لغز ابن اسحاق:سيرة كاتب السيرة النبوية

كيف كُتبت السيرةُ النبوية؟ وكيف وصلت إلينا؟ وما هى مصادرها، ومن دونها، وكيف كتبها، وما مدى صحتها والإطمئنان إليها؟ أسئلة تثور فى ذهن كل باحث قرأ سيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم وشاهد ولامس الفرق الشاسع الكبير بين صورته القرآنية العقلية الوجدانية، وبين صورته صلى الله عليه وسلم فى تلك الكتب.

صورة أدعى الدواعش أنهم يجسدونها، والسلفية المعاصرة أنهم يمتثلونها،والإخوانية الخائنة أنهم يتبعونعها، والجامدون الحذاق أنهم أنصارها، صورة فرضت علينا أن نسأل مرة أخرى من أين جاءت هذه الكتب وكيف كتبت؟

من أقدم كتب السيرة النبوية وأشهرها كتاب”سيرة ابن هشام” فكل أو أغلب من كتب فى السيرة بعد ذلك إما كتب شارحاً، أوموضحاً، أوملخصاً، أو معتمد على سيرة ابن هشام أو عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميرى ذلك الفقيه المصرى الذى ولد بالبصرة ثم هاجر لمصر وتوفى بها سنة 218 أو 213 هجرية حسب اختلافات الروايات، وسيرة ابن هشام هى تهذيب لسيرة ابن اسحاق، ورواية لها عن طريق شيخه البكائى.

إذن الأصل هى سيرة ابن اسحاق الذى أخذها عنه تلميذه البكائى ومن البكائى أخذها تلميذه ابن هشام ومن خلال ابن هشام عرفنا واحداً من اشهر وأقدم من كتب فى سيرة النبى  إنه ابن اسحاق. فمن هو ذلك الرجل؟ وكيف كتب السيرة النبوية؟ وهل توجد نسخة من كتابه الذى كتبه فى سيرة الرسول؟ ثم من هو البكائى تلميذ ابن اسحاق  والذى روى سيرته ونقلها؟ كل ذلك مهم لنعرف ماذا كتب ابن هشام وماذا روى؟

وحينما نروم معرفة من هو ابن اسحاق؟ ورسم صورة له من مصادر أهل العلم والرواة السابقين، نجده بين فريقين كلاهما أسرف فى حقه ذماً ومدحاً؛ حتى انك تحتار أى الرجلين هو ابن اسحاق رحمه الله، وهنا ظهر فريق ثالث حاول استخلاص صورة توسط  فيها بين الفريقين السابقين.

فإذا ما نظرت للرجل من خلال الإمام مالك بن أنس، وهشام بن عروة بن الزبير بن العوام، وكلاهما كان يساكن الرجل فى المدينة قبل أن يخرج منها ستجدهما لا يدخران وسعاً فى إخراجه من حظيرة المحدثين الذين هم أهل صدق وثقة.

فمالك كان شديد القول فيه حتى قال عنه: إنه دجال من الدجاجلة، وكان يقول أيضاً: محمد بن إسحاق كذاب، وبمثل ذلك كان يقول هشام بن عروة بن الزبير فاتهمه بالكذب في دعواه السماع من زوجته فاطمة بنت المنذر، وكذا كذبه سليمان التيمي، ويحيى بن سعيد القطان شيخ الإمام أحمد بن حنبل وشيخ البخارى، ووهيب بن خالدٍ، وضعفه ابن معين – في رواية – وقال – في رواية أخرى -: ضعيف في الزهري.

وقال عنه النسائي : ليس بالقوي. وقال أحمد – في رواية -: ليس بحجة. وقال حماد بن سلمة : لولا الاضطرار ما حدثنا عنه. وقال أبو حاتم : ليس عندي في الحديث بالقوي، ضعيف الحديث، وقال الدارقطني: لا يحتج به، وإنما يعتبر به.

