تكوين
صرخ “وجدتها”، وقفز من مغطسه وجرى عارياً في شوارع المدينة؛ فظن أهلها بأنه أصيب بالجنون لجريه عاريًا في شوارعها باتجاه قصر الملك وهو يصرخ “وجدتها”. جرى باتجاهه ليخبره بأنه وجد حلاً لمسألة، ما إذا كان الصائغ، صانع التمثال، قد غش الملك في كمية الذهب أم لا.
قصة أرخميدس أشهر من أن تُنسى عبر الأجيال؛ فقد وقعت منذ أكثر من ألفي سنة، وما تزال تُروى بصرخته الشهيرة “وجدتها”. وغالباً ما تكون هذه القصة بداية جيدة للدخول إلى عالم العلوم، وبخاصة الفيزياء؛ كون القانون الفيزيائي الذي رافق صرخته “وجدتها” ما يزال صحيحاً حتى اليوم. وما أوجده أرخميدس من قوانين فيزيائية لا يتوقف عند قانون “الطفو”، ويقال إنه أوجد قانون الرافعات، وأنه اخترع آلة، على هيئة لولب تُدار باليد، لنقل مياه النهر لري الأرض المرتفعة… وغيره من القوانين. لذا يؤخذ أرخميدس، أو الأصح قصته وصرخة “وجدتها”، مفتاحاً لجذب الطلاب إلى دراسة الفيزياء، ويبدأ التعمق منه بها. فهي ذاك العلم الذي ضم العلوم كافة بمعناها الشامل وهو “الطبيعة”. إنه علم يحاول كشف قوانين الطبيعة ولذلك شمل كل العلوم؛ فكتب على سبيل المثال، أرسطو كتابه “الفيزياء” و”الميتافيزيقيا” (ما وراء الفيزياء).
الفيزياء، بمعناها الواسع أي الأرسطي، علم يقوم في أساسه على “المشاهدة”، عند توفر شروطها. فالإنسان موجود في النظام الطبيعي، الفيزيائي، ويشاهد كل مجرياته، ويتفاعل معه عن طريق حواسه التي تنقل إليه ما يمكن نقله من هذه المشاهدات ضمن حدود الحواس ذاتها.
إلا أن هذه الحواس (الحواس الخمس) لا تعمل عملاً مستقلًا. مهمتها الأساسية هي إيصال كل ما تحسه (تتلقاه) في العالم الخارجي، أو الداخلي (أي داخل الجسد البيولوجي الموجودة فيه) إلى الدماغ. أي هناك نظامٌ يربط كلَ هذه الحواس ومعطياتها بمركز واحد، هو الدماغ. يتلقى الدماغ، إذا ما أُخذ على أنه عضو بيولوجي يتحكم في الجسم البيولوجي كُله الذي يحويه، هذه المعطيات التي وصلته عن طريق الحواس (المشاهدة: بالمعنى الواسع لهذا المصطلح، فهو لا يتوقف عند فعل المشاهدة البصرية، بل يتخطاه ليصل إلى معطيات الحواس جميعها) ليصنع منها مخزونه. فالدماغ، كما هو مُثبت علمياً، يبدأ في تخزين المعلومات التي يتلقاها منذ شبه اكتماله في جسد الجنين وهو في رحم أمه، وبعد ولادة الطفل يستكمل الدماغ عملية التخزين، إلا إذا أُصيب بخلل ما في حياته البيولوجية. أي يُمكن تشبيه الدماغ وكأنه مستودع تُخزن فيه كل المعلومات التي تأتيه من المصادر الخمس (الحواس الخمس).
الميزة الأخرى للدماغ بوصفه مستودعاً للمشاهدات، هي أنه لا ينسى أي مشاهدة مخزنة به. لكنْ، لماذا ننسى أشياء كثيرة إذاً؟ وفقاً لعلم الأعصاب الحديث، تعود هذه الظاهرة إلى أن المشاهدة أو “المعلومة” التي يتلقاها الدماغ من الحواس، قد خُزنت في مكان ما فيه، ويصعب استعادتها عند طلبها لاحقاً.
بينما العقل، وهو التعبير التجريدي عن الدماغ، فمهمته جمع كل معطيات الدماغ، أي كل ما هو مُخزن فيه من مشاهدات، وتحليلها وإيجاد العلاقات فيما بينها وتحويلها إلى نسق معرفي، لتخلق نظاماً معرفياً يمكِّن من قراءة الواقع وإيجاد القوانين الحاكمة للطبيعة ولموقع الإنسان فيها. أي أن العقل يؤسس لكل الأفكار التي يحملها الإنسان اعتماداً على مشاهدات الدماغ.
من هنا أتت صرخة أرخميدس “وجدتها”. فعقله، بتراكمية مشاهداته وتكوِّن معرفته، توصل إلى حل أحد ألغاز الطبيعة. أو بعبارة أخرى، توصل إلى وضع القانون العلمي الذي يفسر تلك الظاهرة الطبيعية. “وجدتها” تعني أن أرخميدس علمياً، اكتشف القانون الفيزيائي الذي تخضع له الظاهرة، والتي طلب منه الملك التحقق من صدقيتها. فما هي هذه الظاهرة؟
أعطى الملك أحد الصاغة كمية من الذهب ليصنع منها تمثالاً للملك. عاد الصائغ بعد انجاز العمل، وسلم الملك التمثال الذي طلبه. شك الملك في صدقية الصائغ، فطلب من أرخميدس التحقق من كمية الذهب في التمثال ما إذا كانت مطابقة لكمية الذهب التي أخذها الصائغ.
احتار أرخميدس في إيجاد طريقة علمية لحل هذه المعضلة. وفي إحدى الأيام أراد الاستحمام، فملاء مغطسه بالماء وجلس فيه. لاحظ أن كمية من الماء تدفقت من المغطس عند جلوسه فيه. فقفز منه يجري باتجاه الملك ويصرخ “وجدتها”، فقد اكتشف قانون “الطفو”، الذي باستعماله يُمكن التحقق من كمية الذهب المستخدمة في التمثال دون إذابته!
يوجد أكثر من صيغة لهذه الرواية، لقدمها، لكنْ جميعها في الجوهر واحد، تختلف في بعض التفاصيل الأدبية. فندخل مع “وجدتها” إلى عالم الفيزياء لنصل منه ومن داخله إلى: نيوتن وأينشتاين وبور وكلِّ مبدع في هذا الحقل منذ أرخميدس وصولاً إلى اليوم. كما ندخل مع الفيزياء، بفهمها علمَ الطبيعة، ومن داخلها إلى: علم الأحياء والأعصاب والدماغ والكيمياء…
منذ “وجدتها”، بمعنى اكتشاف قانون يحكم ظاهرة طبيعية، ونحن نعمل يومياً على كشف مزيدٍ من “وجدتها”. فعلى سبيل المثال يمكن أن نتخيل أينشتاين يصرخ “وجدتها” عندما توصل إلى معادلته الشهيرة التي جمعت بين المادة والطاقة وسرعة الضوء. معادلة ألغت انفصال العلاقة بين المادة والطاقة وجعلت منهما أمراً واحداً، أي صيغة واحدة. فالمادة إحدى صيغ الطاقة والعكس صحيح.
معرفة أضافها أينشتاين، مبنية على مشاهدة لظواهر طبيعية، أسقطت مفاهيم كثيرة، ومنها مثلاً مفهوم الرُوح! أليست الرُوح في التخيلات البشرية هي “هالة” أو “طاقة” أو “لا مادة” أو… وكلُ هذه الصيغ بالمعادلة الأينشتاينية صيغة أخرى للمادة، لأن ما في الكون يحمل إحدى الصيغتين: مادة أو طاقة، وكلتاهما واحد، ولا وجود لصيغة ثالثة!
