تقديس السياسي” عبر إحلال الإلهي محل القبلي. أي أن مطلب القبيلة تحوّل بفعل هذا التداخل السياسي والديني إلى إرادة إلهية، ومشيئة عُلوية يصعُب معها الانتقاد أو المساءلة، وكأننا أمام فعْلِ تحصين ثقافي للممارسة السياسية البشرية، في عملية تحريف خطيرة تكشف عن دهاءٍ ومكْرٍ سياسي، يختفي وراء الدين، لكنَّه يُحقِّق غاياته وأهدافه عبْر سلطة التقديس. كما أنّ عمر بن الخطاب أيضا رفَض الكتابة بحجّة “حسبُنا كتاب الله”، وكانت الخلفية السياسية التي تحركُه تتجاوز تمسُّكهُ بالنص الديني الإلهي، بل على العكس من ذلك كان هذا الرفض مُعبِّرًا عن تقاليد القبيلة التي لم تكن تعرف التوريث في الزعامة. وبهذا المعنى، كان “كتاب الله” يُستَعمَل قناعًا لتقاليد القبيلة، في إحلالٍ رمزيٍّ متواصل جعل القَبَلي يتخفّى في صورة الديني.
لم يتوقف حضور المقدّس في السياسة في المجال الديني الإسلامي حسب علي مبروك، حيث مع التطور الذي حصل في الدولة الإسلامية، استمرت قاعدة الشورى أو التشاور هي المحدد الأساسي في الممارسة السياسية العربية الإسلامية تحت غطاء ديني مقدّس. وحينما ننظر في هذا المبدأ الذي تتمسك به مختلف الأصوليات الدينية القديمة والمعاصرة، وتُعبِّر عنه غالبية التيارات الإسلامية السياسية، فسنجدُه يُعبّر في الواقع الفعلي الواقع على الغلبة والعصبية، كما أشار ابن خلدون في مقدّمته[9] وهو يفكك مفهوم الغلبة في العقل السياسي العربي وحضوره المكثف في بناء الدولة الإسلامية، فالرئاسة عند ابن خلدون لا تكون إلا بالغلب، والغلب لا يكون إلا بالعصبية، أي أن ابن خلدون في مقدمته يُقرُّ بحضور القوة في المجال السياسي العربي التي تَفرِض الطاعة وتؤسِّس للسلطة. فالرئاسة في أصلها ليست عقدًا اجتماعيًا ولا تفويضًا شعبيًا، بل نتيجة طبيعية لغلبة عصبية على أخرى. وحينما نتحدث عن العصبية وهي رابطة النسب أو الولاء التي توحّد الجماعة، فإننا نقصد تلك الرابطة الي تدفع أصحابها إلى طلب المُلْك والسيطرة، فإذا تغلّبوا على غيرهم تأسَّست الدولة. وبالتالي فالغلبة من منظور ابن خلدون أساس تشكُّل وتكوين الدّوَل، ووسيلة لانتقال السلطة من جماعة بشرية إلى أخرى. بالرغم من أن ابن خلدون يلاحظ أن الغلبة تحمِل في داخلها بذور زوالها، لأنّ القوة التي تُؤسِّس الدولة تتحوّل مع الزمن إلى ترفٍ وضعْف، فتنشأ عصبية جديدة تغلبها بدورها. وهكذا تدور دورة التاريخ بين غلبةٍ تؤسِّس، وترفٍ يُضعف، وغلبةٍ جديدة تُعيد البداية. إذن، الغلبة عند ابن خلدون ليست مجرد صراع عسكري، بل قانون اجتماعي وسياسي يفسّر حركة الدول وصيرورتها، يقوم على فكرة أن القوة الاجتماعية (العصبية) هي الأصل في قيام المُلك، وأنّ فقدانها هو أول علامات سقوطه.
وإذا عدنا لفكرة علي مبروك التي انطلقنا منها في الحديث عن حضور المقدّس في السياسي، نجده يشير إلى معطى هام، وهو أن مع معاوية بن أبي سفيان، حدثَ ما يشبه تحوُّلًا جذريا في البناء الطبيعي لتأسيس الدولة، حيث تم استبدال خلافة الشورى، بخلافة الوراثة، وذلك بتوريث ابنه يزيد. ومع أن هذا التحول يُعتبَر انقلابا على المفهوم الطبيعي للقبيلة، إلا أنه لم يستطع القضاء على حضورها في البنية السياسية العربية الإسلامية بشكل تام. وحين واجه معاوية معارضةَ قريش لتوريث يزيد، لجأ إلى صياغة سياسية جديدة: “إن أمر يزيد قضاء من القضاء، وليس للعباد الخيرة من أمرهم”. هنا اكتمل التحول؛ فالإرادة السياسية للحاكم أصبحت “قضاءً إلهيًا”، أي أن الحاكم صار صورةً للقدر، والاعتراض عليه خروجٌ على المشيئة الإلهية.
بهذا التحول، نحن أمام مشهد دراماتيكي لانتقال السلطة السياسية من القبيلة إلى الحاكم، ولكن دائما بمرافقة وملازمة دينية تضفي على الفعل السياسي طابعا مقدّسا، حيث انتقل التقديس من القبيلة إلى الحاكم. وذلك عبْرَ انتقال سلطة القبيلة إلى السلطة التي ورِثَت بنيتَه وتخفّت وراء قداستها. فصار السلطان هو المُقدّس الذي يعْلو عن كل مساءلة ونقدٍ مُختفيا بذلك وراء روايات تؤسِّس لسلطته المطلقة، وشرعيته المستمدة من خلافته للنبوة والله. وبذلك، صار التقديس السياسي بنية ثقافية، وذهنية سياسية، تُشكِّل الوعي بالسلطة، وتصُوغ العلاقة مع الحاكم بأمْر الله، وتُوجِّه طرق إنتاج المعرفة بطريقة يصير فيها الحاكم هو المقدّس نفسه، عبْر منطق يعيد إنتاج مفاهيم الطاعة والخضوع، ويخفي مفاهيم النقد والمساءلة باعتبارها أدوات تخرج صاحبها عن الإجماع والدين والشرعية. إننا بإزاء تحول دراماتيكي من التماهي بين الإلهي والقبَلي، إلى تخفّي القبلي وراء الإلهي، مما أسَّس لعلاقةٍ دائمةٍ بين السلطة والقداسة، جعلَتْ السياسة العربية حتى حدود واقعنا المعاصر تُدار بعقلٍ قبليٍّ بلباس ديني، يُبرّر سلطته بقداسةٍ مفروضةٍ من السماء.
القداسة من السياسي إلى الثقافي:
لا تزال مسيرة التقديس مستمرة بالرغم مما أكدناه سابقا مع أطروحة علي مبروك، فالخروج من حدود القبيلة إلى تقديس سلطة الحاكم لم تُنْهِ مسيرة المقدّس، فالتاريخ الإنساني ربما هو تاريخ التقديس بامتياز، ولعل مقولة روجيه كايواه تفيدنا في هذا السياق فهو يقول بأن:
” المقدس هو المقولة التي يبنى عليها السلوك الديني، تلك التي تمنحه خاصته النوعية وتفرض على المؤمن شعورا مميزا بالاحترام، يحصِّن إيمانه ضد روح النقد، كما تجعله بمنأى عن الجدل العقيم. بوضعها إياه خارج نطاق العقل وما وراءه “[10].