اتهم ابن إسحاق أيضًا بإنه مدلس شديد التدليس، حتى  قال فيه الامام أحمد: هو كثير التدليس جداً، وقال ابن حبان: وإنما أتى ما أتى لأنه كان يدلس على الضعفاء، فوقع المناكير في روايته من قبل أولئك، فأما إذا بيَّن السماع فيما يرويه فهو ثبت يحتج بروايته واتهم ببدع كثيرة- كالقول بالقدر والتشيع- وَالنَّقْل عَن غير الثّقات، وصنع الشّعْر وَوَضعه فِي كِتَابه، وَالْخَطَأ فِي الْأَنْسَاب.

ومعنى القول بالقدر أى أنه كان من فرقة القدرية، والقدرية فرقتان فريق يرى أن الله تعالى لم يقدر الأمر على العباد ازلاً وانما الله أمر العباد ونهاهم وهو لا يعلم من يطيعه ومن يعصيه ولا من يدخل الجنة ومن يدخل النار حتى فعلوا ذلك فعلمه، فالامر ُانف أى مستأنف من غير أن يكون تقدم بذلك علم الله أو كتاب منه -أى أن الله لا يعلم- أما الفرقة الثانية فهى تقر بعلم الله لما يقع قبل حدوثه ووقوعه لكنهم خالفوا السلف فى أن افعال العباد مقدورة لهم وواقعة منهم من جهة الاستقلال، ومن ثم فالعباد مجبورون على أفعالهم.

ابن النديم فى فهرسه جمع كل ذلك وأضاف أنه كان يغازل النساء، وقد اشتهر عنه ذلك حتى رفع أمره لوالى المدينة فضربه وحلق له شعر رأسه، ونهاه عن الجلوس في مؤخر المسجد، والرجل كان يُعمل له الاشعار ويؤتى بها ويسئل أن يدخلها في كتابه في السيرة فيفعل فضمن كتابه من الاشعار ما صار به فضيحة عند رواة الشعر، وأخطأ في النسب الذي أورده في كتابه، وكان يأخذ عن اليهود والنصارى،ويسميهم في كتبه أهل العلم الأول.

هذا ما قاله ابن النديم فى ابن اسحاق، لكن ابن حجر لم يبقى فى ابن النديم شيئًا إلا هدمه فقال: ابن النديم صاحب الفهرست مفتر يأتى بالعجائب. ولما طالعت كتابه “أى الفهرست” ظهر لي أنه رافضي معتزلي.هذه أقوال أهل العلم فى واحد من أوائل وأهم من كتب فى السيرة النبوية، فهو عندهم كذاب، وضعيف، ودجال.

فهل أتهم أحد الإمام مالك ومن معه ممن نقدوا ابن اسحاق بأنهم كانوا يريد هدم الدين، والتشكيك فى سيرة الرسول، والطعن فى أهل العلم وصولًا للطعن فى الدين. هل رفع أحد عليهم قضية ازدراء أديان أوطالب أحد بمنع تدول كتبهم وأقوالهم لأنها تشكك الناس فى مصادر الدين وتهين العلماء إلى آخر هذه القائمة المملة التى نسمعها اليوم، إنه العجب العجاب ممن يريدوا اليوم تقديس ما ليس بمقدس بدعاوى تضحك منها كتب السابقين وتسخر منها ثقافة القرن الحادى والعشرين.

أما الفريق الثانى الذى وثق ابن اسحاق رحمه الله ومدحه فجماعة من الأئمة، منهم الزهري، وشعبة، وابن المديني وغيرهم. ووثقه أيضًا العجلي، وابن حبان وغيرهم، وقال عنه الزهري: لا يزال بالمدينة علم جم ما كان فيهم ابن إسحاق وهو قول ينسب لسفيان بن عيينة أيضًا، وكان شعبة، يقول فيه: محمد بن إسحاق أمير المحدثين. فقيل له: لم؟ فقال: لحفظه. وقال عنه على بن المديني شيخ البخارى: مدار حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ستة، فذكرهم. ثم قَالَ: فصار علم الستة عند اثني عشر أحدهم ابن إسحاق!

وقال عنه الشافعي: كل من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق. وقال أبو زرعة الدمشقي: وابن إسحاق رجل قد أجمع الكبراء من أهل العلم على الأخذ عنه، وقد اختبره أهل الحديث فرأوا صدقاً وخيراً . شيئ عجيب من رجل متهم بالكذب ودجال من الدجاجلة ومغازل النساء وواضع  للإشعار، لرجل عليه مدار حديث رسول الله، فهو أمير المحدثين هل يُعقل هذا؟

لذا حاول فريق ثالث فى ظل هذا التناقض والمبالغة ذماً ومدحاً فى ابن اسحاق، دراسة تلك الأقوال كلها ومحاولة سبرها والترجيح بينها، فلم يبرأ الرجل عندهم من أشياء كثيرة، وخرج من بين كونه أمير المحدثين وكذاب صورة أخرى ثبتت بالقطع عندهم أنه مدلس، ومن ثم لا يقبل منه الحديث إلا إذا صرح بالسماع، ولم يعنعن. قال ابن حجر: ابن اسحاق إمام المغازي، صدوق يدلس ، رمي بالتشيع والقدر.

وقال الذهبى: والذي تقرر عليه العمل أن ابن إسحاق إليه المرجع في المغازي والأيام النبوية، مع أنه يشذ بأشياء، وأنه ليس بحجة في الحلال والحرام، نعم، ولا بالواهي، بل يستشهد به. وأما في أحاديث الأحكام فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن، إلا فيما شذ فيها فإنه يعد منكراً. وهذا شيئ غريب من الذهبي رحمه الله، فكيف يكون ابن اسحاق مرجعًا فى المغازى بعد كل هذه الأوصاف التى ثبتت عنده عن الرجل!

لذا يمكن القول مما سبق إن المعتمد عليه فى نقل السيرة النبوية، ومن عليه مدارها رجل مختلف فيه بين أهل العلم اختلافًا كبيرًا، والقاعدة المستقرة بين أهل العلم أنه إذا تعارض القول فى رجل بالجرح، والتعديل، قدم الجرح لأن الجارح اطلع على مالم يطلع عليه المعدل، وأن كل من حاول تحقيق الأقوال وتمحيصها لم يبرأه من تهمة التدليس، وأنه يشذ بأشياء، وأنه مبتدع، وأنه لا يؤخذ بقوله فى الحلال والحرام.

فهل يصح بعد هذا دعوى أن السيرة النبوية يمكن أن تكون مصدرًا أو مرجعًا للأحكام والإستشهاد؟ وهل يمكن أن نترك صورة النبي وهى أعظم وأجل لمثل هذه المراجع؟

المفاجأة أنه بعد كل هذا الخلاف والكلام والجدل حول ابن اسحاق  رحمه الله وسيرته تقول لنا المصادر كلها بلا خلاف أن  كتابه هذا فُقد اساساً ضمن كتب التراث التى فقدت فهو غير موجود اصلاً !!

لكن أهل االعلم قالوا إن تلميذه الذى البكائى رحمه الله حفظ النص! ورواه لنا أو حفظ مضمون هذه السيرة ثم رواها لنا حسب حفظه وفهمه ورأيه، حتى يمكن وصف سيرة ابن هشام فى هذه الحالة أنها سيرة البكائى، مما يحتم علينا مواصلة رحلة تتبع كيفية وصول السية النبوية إلينا عن طريق معرفة من هو البكائى الذى حمل هذه السيرة؟

هو أَبُو مُحَمَّدٍ زِيَادُ بْنُ عبد الله بن الطفيل البكائي العامري الْكُوفِيُّ، المتوفى سنة 181 أو 190 هجرية، وهو اتقن من روى السيرة النبوية عن ابن اسحاق وحينما نتفقد أقوال أهل العلم فيه مدحاً وذماً او جرحاً وتعديلاً حسبما اصطلح عليه بين أهل الحديث سنجد الآتى:

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنِ ابن المديني: لا أروي عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ شَيْئًا.وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ: سَأَلْتُ ابْنَ مَعِينٍ عَنِ الْبَكَّائِيِّ، فَضَعَّفَهُ.

وَعَنْ وَكِيعٍ قَالَ: هُوَ أَشْرَفُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ، وَهَذه وَهِمَ فيها الترمذي، فَقَالَ: عَنِ الْبُخَارِيِّ، قَالَ وَكِيعٌ: زِيَادٌ عَلَى شَرَفِهِ يَكْذِبُ.

وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لا يُحْتَجُّ بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: كَثِيرُ الْمَنَاكِيرِ . وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: فَاحِشُ الْخَطَأِ، كَثِيرُ الْوَهْمِ، لا يَجُوزُ الاحتجاج بمفرده، يعتبر به. ومعنى قولهم فلان يعتبر به أى : أنه هو فى ذاته ضعيف لكن ليس شديد الضعف لدرجة ان يترك حديثه تماماً بل يصلح حديثه للشواهد والمتابعات ومعنى الشواهد هو أن يروى الحديث بنفس اللفظ أو معناه عن طريق صحابي آخر. ومعنى المتابعات: هو ان يروى الحديث تابعى أو غير تابعى فيأتى تابعى أخر أو غيره يرويه كلاهما عن شيخ واحد. وَقَالَ صَالِحُ جَزْرَةَ: هُوَ فِي نَفْسِهِ ضَعِيفٌ، لَكِنَّهُ مِنْ أَثْبَتِ النَّاسِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، يَعْنِي “الْمَغَازِي”، وَذَاكَ أَنَّهُ بَاعَ دَارَهُ، وَخَرَجَ يَدُورُ مَعَ ابْنِ إِسْحَاقَ!

وحكم عليه ابن سعد فى كتابه الطبقات الكبرى بالضعف. وقال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ.: سألت أَبِي عَنْ زِيَاد البكائي فضعفه. وفى رواية وقد كتبت عنه شيئاً كثيراً وتركته. وقال عنه السمعانى المروزى: كان فاحش الخطأ كثير الوهم لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد، وأما فيما وافق الثقات في الروايات فان اعتبر بها معتبر فلا ضير، وكان وكيع يقول: هو أشرف من أن يكذب.

وكان يحيى بن معين يسيء الرأى فيه، وقدم بغداد وحدث بها بالمغازى عن محمد بن إسحاق وبالفرائض عن محمد بن سالم، ثم رجع الى الكوفة فمات بها سنة ثلاث وثمانين ومائة في خلافة هارون، وكان عندهم ضعيفا  قَالَ أَحْمَدُ بن حنبل : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: ثِقَةٌ فِي ابْنِ إِسْحَاقَ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَلا.

والخلاصة فى الحكم على البكائى رحمه الله أنه كان كان رديء الحفظ لذا فهو يضعَّفُ من قبل حفظه وكان كثير الخطأ، وبعضهم يُضعِّفُهُ مطلقًا. والصواب كما قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.وهو يعني بهذه العبارة: يكتب حديثه في المتابعات والشواهد ولا يُحتج به إذا انفرد.

هذه هى آراء العلماء فى البكائى الراوى الأشهر لسيرة ابن اسحاق يا سيدى  فلماذا لم يرفع أحد عليهم قضية إزدراء أديان بحجة أنهم يريدون الطعن فى السيرة النبوية والتشكيك فيها من خلال التشكيك والتشويه للبكائى راوى السيرة الأشهر فى تاريخنا؟

تمتع أسلافنا بحرية النقد والانتقاد والقول والاستدراك والتخطئة والتصويب والتعديل على من سبقوهم فهل كانوا أجرأ وأقدر على القول منا، أم كان زمانهم أكثر وعيًا وأشد حرية؛ لذا ابدعوا نظريات، ووضعوا قواعد، وأسسوا علومًا؟!

لم يكن لديهم قداسة ولا تقديس لأحد، لم يقزموا أنفسهم، أويعملقوا السابقين، لقد أحترموهم دون إنبهار مغيب للعقل النقدى، حتى جاءت عصور الإنحطاط والتخلف التى بدأت حين حضر التقديس.

ومازال لحديثنا بقية فانتظر.

 

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete