كِفَاحُ مُحَمَّدٍ

مقدمة في تاريخ فلسفة الإسلام

– تمهيد: التساؤل الغائب حول الكتاب واللسان

يُنظَر إلى النبي محمد في السياق الإسلامي بطبيعة الحال باعتباره نبي الإسلام، ويُنظَر إلى دوره التاريخي في السياق نفسه بما هو ختام النبوة، وتتويجها النهائي، ومُوَحِّد الناس تحت “كلمة سواء”. ولكننا إذا تناولنا هذا الدور من منظور أشمل، وبالنظر إلى حركة التاريخ نفسها، ودوافعها، وما انتهت إليه حتى عصرنا هذا، فإننا سندرك أن أثره كان أكثر من ذلك، ليس فحسب من جهة الكم، بل من جهة الكيف. ومن هنا فإن التساؤل الأساسي لهذا المقال هو: ما طبيعة الدور التاريخي للنبي محمد من حيث مدى قدرته على دَفْع التاريخ، وصناعة مُحرِّكَات معينة لهذا التاريخ، على المستوى العالمي، لا الإسلامي فحسب؟

وهذا ليس سؤالاً علميًا بحتًا؛ أي أن الهدف من محاولة إجابته ليس مجرد طرح وجهة نظر جديدة، أو لفت النظر إلى زاوية فريدة. الهدف من هذا السؤال هو إعادة فهم مفهوم الإسلام نفسه من حيث دوره التاريخي-الاجتماعي-السياسي، وهو ما ينعكس على فهم المسلم لنفسه من حيث الدور نفسه. يفهم المسلمون الإسلام بما هو طريق إلى الله، أو الطريق بالألف واللام، ولكن مفهوم الإسلام يرتبط بالتسليم بالبداهة، تسليم الأمر لله من جهة امتثال المسلم لدوره في خلافة الله في الأرض، و”خلافة الله في الأرض” بدوره مفهوم تاريخي-اجتماعي-سياسي، وليس مجرد مفهوم ميتافيزيقي. صحيح أنّ له وجهًا ميتافيزيقيًا قارًّا في عقيدة كل مسلم، هو أن أداء هذا الدور “خلافة الله في الأرض” نفسه برهان على ألوهة الله، وعدله، وخيره، لكننا نلاحظ بالبداهة كذلك أنها خلافة “في الأرض”، لا في السماء، في الشهادة، لا في الغيب، في التاريخ، لا في السرمدية.

من وجهة نظر القرآن: قدَرُ الإنسان هو أن يصير صانعًا للتاريخ. ومع ذلك فالإنسان ليس خالقَ التاريخِ. لقد وَجد الإنسانُ نفسَه في خضمّ صيرورة، بدأت قبل وجوده، وقد تستمر من بَعده. وهنا نصل إلى طبيعة دور الإنسان من حيث هو صانع للتاريخ: دوره أن يدفع التاريخ في اتجاه معين، وأن يصنع له مُحرِّكَات معينة. من ثَمَّ نقطة الشروع على وجه الدقة في محاولة إجابة سؤال المقال: طبيعة كفاح محمد كشخص تاريخي، من حيث قدرته على دَفْع التاريخ، وتطويعه في اتجاه بعينه، وباعتبار ذلك دور الإنسان كخليفة لله في الأرض. فكيف، ولأيّ غاية كافحَ محمد؟

ليس هذا فحسب؛ فمن جهة أخرى هامة يمكن النظر إلى هذا السؤال بما هو دائر حول دور “الدولة الإسلامية” نفسها، أي بما هي “خلافة إسلامية”. والخليفة كمفهوم، وكمنصب سياسي في الإسلام، وكما هو معروف على نطاق واسع، هو خليفة رسول الله في حكم الدولة، ليس بما هو خليفته في النبوة، وليس كخليفة لله؛ فهو منصب سياسي بحت. فإلى أي مدى، وفي أي اتجاه يمكن اعتبار الخلافة الإسلامية، الدولة الإسلامية، مُحرِّكًا من محركات التاريخ في ضوء كفاح محمد الموصوف أعلاه؟ وإذا كان الدرس التاريخي المعهود على أيدي المؤرخين الأكاديميين، وكما يدرس في التعليم الجامعي، وقبل الجامعي، مركَّزًا حول التاريخ السياسي-العسكري، تاريخ قيام الدول، والإمبراطوريات، وزوالها، وبعثها، فإن هذه الزاوية، التي نحاول طرحها في هذا المقام، تتعلق على وجه الدقة بما يمكن تسميته بـ “فلسفة تاريخ الإسلام”، أي: محركات التاريخ كما نَقرأها من وجهة نظر الإسلام من جهة، وفي تاريخ الإسلام نفسه، ودوره في تاريخ العالم حتى اليوم من جهة أخرى. وهي زاوية بحث مختلفة عمّا هو معهود، تتجاوز الاختزال المُخِلّ الجاري في اتجاهين: فإما أن يدرس تاريخ الإسلام معزولاً عن محيطه العالمي، وهو اختزال التاريخ العالمي، وإما أن يدرس تاريخ العالَم بما فيه الإسلام دون فهم دور الإسلام الفعّال –كما سنرى- في إحداث نقلة تاريخية عالمية نوعية، وهو اختزال تاريخ الإسلام. ومع ذلك فهذا المقال ليس في التاريخ نفسه كمجال معرفي محدَّد، بل في فلسفة التاريخ بمعناها الدقيق، ومن هنا العنوان الفرعي للمقال. ولكن -من جهة أخرى- فالتاريخ كمجال معرفي محدَّد عبارة عن رواية، سردية معينة، بتعبير الدكتور خالد فهمي مثلاً المستنِد إلى طه حسين، تربط الأحداث المتوالية، والمتوازية، في نسيج بعينه. وعليه فهذا المقال يقدم سردية، تحاوِل نَظْمَ أحداث أساسية، ومحورية، في تاريخ الإسلام، وعلاقتها بتحولات جوهرية في تاريخ العالم منذ حقبة ما يطلق عليه الغربيون العصر الوسيط، وحتى عالَم اليوم.

عُهِدَ في دراسة تاريخ الإسلام المبكر على التركيز على بداية الدعوة السرية، ثم الجهرية، صعودًا إلى النقاط التحولية الفاصلة، أي غزوات الرسول، وخاصة غزوة بدر، التي –كما تقول المصادر الإسلامية- هَزمَ فيها ثلاثمائةُ مسلمٍ ألفًا من جيش المشركين، ومن ثَمّ تحول الإسلام من مجرد دعوة إبراهيمية إلى “دولة” يُحسَب حسابُها، ثم تطور الصراع حتى السيطرة على كل شبه الجزيرة تقريبًا، مع تطور موازٍ في الدعوة نفسها؛ فما كادت حدود دولة العرب-الإسلام تلامس حدود القوتين العظميين في ذلك العصر حتى وصلت الدعوة إلى رأس السلطة في كل من بيزنطة، وفارس. وهكذا وُلِدَ الإسلامُ كدين متوازيًا مع الدولة المتوسعة تدريجيًا، وتُوفِّيَ محمدٌ عن عمر ثلاث وستين سنة، والدولة مستقرة، وتشرع في مزيد من التمدد.

ومع ذلك نلاحظ بسهولة أن ذلك التأريخ –بالهمزة- يتجاهل أمرين في غاية الأهمية بالنسبة لأي مفهوم عن ميلاد الإسلام: الكتاب، واللسان. هذا التأريخ المعهود، والمنتشر، هو الأقرب إلى تاريخ نشأة الدولة، لا الديانة، باستثناء ما يتعلق بالوحي قبيل الدعوة السرية بطبيعة الحال. وهو لا يفيدنا بصدد مراحل التدوين، والجمع، والنقل التاريخي للكتاب بشكل عام، كما لا يفيدنا بشأن لغته (لسانه)، وأثره على لغته، والسبب في تحولها من لغة أقليةٍ مشتتة على أصقاع شبه الجزيرة إلى واحدة من أكثر لغات العالم انتشارًا كلغة أمٍّ اليوم.

بصدد الكتاب أولاً: لا يدرس طلاب المدارس، وحتى طلاب المعاهد الأزهرية، وكليات الأزهر تكوين الكتاب، المصحف، بما هو متضمِّنٌ للقرآن، على نحوٍ موسَّع، بحيث يوضح للدارس كيف تم التدوين، والجمع، على وجهٍ موثوقٍ، اللهم إلا بالنسبة لبعض طلاب الدراسات العليا، وذلك عرفناه بالبحث المباشر، والسؤال المباشر. القرآن هو الوحي المنزَّل على الرسول، والكتاب هو الوسيط المادي الباقي بين أيدينا حافظًا لهذا الوحي-القرآن المنزَّل على الرسول. وحين يُطابِق أحدهم بين القرآن، والكتاب، فهو لا يخلط بين المفهومين، إذا كان عليمًا بالفوارق بينهما، بل يقصد مطابقة ما في الكتاب لما في الوحي، أي أنه يستبدل في الواقع، وضمنيًا، مفهومَ ما في الكتاب بالكتاب. بعبارة أخرى: حين تتم مرادفةُ الكتاب بالقرآن، أو –بالعكس- الاعتراض على التفرقة بين الكتاب والقرآن، فإنها لا تستعمِل مفهومَ الكتاب كوسيط مادي، بل تقصد في الواقع مضمونه. الحصيلة: أن الفرق بين الكتاب أو المصحف من جهة، وبين القرآن أو الوحي من جهة أخرى حاضر بين المسلمين المختصين والدارسين، وأن التفرقة المفهومية لا تعني فرقًا بين الوحي المدوَّن، والمجموع، وبين الأصل الشفاهي المنقول عبر جبريل عليه السلام إلى الرسول. وبغض النظر عن هذه الإشكالية الجانبية فإن من الغريب، الذي لا يكاد يستغربه أحد، فيكون أمرًا غريبًا بدوره، من قِبَل الغريب المضاعَف: أي ما هو غريب، ولا يلاحظ أكثرية الناس كم هو غريب، أنّ الدارسين المختصين في العلوم الإسلامية لا يكادون يدرسون تاريخ الكتاب إلا في حلقات ضيقة، دقيقة التخصص، نادرة العدد، وأن عموم المسلمين لا يكادون يطرحون سؤالاً أصلاً بصدد هذا التاريخ. وبرغم ذلك فهذه حتى ليست الإشكالية الكبرَى. الإشكالية الكبرى هنا، ومن وجهة نظر الطرح الحالي، هي: لماذا جُمِع القرآن بعد وفاة الرسول، وبإلحاح من عمر، وعليّ على أبي بكر، رضي الله عنهم، كما نجد في “كتاب المصاحف” مثلاً لابن أبي داوود السجستاني؟ لماذا لم يجمعه الرسول بنفسه، وقد كان مدونًا، ومتفرقًا في حياته؟ ولماذا تركَ تلك الثغرة التاريخية المتمثلة في اختلاف المصاحف، حتى لو قلنا إن تلك الاختلافات لا أهمية كبيرة لها، كما توصل محمد عابد الجابري في “مدخله” إلى القرآن الكريم، وكما توصل كذلك تيودور نولدكه في “تاريخ القرآن”، حين استبعد أن تكون سورتا القنوت أصليتين من حيث أسلوب نظْم كلٍّ منهما؟ في الواقع نرى أن كلاً من الجابري، ونولدكه كان على حق فيما انتهى إليه، وأن المصحف العثماني بين أيدينا اليوم، والمتفق عليه بين كل المسلمين، سُنّةً كانوا أو شيعةً، لا يكاد يتطرق إليه الشك، اللهم إلا من باب الشكّ المنهجي المبدئيّ قبل الشروع في البحث، وخاصةً بعد الكشف عن نسخ أقدم؛ فأقدم نُسخ المصحف تعود إلى النصف الأول من القرن الأول الهجري. ولكن هذا كله ليس الإشكال الأساسي. الإشكال الأساسي كما قلنا: لماذا ترك الرسول محمد هذا الباب مفتوحًا أصلاً للنقاش، وكان بإمكانه جمْعُ المصحف، ووَسْمُه بختمه الأصليّ، بل كان بإمكانه على الأقل التوصية بجمعه عن طريق لجنة معينة منه شخصيًا؟ هل هناك معنى معينٌ وراء هذا؟

أما بصدد اللغة (والأصل في معنى اللغة هو اللهجة، أما ما نعنيه اليوم باللغة فالأصل فيه اللسان، بيد أننا نستعمل هنا المصطلح الدارج حاليًا): فهناك كما ذكرنا تساؤلات عن الأثر المتبادَل بين لغة القرآن، واللغة العربية، من حيث قدراتها التعبيرية، ومفرداتها، وما كان متداوَلاً بين العرب بالفعل في عهد النبوة من المفردات، والأساليب، وما كان غريبًا عليهم. مع ذلك فكل هذه التساؤلات، وسواها، وما هو أعمق غورًا منها، أو أوسع شمولاً، قد تم بحثها بالفعل في علوم مختلفة، كعلوم القرآن، والبلاغة، وعلم الكلام (بصدد قضية إعجاز القرآن)، وخاصةً ما تم بحثه في إطار نظرية النظم الاعتزالية، والتي انتقلت -فيما انتقل- من تراث المعتزلة إلى الأشاعرة، وإنْ تم توظيفه لأغراض مختلفة. غير أنّ سؤالاً واحدًا، لا يتعلق بنحو مباشر بتلك الإشكالات، ظل غائبًا، أو مُغيَّبًا، في هذا السياق، هو: لماذا تم فرض اللغة العربية كلغة وحيدة رسمية لدولة الخلافة، في عهد مبكر، حوالي سنة 80 هجرية، بينما لم يتم فرض الإسلام على رعايا تلك الدولة كديانة وحيدة رسمية؟ وقد أدى هذا الوضع إلى أنْ صار عدد المتحدثين بالعربية أكبر من عدد المسلمين في البلاد التي حكمها، والدول التي أسسها المسلمون. لا يتعلق هذا السؤال فقط بطبيعة اللغة، أو بمفهوم الإسلام، بل يشمل كذلك طبيعة مفهوم الدولة الإسلامية نفسها: فهي دولة عربية أولاً، وهي دولة متعددة الديانات ثانيًا. وهي نتيجة هامة، إذا ما قورنت بمفاهيم الإسلاميين عن الخلافة، بل بمفهوم عموم المسلمين اليوم عنها. باختصار، وبتطوير السؤال عن طريق الاختزال المنطقي: ما دور اللغة بالضبط في الإسلام؟ وما دور القومية بالضبط في حركته التاريخية؟

2- الفتنة الكبرَى والوحدة الكبرَى

هاتان الملحوظتان: 1- عدم جمع الرسول للمصحف، أو التوصية بجمعه على نحو محدَّد، 2-وتعميم استعمال اللغة العربية في العصر الأموي، هما اللتان يستند إليهما هذا المقال. وبرغم كونهما بسيطتين، وواضحتين، فلم نجد بحثًا قد تعرض لهما محاولاً نظْمهما في منطلق واحد، يمكن عن طريقه خلق سردية مختلفة للتاريخ الإسلامي، يمكن لها بدورها أن تكشف عن مبادئ فلسفة هذا التاريخ. لقد طرح نصر أبو زيد في “مفهوم النص” فرضية أن إيمان العرب بالإسلام كان مدفوعًا ببحثهم الدائم عن قومية توحدهم، وربط ذلك بكونهم قد توحدوًا قديمًا ضد الفرس في يوم ذي قار، وبأنهم عرفوا نبوات عربية سابقة على نبوة محمد. بيد أنه طرح ذلك كما قلنا “كفرضية” جانبية غير مختبَرة، ولم يربطها بطبيعة اللغة في القرآن ذاته، ولا بقضية جمع الكتاب، ولا تمثل عصبًا أساسيًا في “مفهوم النص” كدراسة على كل حال.

هذا “المنطلق المُوحَّد”، كما يمكننا تسميته، والقائم على الملحوظتين السابقتين، هو أن دعوة محمد الأساسية، “كفاح محمد” بعبارة أخرى، لم يكن التوحيد الديني، وإلا جمعَ المصحفَ بنفسه، بقدر ما كان التوحيد اللغوي-القومي.

وما يدل على ذلك حقيقتان تاريخيتان كبريان، الأولى واقعة في بداية الدولة الإسلامية، الخلافة، في القرن الأول الهجري، والثانية في القرن العشرين الميلادي. الحقيقة التاريخية الأولى هي أن المبدأ الذي وحد تلك الشعوب فعلاً لم يكن العقيدة، فقد أدت الانقسامات السياسية-العقدية إبّان ما يعرف في الأدبيات الغربية “بالحرب الإسلامية الأهلية”، والمعروفة في الأدبيات العربية “بالفتنة الكبرى” إلى انقسام المسلمين، وقتال بعضهم البعض. وأدت الانقسامات نفسها إلى تحزب الدول، والشيَع، والفرق، والجماعات الإسلامية بعضها ضد البعض، وأوضحها افتراق السنة والشيعة المعروف في الأدبيات الغربية بـ”الانقسام الشيعي-السنّي” Shia–Sunni Segregation. المبدأ الذي وحد تلك الشعوب فعلاً على أرض الواقع، وأرض المعركة كان اللغة، فقد وقع الانقسام العقدي الأكبر حتى اليوم بين المسلمين قبل انقضاء النصف الأول من القرن الأول الهجري، بينما بقيت نواة دولة قوية، تحولت إلى إمبراطورية في الفترة نفسها، ومن خلالها تم تعميم اللغة.

الحقيقة التاريخية الثانية: هي أن الدول العربية من الجزائر إلى العراق مرورًا بمصر والشام واليمن ودول الخليج البترولية عام 1973 قد توحدت في موقف واحد؛ بسبب اللغة، والدليل أن الدول ذات الأغلبية المسلمة الأكبر من أي دولة عربية في عدد المسلمين، كإندونيسيا، وماليزيا، وبنجلاديش، والباكستان، والتي انتشر فيها الإسلام السياسي كإيران (حتى قبل الثورة الإسلامية)، لم تتخذْ الموقف نفسه، ولم تقدم مساعدة يعتد بها للدول العربية في حربها ضد إسرائيل والولايات المتحدة لتحرير سيناء وهضبة الجولان. بل إن الدول العربية قد اتحدت بما هي عربية ضد دولة إسلامية، هي إيران، إلى حد إرسال مصر مساعداتها العسكرية للعراق في حرب الخليج الأولى في الثمانينيات، وبهذا استعادت مصر عضويتها في جامعة الدول العربية بعد تجميد دام عشر سنوات.

كل ما سبق يشير بقوة إلى أن كفاح محمد الأساسي كان لغويًا-قوميًا. وعلى نحو أعمق فإن الوحي الإسلامي وحي لغوي بالأساس، يخلو من الروح القدس، ومن الصوت المسموع، ومن الإله المتجسد التاريخي، ومن أي صلة أخرى بين السماء والأرض إلا اللغة، ولم يُتعبَّد به بلغات أخرى، رغم وجود فتاوَى تبيح التعبد بترجمته. وحتى كتابات الخميني، وابنه مصطفى كانت باللغة العربية، ومن أهم المراجع الشيعيين عرب، كمحمد تقي المدرّسي، ومحمد حسين فضل الله، أو كتبوا بالعربية مؤلفاتهم الأساسية في الأصول، كالكاظمي الخراساني صاحب الكفاية، ومحمد رضا المظفر، وغيرهم بالعشرات. وهو يدل على أن التوحيد اللغوي-الثقافي قد استمرّ، وتقدم على التوحيد العقدي في دور توحيد الشعوب في موقف معين، حتى اخترق الحدود العقدية بين السنة والشيعة، في حين أدت فكرة الهوية العقدية إلى الانقسامات، والحروب الدموية. وهي الفكرة نفسها التي لم تزل الجماعات الإسلامية، وإيران الإسلامية تحاول بعثها، بالأسلوب نفسه، وبالدموية نفسها. لا نقف هنا موقفًا معياريًا، بل نشير فقط إلى الوقائع التاريخية، ونحاول استخلاص سرديتنا المقدمة في هذا المقام. لا نقول إن التوحيد اللغوي أفضل، بل نقول إنه كان بالفعل في التاريخ المعروف، القديم، والحديث، التوحيد الأمضَى لظروف تاريخية معينة.