وإذا كانت مسيرة التحول من القبيلة إلى الحاكم قد عرفَتْ مسارا طويلا من التقلبات الثقافية والفكرية، فإن الأمر نفسه ينطبق على الشأن الثقافي، الذي نشأ هو كذلك من رحِمِ السياسي، لكن دومًا عبر ملازمة ومرافقة الديني المقدّس. غير أن هذه الوساطة لم تُبقِ الثقافة تابعة للسياسة فحسْب، بل رفعَتْها إلى مقام القداسة، حيث صار الفعل الثقافي نفسُه مجالا وفضاء لممارسة فعْلِ التقديس، والهيمنة على التاريخ والسياسة معا. وذلك بجعل الثقافي يسمو ويتحوّل من مجرّد تابعٍ إلى مؤثرٍ ومحدِّدٍ للسياسي والتاريخي. وبهذا المعنى استمد الثقافي قدسيته من ارتباطه بالشأن الديني، وتحولت الممارسة الثقافية، وكل ما يحُوم حولها إلى مجال لإدامة التقديس والهيمنة. فصار السلطان في السياسة يقابله الأصل أو النموذج في الثقافة، وكلاهما يستمد مشروعيته من قداسة الرب في العقيدة. من هنا تحوّل «الأصل» في الثقافة إلى قناع للقداسة وسلطةٍ مطلقة تُقيّد الفكر والعقل داخل حدود الطاعة والخضوع.
إن ما يشير إليه علي مبروك من خلال هذا التحول تدعَمُهُ كثير من الشواهد التاريخية، كما يؤكده الحضور المستدام لآليات ثقافية وقواعد أنتجَها العقل البشري، وتحوّلَت بفعل هذا التداخل الحاصل بين الديني والثقافي إلى مُطلقاتٍ يصعُب التمييز بينها. ومع هيمنة الرواية والنقل على الأقل في السياق الإسلامي، وحضوره المكثَّف بوصفه آلية من آليات بناء المعرفة الإسلامية، خاصة في عصر التدوين وما تلاه من العصور. فقد صار هذا الأخير هو الأداة المنتجة للتقديس، والمهيمنة على المجال الثقافي والفكري على حد سواء، كما عاد نظامًا ثقافيًا متجذرًا يعكس ذهنية القبيلة التي تقوم على الحفظ، والتقليد، والاستيلاء على الجاهز، لا على الإبداع والخلق.
ويكفي أن ننظر في الإنتاج الثقافي الروائي، أو الحضور الهائل للثقافة الحديثية، لنرى كيف أن علم الحديث لوحده صار أصل العلوم كلها، ومرْكزا للمعرفة الإنسانية، خاصة تلك المقولة المشهورة التي تقول:” السُّنَّةُ قاضيةٌ على القرآن، وليس القرآنُ بقاضٍ على السُّنَّة “، بمعنى أن هناك حضورا روائيا كبيرا ترسَّخَ في اللاوعي الثقافي العربي مفادُه أن المعرفة هي تكرار للنص الأصلي لا تجاوُزِه، فصار العقل نفسه يفكر بالنقل، حتى في الفلسفة كما نرى عند ابن رشد الذي قدّس أرسطو وجعل منه أصلًا لا يُتجاوز.
نحن هنا أمام مشهد يرسِّخ الحضور المكثف والقوي للنقل على حساب العقل، وينتج وعيًا خاضعًا للنص، والرواية، والحديث، والسنة، وهو وعي يحوِّل علاقة الإنسان بالنص إلى علاقة يعامل فيها النص كإله متعالٍ في الزمان والمكان، غير خاضعٍ لمنطق الاجتماع البشري، وبعيد عن النقد والمساءلة والاختبار والتجربة الإنسانية. وبهذا نفهم حضور مرويات تُؤلّه السلطان: فهو ظل الله في الأرض، ورمحُه، وقُفلُه الذي يُعطي ويمنع بإذن الله. بل إن من لا يعرف السلطان يُعتبر كمن مات ميتة جاهلية، تمامًا كما يُقال عمن لا يعرف الله. فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«مَنْ أطاعَ الأميرَ فقدْ أطاعَنِي، ومَنْ عصَى الأميرَ فقدْ عصانِي».
عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
«يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي…»، قال حذيفة: فكيف أصنع يا رسول الله إن أدركتُ ذلك؟ قال: «تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع».
هكذا نجد أنفسنا أمام كمّ هائل من المرويات التي تَقرِن بين السلطان والحاكم من جهة، وبين الإلهي والمطلق من جهة أخرى، مماثلةٌ تكشِفُ عن الوجه الخفي للسلطة السياسية، حين تختفي بالدين، لتديم سلطتها وهيمنتها على الوعي، والفكر، والعقل البشري. إنه تحوُّلٌ من مجال يعكس الفعل البشري داخل سياقات سياسية محكومة بالخطأ والنقص، إلى مطلقٍ مقدّس بعيد ومرتفع عن النقد والمساءلة. فما يبدو على أنه تقديس للدين هو في أحد تجلياته، تقديس للسلطة، وتقديس للحاكم، وإضفاء الشرعية على شخصه وفكره وتوجُّهه السياسي. وكأننا بهذا التقديس نكون أمام بنية ثقافية عامة تتحكم في السياسة والعقل معًا، وتعيد إنتاج نفسها عبر «النقل» بوصفه آلية وهيمنة فكرية ودينية مستمرة.
-
ملامح الوجه الأصولي الإسلامي: نحو فهم أعمق للظاهرة الأصولية
لا شك أننا وصلنا إلى النقطة التي رأينا فيها التحول الكبير الذي حدث في السياق الإسلامي من الديني إلى السياسي، ومن السياسي إلى الثقافي، وما استتبع ذلك من لحظات صار فيها التقديس هو المجال أو الغطاء الذي تختفي وراءه كل الممارسات السياسية والثقافية على حد سواء. لكن هناك خيط رابط في الثقافة الإسلامية جعل من التقديس هو القاعدة الصلبة التي بُني عليها الفعل الإنساني شرعيته، هو عبادة الأصل، وذلك ما حاول إثباته علي مبروك من خلال كتابه ما وراء تأسيس الأصول، حيث حاول أن ينزع كل الأقنعة التي أرادت أن تقيم نوعا من الالتباس والغموض بين الفعل السياسي والثقافي، وبين فعل القداسة، إلى درجة يصعب فيها التحديد أو الكشف، وهو ما حاولَتْ كل العلوم الإسلامية أن تقِيمَه لعلها تجد فيه الملاذ الآمن، والحاضنة الثقافية الموعودة، وذلك ما تحقق لها بالفعل. وإضافة إلى ما كشفه علي مبروك، سنحاول بإيجاز أن نختصر ملامح الأصولية الإسلامية اعتمادا على ما كتبه فريتس شتيبات في كتابه دراسات عن الإسلام والمسلمين.
يؤكّد شتيبات[11] بأن ظاهرة الأصولية غزت العالم الإسلامي منذ زمن بعيد، خاصة في السنوات الأخيرة، مع ظهور كبير لحركات أصولية تمارس الفعل السياسي بعناوين مطلقة، وهو ما سمي بالإسلام الحركي أو الإسلام السياسي، حيث استفادت هذه الحركات الأصولية أكثر من غيرها من هامش الحريات الذي أتاحته التحولات الديمقراطية. لكن المفارقة هنا هو أن مناخ الانفتاح الذي تنمو فيه هذه التيارات المتشددة كان من المفترض أن ينقص من حدتها وعنفها وتصلبها، لكن العكس هو ما حدث، مما يفرض علينا أن نتأمل في طبيعة الأصولية ذاتها، وعلاقتها بالإسلام وبالسياق التاريخي والاجتماعي الذي أنتجها.
هنا يشير شتيبات إلى أن الأصولية ليست حكرًا على الدين الإسلامي وحده، بل هي سمة عامة عرفتها ديانات وأيديولوجيات متعددة. فهي تقوم على ثلاث ركائز أساسية: الشمولية، أي الاعتقاد بأن الدين يشمل مختلف مناحي الحياة، وفيه إجابات على كل ما يستجد على الواقع الإنساني القديم والمعاصر؛ والنصوصية، أي الاكتفاء بفهم النصوص وفق آليات حرفية وظاهرية تعتمد القراءة والفهم انطلاقا من منطوق النصوص بعيدا عن المقاصد والأهداف؛ ثم الانحياز المطلق، الذي يتمثل في رفض النقاش والحوار، والتصلب في الموقف، والاعتقاد بأن الذات تحمل في طياتها الحقيقة المطلقة، والآخر هو ما يمثل النقيض، أي أنه هو الشر المطلق، والمختلف، والذي يجب أن يخضع لمسبقات الذات وقبلياتها.
وبالرغم من هذه الإشارة فشتيبات يؤكد بأن الإسلام بالرغم من هذا التحول الدراماتيكي في مساره من الدين إلى الأصولية بأبعادها السلبية، ليس أصوليا في جوهره ومصادره، ولكن هذا التحول حدث فقط حينما امتزج الديني بالثقافي، والإنساني بالإلهي، والنسبي بالمطلق. والدليل على ذلك حسب شتيبات أنه دين قد عرف الاجتهاد والتأويل منذ بداياته، وتفاعل مع الواقع المتغير دون أن يفقِد هويته. فقد وضع فقهاؤه عبر القرون قواعد مرنة مثل «الضرورات تبيح المحظورات» و«الأحكام تتغير بتغير الزمان»، وأكدوا على مقاصد الشريعة الكبرى في حفظ الحياة والعقل والنسل والملكية. وهو ما يعتبر دليلًا على أن الإسلام لم يُرِد أن يكون منظومة جامدة، بل منهجًا حيًّا يستجيب لمقتضيات التاريخ والواقع. ولكن هذا التحول الكلي إلى الأصولية كان نتيجة ظروف مرت منها المجتمعات الإسلامية، وأن الفكر الأصولي غالبًا ما ينشأ عن تجربة أزمة وجودية: إذ يرى الأصولي أن المجتمع انحرف عن القيم الإلهية الأصلية، وأن الخلاص لا يكون إلا بالعودة إليها كما كانت في «الجماعة المثالية الأولى». هذه القراءة تنطبق تمامًا على الأصولية الإسلامية الحديثة التي ازدهرت في القرن العشرين، كرد فعل على إخفاقات سياسية واقتصادية وثقافية تراكمت عبر عقود.
وبالتمعن فيما نقله شتيبات نجد صدى ذلك فيما عاشه العالم العربي والإسلامي من تحولات عميقة في القرنين السابقين. لعل أهمها فشل مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي لم تحقق العدالة والكرامة الإنسانية، وذلك بانتشار البطالة والفقر، وانعدام الأمل في الأفق الإنساني لدى فئة عريضة من الشباب. إضافة الاستبداد السياسي الذي جعل الدول العربية والإسلامية عرضة للاضطهاد الفكري والسياسي، والحرمان من المشاركة الفعالة، وغياب الحقوق الأساسية. ناهيك عن الظلم الدولي الذي مارسَتْه ولا تزال القوى الدولية الكبرى، من خلال الاحتلالات المتتالية لهذا العالم، والتحكم في قراره السيادي، وخلْقِ مناطق نزاعات مستدامة، تستنزف مُقدَّراته، وتحْرِم إنسانه من التنمية المنشودة، وهو ما خلَق مُناخًا نفسيًّا من اليأس والمرارة جعل الكثيرين يجدون في الخطاب الديني وسيلة للتعبير عن غضبهم وأزمتهم.
لكن بالرغم من هذه السمات التي حاول شتيبات أن يختصر فيها الوجه الأصولي، فإن ذلك لا يعني أن الحركة هي حركة واحدة متجانسة، فهي تضُمُّ اتجاهات متعدّدة يمكن تمييزها إلى ثلاث فئات رئيسية: فهناك المتطرفون الذين يرون أن المجتمعات القائمة هي مجتمعات كافرة لا تحكم بما أنزل الله، وتتقدمهم تلك الإيديولوجيات التي نهلت من كتابات سيد قطب وأخوه محمد قطب خاصة في كتابه جاهلية القرن العشرين، وميزة هؤلاء أنهم يؤمنون بالعنف وسيلة للتغيير، كما فعلت جماعة الإخوان المسلمين التي رفعت شعار التكفير والهجرة واغتالت الرئيس المصري أنور السادات. وهناك أنصار تطبيق الشريعة الذين لا يؤمنون بالضرورة بالعنف، لكنهم يطالبون بإقامة نظام سياسي واجتماعي مستمد من الإسلام، من دون اتفاق على تصوُّرٍ مُوَحّد لكيفية تطبيقه. أما الفئة الثالثة فهي الباحثون عن الهوية، الذين يروْن في الإسلام دِرعًا ثقافيًّا وحضاريًّا يحميهم من الذوبان في النموذج الغربي المهيمن، خصوصًا بين الجاليات المسلمة المقيمة في الغرب.
هذا يحيلنا حسب شتيبات إلى نقطة تستحق منا التأمل، وهي نقطة تفترض فينا أيضا أن نرى أن الدين بالرغم من هذه الجوانب التي التصقت خاصة مع شيوع الأصولية المتطرفة، فهو لا يمكن أن يمثل تهديدًا للعالم، أو خطرا أخضر كما يحب أن يسمّيه به أعداؤه، وذلك لأن كثيرًا من المسلمين هم الذين يشعُرون بأن العالم يهدّدهم ويعاملهم بازدراء أو تمييز، وربما هذا الشعور، وهذا الإحساس الهوياتي العميق، قد يوَلِّد بعض ردود الفعل المتشنجة والعنيفة عن هذا الإقصاء الممنهج، والسيطرة المطلقة للقوى الكبرى. وبالتالي فالأصولية حسب هذا الطرح الفكري يمكن فهمها فقط على أنها ردة فعل عنيفة على واقع أعنف، أو لنقل بتعبير أدق هي ظاهرة قابلة للانحسار حينما يتم تغيّر الواقع الذي أفرزها. أما الخطر الأكبر فيكمن في تصوير الإسلام بوصفه عدوا خطيرا، كما فعل الغرب مع الخطر الشيوعي في فترة من فترات امتداده. لأن هذه الصورة النمطية تُنتج ثلاث نتائج مدمّرة: أولًا تمنع الغرب من فهم الأسباب الحقيقية للأصولية، وثانيًا تُغذّي لدى المسلمين شعورًا بالحصار والعداء، وثالثًا تُؤجِّج نزعات العنصرية والخوف من الآخر داخل المجتمعات الغربية ذاتها. لذلك، فإن المطلوب ليس مواجهة الإسلام أو شيطنته، بل فهمه والتواصل معه بصدق. فالفهم لا يعني التبرير، لكنه الشرط الأول لأي حوار عقلاني وأي تغيير حقيقي.
-
الأصولية في السياق المسيحي:
بالانتقال من السياق الإسلامي إلى السياق المسيحي نجد أن مصطلح الأصولية يأخذ أبعادا أخرى، خاصة أن ظهور هذا المصطلح عرف جدلا كبيرا بالرغم من انتشاره على نطاق واسع. ولمعرفة دلالاته يمكننا الاستعانة بما كتبه توماس شيرماخر[12] Thomas Schirrmacher حولها في بحثه الموسوم ب: الأصوليَّة: حينما يصبِحُ الدِّينُ خَطِرًا Fundamentalism When Religion becomes Dangerous
يقول شيرماخر بأن الأصولية من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في الفكر الديني والسياسي المعاصر، لما تحمله من تداخل بين الديني والفلسفي والإيديولوجي. وقد ولِد المصطلح في سياقٍ مسيحيّ أمريكي بحت، ثم اتسع مع مرور الزمن ليصبح توصيفًا عامًا لكل الحركات التي تُظهر تشبثًا صارمًا بمعتقداتها وترفض التسويات الفكرية أو السياسية. ظهر المصطلح لأول مرة سنة 1920 على يد C. L. Laws في مجلة Baptist Watchman-Examiner، حين استخدم كلمة Fundamentalism لوصف تيار ديني بروتستانتي نشأ داخل الولايات المتحدة لمواجهة اللاهوت الليبرالي الذي كان ينتشر في الجامعات والكنائس الأمريكية في مطلع القرن العشرين. وهو لاهوت ليبرالي يسعى إلى التوفيق بين الإيمان والعقل، ويقبل بتأويل النصوص المقدسة في ضوء التقدم العلمي والفلسفي، الأمر الذي اعتبره المحافظون تهديدًا لجوهر العقيدة المسيحية.
حركة “الأسس” وبداية الأصولية المسيحية:
جاء الردّ من خلال حركة سُمّيت بـ«الأسس» (The Fundamentals)، التي اكتسبت شهرتها بفضل سلسلة من الكتيبات صدرت بين عامي 1910 و1915 بعنوان:
«The Fundamentals: A Testimony of Truth» أي «الأسس: شهادة للحق».
قام بإعداد هذه الكتيبات اللاهوتيان A. C. Dixon وR. A. Torrey، وموّل طباعتها وتوزيعها المجاني أخوان مليونيران من أصحاب شركات النفط في تكساس. وقد بلغ عدد النسخ الموزعة نحو ثلاثة ملايين نسخة، مما جعلها واحدة من أوسع الحملات الدينية تأثيرًا في التاريخ الحديث.
احتجّ في هذه الكتابات عدد من كبار اللاهوتيين والمبشرين العالميين ضدّ النزعة الليبرالية، مؤكدين أنّ عصمة الكتاب المقدّس وألوهية المسيح وولادته من عذراء وقيامته الجسدية وعودته الثانية هي الأسس غير القابلة للمساس في الإيمان المسيحي. وكان من اللافت أنّ هذه المبادئ لم تكن جديدة، فهي نفسها العقائد المركزية التي تمسك بها الكاثوليك والأرثوذكس، غير أن الأصوليين البروتستانت قدّموها بروحٍ دفاعية ضد ما اعتبروه «تدنيسًا للعقيدة» من قبل التيار الليبرالي. في تلك المرحلة لم تكن للحركة أي مطالب سياسية، بل كانت ذات طابع لاهوتي عقائدي صرف، هدفها الدفاع عن «نقاء الإيمان». وعند مراجعة النسخة الكاملة للكتب التي أعيد طبعها سنة 1917 في أربع مجلدات تجاوزت 1500 صفحة، نجد تنوعًا كبيرًا في الكتّاب والموضوعات والمواقف، تراوح بين الاعتدال والتشدّد. من بين هؤلاء اللاهوتي الشهير بنيامين ب. وارفيلد من جامعة برنستون، والاسكتلندي جيمس أور، وكلاهما اتّسم بالهدوء والعقلانية أكثر من التعصب.
أما من حيث الخلفية الفكرية، فقد كان معظم المموّلين والناشرين من أتباع تيار يُعرف بـالمدبّرين الزمنيّين (Dispensationalists)، وهم الذين اعتقدوا بأنّ التاريخ الإلهي يسير وفق مراحل محددة تنتهي بعودة المسيح، وأنّ إسرائيل السياسية ستقوم من جديد قبل النهاية. ومع ذلك، لم تكن هذه التصورات الإسكَتولوجية (نهاية الزمان) محورًا في تلك الكتيبات، إذ شارك في تأليفها أيضًا عدد كبير من غير المدبّرين الزمنيّين.
من الحركة الدينية إلى المصطلح العام:
يرى المؤرخ الأمريكي جورج مارسدن، في كتابه المرجعي Fundamentalism and American Culture، أن الفترة الممتدة بين 1875 و1925 تمثّل ما سماه «المرحلة المبكرة للأصولية». فحسب مارسدن، لم تكن كتب «الأسس» هي بداية الحركة بل كانت ذروتها ونهايتها في آنٍ واحد. إذ بعد محاكمة “القرد” الشهيرة سنة 1925، التي حظرت تدريس نظرية التطور في المدارس الأمريكية، واعتُبرت تدخلًا في حرية الفكر، تراجع نفوذ الأصوليين وانحسر تأثيرهم في المجتمع. وقد استمرّت الأصولية في الوجود لكنها أصبحت مقتصرة على جناح صغير من الإنجيليين الذين انسحبوا تدريجيًا من العمل العام واكتفوا بحياة دينية محافظة. وفي المقابل ظهر تيار جديد سُمّي بـالإنجيليين الجدد (Neo-Evangelicals)، الذين تبنّوا مواقف لاهوتية مشابهة لكنهم دعوا إلى الانفتاح والتعاون بين الكنائس، وشاركوا في النقاش العام والسياسي، ودافعوا عن حقوق الإنسان والحرية الدينية.
تحوّل دلالي: من المصطلح الديني إلى المفهوم الفلسفي
منذ عام 1920، استخدم مصطلح “الأصولية” أولاً كوسيلة للتعريف الذاتي داخل البروتستانتية الأمريكية. لكنه سرعان ما تحوّل إلى وصف نقدي استخدمه خصوم الحركة بمعنى “الجمود العقائدي”. ومع مرور العقود، خبا استخدام المصطلح، حتى أعيد إحياؤه في ستينيات القرن العشرين في النقاشات الفلسفية والإبستيمولوجية، حيث استعمله أتباع العقلانية النقدية (خاصة أنصار كارل بوبر وهانس ألبِرز) بمعنى جديد تمامًا.
في هذا السياق، أصبحت «الأصولية» نقيضًا لمذهب الخطيئة المعرفية (Fallibilism)، الذي يرى أن الحقيقة المطلقة غير ممكنة، وأن كل معرفة قابلة للتفنيد. وبالتالي، صار أي موقف فلسفي يؤمن بوجود «حقيقة يقينية» يُوصَف بأنه «أصولي». وهكذا، انتقل المصطلح من السياق اللاهوتي إلى الفلسفة الحديثة، واكتسب دلالة سلبية تُستخدم ضد كل فكر يقوم على مبدأ غير قابل للنقاش، سواء أكان دينيًا أم علمانيًا.
من الفلسفة إلى السياسة: الثورة الإيرانية وانعطافة 1979
شكّلت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 بقيادة آية الله الخميني منعطفًا حاسمًا في تاريخ المصطلح. فقد تحوّل «الأصولية» منذ ذلك الحين إلى مفهوم سياسي عالمي يُستخدم لوصف الحركات الإسلامية الراديكالية، خصوصًا تلك التي تميل إلى العنف أو ترفض القيم الغربية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وفصل الدين عن الدولة. ومنذ ذلك الحين، أصبح الإعلام الغربي يستخدم الكلمة بوصفها مرادفًا للتطرف الديني والإرهاب، حتى بات الإسلام كدين يُختزل في هذا الوصف.
وفي العام نفسه، 1979، شهدت الولايات المتحدة ظهور حركة «الأغلبية الأخلاقية» (Moral Majority) التي أسسها القس جيري فالويل، والتي مثّلت أول انخراط سياسي واسع للإنجيليين المحافظين. وقد دعم هؤلاء ترشيح رونالد ريغان في انتخابات 1980، مما شكّل تحوّلًا كبيرًا في علاقة الدين بالسياسة في أمريكا. ومع أنّ الحركة الأصولية القديمة كانت ترفض التسييس، فإنّ المصطلح أُعيد استخدامه لوصف اليمين الديني الأمريكي الجديد، في مفارقة لافتة. وفي الفترة نفسها، بدأت الأحزاب الدينية في إسرائيل تشارك في الحكومة لأول مرة، فانتقل الوصف أيضًا إلى اليهودية السياسية. وهكذا، صار المصطلح يُستخدم لوصف كل حركة دينية محافظة ذات طموح سياسي، بغضّ النظر عن اختلاف ديانتها أو خلفيتها الثقافية.
انتقال المصطلح إلى السياسة الأوروبية:
في الثمانينيات، انتقل مفهوم «الأصولية» إلى المجال السياسي الأوروبي، خصوصًا في ألمانيا، حيث استُخدم لوصف الانقسام الداخلي داخل حزب الخضر (Die Grünen) بين جناحين:
- جناح Fundis (اختصارًا لـ Fundamentalisten)، الرافض لأي تسوية أو تحالف سياسي.
- وجناح Realos (الواقعيين)، الذين قبلوا بالمشاركة في الحكم مقابل تنازلات مؤقتة.
ومن أبرز ممثلي الجناح الأول رودولف باهرو ويوتا ديتفورث، بينما مثّل الواقعيين يوشكا فيشر الذي أصبح لاحقًا وزيرًا للخارجية الألمانية. ومنذ ذلك الحين، صار المصطلح يُستخدم في أوروبا أيضًا للإشارة إلى أي تيار سياسي متصلب يرفض الحلول الوسط، حتى لو لم يكن ذا خلفية دينية.
الأصولية بين الإسلام والمسيحية والفلسفة:
ومع اتساع استعمال المصطلح، بدأ يُطبّق خطأً على الإسلام بوصفه دينًا «أصوليًا» في جوهره، بسبب إيمانه بأن القرآن كلام الله غير القابل للخطأ. لكن هذا التشبيه، كما يؤكد الباحثون، غير دقيق؛ لأن جميع المسلمين يؤمنون بعصمة القرآن، وليس فقط جناحًا متشددًا كما في الحالة المسيحية. كما أن الأحاديث النبوية (الحديث) في الإسلام تُعدّ مصدرًا تشريعيًا يُمنح أهمية موازية للقرآن، وهو ما يختلف عن مكانة التقليد في المسيحية البروتستانتية. وفوق ذلك، لم تعرف المجتمعات الإسلامية تاريخيًا النقاشات ذاتها حول النقد النصي التي خاضها المسيحيون الغربيون، ما يجعل المقارنة جزئية وغير متكافئة. ورغم ذلك، استخدمت الحكومات الغربية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 مصطلح «الأصولية الإسلامية» لتبرير سياسات أمنية وعسكرية واسعة، فصار المفهوم يحمل شحنة أيديولوجية قوية تُختزل فيها صورة “الآخر المسلم” باعتباره تهديدًا حضاريًا[13].
وهناك إشارة أخرى أيضا قد وردت في بحث R. Scott Appleby, Martin E. Marty المعنون ب Le fondamentalisme Réponses à quelques questions أي الأصولية – إجابات عن بعض الأسئلة، حول الأصولية في الحضارات الشرقية أيضا، فهي ليست مقتصرة كما رأينا سابقا على المجال المسيحي والإسلامي، إذ في الشرق، شهدت الهندُ والبوذيّةُ والسيخيّةُ أيضًا أشكالًا من الأصوليّة، مثل حركة الهندوتفا التي منحت الديانة الهندوسيّة ملامحَ توحيديّةً استلهامًا من الغرب، أو المقاتلين البوذيّين في سريلانكا الذين حوّلوا بعضَ الرهبان إلى حراسٍ وطنيّين عنيفين. إنّها حركاتٌ “حديثةٌ مناهضةٌ للحداثة”، تختار من تراثها نصوصًا بعينها لتجعل منها كتبًا مغلقةً مقدّسة، في محاولةٍ لمواجهة عالمٍ سريع التغيّر.
ورغم أنّ الأصوليّين يزعمون التمسّكَ بـ«الكلمة الحرفيّة لله»، فإنّهم في الواقع أكثرُ الناس تأويلًا وانتقائيّة. فكلّ تقليدٍ دينيٍّ هو بناءٌ معقّد من النصوص والتفسيرات المتراكمة، ولا يمكن فهمه دون الهرمنيوطيقا (فنّ التأويل). وبالتالي فالادعاء بعدم التأويل هو ادعاء مجانب للصواب، لأن الأصوليين في الحقيقة يُخضعون النصوصَ لمنطقهم الإيديولوجيّ الخاصّ. ففي اليهوديّة مثلًا، رفعت حركة غوش إيمونيم وصيّةَ “الاستيطان في كلّ أرض إسرائيل” إلى مرتبة المبدأ المطلق، بينما استندت الأصوليّة البروتستانتيّة الأمريكية إلى عقيدةٍ حديثة تُعرف بـ«الاختزاليّة التدبيريّة ما قبل الألفيّة»، تتنبّأ بانحطاطٍ كونيٍّ يسبق عودة المسيح. ناهيك عن أن الأصوليّات تتميّز أيضًا بمرونتها العمليّة؛ فهي قادرة على تكييف خطابها الدينيّ مع الحاجات السياسيّة والاجتماعيّة. ففي لبنان الثمانينيّات، دعا رجالُ الدين الشيعة إلى التكاثر فازداد وزنُ الطائفة سياسيًّا، بينما في إيران بعد الثورة، شجّعت السلطات على تنظيم النسل، مبرّرةً ذلك بضروراتٍ إسلاميّةٍ جديدة. هذه البراغماتيّة تُظهر أنّ الأصوليّة ليست تجمّدًا تامًّا، بل توظيفٌ انتقائيٌّ للدين لخدمة المشروع السياسيّ.
أمّا من حيث القاعدة الاجتماعيّة، فليست الأصوليّة حركةَ الفقراء، كما يُروَّج. إنّها تنمو بين الطبقات المتعلّمة المهمّشة، خريجي الجامعات الذين يعانون البطالة أو انعدام الأفق. فالشباب الجزائريّ في الثمانينيّات والتسعينيّات، الذين أعدّتهم الدولة علميًّا ثمّ تركتهم بلا عملٍ ولا أملٍ، وجدوا في شعار «الإسلام هو الحلّ» وعدًا بالخلاص. وفي الشرق الأوسط، انخرط بعضهم في الجهاد الأفغانيّ ضدّ السوفييت، ثمّ تحوّلوا لاحقًا إلى شبكاتٍ عالميّةٍ مثل القاعدة.
وهكذا فالأصوليات المسيحيّة واليهوديّة تستقطبُ شرائحَ وسطى مثقّفةً دينيًّا أو علميًّا، من أساتذةٍ ومهندسين وأطباء، يقرؤون النصوصَ كما تُقرأُ المخطّطاتُ التقنيّة، أي كتعليماتٍ حرفيّة لبناء نظامٍ سياسيٍّ مقدّس. ولهذا نادرًا ما نجد فيهم حسًّا جماليًّا أو اهتمامًا بالشعر والرمز.
أما عن الزعمُ بأنّ الأصوليّة تقود حتمًا إلى العنف، أو ربط الأصوليات دوما بالاستخدام المفرط للقوة فهو أمر مرتبط بالسياق تحديدا. ففي العالم الإسلامي، يُنتِج ضعفُ الدولة أو استبدادُها حركاتٍ عنيفةً تحاولُ الحلولَ محلّها، كما فعلت طالبان أو الثورة الإيرانيّة، بينما في الغرب تتخذ الأصوليّة المسيحيّة شكلًا سياسيًّا محافظًا لا يلجأ إلى السلاح. ومع ذلك، تَميلُ السياساتُ الغربيّة إلى التعامل مع الإسلام الأصوليّ باعتباره تهديدًا وجوديًّا، إذ برّرت مثلاً إلغاء الانتخابات الجزائريّة عام 1991 بحجّة أنّ “الديمقراطيّة الإسلاميّة تعني تصويتًا واحدًا لمرةٍ واحدة”. لكنّ الواقع يُظهر أنّ أغلب الإسلاميين الذين يشاركون في البرلمانات الأردنيّة أو الإندونيسيّة أو الماليزيّة يمارسون العملَ السياسيّ السلميّ ويرفضون الإرهاب. إذن فالعنفُ الحقيقيّ ينفجرُ فقط عندما تتصادمُ الأصوليّات، كما في فلسطين بين المستوطنين اليهود والجماعات الإسلاميّة المسلّحة، أو في إفريقيا حين تتنافسُ المسيحيّة والإسلامُ على النفوذ.[14]
-
الأصولية والحداثة
في نهاية هذا البحث نريد أن نختم بثنائية ضدية لا زالت تثير العديد من الإشكاليات المرتبطة بمحاولة التوفيق بين حركة رجعية تعتمد في أسسها وبنائها المعرفي على الأصول والماضي، وبين الحداثة كمفهوم حديث يقطع مع الماضي، ويبني قيمه على ما وصل إليه العقل البشري في مجالات العلم والمعرفة، وما تم تحقيقه خلال رحلة الإنسانية من مكتسبات وتراكمات في مختلف الفروع المعرفية. وقد أشار إلى هذا التناقض والتضاد الحاصل في المفهومين جورج لورو Georges Leroux[15] في كتابه الأصولية والحداثة: الأديان التوحيدية الثلاث ومآزق العقلFondamentalisme et modernité Les trois monothéismes et les impasses de la raison Georges Leroux، وفق مقاربة توضح هذا التباين:
الأديان التوحيدية الثلاث ومأزق العقل:
يبين لنا جورج لورو بأن الإيمان في الأديان التوحيدية الثلاث أو ما يسميه بالتوحيديات، لم يكن يوما إيمانًا منفصلًا عن التاريخ. فموسى على جبل سيناء، ويسوع في الهيكل، ومحمد في المدينة، جميعهم صاغوا رؤيتهم للآخرة من خلال الفعل التاريخي ذاته. وهكذا تشكل فكرة التاريخ المقدس، كما بلورها أوغسطين في مفهوم “المدينتين”، إرثًا مشتركًا بين الأديان الكتابية، أو الأديان التوحيدية. لكن هذا الإرث الذي كان يفترض أن يكون سبيلًا للسلام، تحوّل إلى مصدرٍ دائمٍ للصراع بين اليهود والمسيحيين والمسلمين، رغم وحدة أصلهم الإيماني. فبحسب فلاسفة الحداثة والعقلانيين، يكمن في التوحيد ذاته بذرة العنف، لأن كل ديانة تسعى إلى احتكار الأصل الإلهي ونسبه إلى ذاتها.
يحاول جورج لورو في هذا السياق أن يبين لنا بأن عودة الأصوليات في عصرنا ليست سوى انعكاسٍ لعنفٍ أصلي نابع مما يسميه باحتكارية الأصل الإلهي. فهي تسعى من جهة إلى عزل تقاليدها عن غيرها، ومن جهة أخرى إلى تجميد النصوص المؤسسة وسلبها قدرتها التحررية والسياسية. وإذا كان التوحيد هو الشيء الجامع بين هذه الأديان الثلاث، فهو ليس مشكلة بحد ذاته، بل المشكلة في استحواذ الأصوليات عليه وتحويله إلى أداة للصراع.
سياسة الأديان
يواصل لورو تحليله لطبيعة الأديان الثلاث، إذ يرى في كتابه السابق بأن العودة إلى الأصول ليست مجرد عودة إلى حيث النقطة الأولى التي تمثل بالنسبة للأصولية نقطة الصفاء والنقاء، ولكن الأمر أعمق من ذلك بكثير، حين تغدو الأصولية تعبيرًا عن رغبة في مقاومة ما، وخوفا من الذوبان في حالة من السيولة تفرضها الحداثة كمنظومة عابرة للفكر والثقافة. كما يمكن فهم الأصولية أيضا من وجهة نظر أخرى على أنها محاولة لوقف كل قراءة تأويلية تسعى إلى كشف الأصل المشترك بين الديانات التوحيدية. فالأصولي من هذا المنظور يحاول تثبيت قيمه ومعاييره الخاصة في الفهم والتأويل، وإثبات استقلاليته ضد ما يعتبره خطرا في عالم مختلف ومتعدد. بهذا المعنى، تشكّل الأصولية الموقف النقيض تمامًا لروح النهضة الأوروبية التي جعلت من العقل سلطة عليا ومن التأويل سبيلاً للحرية، ومن الماضي وسيلة لمواجهة الحداثة، حيث يُعاد تنظيم الصراع في شكل تناقض بين السلطة والعقل. ولهذا، تُقدَّم الأصولية عادةً كوجه بدائي للسلطة، سواء كانت سياسية أو دينية.
إننا بإزاء تعارض ساهم في تشكيل فلسفة التسامح لدى مفكرين مثل بيير بايل وجون لوك، اللذان ارتأيا أن التسامح يمكن أن يشمل كل شيء ما عدا عدم التسامح نفسه، وهو ما يصعب من تأسيس الأصولية على أسس عقلانية، بل قد يجعل الأمر شبه مستحيل إن لم نقل مستحيلًا. فالحداثة لا تقبل سوى المواقف القائمة على العقل والحوار والتعددية، وترى في كل عودة إلى السلطة المطلقة انحدارًا إلى ماضٍ تجاوزه الفكر الحديث، وأصبح جزءا من منظومة فكرية مهترئة لم تعد تستطيع الصمود أمام قوة التيار الحداثي، بالرغم من المقاومة التي تبديها التيارات الأصولية التي تسعى إلى الاحتفاظ بسلطة النص ووسائل العنف التي يمنحها.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه حسب لورو نفسه هو: لماذا لا يستطيع الموقف الفلسفي للأصولية أن يستمر؟ ولماذا لا تواجه باسم الحداثة أو العقل الحديث؟ للجواب عن هذه الأسئلة يرى إرنست جيلنر أن السبب يعود إلى السياق ما بعد الحداثي الذي نعيش فيه، حيث لم تعد العقلانية تُمارس سلطتها المطلقة كما في زمن التنوير، بل تراجعت أمام نسبية جديدة جعلت كل المعتقدات تتعايش في “سوق” مفتوح للأفكار. فليس هناك معيار واحد للحقيقة، بل تعددية تمنح الأصوليات نفسها شرعية جديدة، لأن انسحاب العقل يفسح المجال أمام تصاعد ادعاءات الحقيقة المطلقة.
فجيلنر الفيلسوف والأنثروبولوجي البريطاني من خلال هذا المنظور، ومن خلال أيضا دراساته للمجتمعات الإسلامية القبلية، خصوصًا في باكستان، اهتم بالإسلام من منظور علمي لا سياسي، ناقدًا الأصولية انطلاقًا من رؤية علمانية تعددية. غير أن خلفيته الأنثروبولوجية لم تمنع أعماله الفلسفية أن تكون أكثر تأثيرًا، خاصة أنه كان متأثرا إلى حد كبير بالإبستمولوجيا البوبرية، حيث طوّر نظرية رائدة حول القومية جعلته يقف إلى جانب مفكرين كبار مثل إريك هوبسباوم. وهذا انعكس أيضا على كتابه الذي ناقش فيه الأصولية والعقل الحديث الذي كان في الأصل مشروعًا مشتركًا مع أحد الباحثين الآخرين، وحوارًا غير مكتمل بين العقل الغربي والعقل الإسلامي، ومحاولة لفهم معنى الدين في زمن ما بعد الحداثة، حيث تتقاطع أزمة الإيمان بأزمة العقل، ويصبح السؤال عن التعايش والتسامح هو جوهر الفلسفة المعاصرة.
الأصولية، العقلانية، النسبية:
يقودنا هذا المبحث ” الأصولية، العقلانية، النسبية ” حسب لورو إلى مقترح طرحه إرنست جيلنر، فهو يرى أنه داخل هذا التطور، انتقل الاستقطاب من استقطاب ثنائي موروث من العصور الوسطى كان نموذجه الصراع بين العقل والإيمان، إلى مخطط ثلاثي الأقطاب، موروث من القرن التاسع عشر، حيث يواجه العقل والإيمان طرفًا ثالثًا يمثل تناقضهما الخاص، وهو النسبية. في هذا النموذج الجديد، لا يمكن اختزال أي موقف إلى موقف آخر. فالنسبية التي تميز مرحلة ما بعد الحداثة ليست مبالغة في العقلانية، ولا تحقق القدرات الجوهرية للعقلانية بأي شكل من الأشكال؛ إنها شيء آخر، برنامج لم يقم به أي مفكر من المفكرين الكلاسيكيين.
كان هناك نوعا من التماهي بين العقل والإيمان في القرن الثامن عشر، لا سيما في مجال اللاهوت السياسي، وكان معظم الفلاسفة الذين مهدوا لقيام عصر التنوير – ومنهم جون لوك وبيير بايل – سيصابون بالذهول لو تصوروا أن موقفهم يمكن أن يُفهم على أنه يضع أسسًا للإلحاد أو حتى النسبية، خاصة بايل، الذي أقر بأن أي حجة عقلانية لا يمكن الدفاع عنها تحت ضغط الإيمان. لقد تمثل جهدهم في فصل مجالَي الفكر: الإيمان والعقل، الكنيسة والمجتمع المدني، في وضع أسس السلام السياسي، في تماه مباشر مع من سبقهم من فلاسفة التسامح مثل مايمونيدس أو مارسيل دي بادوف ونيكولاس دي كوز. بل إن نهجهم تجاه الأصولية كان يقوم على تعزيز المثل الأعلى للتسامح، الذي شكل بالذات نقدًا للأصولية، حيث ساهم هذا المثل الأعلى، في فهم الكيفية التي تصدت فيها العقلانية للأصولية، بالرغم من أن لهما قواسم مشتركة، لا سيما اليقين بوجود الحقيقة.
من هنا يتبين لنا حسب هذا الطرح الفكري أننا في الأصولية نجد أنفسنا أمام سلطة يمكن أن نسميها ب “سلطة النص” الذي تعتبرها الأصولية أساس العقيدة. وهذا يفترض عدة نتائج يمكن أن نلخصها فيما يلي:
- أولاً: يجب أن يكون تفسير النص المؤسس حرفيًا، لمنع أي تفسير أخلاقي أو روحي قد يفتح النص على تقاليد أخرى، أو على المصالحة مع العقل.
- ثانيا: هناك صلة جوهرية ومهمة في اليهودية والإسلام، بين المجال اللاهوتي والقانوني، فاستمرار العقيدة والقانون في أي أصولية صارمة تبرز أن أي عودة للقانون في أي أصولية تُقدم على أنه فتح للقانون.
لقد تبنت الحداثة تجاه العقائد الأساسية موقفًا يجمع بين النقد والتسامح في الوقت نفسه. وقد وجد العديد من الفلاسفة أنفسهم منسجمين مع المشروع المتساهل لجون لوك، أي الفكرة القائلة بتقليص الأساسي إلى جوهر أدنى للعقل، وترك كل معتقد مسؤولًا عن المحافظة على مجموعته العقائدية وصياغة قوانينه الخاصة. ولكن يجدر التذكير بأن هذا المشروع كان يتطور في ميدان اللاهوت السياسي نفسه، إذ أن كل ما يسحب من ادعاءات العقيدة الأساسية يُسند إلى الدولة. وكلما امتدّ الترويج لـ المثل الأعلى للتسامح، أصبح من الصعب أكثر على اللاهوت السياسي أن يضع أسسًا عالمية له.
هنا لا ينبغي أبدًا نسيان أن هذه النقاشات جرت بطريقة مباشرة وواقعية، خاصة في إنجلترا وهولندا؛ فقد اعترف التدريس المسيحي تدريجيًا بأن العقلانية قد غيّرت أساس الحياة السياسية في أوروبا، وأنها باتت تخفف بشكل جوهري من العقيدة المسيحية. بعبارة أخرى، إنّها نتيجة تاريخ طويل يتمثل في التخلي التدريجي داخل المسيحية الأوروبية عن المواقف الأصولية، خاصة تلك التي كانت أغسطينية في الأساس، والتي أسست لـ الثيوقراطية والملكية ذات الحق الإلهي.
بالمقارنة مع التقليد المسيحي، لا يمكن الحديث عن حداثة عقلانية في الإسلام. فكلما تعمّق اللاهوت الإسلامي، ابتعد أكثر عن المثالية العقلانية للاجتهاد التي كانت تميّز عصره الذهبي في العصور الوسطى. وقد أدت هيمنة المرويات التاريخية والثقافية على تفسير النص القرآني، وصياغة الشريعة بواسطة السلطة، إلى تهميش المثالية الجماعية العقلانية وتقليص دور الفلسفة نسبيًا. مع ذلك، يُعطي جيلنر أهمية معينة لعواقب عصر التنوير على تطور الأصولية الدينية. ففي أوروبا، لم يتم القضاء عليها تمامًا. فبرنامج الأصولية كان على الأرجح غير قابل للتطبيق، وأدى إلى عدة تخفيفات وتلطيفات، لا سيما في القرن التاسع عشر: فإذا كانت العقلانية متميزة فعليًا عن الإيمان، فلن تتأثر بالعبثيات أو التناقضات المنطقية التي تحتويها الأديان. وقد تجسد هذا المعنى في شعار credo quia absurdum لتيرتليانوس أي أؤمن لأنه عبثي، كما يوجد عند كيركيغارد: الإيمان التزام وتفانٍ.
هنا تظهر أحد السمات الرئيسية لكل أصولية، فهي ترفض رفضًا قاطعًا كل حداثة، أو محاولة تفسيرية أو تأويلية تهدف إلى مصالحة النص العقائدي مع قناعات العصر. وخير مثال على ذلك النقاشات حول فكر داروين في الولايات المتحدة، فبينما يرى كيركيغارد أو المؤمنون المعاصرون أن النص التوراتي أو الكتابي لا يتعارض مع الاكتشاف العلمي، لأنه يمثل من جهة تعبيرًا رمزيًا عنه، يرفض الأصولي أي نوع من الوساطة الرمزية أو التأويلية. هكذا شكّل مسار العلمنة المعاصر معارضة الأصولية للعقلانية، بقدر ما سلك العمل العقلي مسالك التأويل وأسهم في جميع الحلول الوسط الحداثية التي بدأ القرن التاسع عشر في تطويرها.
- خاتمة:
لم تكن غاية البحث سوى الكشف عن أوجُه القداسة التي تختفي وراءها كل الأصوليات، ابتداء من الأصولية الإسلامية، إلى غيرها من الأصوليات الأخرى، خاصة تلك التي لازمت الأديان التوحيدية بالتحديد. إنه مسار كاشف، لكنه حقل من الألغام لأنه فضاء ملتبس وغامض لا يستطيع المرء أن يميز فيه بين الديني والثقافي، وبين النسبي والمطلق، وبين الإلهي والإنساني. ولكن مع ذلك فكل محاولة للبحث في العقل الأصولي تمنحنا على الأقل القدرة على إزاحة هذه البياضات التي تتركها حالة الجمود الفكري الذي تعيشه مجتمعاتنا في غياب تام للفعل النقدي، أو على الأقل ضموره وندرته في أحسن الأحوال. ولعل أهم ما يكشف عنه البحث هو هذا التماس الحاصل بين الديني والسياسي والثقافي، وأيضا الإقرار بأنّ العقل الأصولي ليس مجرد ظاهرة دينية عابرة، بل هو بنية ذهنية متجذّرة في الوعي العربي الإسلامي، تشكّلت عبر قرونٍ من تداخل النص بالسلطة، والقداسة بالهيمنة، والأصل بالجمود.
لم تبن هذه الذهنية بعيدا عن تصورٍ مثالي للتاريخ، يرى في الماضي نموذجًا مكتملًا لا يقبل المراجعة، وفي النص مرجعًا مطلقًا لا يُفسَّر إلا من داخله، بل انبنت أصلا على هذا التداخل حتى تديم سلطتها وهيمنتها على المخيلة الجمعية للإنسان المسلم عبر التاريخ. وهكذا تحوّل الدين من مجال للبحث عن المعنى إلى نظام مغلق للضبط والسيطرة، تُمارَس داخله آليات الحجب التي وصفها علي حرب، ويتكرّس فيه “الأصل” الذي حلّله علي مبروك بوصفه مركزًا يُعيد إنتاج نفسه في كلّ الحقول.
لقد حاولنا أن نبين في كل فقرة، وكل جملة، وكل كلمة أن الأصولية ليست إفرازا مباشرا للدين في ذاته، بل على العكس من ذلك هي طريقة غير مباشرة يُعاد بها توظيف الدين داخل بنى اجتماعية وسياسية وثقافية تُقدّس النصوص وتُحصّنها ضدّ النقد. وكأن الأصولية في هذا المقام تخاف من فقدان المعنى، والذوبان في الآخر، والخشية من فقدان الذات المهووسة بقيم الهوية والثبات. ومن هنا، فإنّ ما نسمّيه بـ«الجرح الأصولي» لا يختلف كثيرًا عن الجروح النرجسية التي تحدّث عنها داريوش شايغان، فهو جرح في صورة الذات وفي قدرتها على التكيّف مع تحوّلات العالم.
في المقابل، ومن خلال البحوث التي أجراها العديد من الباحثين الغربيين بخصوص الأصولية، ومن خلال منهج مقارن، يتبين بأن الأصولية تتجاوز الإسلام إلى غيره من السرديات الكبرى، سواء مع الأديان التوحيدية، أو مع غيرها من الديانات الشرقية، أي أنها ليست شأنًا إسلاميًا خالصًا، بل هي تعبير عما سمي في الثقافة الإسلامية والمسيحية بأزمة العقل والنقل، أو الإيمان والعقل، وبين المطلق الإلهي، والنسبي البشري، بين الحاجة إلى المعنى ورغبة التحرر منه. وقد تبين هذا الأمر بشكل أوضح في الصراع الحاصل بين الأصولية والحداثة، ففي الوقت الذي كانت فيه الأصولية تقاوم المد الحداثي، كانت الحداثة بدورها تحاول ترويض المقدّس داخل حدود العقل.
الخلاصة هي أننا أمام هذا المأزق الأصولي العابر للأديان لا نملك أن ننفي الدين ولا أن نمجد في المقابل الحداثة، بل علينا أن نعيد تأسيس العلاقة بينهما على قاعدة العقل النقدي والتأويل الخلّاق، الذي يعيد للإنسان مركزه بوصفه صانع المعنى لا أسيره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قائمة المصادر والمراجع:
[1] – داريوش شايغان. ما الثورة الدينية الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة. ترجمة محمد الرحموني. دار الساقي،ط1،2004. ص: 118.
[2] – المرجع نفسه. ص: 119.
[3] – علي، مبروك. ما ورأء تأسيس الأصول. مؤسسة هنداوي،ط1،2022. ص: 15.
[4] – المرجع السابق.
[5] – علي، حرب. نقد النص. المركز الثقافي العربي،ط4،2004. ص: 16.
[6] – روجيه، كايواه. الإنسان والمقدس. ترجمة سميرة ريشا. المنظمة العربية للترجمة،ط1،2019. ص: 35.
[7] – علي، مبروك. المرجع السابق
[8] – الجابري، محمد عابد. العقل السياسي العربي محدداته وتجلياته. مركز دراسات الوحدة العربية،ط4،2000. ص: 79.
[9] – عبد الرحمن، بن خلدون. المقدمة. ملف PDF
[10] – روجيه، كايواه. المرجع السابق. ص: 36.
[11] – فريتس، شتيبات. دراسات عن الإسلام والمسلمين. ترجمة عبد الغفار مكاوي. مؤسسة هنداوي،ط1،2022. ص: 77.
[12] Fundamentalism When Religion becomes Dangerous The WEA Global Issues Series Editors: Geoff Tunnicliffe, Secretary General, World Evangelical Alliance Thomas Schirrmacher, Director, International Institute for Religious Liberty and Speaker for Human Rights of the World Evangelical Alliance P 9/12
ويرجى النظر أيضا إلى Les fondamentalismes entre religion et politique Jean-François Mayer Pierre d’Angle (Aix-en-Provence), N° 3, 1997, pp. 47-62
[13] Ibid
[14] Le fondamentalisme Réponses à quelques questions R. Scott Appleby, Martin E. Marty Dans Le Débat 2002/3 n° 120, pages 144 à 151 Éditions GallimardHaut du formulaire
Les fondamentalismes entre religion et politique Jean-François Mayer Pierre d’Angle (Aix-en-Provence), N° 3, 1997, pp. 47-62
[15] Fondamentalisme et modernité Les trois monothéismes et les impasses de la raison Georges LerouxVolume 13, numéro 1, automne 2002 Horizons philosophiques