أي منذ “وجدتها” وصولاً إلى اليوم، كل ما نعرفه ونراكمه من معرفة حول الفيزياء، بمعنى الطبيعة بالمفهوم الأرسطي، لا نراكمه فقط للمراكمة أو لرفع مستويات المعرفة، كونها معرفة محضة لا علاقة لها بحياتنا اليومية، وضمناً ما نحمله من أفكار صنعناها بصيغة الميتافيزيقيا، أيضاً بالمعنى الأرسطي. فحتى هذه الميتافيزيقيا التي صنعناها ما هي إلا محاولة منا لإخراج الطبيعة من واقعها المادي، لنصل بها إلى عالم اللا مادة. لكنْ كل هذه المحاولات، أي ما يعرف بالتجريد وصولاً إلى حد المطلق، تعاود الهبوط في عالم المادة، لأنها في “الأصل”، بالمعنى الطاليسي، هي مادية.
عندما صرخ أرخميدس “وجدتها”، فما وجده هو فعلاً القانون الطبيعي الناظم لهذه الظاهرة، وكذلك فعل بعده نيوتن، ومن بعده أينشتاين وبعده بقليل بور و… لكنّ العمل لإيجاد القانون الطبيعي لم يكن لإيجاده فقط، بل للإجابة عن سؤال طرحه الإنسان، منذ زمن طويل، وهو مفهوم “الحقيقة”؛ بمعنى كشف الغش في حالة أرخميدس، وكشف حقيقة الضوء عند أينشتاين وكشف حقيقة الواقع عند بور و…
انتفاء كشف “الحقيقة” يعني انتفاء صرخة “وجدتها”. وهذا ما يُعمل عليه حالياً، وإلا ما كان لنا أن نشهد كل هذا الكم من الجرائم المرتكبة بحق الإنسان والطبيعة. جرائم تُستخدم فيها الفيزياء بعد أن أُقصيت عن صرخة “وجدتها”. فأصبحت الصرخة فقط هي المسموعة والمطبقة، فطغت على الحقيقة التي من أجلها صرخ أرخميدس، وغيره من علماء الفيزياء، “وجدتها”.
الحقيقة هي الفلسفة. فالسؤال عن “الغش” يقع ضمن الأخلاق، والأخلاق شأن فلسفي. والسؤال عن الرُوح، بمعنى المادة والطاقة، هو فلسفي. وماهية الواقع مع بور سؤال فلسفي… وهي أسئلة تتخطى البُعد الديني، لتصل إلى أبعد من آفاق الميتافيزيقيا؛ لأنها في “الأصل” هي مادة، بصيغتها الأرسطية وما لحقها من تطورات منذ حينها ولغاية اليوم.
لقد أصبح عقل اليوم مُتخماً بالمعرفة والمشاهدات فانقسم إلى قسمين:
- الأول دماغ بلا عقل تعلو فيه صرخة “وجدتها” إلى حد هروب الفلسفة منها، وهو الدماغ الحاكم حالياً وما أكثر الأمثلة عليه من فلسطين وصولاً إلى أدغال أفريقيا وغرينلاند وكندا… وهو الأقوى!
- وعقل، يتضمن الدماغ ويضبط مشاهداته، فيه صرخة “وجدتها” ما تزال تحمل الأبعاد الفلسفية التي حملها أرخميدس ونيوتن وأينشتاين وبور… مع إضافة كل المشاهدات والمعرفة في المجالات المتراكمة كافة منذ يومها حتى الآن، وهو الأضعف!
أليست المعرفة قوة، كما يقول بيكون؟ بالتأكيد قوة، لكنْ يجب التمييز بين من يحكم ويتحكم بالمعرفة: العقل أم الدماغ. المعرفة قوة عندما تعود الفلسفة إلى صرخة “وجدتها” فيتسيد العقل وتنعم البشرية بالسلام، والمعرفة دمار للبشرية عندما تغادرها الفلسفة ويحكمها ويتحكم بها الدماغ!