تكوين
لعل الاشتباكَ المعرفي مع مفهوم دينامية النص القرآني في لحظة التنزيل، يستحق التوقف عنده مرارًا، بوصفها -أي لحظة التنزيل- تُتيح استكشاف أبرز ملامح النص، وتكشف عن الآليات التي سعى بها الأولون في فهم القرآن ضمن أفق تفاعلي وتحليلي منفتح على التاريخ.
ويمكن القول إنّ القرآنَ في زمن النبي، لم يكنْ محض نصٍ مكتوب ثابت المظهر الخارجي كما نقرأه اليوم، بل كان خطابًا حُرًا نزلَ وتكوَّنَ ضمن مواقفَ تواصليةٍ بين النبي وصحابته، تأثر فيها القرآنُ بوصفه خطابًا بالسياق التاريخي، وأسباب النزول، وكذا طبيعة المتلقي. بمعنى أنّ النصَ كان جزءًا من فعل تواصلي حي؛ يُتلى على يد النبي، ويُفهم في مقامه، ويخاطب واقعًا اجتماعيًا وسياسيًا محددًا، ما يجعل حيوية النص ناتجة عن تداخله مع الخطاب التاريخي وظروف المتلقي البشري.
أطلقة النص إذا تخاصم مفهوم الخطاب
من هذا المنطلق، بدأ المفكر الراحل علي مبروك أسئلته المركزية حول القرآن من قضية الأطلقة وعلاقتها بالسياسة، وهو ما يضع النصَ ضمن إطار التحديدات الإنسانية، انطلاقًا من اللغة. فعنده، تُعَدُّ تحولات الوضع الإنساني الأساس المنطقي للانتقال من لحظة إلى أخرى في تركيب ظاهرة الوحي؛ أي أنّ تنزيل الوحي داخل لغة ما، ينطوي على تحديده بهذا النظام الكامن. إضافة إلى ذلك، فإنّ كون الوحي يُمَثِّلُ حوارًا مع واقع المخاطبين به، يكشف عن مدى ارتباطه بالتاريخ الحي الذي يعيشه المتلقي بالفعل، وهذه الرُوح التي تُخاصم الأطلقة وتناهضها، وترفض رؤية الوحي محض أصل يُنتج الأطلقة لتكون آليةَ تفكيرٍ، تقتضي التمييز بين المطلق الإلهي، الذي انفتح بوحيه على البشر تفكيرًا وتاريخًا، وبين فعل الأطلقة، بوصفه آلية يسعى بها البعض في إخضاع كل ما يدخل في تركيب التجرِبة البشرية إلى نظام شامل، يتجاوز التحديدات الإنسانية للتفكير والتاريخ. وهو ما أدركه الجيل الأول من المسلمين وطبقه في التعامل مع النص القرآني. (مبروك، 2015).
هذا الطرحُ ربما يتقاطع منهجيًا مع قراءات حداثية أخرى للنص القرآني، بوصفه نصًا تاريخيًا مُنتجًا لأطر ثقافية واجتماعية، ما يؤكد مركزيةَ البُعد التفاعلي للتجرِبة القرآنية في لحظة التنزيل؛ ما يعني ضرورة اعتماد إطار تأويلي ولُغوي يُميز بين المطلق الإلهي من جهة، وآليات العرض من جهة أخرى، وهي الآلياتُ التي تُتيح إنتاج معانٍ بشرية تخدم الغرض التواصلي الحيوي للنص. وبناءً عليه، فإنّ فهمَ القرآن يتطلب إدراك صيرورته التاريخية، وليس الاقتصار على صورته الخارجية الثابتة فقط.
وتضعنا رواية عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم أمام إشكال معرفي، يفضي في نهاية الأمر إلى مقاربة أكثر موضوعية مع معنى حيوية النص. تقول الروايةُ إنّ عمر بن الخطاب سمع هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان بطريقة تختلف عن تلك التي كان النبي يقرأها، فاستوقفه وأحضره إلى النبي. فأذن له النبي بالقراءة، وأكد أنّ ما قرأه هشام هو كما أنزل الله القرآن، قائلًا: “هكذا نزلت”. ثم أمر النبي عمر بالقراءة فأكد أيضًا صحة قراءته قائلا: “هكذا نزلت”. وأوضح النبي أنّ القرآنَ أُنزل على سبعة أحرف، ويجوز قراءة كل ما يتيسر منها. كما ورد في حديث ابن عباس أنّ جبريلَ عَلَّمَ النبيَ القرآنَ على حرفٍ واحد، فكان يراجع ويزيده حتى أكمل النبي عليه الصلاة والسلام تعلمه على سبعة أحرف (أبو داود، 2009).
وعليه، يُمكن فهم عبارة “نُزِّلَ على سبعة أحرف” ليس فهمَ تقييدٍ صرفٍ لحروف كتابةٍ ثابتة، بل فهمَ مؤشّرٍ على إمكان التنوع الصوتي/اللُغوي في القرآن، والمرونة الخطابية في سير التلقي. أي سبعة أحرف تعكس مجالات لتنوع أداء القراءة والاستعمال التداولي للنص، ما يعني رصد تعدد أنماط العرض والتلقي، ما يُشير إلى التعدد التداولي للقراءات، وهو ما يُعيد تأويل الدلالة من زاوية نظرية جديدة، تبيّن علاقة هذا التعدد بالحرية الخطابية في زمن الوحي.
ويتوقف علي مبروك طويلًا، عند المأزق الذي تؤول إليه أطلقة اللغة، الذي ينبع مباشرة من أطلقة الدلالة، بوصفها تفسيرًا لحقيقة أنّ من يذهبون إلى أطلقة اللغة حرفًا وصوتًا ورسمًا، هم من يقرؤون القرآن على أساس الدلالة الظاهرة أو نص التنزيل فقط، دون تأويل أو تفسير. فكون اللغة مُطلقة يستلزم بالضرورة أنْ تكونَ الدلالة التي تتماهى معها مطلقة أيضًا، إذ إنّ التأويلَ والتفسيرَ مرتبطان بتصور للدلالة لا يُمكن أنْ يكونَ مطلقًا ونهائيًا، وهو تصورٌ يتطلب لغة مفتوحة، غير مطلقة، وغير مقدسة (مبروك، 2015).
مخطوطات صنعاء والتباين مع مصحف عثمان
في هذا السياق، مَثَّلَ اكتشافُ مخطوطات صنعاء القرآنية القديمة، في سبعينيات القرن العشرين، حدثًا علميًا بالغ الأهمية في دراسة تاريخ النص القرآني. حيث عُثر على آلاف الرقاع والمخطوطات القرآنية، ضمن مكتشفات جامع صنعاء الكبير عام 1972، في أثناء أعمال الترميم. من بين هذه المخطوطات مخطوط فريد يُعرف بـالرقيم الصنعاني (صنعاء 1)، وهو مخطوطٌ باليمبست (أي أعيد الكتابة عليه بعد محو نص سابق). (Sadeghi, 2012).
تظهر في هذا الرقيم طبقتان من النص القرآني: نص علوي (متأخر) ونص سفلي (أقدم) مُحِيَ ثم كُتب فوقه النص الجديد. وقد تبيَّن للباحثين –باستخدام الأشعة فوق البنفسجية وتِقْنيات تحليل الصور– أنّ النصَ السفلي يحتوي على اختلافات مُهمة مقارنةً بمصحف عثمان المعياري. ليس فقط في رسم بعض الكلمات أو تهجئتها، ولكنْ حتى في ترتيب السور، فقد اتضح أنّ ترتيبَ السور في النص السفلي، لا يُطابق أي ترتيب معروف للمصاحف اليوم. (2021 Éléonore,).
أثار هذا الكشفُ جدلًا بشأن تطور جمع القرآن ونقل نصه في بدايات الإسلام، وطرح أسئلة عما إذا كان ترتيب السور وتنقيط الكلمات، قد استقر بصورة نهائية في عهد متأخر عن فترة نزول الوحي.
وأجرى باحثون غربيون وعرب دراسات مستفيضة على مخطوطات صنعاء، منهم غيرد بوين الذي لفت الانتباه إلى القراءات والرسم المختلف في هذه المخطوطات. وكذلك قدم الباحثان بهنام صادقي ومحسن جودارزي دراسة رائدة عام 2012، نُشرت في مجلة دير إسلام الألمانية. وأعادا فيها بناء ما أمكن من النص السفلي للمخطوط، ومقارنته بالرسم القياسي. وتوصَّلت هذه الدراسةُ إلى نتائجَ بالغة الأهمية؛ منها أنّ جمع أجزاء السور وترتيبها في المصحف، تمَّ قبل عهد الخليفة عثمان على الأرجح. فقد لاحظ الباحثان أنّ النصَ السفلي يحتوي على مقاطع قرآنية مرتبة ضمن سور ترتيبًا مختلفًا، مما يدل على أنّ عمليةَ تكوين السور (أي ضم الآيات في سور وإقرار تسلسلها النهائي) ربما حدثت في وقت سابق لما ترويه بعض الروايات التقليدية عن الجمع العثماني. بعبارة أخرى، تُشير المقارنة بين النص السفلي في صنعاء والمصحف القياسي، إلى أنّ بِنية النص القرآني مرَّت بمراحل تحرير وجمع تدريجية في حياة النبي، أو في عهد مبكر جدًا بعد وفاته، وليس فقط في زمن عثمان بن عفان. وقد وصف صادقيُ هذا المخطوطَ بأنّه
“أهم وثيقة موجودة حاليًا لتاريخ القرآن المبكر”
إذ يُمثل نسخةً من تقليد نصي مُغاير قليلًا عن النص العثماني، مما يوفر نافذةً فريدة على حالة القرآن في طور ما قبل النسخة الموَحَّدة. (Sadeghi, 2012).
إحدى أبرز الخصائص التي كشفتها مخطوطات صنعاء هي التبايناتُ اللُغوية؛ فعلى سبيل المثال، وُجدت كلماتٌ مرسومة بطريقة إملائية مختلفة، مثل اختلافات في إثبات الألف أو حذفها، مقارنة بالرسم العثماني القياسي، وكذا بعض الكلمات. كما خلت هذه المخطوطاتُ القديمة تمامًا من علامات الإعراب والتنقيط، ما يعني أنّ القارئَ الأول كان يعتمد على حفظه وفهمه للسياق؛ لتمييز الحروف والكلمات المتشابهة رسمًا.
ولعل هذا يُسلِّط الضوء على جدلية البناء اللُغوي والسياق التاريخي لتدوين القرآن، إذ يَظْهَرُ النصُ القرآني في هذه المرحلة المبكرة ظهورَ البِنية النصية المفتوحة نسبيًا على احتمالات قراءات متعددة، وكان السياقُ وقراء الصحابة هم الضمان لفهم المراد الصحيح.
وربما يعكس اختلافُ رسم بعض الكلمات لهجات القبائل، أو اجتهاداتُ كُتاب الوحي الأوائل، في ظل غياب معاييرَ إملائية موَحّدة آنذاك. كما قد تحمل بعضُ الاختلافات دلالاتٍ تفسيريةً؛ فمثلًا إذا وُجدت زيادةٌ أو نقص حرف في كلمة، فقد يُشير ذلك إلى طبقةٍ تفسيرية أضافها الناسخُ، أو إلى تطور في طريقة النطق.
تأثر السياق التاريخي بترتيب السور
أبرزت الدراسات حول الرقيم الصنعاني أيضًا دور السياق التاريخي في ترتيب بعض السور؛ فالنص السفلي للمخطوط يُظْهِرُ ترتيبًا للسور لا يُماثل الترتيبَ الحالي، ولا ما روي عن مصحف ابن مسعود أو أبي بن كعب، ما يوحي بأنّ فكرةَ وجود ترتيب واحد ونهائي، ربما تبلورت على مراحل. وكل هذا يُعزِّز الفرضية القائلة بأنّ ترتيبَ السور اجتهاديٌ، وليس توقيفيًا عند كثير من العلماء.
كما أنّ وجودَ سورة أو أجزاء سورة في المخطوط السفلي، بترتيب مختلف، يدل على أنّ جمعَ القرآن مرَّ بمرحلة تمَّ فيها ضم الوحدات النصية الأقصر، إلى سور أطول لاحقًا. وقد أشار صادقي وكودرزاده إلى أنّ مقارنةَ المخطوطات القديمة بالقرآن الحالي، سمحت بحسم جدل تاريخي حول زمن جمع السور؛ فبينما ذهب البعضُ إلى أنّه تمَّ في عهد عثمان حوالي سنة 30هـ، تشير أدلةُ المخطوط إلى أنّ جمعَ السور سبق ذلك العهد. (Sadeghi, 2012).
ومن الجوانب التِقْنية المثيرة للاهتمام أيضًا، نتائج تحليل الكربون المشعّ لرقائق المخطوطات. فقد أُجريت فحوصٍ بتاريخ 2007 على عينات من ورق المخطوط السفلي، وجاءت النتائج لتقدِّر عمر الورق بما يقع بين 578م و669م بنسبة ثقة 95%، وبعض أوراق المخطوط أعطت تاريخًا أقدم (حتى بدايات القرن السادس الميلادي) ممّا قد يُشير إلى إعادة استخدام الرقوق القديمة، أو إلى وجود فروق في تركيبة العينات. لكنْ على أي حال، تأكّد أنّ هذه المخطوطاتِ تعودُ إلى النصف الأول من القرن الأول الهجري، أي إلى حقبة قريبة جدًا من فترة نزول القرآن وجمعه الأول. (Sadeghi, 2010).
كل هذه النتائج تعني أنّنا أمام شاهدٍ نصي تاريخي مباشر، يقارب عمره أربعة عشر قرنًا، وينقل إلينا صورة عن القرآن في مراحله الأولى، قبل اكتمال صيغته النهائية المتداولة اليوم، وربما يكون هذا الكشف مؤشرًا على وجود “نُسخ قرآنية” مبكرة موازية للنص القياسي، لكنها اندثرت مع الوقت، بعدما أقرَّ المسلمون نصَّ المصحف العثماني.
وعليه تؤكد النتائجُ أنّ القراءةَ القرآنية تعددية منذ بدايتها، عن طريق القراءات السبع أو العشر المتواترة، وما المخطوط الصنعاني إلّا شاهد على بعض هذه التعددية النصية المشروعة، ضمن الإطار القرائي القديم. كما تؤكد تلك المخطوطات الكيفية التي انفتح بها النصُ على الأفهام المختلفة، بوصفه خطابًا يتماهى مع لغة المتلقي ومعارفه.
ويمكن القولُ إنّ جدليةَ البناء اللُغوي والسياق التاريخي التي تبرزها مخطوطات صنعاء، تتجلى في أسئلة مثل: كيف أثر غياب الشكل والتنقيط في فهم النص في صدر الإسلام؟ وكيف تفاعل الصحابة مع نص يحتمل أكثر من قراءة قبل ضبطه النهائي؟ وهل كان ترتيب السور اجتهادًا بشريًا مُنظَّمًا في عقود الإسلام الأولى؟
وتعطي مخطوطاتُ صنعاء إشارات إلى أنّ المسلمين الأوائل تعاملوا مع القرآن تعاملَ نص أقل تِقْنينًا في رسومه وترتيبه، واعتمدوا اعتمادًا أكبر على الحفظ الجمعي والسياق في تلاوته. ومع الزمن، ومع مشاريع الجمع والتنقيط والتشكيل، انتقلنا إلى نص موحَّد مضبوط كما بين أيدينا.
وخلاصة الأمر، أنّ مخطوطاتِ صنعاءَ القرآنية أسئلةٌ ثرية عن تاريخ القرآن المبكّر، مؤكدةً أهمية دراسة البناء اللُغوي للنص في سياقه التاريخي، لفهم عملية تطور تدوينه. ذلك أنّ النصَ القرآني (بوصفه خطابًا) لم ينزلْ مطبوعًا في مصحف دفعة واحدة، بل مرَّ بمرحلة انتقال من الشفاهية إلى الكتابية، ومن التنوع اللهجي إلى الرسم الموحد.
في ضوء ما سبق، يُمكن القولُ إنّ اللغةَ المقدسة، بوصفها لفظًا وحرفًا وصوتًا من الله، لا يُمكن أنْ تكونَ ساحةً لتعدد الدلالات؛ إذ لا يُمكن أنْ تتجاوزَ الإشارة إلى قصده الثابت، الذي لا يخضع للتباين أو الاختلاف. ومن ثم، فإنّ القولَ بأزلية الدلالة يستلزم القول بوَحْدتها، وعدم تعددها، وما يترتب على ذلك من تثبيت التصور السلطوي للدلالة، الذي تصبح فيه الدلالةُ مرهونةً بالسلطة أكثر من كونها فضاءً مفتوحًا للتأويل والفهم التاريخي.
ضمن هذا الأفق المعرفي، طرح علي مبروك رؤيته لمفهوم القرآن الحي، على أنّه يشير إلى خطاب تاريخي-لُغوي متفاعل، يتجاوب مع الظروف والسياقات والألسنة والذوق الجمعي في لحظة النزول؛ وليس نصًا جامدًا بمعزل عن متلقيه أو تاريخه. ويشدّد علي مبروك على أنّ الحريةَ التي اتسم بها الخطاب القرآني في زمن الوحي، تُعد عنصرًا جوهريًا في حيويته واستمراريته التأويلية.
ويمضي علي مبروك في تحليل الكيفية التي حظي بها الشافعية في الفقه، والأشعرية في العقيدة، بأعلى درجات التعالي المعرفي في ثقافة الإسلام، عن طريق ما يصفه بالاصطفاء الإلهي/النبوي الذي وضعهما في مقام كاد أنْ يجعلهما متلقيين للوحي. وقد تحقق هذا التعالي عبر آليات مزدوجة: أولًا، عن طريق ما قام به الآخرون من تعالي خارجي عبر حشد الروايات والاستدلالات التي تجعل منه موضوعًا مباشرًا للاصطفاء والتمييز من جانب مراكز السيادة العليا (الله والنبي). ثانيًا، عبر ما يقوم به الشخصُ نفسه من تعالي على الأصول التي يشيد عليها بناءه الفقهي، بطريقة تكتسي بها هذه الأصول رداء المفارقة والتقديس، بمعزل عن الشرط الإنساني الذي يدخل في تكوينها وفهم معناها. وقد هيمنت هذه المنهجيةُ على تفكير الشافعي في النص القرآني، إذ قامت طريقته على عزله الكامل -أي النص- عن مُجمل الشرط المحدد، ليس فقط في عمليات فهمه للنص، بل أيضًا في سيرورة بناء الفقه نفسه، ممّا يعكس نوعًا من التعالي المعرفي الذي وضع النص في مقام شبه مستقل عن التجرِبة الإنسانية والاجتماعية التي ينتمي إليها (مبروك، 2015).
لقد أدّى جمعُ المصحف بوصفه ثباتًا شكليًا وخطيًا، إلى تثبيتٍ خارجي للنص الذي كان أكثر مرونة في العرض والتلقّي الشفوي، ومن ثمَّ قيَّدَ حركة النص بوضعه في شكل كتابي موحّد أحادي القالب. هذا التقييد كانت له آثارٌ منهجية جعلت النص أقل قدرة على الانفتاح على سياقات جديدة، بل وأدى إلى تقديس الخط والكتاب، وإغلاق المعنى، فقد كانت عملية الجمع لحظة مفصلية أوقفت الوجوه التداولية للقراءة، الأمر الذي قوض فهم النص بوصفه خطابًا تاريخيًا متحرِّكًا ومتفاعلًا.
ويمكن القول إنّ القرآنَ، مثل كل النصوص الكبرى، يُمثل نقطة التقاء بين البعد التاريخي المحدّد جزئيًا، والبعد المتجاوز بشموله وكليته. فإذا كان البعد التأسيسي يشير إلى القيم الكبرى والشاملة، فإنّ البعدَ الإجرائي يتمثل في التحديدات الجزئية التي تحقق هذه القيم عمليًا.
إنّ فهمَ منطق ظاهرة الوحي لا يتحقق إلّا عن طريق الإحاطة بتاريخ الظاهرة إحاطةً شاملةً، إذ يظهر الطابع الإنساني المرتبط بالأصل الذي نشأت منه الظاهرة، والذي يعود إلى لحظة فردوسية أولى عاش فيها الإنسان وعيًا بالله. ومع تعذر العودة إلى هذه الحالة بسبب النزوع إلى التعالي بالمطلق والانفصال عن الله، طوّر الإنسانُ وسائلَ استعادة الاتصال، وكان الوحيُ أبرزَها. ويؤكد مبروك أنّ الوحيَ بوصفه ظاهرةً تاريخية لم يَظْهَرْ مكتملًا دفعة واحدة، بل تطور عبر مراحل زمنية طويلة ومن داخل لحظات جزئية متتابعة، يحكمها منطق يمنحها المعقولية وقابلية التفسير. (مبروك، 2015).
ومن ثم، فإنّ تنوعَ صور الوحي على مر التاريخ الإنساني يعكس مواقف عقلية وتاريخية مختلفة للمخاطبين، ويمنع فرض صورة سابقة على وضع لاحق أو العكس. ويخلص إلى أنّ القابليةَ للتجاوز جزءٌ أساسي من تركيب ظاهرة الوحي، يمكن بها دخول الإنسان، وعيًا وواقعًا، في تركيب الظاهرة، سواء على المستوى العام أو الخاص، ومن ثم، فإنّ الصورَ المتنوعة للوحي لا تسبق المعرفة الإلهية المطلقة، ولا تستنفذها، بل تُعد تمثيلاتٍ نسبيةً لها ضمن التجرِبة الإنسانية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
-مبروك، علي. (2015). نصوص حول القرآن: في السعي وراء القرآن الحي. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ص ص 13-15.
-السجستاني، أبي داود (2009). السنن، تحقيق شعيب الأرناؤوط، دار الرسالة العلمية، ص1475.
-مبروك، علي. (2015). مرجع سابق، ص37.
-Sadeghi, Behnam- Goudarzi, Mohsen (2012). Ṣan‘ā’ 1 and the Origins of the Qur’ān, March 2012, Der Islam 87(1-2):1-129. Pp.8-9.
-Éléonore, Cellard (2021). “The Ṣanʿāʾ Palimpsest: Materializing the Codices”. Journal of Near Eastern Studies. 80 (1): 1–30. doi:10.1086/713473. S2CID 233228467.
– Sadeghi, Behnam- Goudarzi, Mohsen (2012). op, cit., pp.37-39
-Ibid., p.40.
-Sadeghi, Behnam; Bergmann, Uwe (2010). “The Codex of a Companion of the Prophet and the Qurʾān of the Prophet”. Arabica. 57 (4). Leiden: Brill Publishers, p. 348.
– مبروك، علي. (2015). مرجع سابق، ص ص 84-85.
-نفس المرجع السابق، ص ص 145-146.