ولكن إلى أي حد تصدق الأطروحة؟ بعبارة أخرى: ما موقف القرآن نفسه من لغته العربية؟ هل استهدفَ القرآن نوعًا ودرجةً من التوحيد اللغوي، أم أن ظروفًا تاريخية معينة هي التي قد أدت إلى ذلك بالمصادفة، أو طبقًا لحتمية تاريخية معينة خارجة عنه؟

3- طبيعة اللغة في القرآن: الدعوة اللسانية

نعتقد أن القرآن نفسه قد استهدف التوحيد اللغوي، كأطروحة جوهرية، ويمكن تلخيص وضعية اللغة في القرآن في ثلاث علاقات: اللغة كوسيط، واللغة كنصّ، واللغة كوحي. يقول القرآنُ: {وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومه ليبيّنَ لهم}، وهو ما يعني أولاً: نفي أي قداسة أو وضعية خاصة للغة العربية. اللغة هنا مجرد وسيط؛ فلو كان محمد مبعوثًا للرومان، لنزل القرآن باللاتينية، ولو بُعثَ إلى اليونان، لنزل باليونانية. نزل القرآن بالعربية ليخاطب العرب بلغتهم، وليكوّن منهم نواةً فاعلةً. وكما هو كل تحديد سلب، فإنه يسلب من العربية بهذه الآية، وغيرها من الآيات بالمعنى نفسه، أي قدرات خاصة. ومن الأدلة القوية على مفهوم “اللغة كوسيط” أن القرآن تضمن ألفاظًا أعجمية، يستعملها العرب، ويألفونها. أي أن مفهوم اللغة في القرآن عائد على الاستعمال، أو التداوُل، كما هو حديثًا في نظرية الدلالة، القائمة على ثلاثة أسس: المعجم، والتركيب، والاستعمال أو التداوُل. وهي أبسط العلاقات الثلاث الموصوفة أعلاه.

أما “اللغة كنصّ” فهي أعقد تلك العلاقات. وهي تتعلق بالضرورة بالحروف المقطعة. وقد نشرنا بحثًا موقوفًا على هذه الظاهرة في مجلة “تأويليات”، العدد الرابع، هو “اللا مفسَّر القرآني”. لكن ما يتعلق منه بموضوعنا هو أن الحروف المقطعة الواقعة في تسع وعشرين سورة من القرآن تأتي سابقة، في ثمانية وعشرين موضعًا، بالكتاب، أو الذكر، أو القرآن، أو أسماء القرآن عمومًا، وخاصة الكتاب. وهو ما يدل على أن تلك المواضع لم تأتِ عبثًا، أو مصادفة. فما معنى هذا؟ ما معنى {ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه}، أو {ألمر. تلك آيات الكتاب}؟ في اعتقادنا أن القرآن يشير إلى كونه الكتاب العربي بالألف واللام، وأنه ينسخ ما قبله، ليس بمعنى نسخه للشرائع السابقة، فإن “شرع من قبلنا” في أصول الفقه يَهتدي بالشرائع السابقة فيما لا يخالف شريعة أو مبدأً في القرآن. النسخ هنا متعلق باللغة نفسها. القرآن ينسخ ما قبله أدبًا، وشِعرًا، وحكمةً، وكل ما كُتِبَ وقِيل قبله من نصوص بالعربية، بل حتى كلام العرب اليومي. البدء بالحروف المقطعة هو بدء باللغة ذاتها، من وحداتها الصغرى، هو “دَوْزَنَة” باصطلاحات الموسيقيين.

بدأ بيتهوفن –على سبيل المثال التوضيحي- سيمفونيتَه التاسعة بدوزنة، ضَبْط الآلات على نغمة واحدة لتوحيدها في حركة واحدة، وهكذا يفعل القرآن، يدوزن الحروف، اللغة بكل مكوناتها، صدورًا من وحداتها الصغرى، الحروف، كي تتجيَّش في حركة واحدة. ويظهر فعله الناسخ في صدوره عن أحرف مقطعة، ليست كلمات في ذاتها، ومع ذلك فلها تلك الدلالة الفريدة. ولنلاحظ أنَّ العرب كانوا يرادفون في سياق البلاغة بين الفصاحة والوحشية، الوحشية المقصود بها البداوة، وحال الفطرة.

تكتمل الصورة بسورة. نعني هنا سورة “القلم”. يقول: {ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}، وقد تم جرّ لفظة القلم بواو رُبَّ، أي أنه يقسم بالقلم. وهو القسَم الوحيد في القرآن بشيء من صُنْع البشَر. يقسِم الله تعالى في القرآن بالسماء، والملائكة، والخيل، والضحى، والفجر، والقمر، .. إلخ، وكلها من صنعه، إلا القلم فهو مِن صُنْع الإنسان. لا يقسِم هنا فحسب بالقلم، بل كذلك بما يسطُره القلم، باللغة ذاتها بصورة عامة، أو على الأقل باللغة المكتوبة بصورة خاصة. وهنا نصل إلى مفهوم “الدعوة اللسانية”، الذي يمثل جوهر كفاح محمد من زاوية هذا المقال. وهو الوجه الثاني لعملة “اللغة كنصّ“. ارتفعت هنا اللغة من كونها مجرد وسيط لنقل الأفكار إلى فاعلية لسانية-تاريخية. وليس القسم باللغة عبثًا؛ فإن اللغة هي التي صنعت الحاسب الآلي، والذكاء الاصطناعي الحالي. بالحاسب الآلي استطاع الإنسان مخاطبة الجماد ليفكر، ويقرر، ويفعل، وذلك باللغة الوحيدة، التي يمكن لجمادٍ، يخلو أصلاً من الجهاز العصبي، أن يفهمها، لغة الطاقة: شحنة، أو لا-شحنة، واحد، أو صفر، وهو ما يعرَف بلغة الآلة، الوحدات الصغرى للغة الطاقة. على النحو نفسه يلجأ القرآن إلى الوحدات الصغرى للغة البشر: الحروف، ويبدأ منها الكلام. من ثم يمكن بلورة مفهوم “اللغة كنص“، يعني اللغة ذاتها بقطع النظر عمّا هو منصوص بها، وذلك حين صارت للحروف المتفرقة، في سياق هذا النص الفريد، دلالة لغوية.

أما العلاقة الثالثة فهي “اللغة كوحي“. تعتمد هذه العلاقة على العلاقة السابقة؛ فإن كون القرآن بادئًا من وحدات اللغة الصغرى يعني كونه بليغًا بالضرورة، ليس بمعنى بلاغة البيان، الفصاحة العربية: مطابقة القول لمقتضَى الحالِ، والإيجاز، بل بمعنى وضعه لقواعد البلاغة ذاتها. والقرآن يتضمن أكثر من بلاغة. يمكن تلخيص هذه النقطة، التي تعرضنا لها في بحثنا المذكور أعلاه بتفصيل أكبر، في أن القرآن يتضمن بلاغةً مكية، تشترط فاعلية خيال المستمع، ومشاركته الإيجابية في تصور المعنَى، وذلك لتقريب صورة لا يمكن في حدود البلاغة “الكلاسيكية”، بلاغة الشعر الجاهلي، أن تقترب. وقد استُعمِلَت هذه البلاغة، التي أطلقنا عليها “البلاغة المكية” في وصف مشاهد القيامة، والبعث، والحساب، والحياة الأخرَى. يبدأ القرآن، بعكس الكتاب المقدس، بنهاية العالَم، لا بتكوينه، ومن هنا سبقت البلاغة المكيةُ البلاغةَ الثانية “المدنية”. هذه البلاغة الثانية “المدنية” تعتمد معايير البلاغة الكلاسيكية؛ إذ تُوظَّف في القرآن في المرحلة المدنية للتشريع، وللحديث عن وقائع معاصرة للتنزيل، حيث إن القرآن نزلَ مُنَجَّمًا كما هو معروف لملاحقة الحوادث الكبرَى في وقته. إن البلاغة المكية لا تصلح بطبيعة الحل؛ كونها معتمدة على التخييل، لوضع نصوص التشريع، أو للتدخل في الحدث المعاصر للتنزيل، فلا يمكن مثلاً توظيف المجاز في نص القانون، أو الدستور. من ثمَّ صارت لغة القرآن، العربية القرآنية إن شئنا تمييزها بهذا التعبير، وحيًا. هكذا تحركت اللغة من كونها وسيطًا محايدًا، “علمانيًا” إن شئنا التعبير، إلى كونها نصًّا، ثم كونها “وحيًا بلاغيًا”، وكل ذلك في إطار كون اللغة هي الصلة الوحيدة بين السماء والأرض في الإسلام. وفي سياق هذه العلاقة يمكن كذلك رصد أن القرآن قد تسبب في منح العربية “بلاغة نموذجية”، لا نجدها في اللغات الكبرى الحية اليوم. إذا أردنا ضرب المثل ببلاغة الإنجليزية لقلنا شكسبير، وبالنسبة للألمانية لقلنا جوته، مثلاً، أما العربية فهناك صيغة مقدسة غير بشرية لبلاغتها، وذلك بقطع النظر عن رؤية البلاغيين لبلاغة القرآن وغير القرآن، نعني هنا أننا نرصد ظاهرة قائمة فعلاً لدى العرب، بقطع النظر عن معاييرنا البلاغية.

على هذا النحو استطاع القرآن، عبْر كفاح محمد، أن يوحَّد الشرق بالغرب، مشروع الإسكندر الأكبر القديم، لغويًا، وبلاغيًا. وهو مشروع فريد من نوعه، ربما هو الوحيد في التاريخ، الذي لجأ إلى هذه الوسيلة للتوحيد، هذا الشكل المتفرِّد من العولمة اللسانية-البلاغية. ومن هنا يمكن لنا أن نفهم أنه كان من الطبيعي أن تظهر مدرسة لسانية في التفسير، مدرسة المعتزلة، التي أرست قواعد نظرية النظْم، وهي نظرية فريدة بدورها في تحليل قوانين تأليف اللفظ مع اللفظ، صعودًا إلى العبارة، ثم النص ككل.

4- القومية في الديانات الإبراهيمية وأثرها على التفسير

وقد أوضح محمد عابد الجابري في مدخله إلى القرآن الكريم كيف أن الوحي قد مر بثلاث لحظات متمايزات في الديانات الإبراهيمية الكبرى الثلاث: مرحلة الصوت المسموع في اليهودية، ومرحلة الشخص التاريخي المرئي في المسيحية، ومرحلة الوحي المقروء في الإسلام. بيد أن المنظور التاريخي الذي نوظفه يقتضي إجراء تعديلات على هذا التصنيف بالتركيز، بدلاً من تلك الخصائص الصورية، على فعل الديانة في التاريخ، والمعتمد على طبيعة الهوية، التي تخلقها لتجمع بها الناس تحت عنوان واحد: يمكن القول إن الوحي اليهودي قومية شعب معين، قومية الدم، والنسَب، غير القابلة للتداول الأفقي، بل قابلة فقط للوراثة الرأسية، كما اعتقد دارون بالضبط بشأن مسار حركة المورِّثات، ولذلك هي أقرب للطبيعة، وأقرب إلى حال العزلة، وإن الوحي المسيحي في المقابل قومية روحية، قومية الكلمة، بالمعنى الميتافيزيقي للفظ “الكلمة”، وبالتالي صارت تلك القومية قابلة للتداول على المستويين الرأسي، والأفقي، وهو ما ناسبَ طموح إمبراطورية كبرى ضمت الشرق والغرب كالرومانية. أما الوحي الإسلامي فهو قومية لسانية، قابلة للتداول على كل المحاور كالمسيحية، ولكنها لا تتبلور حول اعتقاد ميتافيزيقي، بل لغة حية. هي قومية كلمة كذلك، ولكنها ليست كلمة ميتافيزيقية، يمكن لها أن تتجسد، بل كلمة حقيقية، لغة، لا يمكن لها أكثر من ذلك أن تتجرد. أما ما أكملَ بناء تلك القومية اللسانية فهو كما أشرنا سالفًا: طبيعة الصلة الوحيدة بين السماء والأرض في الإسلام، وهي اللغة.

لربما رأينا أن الوحي المسيحي كذلك يمكن أن يؤسس لقومية تاريخية، قومية تتركز حول حدث تاريخي لشخص تاريخي، لم يظهر في التاريخ سوى لمرة واحدة، بيد أنه إذا كان هذا مما يميز الوحي المسيحي، فإنه ليس جوهره كقومية، وهوية. إنه أساس الاعتقاد المسيحي، فإن تجسد الكلمة حدثٌ متفرد في التاريخ؛ لأنه حدث إلهي، وهو حدث إلهي؛ لأنه حدث متفرد في التاريخ. ومع ذلك فإن اعتقاد المسيحي ليس بالضرورة ما يشكل هويته، كما أن أغلب الأديان تتميز بأحداث متفردة، فلكل نبي معجزات خاصة به، وإن كانت هناك معجزات مشتركة، كالأحلام النبوئية لديهم. بعثة محمد في حد ذاتها هي بين المسلمين أولى علامات الساعة الكبرى نفسها. وهو ختام النبوة لديهم، وهذا بدوره حدث متفرد، وأساس للاعتقاد الإسلامي. الفكرة أن فلسفة التاريخ كانت قد اشتد عودها فعلاً في عصر “آباء ما قبل نيقيه” Ante-Nicene Fathers بالمعنى الدقيق. وحين كتب أوغسطين في ما عرف بلاهوت التاريخ، كان يكتب كفيلسوف تاريخ كذلك بالمعنى الدقيق، وهو ما بلور أهمية البعد التاريخي في المسيحية منذ عهدها المبكر. لقد زاد الاهتمام بالبعد، وليس البعد نفسه هو الأكبر، أو الأخطر. أما العامل الثاني لزيادة الاهتمام بالبعد التاريخي في المسيحية عمومًا، قديمًا وحديثًا، فهو تركيب الكتاب المقدس؛ فالقرآن بالمقارنة أبسط بكثير، وبأكثر مما يوحِي حجمُه. وقد كتبنا في ورقة بحثية منشورة بمجلة المبادئ المسيحية، العدد الثاني، عما أسميناه “السؤال الأوريجيني”، وهو: ماذا نفعل بكل هذه التفاصيل التاريخية، وكيف نتخلص مما يجب التخلص منه فيها؟ لما كان العهد الجديد “جديدًا”، صار لزامًا على مفسري الكتاب المقدس بعهديه أن يوفقوا بين الاثنين في أمور، لا يبدو أن عهدًا عليها يستجدّ، ولا يمكن أن يقع فيها بين العهدين الخلافُ، بالإضافة إلى غزارة التفاصيل التاريخية في العهد القديم، التي قابلها المسيحيون بلا مبالاة نسبية، فهي تتعلق بتاريخ شعب معين، يهتم بشجرة عائلته، ونسبها السامي. وطبيعة الإيمان المسيحي لا تفرق بين الشعوب. هكذا ظهرت فكرة التأويل الرمزي في المسيحية، وتوسع استخدامها. كان جوهر مشروع أوريجين السكندري التأويلي هو افتراض الرموز، وتركيبها على القصة التاريخية، ثم تقديم حل شفرة الرمز. وكأن التاريخ نفسه لغة بيد الله. الأقرب إلى الحس المشترك أن نعتبر وقائع التاريخ، من وجهة نظر لاهوت التاريخ، تجليات لإرادة الله، ولكن أوريجين افترض أنه يمكن لها أيضًا أن تكون لغة، إشارات إلى معاني كبرى، لا يستحق أن يصل إليها إلا من يستحق، ومن ثم وجبَ ذكرها في الكتاب من دون تفسير معناها، أو أحيانًا من دون الربط بينها. وهي الظاهرة التي أسماها بول ريكور ذات مرة : “الهرمنيوطيقا الأصلية”، التي تعني أن المسيحي مضطر لفهم العهد القديم من خلال منظور العهد الجديد، وبالتالي تَفرض حالتُه توظيفَ منهج التأويل الرمزي.

أما في حالة القرآن؛ ولأنه يخلو من هذا التركيب، ولا يعتمد كتبًا قبله كأجزاء منه، كما لا ينفي كل ما جاء فيها، فقد ظل اللسان وحده وافيًا بأغراض فهم الكتاب. ولعل أهم الأدلة على ذلك أن التفسير اللساني، الذي أسسه المعتزلة، قد استمر إلى اليوم كتفسير أساسي، متغلغلاً في كل مدارس التفسير التالية، بفصائلها العقدية المناوئة، كالأشاعرة، والصوفية. ولن نجد منهجًا تفسيريًا في الإسلام بعد عصر المعتزلة يخلو من خطوة جوهرية خاصةٍ بالتفسير اللساني: التفسير اللساني إلى جوار الرواية عند الأشاعرة، والتفسير اللساني إلى جوار الرمزي عند الصوفية، والتفسير اللساني-الأدبي في مدرسة التفسير الموضوعاتي المعاصرة. وبالمقارنة تبدو مدرسة التفسير اللساني هي أنجح مدارس التفسير الأربع الرئيسة في الإسلام بحسب تصنيفنا لها (الروائية، اللسانية، الرمزية، الموضوعاتية)؛ فقد استبعدت هي كل المناهج الأخرى من المدارس السابقة، والمناوئة، بينما لم تستبعدها أي من المدارس التي تطورت بعدها. ولهذا فبينما حقق التأويل الرمزي مكانة عالية في المسيحية، واستمرّ منذ عصر الآباء المبكرين إلى يومنا هذا في مختلف المدارس، وهو المتجاوِز للبعد الاجتماعي للغة، بما هو -من حيث التعريف- متجاوِز للاصطلاح اللغوي، وبالتالي للغة كما نعرفها، وكما نستعملها يوميًا، فإنه لم يحقق نجاحًا يقارب هذا في الإسلام؛ فقد ظل مقتصرًا على باطنية الشيعة، وبدرجة أقل في التفسير الإشاري الصوفي. وكل منهما لا يشكل تيارًا أساسيًا؛ فأغلب المسلمين على مستوى الجغرافيا والتاريخ معًا سُنَّة، والتصوف الإسلامي اتجاه هامشي كخصيصة من خصائصه البنيوية أصلاً.

وبسبب هذا التكوين غير المركب للنص القرآني، الذي يتكون من نص واحد، لا نَصَّيْنِ، استطاع التفسير اللساني أن يربح تلك المكانة، وفي الوقت نفسه حازت اللغة العربية بين المسلمين على كل تلك الأهمية، حتى صارت اللغة القديمة الوحيدة، التي لم تزل حية، وهي تحتفظ ببنيانها الأصلي في أغلبه، مع انتشارها على مستوى غير العرب، وغير المسلمين. وهو ما يشكل عماد القومية اللسانية.

نريد أن نقول إن استعمال الوحي الإسلامي للسان العربي كمجرد لسان، قد جعله أكثر من لسان بما هو لسان. حتى إنه يمكن إجمال الدوافع، التي أدت إلى فرض العربية كلغة رسمية لإمبراطورية الخلافة الأموية في تاريخ مبكر نسبيًا، تحت نوعين: سياسي-إداري، وديني. بيد أن هذا الإجمال لا يغني عن الخوض في بعض التفاصيل؛ لأنها هي في حد ذاتها نتائج تحليل علاقة القرآن باللغة العربية أعلاه. إن العامل الديني مركَّب مِن اعتقاد العرب في فصاحة هذا الكتاب، وكونه كتابًا مقدسًا بينهم، وكونه وظَّفَ تقنيات التعبير إلى حد أنه لو جاء بمجرد حروف لا تشكل كلمات، فإنه قادر على الدلالة، والدلالة العميقة، كما رأينا.

5- ميلاد القومية اللسانية واستقلالها الثوري

ويمكن القول إن القومية اللسانية العربية قد مرت قديمًا، ثم حديثًا بلحظتين تأسيسيتين في تاريخها: 1- لحظة فرضها كلغة رسمية حوالي سنة 80 هجرية، 2- ولحظة الثورة العربية ضد الخلافة العثمانية 1916، ثم إلغاء الخلافة الإسلامية العثمانية 1924. وقد اندمجت في اللحظة الثانية لحظة الثورة العربية ولحظة إلغاء الخلافة؛ نظرًا لأن الثورة العربية نفسها لم يمتد أثرها الأيديولوجي إلا بسبب إلغاء الخلافة. ويمكن القول كذلك إن الثورة العربية كانت سببًا تاريخيًا جوهريًا في إلغاء الخلافة؛ فقد أدت إلى تفكيك الإمبراطورية العثمانية بفعل داخلي، مما أدى إلى انهيارها في الحرب العظمى، وصعود القوميين الأتراك، الذين قاموا بإلغاء الخلافة. هنا نجد ثورة القومية اللسانية العربية ضد الخلافة نفسها، وكأنها كانت بمثابة الابن الشرعي للخلافة، ثم استقلت، وتمردت، بل أدت إلى إسقاطها فعلاً.

لقد اكتسبت تلك الثورة أهميتها الأيديولوجية من زاويتين: الأولى هي أنها برهنت للكثيرين أن حلم الدولة العربية الموحدة، أو الدولة العربية الكبرَى على الأقل، التي تشمل كل عرب آسيا، كما وعدت بريطانيا الشريفَ الحسين، ثم أخلفت وعدها، ليس مجرد حلم، بل هو قابل للتحقق بناءً على الهوية. أما الزاوية الثانية فهي أنها أثبتت استقلال القومية السانية عن الدين، فقد اشتملت قائمة المفكرين القوميين نسبة كبيرة حقًا من الكتاب والمفكرين المسيحيين، بالذات من الشام. وكانت الأفكار، والحركات القومية منتشرة في الشام بالذات، وغير الشام قبل الثورة العربية بطبيعة الحال، والتوجه القومي واضح لدى مفكر حلبي كبير هو عبد الرحمن الكواكبي. وقد ترجمت بعض الكتابات القومية الغربية إلى العربية، وانتشرت بعض أفكارها لدى جيل شابّ، ومع ذلك فلا يمكن اعتبار القومية العربية تجليًا من تجليات التأثر بالمستعمِر، وعبادة الأقوى، لا يمكن اعتبارها تبعية أيديولوجية عمياء، ولا يمكن وضعها في مقارنة من هذه الزاوية مع الحركات الماركسية والتوجهات الوجودية لدى العرب مثلاً، فهذه الأخيرة بالفعل من آثار التأثر بفكر الآخَر، ومحاولة استنساخ كسولة، لا تنتهي إلا انصراف الجمهور عنها، ليس لأنها لا تستعمل المدخل الديني، كما اعتقدَ اليسار الإسلامي، وعلى رأسه حسن حنفي في “التراث والتجديد”-1980، بل لأن تلك المُستنسخات الفكرية لا تتمتع بقاعدة ممتدة جغرافيًا وتاريخيًا إلى حد أن تصير عنصرًا جوهريًا من عناصر هوية الجمهور. وهوية الجمهور ليس عليها بالضرورة أن تكون إسلامية. القومية العربية –كما يمكننا القول بناءً على كل ما سبق- ليست منعزلة عن التأثر في حده الطبيعي بأفكار أجنبية، كأي أيديولوجيا أو مذهب، وخاصة تجربة الرايخ الثاني، رايخ بسمارك كما يمكننا وصفه، التي لم تكن متطرفة قياسًا على قومية الرايخ الثالث، لكنها وبالضرورة أفكار أصيلة من حيث المنشأ في القرآن نفسه، ومن حيث مسار تطورها، شكلت على مر القرون هوية الشعوب العربية.

وعلى ذلك لا يمكن في نظرنا نسبة القومية العربية إلى الدين الإسلامي، ولا إلى الدين عمومًا، بل إلى اللغة. هذا رغم أنه -كما رأينا- أن للدين الإسلامي، وللقرآن نفسه أبلغ الأثر في صعود اللغة العربية، وانتشارها، واستمرارها في شكلها الحالي، الذي لا يختلف جوهريًا عن عربية القرآن والشعر الجاهلي، اللهم إلا بعض المعجم. ذلك أنها قابلة للاستقلال عن الدين، بعد أن يشتد عودها عبر القرون، وحين تفشل الخلافة كدولة، وكفكرة.

وهنا يبرز السؤال حول العاميات القطرية: فهي أكثر انتشارًا اليوم بالتأكيد، وهي تختلف جوهريًا عن الفصحى؛ لأنها تُسقِط كل الإعراب، وتعتمد بدلاً منه على التقديم والتأخير لتحديد وظائف الألفاظ. فكيف نقول إن اللغة استمرت في التداول، وقد حلت محلها عدة لهجات أساسية، يتحدث بها أغلب العرب أصلاً؟ هل يظلون عربًا أصلاً؟ في الواقع يقوم هذا السؤال على فرضية مسبقة غير محقَّقَة: هي أن العاميات العربية لغات مستقلة مكتملة البنيان. فهل هي فعلاً كذلك؟

أعتقد أن هذا السؤال-الذي يطفو عادةً على سطح الجدل بين التوجه القومي المصري وبين التوجهات القومية العربية، والتوجهات الإسلامية- ينطلق من رؤية محدودة جدًا لمفهوم اللغة ذاته. لا يمكننا أن نعتبر العاميات العربية لغات مكتملة النضج؛ لأنها غير مستقلة عن الفصحى، ولا يمكن حتى الآن أن تستغني العاميةُ كليةً عنها في أي قطر عربي. حتى الآن لم تستطع أي عامية عربية أن تقدم لغة علمية، مع تقعيد محكم لها بما هي لغة مستقلة، بحيث تحل محل الفصحى في الكتابة الأكاديمية، وفي غالبية الإنتاج الأدبي الكاسحة، وفي الصحافة، والقانون، .. إلخ. ولا يمكن لطالب الجامعة  مثلاً في دولة عربية، إذا كانت دراسته باللغة العربية، أن يعتمد على العامية فحسب، دون علم بالفصحى؛ لأن لاختبارات، ونصوص المواد الدراسية كلها بالفصحى، حتى إذا كان الشرح والنقاش في المحاضرات بالعامية. وبرغم مرور قرون على العاميات العربية، فإنها لم تنجز تلك الخطوات الأساسية الضرورية لاستكمال نضجها، وبالتالي استقلالها، حتى اليوم. وهو وضع يختلف جذريًا عن وضع اللغات اللاتينية الحديثة إزاء اللاتينية، التي حلت بَناتُها محلها إبّان احتضارها: الفرنسية، والإسبانية، والبرتغالية، والرومانية، والإيطالية؛ فلا اللاتينية من لغات الوحي، ولا هي قابلة للاستمرار بشكلها المعقَّد، واقتصارها على صفوة المثقفين ورجال الدين، من دون اعتمادها على عامل بقاءٍ إضافي.

ولم تزل للفصحى إمكانات أكبر من العامية من عدة زوايا: أهمها الزاويتان المتعلقتان باللغة بما هي لغة: إمكانات التعبير، وإمكانات التواصل. الفصحى أغنى معجمًا، وهي مصدر أغلب كلماتنا العامية، وتراثها الأدبي أعمق تاريخًا، وأثرَى إنتاجًا، وبالتالي صارت الفصحى أكثر حساسية من العامية، التي هي أكثر قابلية للاستخدام النفعي والتعلم، وأفضل من الناحية العملية في التواصل في محيط قطري ضيق في موقف جزئي، لكنها بذلك لغة براجماتية تستهدف الغرض المباشر قصير المدَى، تفتقر إلى الحمولة الثقافية، وأساليب التعبير المتنوعة، حتى إن العربيّ المتعلّم يلجأ عادة للفصحى، إذا تعذر التعبير بالعامية. وهذا من الوجوه الواضحة لتبعية العامية للفصحى. الزاوية الثانية هي قدرة العربية على التواصل في مساحة جغرافية شاسعة متصلة، وعلى عمق تاريخي بعيد. وهكذا فحتى الآن يملك العليم بالفصحى ميزة هامة، هي قدرته على الكتابة لجمهور أوسع بكثير من جمهوره القطري، وعلى القراءة لعدد أكبر من الكتاب، وعلى التواصل مع التراث العربي-الإسلامي أدبًا، وفلسفة، وعلومًا دينية، .. إلخ، بقطع النظر عن موقفه فيما بعد ذلك، سواء كان ناظرًا بعين نقدية لهذا التراث، أو بعين أيديولوجية محدودة منحازة مسبقًا، إسلامية كانت، أو قومية، أو علمانية؛ فأي من مواقفنا من التراث يتطلب العلم بالفصحى، سواء أردنا اختبار هذا التراث نقديًا، أو تحيزنا له، أو ضده.

6- الانتخاب التاريخي للقومية العربية

وحين نتبصر في التاريخ القريب مرة أخرى، نجد أن الانتخاب الفلسفي الطبيعي كآلية ضمن آليات متعددة لتطور الأفكار، قد انتخب القومية العربية إبان تحرر أغلب الدول العربية من الاستعمار في الخمسينيات في مواجهة كل من الخصمين الرئيسين في تلك الفترة: الإسلامية، والشيوعية. لقد تمتع كل من هذين الخصمين الأيديولوجيين ببناء نظري مركَّب، وتمتعت الإسلامية بارتباطها بالدين، بينما تميزت الشيوعية بارتباطها بالدولة، بإمبراطورية كبرى هي الاتحاد السوفييتي، الذي كان لم يزل يحرز نجاحات علمية غير مسبوقة، ويحتفظ بقوته، وتماسكه الأيديولوجي والسياسي. اعتمدت الإسلامية على المقدس الذي لا يُناقَش، واعتمدت الشيوعية على العلم، كونها “اشتراكية علمية”، الذي يمثل أدق معارفنا عن العالم الخارجي؛ أيْ سِوَى الرياضيات والمنطق، وأهم ما عرفناه في تاريخنا كما نعرفه. وبرغم ما اكتسبتاه –الإسلامية والشيوعية- بناء على السابق، على اعتمادها على المقدس أو العلماني، من طاقة دعائية مؤكدة، وبرغم أن كلاً منهما كما قلنا قد تمتع ببناء نظري مذهبي، فإن التاريخ قد انحاز بنفسه للقومية في تلك الفترة، وحتى هزيمة 1967، التي أبدلت الفكر العربي المعاصر إبدالاً كبيرًا وخطيرًا، ظهرت معالمه الواضحة منذ 1973 في “الثابت والمتحول” لأدونيس على هيئة القراءات المَسْحِيّة للتراث، التي نضجت فيما بعد بالذات عند عابد الجابري، وحسن حنفي، وغيرهما، في شكل مشروعات إعادة قراءة التراث العربي-الإسلامي، وإعادة بناء العلوم الإسلامية، وبدأت فكرة اليسار الإسلامي تكتسب وجاهة لدى البعض في ظل صعود التيارات الإسلامية، الذي كان “تصعيدًا”، لا صعودًا؛ بهدف إسقاط بقايا النظام القومي-العلماني-الاشتراكي المهزوم هزيمة مخزية، كما حدث في عهد أنور السادات في مصر.

ومع ذلك كانت فترة وجاهة اليسار الإسلامي قصيرة، وكانت مشروطة تاريخيًا باستخدام السلطة للإسلاميين في قمع المعارضة العلمانية، وغير العلمانية بالاستفادة من قدراتهم الدعائية والحشدية من جهة، وقدراتهم التنظيمية من جهة أخرى. وهو شرط مرحلي عارض؛ فلولا اضطرار السلطة لتصعيد الإسلاميين، لما انتشرت التوجهات الإسلامية في السبعينيات، ولما ظهرت أي وجاهة لفكرة اليسار الإسلامي الأساسية: تأويل الإسلام كمذهب يخدم أصلاً، وأوّلاً قضيةَ العدالة الاجتماعية. كما كانت أطروحة اليسار الإسلامي مشروطة كذلك بوجاهة كل من الأيديولوجيتين الإسلامية، والشيوعية معًا في مرحلة الحرب الباردة، التي هي كذلك قياسًا على طول تاريخنا الحديث قصيرة الأمد. فلا كان شرط التوجه السياسي-الإسلامي أصيلًا في الثقافة العربية المعاصرة، ولا كان شرط وجود الأيديولوجيا الماركسية عميقًا في التاريخ؛ بدليل انهيارها السريع كدولة، وكأيديولوجيا بالتالي. عاشت بالطبع كل تلك الأفكار إلى اليوم برغم زوال شروطها التاريخية السابقة، وأحدثت أثرها العميق في التاريخ، وفي الحاضر، لكنّ ما انهار هو ما بُنِيَ عليها من أيديولوجيات.

اللافت للنظر أنه –بالمقارنة- لم تكن فكرة القومية العربية الأساسية مشروطة بشروط تاريخية عارضة، أو بتصعيد سلطة معينة؛ فهي فكرة أقدم من الثورة العربية، وأقدم من تأسيس الدول القومية العلمانية العربية بعد رحيل الاستعمار. وقد انتخبها التاريخ برغم افتقارها إلى التركيب المذهبي النسقي؛ ليس لأنها فقيرة، بل لأنها لم تحتَج من المفكرين القومين إلى مثل ذلك التركيب، فهي موجودة فعلاً، ولا تتطلب التأسيس. وكانت نقطة ضعفها الظاهرية تلك في الواقع نقطة تفوقها الأولى في مواجهة أفكار الإسلام السياسي، والماركسية، كونها بسيطة وبدهية لدى المواطن غير المتخصص، غير المتمذهب، وربما حتى غير المتعلم، أيْ غالبية مواطني الدول العربية. وبداهة أي أطروحة في مرحلة تاريخية ومنطقة جغرافية معينة نقطة تفوق في صراع الأفكار التاريخي؛ لأنها بذلك تكسب معاركها الأولى دون مواجهة لدى غالبية المواطنين، بينما تحتاج الأيديولوجيات الإسلامية والماركسية كي نتصورها في صيغتها المكتفية بذاتها، أي التي تقدم تفسيرًا شاملاً للتاريخ، إلى إعادة تأويل دور الدين من جهة، ودور الدولة من جهة أخرى في تصور تاريخي مغلَق، أي محدد النهاية. وهذا كله تجنبته الفكرة القومية، بسبب بداهة الارتباط بين اللغة، وبين الهوية.

ورغم قصر عمر الدولة القومية العلمانية العربية نسبيًا، ورغم هزيمتها في 1967، فإن عمر الأطروحة القومية العربية أقدم، وأطول، ولم يزل مستمرًا في مجرد مطالبة الشعوب العربية –تحت قيود القمع السياسي- حكوماتها باتخاذ موقف مما يحدث حاليًا في غزة كمثال معاصر لنا، ماثل لم يزل أمام أعيننا، بالإضافة إلى لحظة الثورة العربية، ولحظة التضامن العربي-العربي إبان حرب 1973. باختصار: لم تعتمد القومية العربية على وجود حكومة قمعية خارجية كما اعتمدت التيارات الماركسية العربية، أو حكومة قمعية داخلية كما اعتمدت الإسلامية. صحيح أنها ارتبطت في أذهان العرب بنُظم قمعية كبرى، خاصة نظام ناصر، ونظام الأسد، ونظام صدّام، لكنها لم تكن وليدة تلك النُّظم، ولا معتمدة في بقائها ذاته عليها. اعتمدت القومية العربية كفكرة بالأساس على اللسان، وبالتالي على المواطن المقموع نفسه، الذي ينشد الحرية والعدل، بقطع النظر عن دينه، أو جنسيته، ولم تكن في أغلب تاريخها الحديث استبعادية، أو عنصرية؛ لأنها لم تقم على التفوق العرقي، ولا على العرق أصلاً.

إذن لماذا لم تتفوق الفكرة القومية الفارسية على الإسلامية في إيران، وحدث العكس؟ تتحكم في ذلك عدة عوامل، أهمها في نظرنا: أولاً: أن القومية الفارسية منقطعة الصلة بالإسلام، بل ربما تناقضت معه بما هي قومية وثنية، مارس الإسلام نفسه دورًا في تحجيمها لزمن طويل. وثانيًا: أنها كانت مفروضة من جهة السلطة القمعية لشاه إيران على شعبه، ومثلت الوجه القبيح للدولة العميلة لبريطانيا والولايات المتحدة. صحيح أن القومية الفارسية عميقة المكانة في نفوس الإيرانيين حتى اليوم، لكنها غير مؤهلة لأن تصبح أيديولوجيا “بدهية” كالقومية العربية، لانقطاعها اللساني عن الدين من جهة، وكونها محدودة بحدود المورثات، حدود انتشار العرق الآري-الفارسي. وهو فرق هائل الأثر مقارنة بالقومية العربية، التي هي أطروحة عابرة للأعراق، ولا تنادي بتفوق عربي ما، بل بتضامن واتحاد عربيين بشكل أو بآخر. وهذا عامل تفوق محايد آخَر لأي فكرة: كلما كانت قابلة للعولمة، كلما صار حظها أكبر عمومًا في البقاء، وربما الانتصار في الانتخاب التاريخي للأفكار. واللغة أكثر قابلية للعولمة من الدين، حتى الدين الموحَى بواسطتها، ومن المذاهب، والأفكار القومية وغير القومية المختلفة، حتى التي صيغَت في الأصل بها.

ومع حصار الدول العربية، والغربية لإيران بعد ثورتها الإسلامية 1979، اضطرت إيران إلى التمدد الأخطبوطي خارج حدودها، فاستمرّت ورقتها الرابحة، التي ربحت بها الثورةَ، كي تربح بها حربها الإقليمية الباردة بعد الثورة. بعبارة أخرى ألخص: لم تكن القومية الفارسية اختيارًا وجيهًا وفعّالاً في مقاومة نظام قمعي، ثم مقاومة الحصار الناتج عن كل ثورة نجحت في تأسيس نظام حكم جديد. وكانت الأطروحة الإسلامية عمومًا، والشيعية خصوصًا هي اختيارها الوحيد الممكن للحشد ضد الشاه، وللتمدد الإقليمي ضد الحصار فيما بعد. يجب أن نذكر دور الشاه نفسه في دعم التيارات الإسلامية في بلده كحائط صد ضد التوجهات اليسارية المتنوعة، وهو دعم مدعوم بدوره بموافقة الولايات المتحدة، وتأييدها، وبذلك كانت الأرضية الأيديولوجية ممهدة أصلاً قبل عودة الخوميني من المنفَى، وشارك الشاه نفسه في تمهيدها غير مدرِك لخطرها عليه هو نفسه. في المقابل، وإضافةً لعوامل استمرار العربية كلغة، وكأيديولوجيا في صيرورة الانتخاب التاريخي، كانت الثورة الإسلامية الإيرانية سببًا في صحوة نسبية للقومية العربية في مواجهة عدوّ إقليمي غير عربي، إسلامي التوجّه، يهدد الشعوب العربية بأيديولوجيا قمعية، ويهدد الحكومات بثورات إسلامية.

يمكن القول بعد هذه القراءة للصورة التاريخية العامة إن القومية العربية قد ربحت أغلب معاركها على المستوى الكمي، أما على المستوى الكيفي فيمكن ملاحظة أنها قد خسرت حين وصلت إلى السلطة، وفقدت بذلك جانبها الثوري التحرري بعد تحولها إلى دعاية للنظم الحاكمة، التي أسرفت في القمع، وأسرفت في الكذب بصدد خسائرنا في حرب 1967 أكثر مما أسرفت من إهدار ثروات بلاد بأكملها، فلا كانت أمينة مع شعوبها، ولا كانت حتى رحيمة بهم. يعود كل الكلام هنا على النظم الحاكمة، لا على الأيديولوجيا القومية؛ فقد أدت هذه الأيديولوجيا إلى موقف عربي موحَّد في 1973، هو في حد ذاته دليل على بقاء الفكرة، وفاعليتها المستمرة.

وإذا كانت العربية قد مرت في القرآن بثلاث مراحل كما أسلفنا: اللغة كوسيط، واللغة كنص، واللغة كوحي، فإن مرحلة الفكر العربي المعاصر التي نحياها، والممتدة تقريبًا منذ الحملة الفرنسية، قد أنتجت المرحلة الرابعة، حين استقلت بنفسها الفكرة القومية العربية عن دين بعينه، هي مرحلة اللغة كأيديولوجيا. وبالنسبة للغة كالعربية: ذات عمق تاريخي قّصِيّ، وذات امتداد جغرافي عظيم من جهة كونها لغة أم، وجهة جغرافيتها الغنية، والمركزية نفسها، فإن العربية، بين اللغات الحية في عالَم اليوم، هي الجديرة بهذا الموقع الفريد. وإذا كان هذا كذلك، وفي ظل العدوان الجاري على قطاع غزة، فإنها أيضًا أهم الأسلحة الأيديولوجية في معركة أكبر بكثير من مساحة الحرب الفعلية، وأطول امتدادًا في التاريخ من لحظتنا الحاضرة، وأكثر قابلية للاستمرار في المستقبَل، هذا إذا أردنا كشعوب الرهان على أنفسنا، في معركة لا نملك فيها إلا أنفسنا.

7- تلخيص النتائج: الإسلام كحركة تاريخية بحتة

تلخيصًا لنتائج ما سبق يمكن أن نسأل: ماذا بقيَ إذن من الإسلام، من دعوة محمد، على وجه التحديد؟ لقد ترك محمد القرآنّ دونَ جمعه، وفُرضت بعده اللغة العربية كلغة رسمية للدولة دون الدين، وذلك بعد أن حقق القرآنُ للعربية نقلة نوعية، يندر –على الأقل- أن تتحقق للغة، فقد وظّفها الكتاب كوسيط بحت للتواصل، دون إسباغ أية قداسة عليها، ولكنها صارت بعد هذا التوظيف تلقائيًا وحيًا ببلاغة مختلفة، هي البلاغة المكية، بالإضافة إلى توظيف البلاغة الكلاسيكية، كما صارت العربية بذلك من أعرق اللغات، وأكثرها استمرارًا، وانتشارًا كلغة أمٍّ، وحتى صارت اللغةُ نفسها هويةً، وحدت قديمًا وحديثًا شعوبًا مختلفة الأعراق، والديانات، والهويات.

ولأن الإمبراطورية الإسلامية قدمت “حضارة”، بخلاف المغول مثلاً، الذين أسسوا أكبر إمبراطورية ممتدة، لا يقطعها بحر أو محيط، على مستوى التاريخ، ولكنهم لم يتركوا معمارًا، أو فلسفة، أو دينًا، أو علومًا، فقد صارت العربية في العصر الوسيط، ثم في عصر النهضة من لغات العلم الأساسية في العالم شرقًا، وغربًا إلى جوار اللاتينية، واليونانية. وبصفة عامة، ولكل ذلك، فإن من يبحث تاريخَ الإسلام، أو يحاول تقديم سردية محددة له، من دون الانتباه إلى دور اللغة العربية الجوهري في هذا التاريخ، ودور الإسلام نفسه في تطور تلك اللغة عبر مراحل معينة كما رأينا، لا يقدم إلا سردية تم إسقاطها من التاريخ الأوروبي على تاريخ الإسلام بلا تمحيص. ربما كان عذر مثل هذا الباحث، أو المؤرخ، أن دور العربية في حضارتها، ودور الإسلام في تطويرها لكي تصير هويةً، وفي حفظها كلغة وهوية عبر مجاهل الزمان، فريد حقًا، حتى إننا لا نجد دينًا من الديانات الحية، أو الميتة، فيما نعلم، قد اشتبك مع اللغة في هذه العلاقة الجدلية المركبة، حتى صار يستحيل فصله عن لسانه.

ربما نجرؤ على القول كذلك إن التعامل مع اللغة العربية يجب أن يتم من منظور مخصص لها، ومبنيّ على الوعي بطبيعة علاقتها بالقرآن من جهة، وبتاريخ الإسلام من جهة أخرى. فهي بالتأكيد، وحتى إذا اختلفنا في كل تفاصيل تلك العلاقة، التي حاولنا وصفها أعلاه، فإننا قد لا نتفق أبدًا على شيء، إنْ لم نتفق على أن العربية في وعي العرب والمسلمين –على المستوى الظاهراتي- دائمًا “أكثر من مجرد لغة”، حتى في وعي مَنْ يتمنى زوالها في أقرب وقت من أصحاب المواقف المتطرفة تجاه العروبة، وتجاه الإسلام، أصحاب مذهب ما يمكن أن نطلق عليه “مذهب قَطْع اللسان العربي”، هي كذلك في وعيه ليست ككل اللغات، ليست مجرد لغة، وإلا ما تمنى لها أحدٌ ذلك.

وإذا اعترفنا أولاً بتفرد العربية بين اللغات القديمة، والحديثة، وحاولنا بناءً عليه ثانيًا تحديد عوامل القوة النوعية للعربية في حاضرنا، لوجدنا عاملين أساسيين: 1-الانتشار الأفقي جغرافيًا، والرأسي تاريخيًا، 2-وكونها هوية لأصحابها، ليس بما هي لغة، بل بما هي اللغة الأصلية للوحي، ولغة الفردوس المفقود، عصر الحضارة العربية الذهبي. وبناءً على ذلك يمكن القول إن محمدًا قد مارسَ دورًا مختلفًا –دون أحكام معيارية- بين الأنبياء، والمفكرين، وكبار القادة السياسيين في التاريخ؛ فبغض النظر عن مواقفنا من الإسلام نفسه، الذي انقسم إلى مذاهب عديدة قبل أن يمضي قرن واحد من الزمان عليه، ولم يزل منقسمًا، نجد أن ما بقيَ من هذا الكفاح إلى يومنا الحالي هو بالأساس قومية اللسان، وأثر دولته، ودولة خلفائه المبنية على أثر دولته، في التاريخ الوسيط، والحديث.

“الإسلام كحركة تاريخية” كمفهوم لا يعني أن الإسلام ليس إلا حركة تاريخية. بالتأكيد الإسلام أوسع مفهومًا من ذلك. ما يعنيه المفهوم على وجه الدقة هو الإسلام منظورًا إليه في سياق ديناميكي-جدلي، من حيث هو مرحلةٌ تفاعلتْ مع ما سبقها، وما تلاها. يرصد هذا المنطلَقُ المتحوِّلَ، لا الثابت. لا يرصد بالأساس مفهوم الإسلام مثلاً في وعي مسلمي عالَم اليوم، بل يرصد ماذا أبدله هذا المفهومُ في التاريخ، ما كان مستحيلاً في واقع افتراضي يخلو من الإسلام كليةً، كتوحد العرب في دولة واحدة متعددة الديانات، والأعراق، صارت في عقدين من الزمان إمبراطورية هائلة المساحة، واستمرت قرونًا طويلة. ومن المستحيلات في ذلك التاريخ الافتراضي –الذي هو مجال بحثي جادّ في رأينا كتجربة ذهنية- استمرار اللغة العربية بصيغتها القرآنية حتى اليوم، وانتشارها، وتحولها إلى هوية متفردة في نجاحها كهوية مقارنة بهويات لسانية عديدة، كاللسان الألماني، واللسان الفرنسي، والإنجليزي، والتركي، .. إلخ، من دون كفاح محمد؛ فكل هذه الهويات اللسانية لا تقارن بها العربية من حيث عمقها التاريخي، واتساعها الجغرافي، وفاعليتها الممتدة، التي وإن لم تظهر في كل المواقف، يكفي لها بعض المواقف التاريخية المفصلية، كالثورة العربية 1916، والتضامن العربي إبان حرب 1973، ودرجات، وأشكال مختلفة من التضامن، استمرت حتى حرب الخليج الثانية الناتجة عن حرب الخليج الأولى؛ حيث صارت الهوية العربية موضع سؤال جذري، بعد أن اعتدت دولة عربية، العراق، على دولة عربية أخرى من منطلق إنكار كونها دولة مستقلة أصلاً، وهو ما جرّ على العرب ويلات التواجد العسكري الأجنبي على أرضهم، وبالذات حول موارد القوة الاقتصادية الأساسية لهم، أي الوقود الحفري.

بصدد النقطة الأخيرة نعتقد أن العرب قد تعاملوا مع الثورة الإسلامية الإيرانية بلا فهم لتاريخ الوقائع القريبة من جهة، وأقربها ثورة كوبا، وقبلها الثورة الشيوعية، وبلا عين مستقبلية بعيدة النظر من جهة أخرى؛ فقد كان عليهم بالأحرى، وبدلاً من الخيار العسكري المدمر، تطبيق شكل من “سياسة الاحتواء”، المشروع الأمريكي للتصدي لوجود الاتحاد السوفييتي، وسياسته في نشر ثورته. كان عليهم فهم أن استعمال القوة في هذا الموقف بالذات سيأتي بآثار عكسية، فضلاً عن تكاليفه المهولة، المادية، والبشرية، ونتائجه غير المضمونة بالذات مع دولة خارجة من رحم ثورة، حيث يكون شعبها في حالة استنفار عام أصلاً قبل إعلان الحرب عليه، وفي حالة استقطاب حاد، يصنف الآخرين أعداءً لثورته، التي بذل الدماء في سبيلها، أحيانًا حتى قبل محاولة فهم هؤلاء “الأخرين”. وقد ترتب على كل ذلك تقوية جيش العراق من جهة؛ ليتصدى عسكريًا للثورة الإسلامية، مع إفلاس نظامه بالقروض الخليجية عمومًا من جهة أخرى، ومنها قروض الكويت، مما أدى بصدام حسين إلى ذلك القرار القاتل الخطير: الغزو العسكري للكويت. كان على العرب استيعاب الصدمات الأولى القادمة من إيران الثائرة، والتعامل معها بمرونة كبيرة، مع إظهار أن المعيار في تقييم أداء الحكومات، وتقدير فاعلية الأيديولوجيات، ليس هوية النظام، بل مدى فاعليته في حل مشكلاته الداخلية، والإقليمية. كان عليهم بناء عليه تحديث نظمهم في الحكم، ومزيد من التضامن لحل الأزمات الإقليمية، وحيث كان لديهم أكثر مما في أيديهم حاليًا بكثير من أوراق الضغط على الكتلتين الشرقية، والرأسمالية. وهو ما كان خليقًا بأن يُظهر للإيرانيين أنفسهم أمرين: أن العرب ليسوا أعداءهم، وأن العرب أنجح منهم. وهو عنصر أساسي في “سياسة الاحتواء”، تم تفعليه إلى حد كبير إبان الحرب الباردة، وجاء قرار حل الحزب الشيوعي، والتفاعل المتسلسل المعروف بتفكك الاتحاد السوفييتي، دليلاً على نجاح هذه السياسة، وخاصة أن نظام إيران الثوري لم يختلف في قدراته القمعية عن النظام السوفييتي في أسوأ عهوده، مع فارق كبير في الإنجاز الداخلي، والخارجي، وبالتالي لم يكن جهد التفوق عليه عظيمًا على كل حال.

ومع ذلك فهي كبوة، وظرف تاريخي مستجَدّ، في سلسلة من التضامن العربي، الذي استرجعته أحداث غزة الحالية، الممتدة منذ السابع من أكتوبر، ذلك التاريخ المختار بعناية؛ ليستدعي إلى الأذهان أهم لحظات هذا التضامن في التاريخ القريب، حرب السادس من أكتوبر 1973. فلو نظرنا بعين محايدة إلى مدى واقعية مقولة “التضامن العربي”، لوجدناها واقعية، وممتدة، حتى اليوم على الأقل. أيًا ما كان موقفنا من العرب، ومن الإسلام، فالواقعة الإمبريقية، أي التي يمكن رصدها موضوعيًا من قبَل أطراف عديدة مستقلة محايدة، هي أن هوية اللسان متحققة، ولها آثارها العظيمة على العالم كله، كما حدث في الحرب المذكورة، والممتدة في الواقع منذ نشأة الدولة في الإسلام منذ حوالي خمسة عشر قرنًا. الواقع يكشف عن وجود قومية لسانية عربية شاسعة المساحة، ممتدة التاريخ، تحزن حين تنظر إلى أطلال الماضي، وتخاف من رؤية المستقبَل. لقد فقد العرب الكثيرَ، ولكن هذا تحديدًا لأنهم صنعوا الكثير، وامتلكوا الكثير. وأسوأ ما في القمة هي المسافة التي تَسقط منها. والحضارات في التاريخ قمم وقيعان، “موجة تاريخية” نحاول هنا فهم معادَلتها.

8- ختام: ماذا بقيَ من كفاح محمد؟

يتبلور في النهاية دور الإسلام بما هو حركة تاريخية، ونتائج كفاح محمد في أمرين: الأول هو صناعة محرك متفرد للتاريخ، اللغة، والثاني هو أثر الإسلام كحضارة، وكدولة، على التاريخ الوسيط، والحديث، من حيث قوة الأثر، وامتداده، وشموله، واتجاهه. طبيعة الإسلام من حيث رؤيته للتاريخ هي الوعي بالتغير، ولهذا كان كفاح محمد كفاحًا ديناميكيًا، لا يستهدف غاية معينة بحركته في التاريخ، وبما ترتب عليها، بل يستهدف “قوة واتجاهًا”، كالمتَّجَه في الهندسة، وذلك في حركة تاريخية لا متناهية، ولا تتوّجها غايةٌ محددة، أو شكل معين للمجتمع، أو تصنيف معين للبشر، أو خلاص فرقةٍ واحدة. لو كانت فلسفة تاريخ الإسلام تعتقد في نهاية محددة للتاريخ، لقام محمد بجمع المصحف بنفسه على الأقل، أو قامت دولته، ودولة خلفائه، بفرض الإسلام كديانة وحيدة معترَف بها. فلسفة تاريخ الإسلام تنظر للتاريخ الإنساني –استنتاجًا من كل ما سبق- كحركة جوهرية، التاريخ بما هو حركة لا تؤطرها حتمية هيجلية، أو ماركسية تؤمن بمحرك واحد جوهري للتاريخ، حركة حرة مبنية على حرية الإرادة الإنسانية، واستقلال الفرد، ومع ذلك فيها من الأفكار والأعمال ما هو أكثر مرونة في الحركة، وأقدر على البقاء، وأسرع في الانتشار، وأقوى في دَفْع التاريخ كمحرك من محركاته العديدة.

تقوم فلسفة تاريخ الإسلام إذن أولاً على الوعي بالصيرورة التاريخية المفتوحة على عدد من الاحتمالات دائمًا، والتي لها بالفعل قوانين، ومُحرِّكات، ولكنها متنوعة، ويجب الانتقال بينها برشاقة، كرشاقة أصابع عازف البيانو. التاريخ من خلال قراءة كفاح محمد عمل سيمفوني، تتدخل فيه عوامل عديدة، وأحدث مفصلية، تتفاوت في الأثر، بعضها طبيعي، وبعضها إنساني يتضمن معنى الإرادة والكفاح. كما تقوم ثانيًا –وهو متضمن في النقطة الأولى- على الاعتقاد بتنوع محركات التاريخ، وتفاوتها في القوة. وتقوم ثالثًا على قدرة الفرد، أو الجماعة الصغيرة المتماسكة، على صناعة محرك للتاريخ، بدلاً من أن يكون ذلك المحرك حتميًا، وخارجًا عن إرادة الفرد، أو الجماعة. وهي رؤية جدلية للتاريخ بما تنسبه ضمنيًا للتاريخ من طبيعة الحركة، واعتبار الثبات، أو حالة التوازن الساكنة، استثناءً لا قاعدة. ومع ذلك تختلف عن جدل هيجل أو ماركس جوهريًا في انفتاح التاريخ، بدلاً من نهايته الحتمية، وفي فاعلية الإرادة الحرة، والكفاح الحر، في “تحريك” التاريخ، وفي تنوع محركات التاريخ، وفي قدرتنا على صناعة بعض تلك المحركات. وقد كان محمدٌ واحدًا من أكثر البشر أثرًا على التاريخ المعروف بلا مبالغة، ولا انحياز، حتى لو اختلفنا في قيمة كل ما كافح من أجله؛ لأنه فهم طبيعة التاريخ بما هو “تاريخ إنساني”، لا طبيعي، وأنَّ وضع شروط لحركته مسبقًا، من دون ترك مساحة لحرية الإرادة في الصواب، والخطأ، نظرة قَدَرِيّة، تفرّغ الفرد من كينونته؛ حرية إرادته، التي بها يختلف عن الجماد، فيصير قالبًا في بناء، لا أهمية له في حال انفراده.

تجنب الإسلام بذلك الأثر القاتل للحتميات التاريخية، صناعة “عقلية الخلية” Hive-mind، المقصود بها خلية النحل، أي الفرد العامل، الذي يجتهد لأجل المجموع كدور حتمي، ولا يختلف عن حياة السخرة من جهة نفي تلك العقلية لفاعلية الإرادة الفردية الحرة بسبب تحديها لنهاية معينة للتاريخ. كما تجنب أيضًا إشكالية العالم “الحرّ”. عاش المواطن الغربي في حرية شخصية، وسياسية، في فترة الحرب الباردة، وما بعدها، ولكنه واقف على مفترق كل الطرق، بلا غاية للحياة، فارتفعت معدلات الاكتئاب إلى درجة غير مسبوقة ربما في التاريخ بحسب إحصاءات المختصين، ويُتوقع لها أن تزيد، وهو أهم أسباب الانتحار حاليًا بحسب منظمة الصحة العالمية. حر في الحركة، ولكنْ لا أهمية لحركة من دون اتجاه، ولا اتجاه من دون غاية. لم يحدد الإسلام كذلك غاية نهائية للتاريخ، ولكنه حدد الاتجاه، أن نتجه دائمًا إلى ما ينحاز للحرية، وما يقوم على فهم لطبيعة التاريخ الديناميكية، أنْ نكافح من أجل توجيه التاريخ في طريق يحفظ دائمًا حرية الإرادة، وفاعليتها، وهو كذلك ما يتضمن مفهوم ديناميكا التاريخ المنفتح، وهو رابع قوائم فلسفة تاريخ الإسلام.

ومن خلال هذا المنظور يتضح أن الحركات، والأفكار الأصولية الإسلامية لا تنادي إلا بالعكس: بتثبيت التاريخ عند لحظة ماضية معينة. فلو أراد الرسول تثبيت لحظته، لفعل هذا بنفسه، ولجمع القرآن –على الأقل- بنفسه، ولدوَّن سُنَّته بنفسه. وهذا المبدأ بشكل عام، مبدأ الصورة الجاهزة للتاريخ المغلَق على نموذج معين، لا يناسب إلا الأنظمة القمعية، التي تنزع من الفرد تفرده، وأهميته كفرد. لذلك السبب تحديدًا نرى أن علة استمرار المذهب الأشعري عند السنة حتى اليوم، وانتشاره فيما يفوق أي مذهب من مذاهب الفرَق الإسلامية، هو مناسبته من حيث نظرته لفاعليه الفرد في التاريخ، ومن حيث نظرته إلى التاريخ نفسه، لدول قمعية، مهما اختلفت في الظروف، فقد اتفقت على ضرورة الإطاحة بالفرد، ومحو أي دور أصيل له. أما الاعتزال فقد ناسبَ من حيث الزاوية نفسها النظم الحرة، المنفتحة، والمتسامحة، والمعترفة بالتنوع، من حيث النظرية بالأساس، لا الممارسة بالضرورة. ولهذا لم يستمر طويلاً، ولم ينتشر كثيرًا، إذا قارنّاه بالمذهب الأشعري. ليست مشكلة الأشاعرة –كما قال مثلاً علي مبروك في “الخطاب السياسي الأشعري”- كونهم اعتقدوا في اللا حتمية الطبيعية، التي أدت –في نظره- إلى الحكم الديني. كانت مشكلتهم بالأحرى في اعتقادهم في الحتمية التاريخية، أن أدوارنا مرسومة قبل أن نؤديها، أننا مجرد مؤدين، لا مؤلِّفين، حتى لو تمتع أحدنا بالقدرة على التأليف، أننا لا نرتجل، ولا نجرب جديدًا على مسرح التاريخ. وهذا كله ناسبَ خطة عمل دولة، تنتهج سياسة توحيد القطيع، ومسْخ معالمه، التي لا تتشابه بطبيعتها، لتتماهَى في شكل واحد. في المقابل قدم كفاح محمد –كما قرأناه أعلاه وكما نفهمه- نموذجًا للمسلم، ولغير المسلم، لفاعلية الفرد، وقدرته على تبديل مسار التاريخ على نحو عميق، وفي اتجاه يحفظ فاعلية هذا الكفاح كمرشِد أساسي، وبناء على معيار واحد: افعل كل ما يزيد من حرية الفرد في مجتمعه من جهة، مع حفظ ذلك المجتمع من جهة ثانية، والحفاظ على اتجاه هذه الحركة من جهة ثالثة. وإذا أضفنا معيارًا يلخص كل ذلك، لقلنا: تحركْ في التاريخ مستهدفًا التاريخ نفسه، لا مُتَوَهِّمًا غايته، وقاصدًا تبديله، بكفاحك الحر الفردي، دائمًا نحو ما يضمن الكفاح الحر، عن طريق ضمان حرية الكفاح.

وأعزّ ما تركه لنا كفاح محمد إلى يومنا أمران: الأمل، واللغة، الأمل في أن قدراتنا البشرية، إذا آمنّا بها حقًا، قادرة على توجيه التاريخ، ومحرك التاريخ، الذي صنعه هذا الكفاح، اللغة العربية بما هي هوية، التي نستطيع عن طريقها تحريك التاريخ، كما استطاع هو، والتي أنتجت قوميةً لسانية، تتخطَّى حدود المذاهب، والأديان، والأعراق.

هذه في نظرنا معجزة محمد الخاصة كنبي لا يقدم معجزات حسية، لا يشق البحر، ولا يُحيي الميّت، ولا هو تجسُّد للكلمة، بل يحرك التاريخ كبشريّ من البشَر دون ادّعاء قدرات خارقة. معجزة محمد الحقيقية هي أن كلاً منّا، إذا آمَن بأهمية دوره الخاص، وبأصالته الفردية، يمكنه أن يصنع معجزة بشرية. “كفاح محمد” ليس مجرد منظور، بل معجزة.

 

كريم الصياد

ديسمبر 2023

القاهرة

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete